قوة القيامة وتأثيرها

قيامة السيد المسيح من الأموات، كانت الحدث الأكبر، الذي هز كيان اليهود، فحاولوا أن يقاوموه بكافة الطرق، حتى أنهم قالوا عن القيامة إن هذه الضلالة الأخيرة، ستكون أقوى من الضلالة الأولى، التي هي كرازة المسيح.
فماذا كانت قوة القيامة، وماذا كان مفعولها؟
قوة القيامة وتأثيرها
لقد بشر المسيح بقيامته، قبل أن يصلب…
قال لتلاميذه إنه سيصلب وسيقوم. فإن ضعفوا ساعة صلبه، سينتعش إيمانهم وقت قيامته.
سيرون في قيامته قوته، كما يرون فيها صدقه.
والقيامة ستثبت الإيمان به، وبخاصة لأنه قام وحده، بدون قوة خارجية تقيمه… لذلك كان زعماء اليهود يخشون هذه القيامة، ويريدون تعطيلها بكافة الطرق، حتى لا تثبت طريق المسيح، الذي حاربوه، وما يزالون يحاربونه…
ذهبوا إلى بيلاطس وطلبوا منه أن يختم القبر، ويحرسه الحراس، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ويدعوا أنه قام!!
وإذا بالإجراءات التي اتخذت ضد القيامة، أصبحت دليلًا عليها، وشاهدا لها وأثباتًا.
وجود الختم على القبر، ووجود الحراس، مع وجود القبر الفارغ، كلها كانت إثباتات لقيامة المسيح، لخروجه من القبر وهو مغلق، كما خرج من بطن العذراء وبتوليتها مختومة، وكما دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة.
ولقد جال التلاميذ في كل مكان يبشرون بقيامة المسيح…
كانت قيامته دليلاً على أنه أقوى من الموت، وبالتالي فهو أيضاً أقوى من كل قوة البشر التي تقتل وتميت…
كان أقوى من ظلم الأشرار، ومن كل مؤامراتهم وسلطتهم. عملوا كل ما يستطيعونه، حتى حكموا عليه، وسمروه على الصليب، وتحدوه مستهزئين به، وظنوا أنهم قد انتصروا، وبخاصة لأن المسيح ظل طول فترة محاكمته وتحدياتهم صامتًا..” كشاة تساق إلى الذبح، كنعجة صامتة أمام جازيها”.
ولكن القيامة دلت على أن صمت المسيح لم يكن ضعفًا…
فقوة القيامة أقوى رد على من يتهمون المسيح بالضعف، أو من يظنون صلب المسيح دليلًا على عجزه!!
بالقيامة، ثبت أن صمت المسيح، كانت له أهدافه السامية.
لقد صمت، لأنه كان يريد أن يبذل نفسه عنا. لو أنه تكلم لأفحم سامعيه وأقنعهم. ولو أنه دافع عن نفسه، لكان سيكسب القضية بلا شك. وكم من مرة رد على رؤساء اليهود وشيوخهم وكهنتهم، فلم يجدوا جوابًا. بل أنهم شاهدوا قوة كلامه وهو بعد صبي في الثانية عشرة من عمره. والشعب الذي سمعه، شهد أنه كان يتكلم بسلطان.
إن صمت المسيح في محاكمته، دليل على أنه مات بإرادته.
ولقد قال عن نفسه، أنه يضعها من ذاته، لا يستطيع أحد أن يأخذها منه. له سلطان أن يضعها، وسلطان أن يأخذها ولقد قدمها ساعة الصلب، وأخذها ساعة القيامة.
لقد أسلم المسيح روحه حباً وبذلاً، وليس ضعفاً وعجزاً.
وكما قام في قوة، لا ننسى أنه مات في قوة…
لقد صرخ بصوت عظيم عندما أسلم الروح، بينما كان الجسد في عمق الإنهاك، وقد تصفى ماؤه ودمه، وأرهقه الجلد والمشي والضرب والنزيف، والتعليق على الصليب…
وهو قد مات بالجسد، ولكنه بلاهوته كان حياً لا يموت…
استطاع في موته أن يبشر الراقدين في الجحيم على رجاء، وأستطاع أيضاً أن يفتح الفردوس المغلق، ويدخل فيه اللص مع آدم وبنيه من قديسي العهد القديم.
وأستطاع أيضاً أن يقوم، وتسخر قيامته من الحراس ومن الأختام، ومن الحجر الكبير الموضوع على القبر .
لم يحدث أن أحداً – غير المسيح – هزم الموت بسلطانه وحده، وقام بإرادته، وخرج من قبر مغلق، عليه حجر ضخم ويحرسه جنود مسلحون…
أما الرشوة التي دفعها رؤساء الكهنة للجنود، ليقولوا إن تلاميذه سرقوه، وهم نيام، فأنها كانت حيلة أضعف من أن تقف أمام قوة القيامة، وقوة الكرازة بها…
من أين عرفوا وهم نيام، أن التلاميذ أتوا وسرقوه؟!
