سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
الكهنوت خدمة مميزة من جهة الرب في رجالها ومسئوليتهم
الكهنوت دعوة، واختيار، ومسحة، ووكالة، وإرسالية، وسلطان.
أهمية وضع اليد، وتسلسله. ووجود رتب الكهنوت الثلاث من عهد الرسل.
هل الكهنوت لجميع الناس؟ وهل كلهم “مُلُوكًا وَكَهَنَةً” بالمعنى الحرفي، كما يفسر البعض آيات معينة في الكتاب الرؤيا 1 : 6 ، بطرس الأولى 2 : 9 ، وكيف تفسر عبارة ملوك وكهنة؟ سنجيب بالنقط التالية:
شهوة تعميم الكهنوت، خطيئة قديمة، شجبها الله.
إن شهوة تعميم الكهنوت، ليكون للكل، خطيئة قديمة، بدأت على أيدي قورح وداثان وأبيرام، الذين اجتمعوا على موسى وهارون، وقالوا لهما: “كَفَاكُمَا! إِنَّ كُل الجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟” العدد 16 : 3 .
وأحدث هؤلاء تذمرًا، وضموا إليهم 250 من الشعب، حملوا مجامر وبخروا!! وكانت النتيجة أن الله حسم الأمر، و”انْشَقَّتِ الأَرْضُ التِي تَحْتَهُمْ. وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلعَتْهُمْ وَبُيُوتَهُمْ وَكُل مَنْ كَانَ لِقُورَحَ… فَنَزَلُوا هُمْ وَكُلُّ مَا كَانَ لهُمْ أَحْيَاءً إِلى الهَاوِيَةِ وَانْطَبَقَتْ عَليْهِمِ الأَرْضُ فَبَادُوا مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ… وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلتِ المِئَتَيْنِ وَالخَمْسِينَ رَجُلًا الذِينَ قَرَّبُوا البَخُورَ” العدد 16 : 31–35 .
وحدث ما يشبه هذا الأمر من شاول الملك، الذي تجرأ وأصعد محرقة صموئيل الأول 13 : 9–14 فنزعه الله من الملك، ورفضه، وفارقه روح الرب “وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ” صموئيل الأول 16 : 14 .
وحدث شبيه هذا مع عزيا الملك، الذي تجرأ ودخل الهيكل ليوقد على مذبح البخور، فضربه الرب بالبرص. أخبار الأيام الثاني 26 : 16–21 .
إن الكهنوت ليس للكل، إنما لمجموعة مختارة من الرب، على الرغم من أن الشعب كله كان مقدسًا، وقال عنه الرب: “وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً” الخروج 19 : 6 .
حقًا إنها كانت كلمة مملكة كهنة، ولكن هذا لا يمنع أن الكهنوت كان منحصرًا في مجموعة مميزة هي هارون وأبناؤه، الذين قال لهم الرب: “عَطِيَّةً أَعْطَيْتُ كَهَنُوتَكُمْ. وَالأَجْنَبِيُّ الذِي يَقْتَرِبُ يُقْتَلُ” العدد 18 : 7 .
وما أجمل قول موسى النبي في ذلك: “… يُعْلِنُ الرَّبُّ مَنْ هُوَ لهُ وَمَنِ المُقَدَّسُ حَتَّى يُقَرِّبَهُ إِليْهِ. فَالذِي يَخْتَارُهُ يُقَرِّبُهُ إِليْهِ” العدد 16 : 5 . إنه اختيار من الرب…
اختار الرب الكهنوت ورجاله:
1- الله اختار كهنوتًا منذ القدم، وذكر إنهم مقدسون لخدمته وكان أول اختياره “الأبكار” فقال: “قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ… إِنَّهُ لِي” الخروج 13 : 2 ، فدعوا “الإكليروس” أي نصيب الرب.
والله الذي عين الكهنوت، واختار رجاله بنفسه، هو إله “لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” يعقوب 1 : 17 ، وكل أعماله “بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ” المزامير 104 : 34 .
2- وظل بنو هارون هم الكهنة – حسب اختيار الرب – طول العهد القديم. أما في العهد الجديد، فإن الكهنوت لم يلغ، وإنما تغير العبرانيين 7 : 12 . تغير من طقس هارون إلى طقس ملكي صادق، ومن تقديم ذبائح حيوانية إلى تقديم جسد الرب ودمه باستحالتهما من الخبز والخمر.
وكان الكهنوت مسحة:
الرب لم يختر هارون فقط، إنما أمره بمسحه بالزيت المقدس، حسبما شرح لموسى “صَبَّ (مُوسَى) مِنْ دُهْنِ الْمَسْحَةِ عَلَى رَأْسِ هَارُونَ وَمَسَحَهُ لِتَقْدِيسِهِ” اللاويين 8 : 1–12 ، ومسح موسى أبناء هارون أيضًا اللاويين 8 : 13 .
والسيد المسيح قيل إنه مُسِحَ كاهنًا وملكًا ونبيًا. إنه “مُسِحَ بزيت البهجة أفضل من رفقائه” وصار مسيحًا. وعندما دُفِعَ إليه السفر، قرأ من نبوءة إشعياء: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ” إشعياء 61 : 1 . ونلاحظ هنا المسحة والإرسالية.
