سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
لا تغاروا باطلا لله المحب، الذي خلق الإنسان على شبهه ومثاله
ألقاب المسيح ووظائفه التي منحها بحب لتلاميذه
عبارة “مجدي لا أعطيه لآخر” خاصة فقط باللاهوت والعصمة
غيرة خاطئة!!
74- البعض يغارون لله، ويخافون أن يسلبه البشر مجده! ويحاربون الكهنوت ظانين أنه يأخذ لنفسه مجد الله:
ونقول لهؤلاء أن الله أعظم من أن يغار. إنما يغار الصغار… الله هذا، لما خلق الإنسان، خلقه على صورته، كشبهه ومثاله. ولم ير في هذا نقصانًا لمجده.
75- والله بالنسبة إلى الكهنوت بالذات، وهبه بهاءً ومجدًا خاصًا.
وكمثال ذلك، انظروا كيف اهتم الرب مثلًا بثياب هارون رئيس الكهنة، وكيف اختارها بنفسه. وقال لموسى: “وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلَأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي” الخروج 28 : 2–3 ، وقال أيضًا عن أبناء هارون: “وَلِبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً… وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلاَنِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ” الخروج 28 : 40 .
76- إن كان الله يعطي بهاء لزنابق الحقل، أفلا يعطي خدامه ووكلائه.
انظروا ماذا فعل الرب بكاهنين قدسا له الذبائح من قبل، أعني موسى وإيليا. لقد جعلهما يضيئان معه بالنور على جبل التجلي. وكان يمكن أن ينير الرب وحده، ولكنه يعطي من مجده لأولاده، الذين خلقهم على صورته…
77- إن معجزات كثيرة صنعها الله، ليس بيده، إنما بعصا موسى…” (وأعطاه الرب مجدًا أمام الشعب) لقد كان موسى كاهنًا للرب..
78- إن غيرة هؤلاء على مجد الله، بهذا الشكل الخاطئ، إنما تذكرنا بغيرة خاطئة وقع فيها يشوع، حينما غار لمعلمه موسى.
إذ رأى اثنان يتنبآن، فأراد أن يمنعهما، ليبقى معلمه هو النبي الوحيد فوبخه موسى وقال له: “هَل تَغَارُ أَنْتَ لِي؟ يَا ليْتَ كُل شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ” العدد 11 : 29 .
79- إذن ما معنى (مجدي لا أعطيه لآخر)؟
إن الله مستعد أن يعطي أولاده كل شيء. أما المجد الذي لم يعطه لأحد، فهو مجد اللاهوت، وما يلحق به من مجد العصمة.
وعبارة (مجدي لا أعطيه لآخر)، قالها في مجال النهي عن عبادة الأصنام. قال: “أَنَا الرَّبُّ هَذَا اسْمِي وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لِآخَرَ وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ” إشعياء 42 : 8 .
والمقصود بمجد اللاهوت، أن الله أزلي لا بداية له. أنه غير محدود، أنه قدوس بطبيعته، وقادر على كل شيء وموجود في كل مكان، وفاحص القلوب والكلى، وأنه خالق. إلى آخر هذه الصفات الإلهية التي لم يعطها لأحد…
ولكن المجد الذي لا يختص باللاهوت، قد وهبه لنا.
ألقاب المسيح لتلاميذه
80- كمقدمة، نقول ما أجمل قول الرب في ذلك:
“وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي” يوحنا 17 : 22 .
أترى أصحاب (الغيرة الخاطئة) يصرخون أمام هذه الآية ويقولون “يا للهول! مجد الله قد أُعطي لآخرين!! إن الرب بلا شك قد أعطى الكثير من مجده للبشر، واعتبرهم كشخصه. وقال: “مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي” متى 10 : 40 . “اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي…” لوقا 10 : 16 .
81- المسيح نور.
