خرافة “إنجيل” برنابا 2 ..!

خرافة “إنجيل” برنابا 2 ..!
خرافة “إنجيل” برنابا 2 ..!
إنجيل مزيف، وضعه أوربي في القرن الخامس عشر. في وصفه للوسط السياسي والديني في القدس أخطاء جسيمة…
الأستاذ العلامة محمد شفيق غربال (دائرة المعارف الميسرة)
مقدمة تاريخية:
كتاب مزور مؤلف، ليس له سند ولا أصل. عرفه العالم أول ما عرفه في بداية القرن 18، في نسخة عثر عليها باللغة الإيطالية، واللغة الإيطالية ليست لغة برنابا طبعًا.
والعثور على هذه النسخة الإيطالية تحوطة قصة مؤداها إن راهبًا اسمه (فرامارينو) رآها في مكتبة البابا سكتس الخامس (في نهاية القرن 16). وكان البابا سكتس نائمًا، فاختلسها الراهب… ثم آلت إلى أحد مستشاري ملك بروسيا، ثم إلى أحد الأمراء… ثم ترجمت إلى الإسبانية.
ثم ترجمها الدكتور خليل سعادة إلى العربية سنة 1908 وكتب لها مقدمة. وقال فيها “إن الثقات مجمعون على أن إنجيل برنابا كتب في القرون الوسطى…”.
ونوع الخط الذي كتب به هذا “الإنجيل” المزور، وأسلوب لغته الإيطالية، يدل على أنه كتب بعد دانتي. كما توجد به اقتباسات من كتاب دانتي الشهير (الكوميديا الإلهية) Divine Comedy.
ولا ذكر له في جميع الآثار والكتب المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية قبل القرن 16. ولم يستشهد به أحد أطلاقًا.
ولم يرد ذكره في فهارس الكتب القديمة التي وضعها العرب أو الغربيون، ولا في الفهارس التي وضعها مشاهير المستشرقين عن الكتب قديمة وحديثة…
ومما يثبت أيضًا أنه كتب بعد القرن الرابع عشر:
قوله عن تكفين السيد المسيح إنهم “ضمخوه بمائة رطل من الطيوب” (217: 88) بينما الرطل من المكاييل التي أنشأها العثمانيون. وقوله “إن سنة اليوبيل التي تجيء الآن كل مائة سنة، سيجعلها مسيا كل سنة” (82: 18)، بينما لم يحتفل باليوبيل كعيد مئوي قبل يونيفاسيوس الثامن (بابا رومه سنة 1300). كذلك حديثه عن الفرسان والحروب (69: 4-10). هو حديث يحمل أسلوب العصور الوسطي ونفس الوضع ينطبق على كلامه النسكي وكثير من بحوثه الفلسفية…
لم يرد عنه شيء في القرآن، ولا في كتب الحديث والفقه ولا في كتب المفسرين القدامى وآئمتهم، ولا في كتب التاريخ الإسلامي القديمة، ولا في جميع المحاولات مع المسيحية، وبخاصة ما أثاره الأريوسيون وشهود يهوه وأمثالهم. ولم يرد في كل كتب التاريخ المدني أو الكنسي.
فكرة عن هذا “الإنجيل”:
وهذا “الإنجيل” المزيف منسوب إلى برنابا وليس برنابا من الإثني عشر الحواريين. ولعله قصد هذا الاسم بالذات ليهاجم بولس الرسول، ظانًا أن بولس وبرنابا قد اختلفا في اللاهوتيات، كما ذكر في المقدمة!!
واسم “الإنجيل” يحمل على الشك، وله مظهر جدلي!!
ذلك أن عنوان هذا الإنجيل هو “الإنجيل الصحيح، ليسوع المسمى المسيح”… ومن غير المعقول أن كتابًا من كتب الوحي الإلهي، يكون عنوانه “الإنجيل الصحيح”!!، كما أن عبارة “المسمى المسيح” تتسم بطابع جدلي هجومي…!
ويلاحظ أن هذا “الإنجيل” المزور مملوء بالأخطاء المتنوعة…
أخطاء تاريخية، وأخطاء جغرافية، وأخطاء دينية لا يوافق عليها المسيحيون ولا المسلمون ولا اليهود، وأخطاء لاهوتية لا يوافق عليها متدين بأي دين… وله طابع النقاش والجدل والحوار الفلسفي المتميز بطول المقالات. وهو كثير التعقيد، وخال من البساطة.
وهو كتاب مملوء بالشتائم والتوبيخات، وبعبارات الحلفان (القسم)، وبعبارات البكاء والدموع. وبكثرة المتناقضات، وكثرة الخرافات.
وفيه يشتم المسيح تلاميذه، ويشتم الكهنة “ويشتم الناس، ويشتم طالبي الشفاء، ويلطم، يخبط رأسه في الأرض، ويبكي، ويحاول أن يقنع الناس بأنه ليس المسيح… ويكثر من الصلوات في مناسبة وفي غير مناسبة، لكي يثبت أنه بشر مثل باقي الناس.
وما أكثر المبالغات واللامعقول في هذا “الإنجيل”!!
بأسلوب لا يمكن أن يصدر عن الوحي الإلهي. وأحيانًا يتحدث بطريقة بدائية أو بطريقة تخالف العلم كل المخالفة. وحديثه عن الحياة الأخرى متأثر بكتابات دانتي. Dante وفي كلامه عن النسك يعتبر القذارة في أبشع صورها لونًا من السمو الروحي.
