فترة التصاق بالله

فترة الصوم هي فترة التوبة ونقاوة القلب والالتصاق بالله… وهي فترة لتجارب يشنها الشيطان علينا بحسده، ولكن وسط هذه التجارب، يقودنا الله في موكب نصرته…
إنها فترة جهاد. يجاهد فيها الشيطان لإسقاطنا، ونجاهد نحن لنلتصق بالرب بالأكثر.
فترة التصاق بالله
لا تأخذوا من الشيطان موقف الدفاع باستمرار، إنما حطموه في الصوم بحياتكم الروحية القوية: بصلواتكم وقراءاتكم وتأملاتكم ونقاوة قلوبكم.
إن فترة الصوم ليست فترة عادية، إنما هي تركيز عميق في كل نواحي الحياة الروحية وكل وسائط النعمة.
هي فترة تفرغ للرب، فترة تخزين روحي، فترة جهاد وانتصار. تنتصر فيها على جسدك، تخضعه وتستعبده.
ضع لك فيها برنامجًا روحيًا حازمًا.. للالتصاق بالله
تداريب لهذه الفترة: –
1-لا تقتصر على صلوات الأجبية:
بل لتكن لك صلواتك الخاصة، وخلجات نفسك أمام الله.
2- تدرب على الصلاة في الطريق، ماشيًا أو في المواصلات:
إما بمزمور، أو بصلاة ارتجالية، أو بعبارات قصيرة تلهج بها قائلًا: ارحمني يا رب كعظيم رحمتك. اغفر لي يا رب خطاياي. نجني يا لرب من ضعفاتي. أعطني يا رب قوة. بارك يا رب هذه الأربعين المقدسة، اجعلها أيامًا مباركة. املأني يا رب من محبتك، اربط قلبي بك، أعطني نعمة، كرحمتك يا رب ولا كخطاياي. أعطني يا رب نقاوة القلب. إغسلني فأبيض أكثر من الثلج.
وأنت تمشي في الطريق، فليلهج قلبك بالحديث مع الله، انشغل به، وقدس فكرك بالصلاة…
3- تدرب أيضًا على الصلاة وأنت وسط الناس:
الناس من حولك، في جلسة أو في اجتماع، وأنت ساكت، ولكن قلبك يشتغل في عمله الإلهي.
الإنسان الصامت هو مخزن للروحيات، معمل للروح القدس. أما الكثير الكلام فيدل على إنه فارغ من الداخل، فارغ من العمل الإلهي لأنه مشغول بالكلام. أما أنت فكما يقول الشيخ الروحاني “سكت لسانك، لكي يتكلم قلبك”.
ولكن احذر من أن تكون صامتًا وعقلك يطيش في الأباطيل، أو فكرك يدين الناس. لكن اصمت لكي تكلم الله.
4- تدرب أيضًا على الصلاة أثناء العمل:
أجعل عملك ممزوجًا بالصلاة. قل له،” يا رب، كن معي في هذا العمل، أعطني فيه الفكر الصالح. لا تجعل العمل يشغلني، أو يغربني عنك”. وبين الحين والحين، أثناء العمل، ارفع قلبك إلى الله …
5- قاوم إنهاء الصلاة، واجعلها تستمر:
كلما تجد أن صلاتك قد انتهت، قاوم نفسك، وأستمر في الصلاة. تدرب على إطالة فترة وقوفك أمام الله، ولو دقيقة أو دقيقتين.
6- تدرب على التأمل في صلوات المزامير:
خذ المزامير، وقطع الأجبية وتحاليلها وصلواتها مجالًا للتأمل، لكي ما تستطيع أن تصلي بفهم حينما ترددها.
7-تدرب على الصلاة بالروح:
درب نفسك على أن تصلي بفهم، وأن تصلي بعمق، وبحرارة، وبرغبة واشتياق قلب. تدرب على أن تصلي بانسحاق، وباتضاع. وأيضا على الصلاة بلا طياشة، بلا سرحان. حاول أن تصل إلى محبة الصلاة. وقل لنفسك “إن صومي بدون صلاة، لا فائدة منه”.