في مملكة الله، ما دام الله هو الملك، فهو يختار ويدعو ويرسل وكل شيء يكون حسب أمر الرب الخروج 39 : 43 ، كما صنع كل شيء في خيمة الاجتماع حسب المثال الذي صنعه الرب الخروج 25 : 9 .
4– الكهنوت إرسالية:
قال السيد المسيح لتلاميذه: “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا” يوحنا 20 : 21 . وقال للآب: “كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ” يوحنا 17 : 18 . ولعل من أروع الكلمات قوله لتلاميذه: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ” يوحنا 15 : 16 .
وهكذا اختار الرب الاثني عشر وأرسلهم (مت10) واختار أيضًا السبعين، واختار بولس الرسول وأرسله. وكان يقول عن الخدمة: “اطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ” متى 9 : 38 إنه هو الذي يرسل. ولذلك سمى تلاميذه رسلًا.
5– كيف يكرزون إن لم يرسلوا؟!
حتى عمل التعليم في الكهنوت، لا يستطيع أن يقوم به أحد من ذاته، وإنما لا بد أن يرسله الله ليُعلم. فيقول الكتاب في هذا: “كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ. فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟” رومية 10 : 13–15 .
وبولس الرسول يحكي قصته في عمل الكرازة فيقول: “لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ” غلاطية 1 : 15–16 .
إذن هذا الرسول لم يكرز من تلقاء ذاته، وإنما أفرزه الله، ودعاه، وأرسله، وحدد له عمله.
6– وفي الإرسالية، حدد الله العمل، ومكانه:
لما أرسل الرب التلاميذ أول مرة، حدد لهم المكان، فقال: “إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ”، وحدد لهم العمل فقال: “وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى” متى 10 : 5–8 .
ولما أرسلهم في المرة الثانية قال عن مكان العمل: “وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” أعمال الرسل 1 : 8 . وعن العمل قال: “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” متى 28 : 19–20 .
إذن هناك أشخاص مميزون بمسئوليات خاصة، الله هو الذي يختارهم ويدعوهم ويمسحهم ويرسلهم، ويصيرون له، نصيبه، أي الإكليروس، ويحدد لهم مكان ونوع العمل…
وما أجمل ما قيل عن يوحنا المعمدان، الكاهن بن زكريا الكاهن، الحلقة بين العهدين… قيل عنه: “كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا” يوحنا 1 : 6 .
وما دامت هناك إرسالية، إذن ليس العمل الكهنوتي للكل، وإنما لمن يختاره الرب ويرسله…
8– لا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه:
إن الكهنوت ليس للكل، ولا يستطيع أن يدعيه كل أحد. ولهذا قال بولس الرسول: “لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ” العبرانيين 5 : 4 .
لو كان الكهنوت للكل، ما كان داعيًا أن يقول الرسول إنه لا يأخذها إلا المدعو من الله، كما هارون.
إن الذين لم يختارهم الرب، قد قال عنهم: “… وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ وَلاَ أَمَرْتُهُمْ. فَلَمْ يُفِيدُوا هَذَا الشَّعْبَ فَائِدَةً يَقُولُ الرَّبُّ” إرميا 23 : 32 .
9– الإكليروس اختاره الرب، لذلك أيده تأييدًا:
قال لهم: “مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” متى 10 : 40 ، “اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” لوقا 10 : 10–16 وهدد المدن التي ترفضهم، بأن عقوبتها تكون أصعب من عقوبة سدوم متى 10 : 15 .
10 – وضع اليد، مع صوم وصلاة:
الرسل، نفخ الرب في وجوههم. وقال اقبلوا الروح القدس. أما الباقون فكانوا يأخذون وضع اليد من الرسل، لكي يرسلوا… سواء في ذلك الأسقف، أو القس أو الشماس.
حتى بولس الرسول، الذي أفرزه الله من بطن أمه: ودعاه الرب في الطريق إلى دمشق، ودعاه الروح القدس، أخذ وضع اليد من الرسل، لكي يبدأ خدمته هو وبرنابا “فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا” أعمال الرسل 13 : 3 .
والشمامسة السبعة، مع أنهم كانوا “مَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” أعمال الرسل 6 : 3 ، إلا أنهم “أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ” أعمال الرسل 6 : 6 .
ويقول بولس الرسول لتيموثاوس الأسقف: “فَلِهَذَا السَّبَبِ اذَكِّرُكَ انْ تُضْرِمَ أيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ” تيموثاوس الثانية 1 : 6 .
ويقول له عن سيامة القسوس: “لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ” تيموثاوس الأولى 5 : 22 .
لو كان الكل ملوكًا وكهنة، ما الحاجة إلى وضع اليد؟ وما الحاجة أن يقام الإنسان للخدمة؟
كما قال الرسول عن الشمامسة السبعة: “فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ” أعمال الرسل 6 : 3 . وكما قال بولس الرسول لتلميذه تيطُس أسقف كريت: “مِنْ أَجْلِ هَذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا (قسوسًا) كَمَا أَوْصَيْتُكَ” تيطس 1 : 5 .
نلاحظ في كل ما سبق، أن وضع اليد كان يتم بواسطة الرسل أو تلاميذهم من الأساقفة، وكذلك كانت إقامة باقي درجات الكهنوت الثلاث.
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت (1)”، نُشر في مجلة الكرازة 8 فبراير 1980م.