قال السيد المسيح عن نفسه “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ” يوحنا 8 : 12 . وقال لتلاميذه “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ” متى 5 : 14 . نفس اللقب. فهل مجد الله قد أُعطي لآخر؟ كلا، إنما هو نور بمعنى، وهم نور بمعنى آخر. هو نور بذاته، وهم نور حينما يستمدون منه النور. كالشمس منيرة بذاتها، والقمر منير بما يأخذه من نور الشمس. ومع ذلك قال الرب عن كليهما “النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ” تكوين 1 : 16 .
82- المسيح هو الراعي.
قال عن نفسه إنه الراعي الصالح (يو10). وقال لبطرس: “ارْعَ غَنَمِي”، “ارْعَ خِرَافِي” يوحنا 21 : 15–16 . وهو أعطى البعض أن يكونوا رعاة أفسس 4 : 11 ، إن كون الله الراعي، لا يمنع أن يكون وكلاؤه رعاة ويكون هو راعي الرعاة، أو “رَئِيسُ الرُّعَاةِ” بطرس الأولى 5 : 4 .
ما أجمل صلاة القديس أوغسطينوس عن شعبه:
“أنا بالنسبة إليهم راع. ولكنني معهم واحد من قطيعك”.
83- المسيح هو المعلم.
كانوا يدعونه “المعلم” أو “المعلم الصالح”. وقد قال لتلاميذه: “أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ” يوحنا 13 : 12 ، ومع ذلك “أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا…. رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ” أفسس 4 : 11 . وقال الرسل: “أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ” رومية 12 : 7 .
هل كون هؤلاء معلمين، أن مجد الله قد سلبه آخرون؟! إنما الله معلم من حيث أن فيه كل كنوز العلم والمعرفة، بعلم غير محدود. أما البشر فإنهم يعلمون، بما يمنحه الله من علم.
84- المسيح أسقف.
قال بطرس الرسول: “لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لَكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا” بطرس الأولى 2 : 25 وكما وصف الرب هنا بإنه راع وأسقف في آية واحدة، كذلك في آية واحدة أخذ أولاده نفس الوصف، فقال لهم بولس الرسول: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” أعمال الرسل 20 : 28 .
85- المسيح مدبرًا.
قيل عنه، والكلام موجه إلى بيت لحم “لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” متى 2 : 6 . ونفس اللقب أعطي لخدام الله، فيحدث بولس الرسول عن إكرام “الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا” تيموثاوس الأولى 5 : 17 ، وعن “الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ” تسالونيكي الأولى 5 : 12 .
86- المسيح هو الابن.
قيل عن المسيح أنه الابن. وقيل عنا أيضًا أننا أبناء الله. ولكن أبناء بمعنى، وهو ابن بمعنى آخر. لذلك قيل عنه أنه الابن الوحيد من حيث أنه من جوهر الآب ولاهوته وطبيعته.
78- المسيح صانع المعجزات.
ليس غريبًا أن يعطي الرب تلاميذه صنع المعجزات، كما هو صانع معجزات إنما المذهل حقًا، أن يقول: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا” يوحنا 14 : 12 .
لو كان الرب يغار من أولاده، ما كان يقول: “ويعمل أعظم منها” إنه لا يغار، فهذا الذي “يعمل أعظم منها” لا يعمل إلا بقوة الله الذي قال “بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا” يوحنا 15 : 5 . كذلك الكهنوت يعمل الكثير، ولكن بقوة الرب العاملة فيه…
ليس عجيبًا إذن أن ننتقل إلى النقطة التالية:
88- المسيح كاهن.
قيل عنه إنه “كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ” المزامير 110 : 4 . وقال بولس الرسول: “حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا… مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ” رومية 15 : 16 .
إن السيد المسيح كاهن بمعنى، والبشر كهنة بمعنى آخر.
هو كاهن قدم ذبيحة ذاته، والكهنة يقدمون ذبيحة المسيح.
هو أعطى غفرانًا بكهنوته، وهم يأخذون من غفرانه ويعطون الناس، كوكلاء له، على استحقاق دمه.
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 8″، نُشر في مجلة الكرازة 28 مارس 1980م.