ثم كيف يستطيع أن يسرقه التلاميذ، وعلى القبر حجر عظيم، ودحرجة هذا الحجر لابد أن توقظ الجنود إن كانوا نيامًا. بل أن عملية دخول قبر، وأخراج جثة منه ونقلها خارجاً، لابد أن توقظ الحراس…
وما مصلحة التلاميذ في سرقة جسده الميت؟ وما مصلحتهم في أن يدعوا قيامة يموتون من أجل التبشير بها، وهم لا يؤمنون بها…
أنها حيلة فكر ضعيف شرير. لم تجد قبولاً من أحد، ودلت على فساد هؤلاء الكهنة في كذبهم، وادعائهم، ودفعهم للرشوة، وتضليلهم للناس، وتمسكهم بالذات…
وكما دلت قصة القيامة على فساد كهنة اليهود، كذلك دلت على بر المسيح، وعلى بطلان التهم التي وجهوها اليه، وصمت ولم يدافع عنها…
لأنه لو كان مداناً، ما كان ممكنًا أن يقوم…
معجزة القيامة لا تدل فقط على بره، بل بالأكثر على لاهوته، لأنها أمر فوق طاقة البشر جميعاً.
لذلك خاف اليهود: لأن القيامة أن دلت على بر المسيح، فأنها تدل من ناحية أخرى على ظلمهم. لذلك طلبوا من التلاميذ أن يوقفوا كرازتهم، “لئلا يجلبوا عليهم دم ذلك الإنسان!!”.
قيامة المسيح كانت ترهبهم، أذ كان وجوده يتعبهم ويكشفهم، وقد فرحوا حينما ظنوا أنهم قد تخلصوا منه وقتلوه…
عبارة (المسيح الحي)، عبارة تتعب الخطاة، وإن كانت تفرح الأبرار… كثيرون مثل كهنة اليهود، يريدون أن يتخلصوا من المسيح، لأن وجوده يبكتهم. وبوجوده، يزول وجودهم الخاطئ…
القيامة كانت محزنة لكهنة اليهود، ومفرحة جداً للتلاميذ…
هو قال لهم “أراكم فتفرح قلوبكم” ونحن نعيد بأفراح القيامة، التي تشعرنا بأن المسيح حي معنا، وإنه لا يمكن أن يحويه قبر، هذا الذي يحويه قبر، هذا الذي يحوي الكل في قلبه…
لقد فرح التلاميذ بقيامة الرب، فرحوا أذ رأوه. وكانت قيامته نقطة تحول في تاريخ حياتهم، وفي تاريخ المسيحية.
بالقيامة، تحول خوف التلاميذ إلى جرأة وشجاعة، وعدم مبالاة بكل القوى التي تحارب كلمة الله… وهكذا أستطاع بطرس بعد القيامة أن يقول “ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس “.
لم يعد التلاميذ يخافون شيئاً في روح القيامة…
أقصى ما يستطيعه أعداؤهم أن يهددوهم بالموت. وما قيمة التهديد بالموت، لمن يؤمن بالقيامة، وقد رآها؟!
بهذا آمنت المسيحية أن الموت هو مجرد انتقال، وأنه ربح، وأنه أفضل جداً. ولم يخشاه أحد…
وبالقيامة، شعر التلاميذ أنهم في ظل إله قوى…
الذي يؤمنون به “بيده مفاتيح الهاوية والموت”. فيه الحياة، بل هو القيامة والحياة… من آمن به، ولو مات فسيحيا… وهو مصد الحياة، ليس على الأرض فقط، وإنما الحياة الأبدية أيضًا…
والقيامة أعطت المسيحيين رجاء في العالم الآخر، فركزوا فيه كل رغباتهم، وزهدوا هذا العالم…
إن كل ما نشرته المسيحية من حياة النسك، والزهد، وحياة الرهبنة، والموت عن العالم، كل هذا مبني على الإيمان بالقيامة، والتعلق بالعالم الآخر الذي تصغر أمامه كل رغبة أرضية. وهكذا تردد الكنيسة على أسماعنا في كل قداس قول الرسول “لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التي في العالم، لأن العالم يبيد، وشهوته معه”…
القيامة منحت الكرازة المسيحية ثقة وأيمانًا…
ثقة بالمسيح القائم من الأموات، الذي عاش معه التلاميذ أربعين يوماً بعد قيامته “يريهم نفسه حيًا ببراهين كثيرة”، “ويكلمهم عن الأمور المختصة بملكوت الله” ( إشعياء 1 : 3 ). حتى أن يوحنا الرسول، حينما تكلم عنه “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا” ( يوحنا الأولى 1 : 1 ).
وأذ وثقوا بالمسيح القائم من الأموات، آمنوا أيضًا بكل وعوده، وبكل ما أخبرهم به، وآمنوا أنه سيأتي أيضاً، وفرحوا بمجيئه الثاني، ليأخذ الكنيسة إليه…
وهكذا وثقوا وفرحوا بقول السيد المسيح “أنا ماض لأعد لكم مكانًا، وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا وأخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”…
بهذا أعطتنا القيامة رجاءًا في العشرة الدائمة مع المسيح.
فرحة القيامة ليست هي مجرد أن نقوم، وإنما بالحري أن نقوم مع المسيح، لنحيا معه، حيث يكون هنا…
وهكذا صارت القيامة وسيلة. وليست غاية في ذاتها:
وسيلة للحياة مع الرب، والتمتع به، في فرح دائم، لا ينطق به ومجيد، مع مصاف ملائكته وقديسيه.
أصبحت القيامة شهوة الكل، وإيمان الكل، كطريق يوصل إلى الأبدية مع الله، التي هي هدف حياتنا على الأرض…
ومما زاد القيامة قوة، الجسد الروحاني النوراني الذي سنقوم به،
“على شبه جسد مجده” فهذا يعطينا فكرة عن جمال الحياة الأخرى وروحانيتها، وبهجة الإنطلاق من المادة وكل قيودها، مع كل قدرات الروح ومواهبها…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخامس عشر) 15-4-1977م