وإن وجدت أنه ليست لديك رغبة للصلاة، صلّ من أجل الصلاة، لكي ما يعطيك الرب صلاة ورغبة…
قل له: أعطني يا رب كلامًا أكلمك به. أعطني المحبة التي بها أجلس معك. افتح قلبي لكي يصلي. لا تحرمني من التحدث اليك. أشعل روحك فيّ فأصلي. اجعل روحك يتكلم على فمي. علمني الصلاة كما علمت تلاميذك. حرك قلبي، ولتشعلني نعمتك بحرارة الحب الإلهي. أعطني رغبة، أعطني حبًا. أعطني خلوة معك.
8-دربوا أنفسكم على مصارعة الله في الصوم الكبير
جاهد في صلاتك مع الله، حتى تنال طلبتك. أدخل في اختبار الصلاة المنتصرة، التي تصارع وتأخذ…
9- تدرب على الصلاة من أجل كل الناس:
كل الذين طلبوا صلواتك من قبل، ونسيتهم، أذكرهم في الصوم الكبير. صل لأجل الكل، من أجل الكنيسة والدولة، من أجل المشاكل العامة والخاصة، من أجل أسرتك وتلاميذك وأصدقائك، وكل من هم في ضيقة…
تدرب أن تصلي لأجل المسيئين إليك:
صل من أجل الأشخاص الذين تدينهم بفكرك وقلبك ولسانك، الأشخاص الذين اسودت صورتهم في ذهنك، صل من أجل الذين أذلوك وأتعبوك وتكلموا عنك كلامًا رديئًا…
قل له: يا رب، احفظ هؤلاء وخلصهم، أعطني نعمة في أعينهم، واجعل قلبي نقيًا من جهتهم. ابعد عنا الحقد والعداوة والخصومة. أعطنا صفاء القلب من عندك.
10- في الصوم الكبير، تدرب أيضًا على التبكير في الصلاة:
أذكر عبارة “الذين يبكرون إليّ، يجدونني. استيقظ والناس نيام، وانفرد بالله. وليكن أول من تخاطبه في يومك…
11-تدرب أيضًا على استخدام صلوات القديسين:
هناك صلوات مشهورة في الكتاب، صلاها رجال الله في عمق، كصلوات نحميا وعزرا ودانيال، ومنسي، وسليمان وغيرهم … استخدم هذه الصلوات، ورددها، وادخل إلى أعماقها.
12-اقرأ الكتب الروحية التي تشعل قلبك، وتدفعك للصلاة. القراءة في الصوم الكبير، ليست للمعرفة إنما للتوبة.
فاقرأ ما يثير محبة الله فيك، وما يبكتك، وما يحركك للصلاة.
وفي فترة الصوم، ركز جهادك بعنف حول ضعفاتك:
ركز صلواتك حول نقط الضعف التي فيك، طالبًا معونة للتخلص منها. قل له ” أنا معترف يا رب بهذا النقص، ولن أتركك حتى تخلصني منها… لقد جاهدت من أجل خلاصي وفشلت، ولم تبق إلا معونتك …”
ليس الصوم تغييرًا للطعام. وإنما للحياة … فجاهد:
كلما يضغط عليك الجوع، لا تأكل، بل وبخ نفسك.
قل: إن غيري لا يأكل بسبب النسك، أما أنا فلا يجوز لي أن آكل، لأني لا أستحق الطعام، بسبب خطاياي. والأجدر بي أن أتوب، قبل أن أتناول طعامًا…
قل لنفسك: لا بد أن أخرج من فترة الصوم هذه، وقد انتصرت على الخطية الفلانية، وإلا كان صومي عبثًا، وكان مجرد عمل جسداني، لا روح فيه!!
في كل مطانية من مطانياتك، وبخ نفسك على بعض ضعفاتك.
صدقوني أن الشخص الذي يذل نفسه بالمطانيات والتوبيخات قبل الأكل، لا يمكن أن توجد لديه شهوة للطعام. الانسحاق يشبع قلبه روحيًا، فلا تبق لديه رغبة في طعام الجسد…
ضع لنفسك قانونًا: أنك لا تأكل إلا بعد إتمام جميع صلواتك، ولا تأكل إلا وأنت تائب..
وخذ الصوم بجدية وروحانية. ولتكن أيامه مباركة… آمين
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد العاشر) 11-3-1977م