وهذا “الإنجيل المزور” لم يقبله أحد، وكتب ضده كثيرون.
رفضه علماء المسلمين ومشاهير كتابهم، ورفضه كتاب المسيحيين. ونشرت كثير من الكتب ضده منها كتب توفيق حداد، وعوض سمعان، ويسى منصور. وكتب الأستاذ محمد جبريل مقالة ضده في جريدة المساء شرح فيها عددًا ضخمًا من الأخطاء التي يشتمل عليها هذا “الإنجيل” الزائف!!
خرفات في قصة الخليقة..
ومن بين الخرافات التي اشتمل عليها هذا الكتاب المزور، قصة الخليقة. وسنحاول أن نذكر شيئًا من هذه الخرافات كما وردت في ذلك “الإنجيل”، لكي يدرك القارئ نوعية هذا الكتاب، وهل يجوز أن يدرج ضمن كتب الوحي…!
قال في الفصل الخامس والثلاثين:
1- قال يسوع: ولما خلق الله كتلة من التراب، وتركها خمسًا وعشرين ألف سنة بدون أن يفعل شيئًا آخر، علم الشيطان الذي كان بمثابة كاهن ورئيس للملائكة لما كان عليه من الإدراك العظيم، أن الله سيأخذ من تلك الكتلة مائة أربعة وأربعين ألفًا موسومين بسمة النبوة ورسول الله الذي خلق الله روحه قبل كل شيء آخر بستين ألف سنة. ولذلك غضب الشيطان فأغرى الملائكة قائلًا “أنظروا سيريد الله يومًا ما أن نسجد لهذا التراب…”
(أ) ونحن لا نجد معنى لهذه الأرقام العجيبة 25 ألفا، 60 ألفا، 144 ألفا… ولم ترد لا في التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن… وما معنى أن يترك الله كتلة من التراب 25000 سنة دون أن يعمل شيئًا؟! ما الحكمة الإلهية في هذا؟! وما معني أن يخلق الله روحًا ثم ينتظر 60000 سنة لا يخلق شيئًا؟!
(ب) ومن قال إنه يوجد 144 ألفا من الأنبياء؟!
من هم؟ وما هي أسماؤهم؟ وفي أي العصور ظهروا؟ وماذا كانت مهمتهم الإلهية؟ وأي دين قال بهذا؟!
(ج) ثم من قال إن الشيطان كان كاهنًا؟!
هل كان يوجد كهنوت قبل الخليقة كلها بــ 85 ألف سنة؟ وماذا كان عمل الكهنوت بين الملائكة حيث لا بشر؟ وفي أي دين ورد هذا الرأي؟!
(د) وهل كان الشيطان يعلم الغيب، بينما الغيب من علم الله، حتى يدرك أن الله سيخلق من هذا الطين بشرًا، وسيكون من بين هؤلاء البشر 144 ألفًا من الأنبياء، كما يعلم التوقيت الخاص بعملية الخليقة… وكيف يعلم مقاصد الله بعد عشرات الآلاف من السنين (حسب روايته) في أنه سيطلب من الملائكة أن يسجدوا للإنسان الخارج من هذا التراب؟!
2- يأتي بعد هذا، في قصة الخليقة حسب روايته، أن الله أمر الملائكة بالسجود، وأن الشيطان وجنوده رفضوا ذلك، وأن الله غير شكل الشيطان وجنوده من الجمال إلى القبح، وأن الشيطان كلم الله بجرأة ووقاحة…
وسنورد هنا ما جاء في “إنجيل” برنابا:
“حينئذ قال الشيطان: يا رب إنك جعلتني قبيحًا ظلمًا. ولكنني راض بذلك لأنني أروم أن أبطل كل ما فعلت. وقالت الشياطين الآخرون “لا تدعه ربًا يا كوكب الصبح، لأنك أنت الرب”.
“حينئذ قال الله لأتباع الشيطان: توبوا واعترفوا بأنني الله خالقكم”. أجابوا “أننا نتوب عن سجودنا لك، لأنك غير عادل. ولكن الشيطان عادل وبرئ، وهو ربنا”.
“حينئذ قال الله: أنصرفوا عني أيها الملاعين، لأنه ليست عندي رحمة لكم”…
كيف يقبل العقل أن تصل الجرأة بالشيطان أن يخاطب الله بهذا الأسلوب؟! وأن يتهمه بالظلم وعدم العدل؟! وأن يتحداه بأن يبطل كل فعل؟! وكيف يمكن أن تقول له الشياطين أنه ليس ربهم، وأن ربهم هو الشيطان؟! ويطلبون من الشيطان أمام الله ألا يدعوه ربًا؟!
وما معني أن يقول الشياطين عن رئيسهم إنه الشيطان وإنه ربهم؟ أليس في هذا تناقض؟! وهل من الممكن أن يطلب الله من الشياطين التوبة؟ وهل من الممكن أن يتوب الشيطان؟!
3- ويختم هذا المؤلف قصته بخرافة أخرى، فيقول…
“وبصق الشيطان أثناء انصرافه على كتلة التراب. فرفع جبريل ذلك البصاق مع شيء من التراب. فكان للإنسان بسبب ذلك سرة في بطنه”..
فهل يعقل إنسان أن سرة البطن ترجع إلى هذا السبب الخرافي؟! إن سرة البطن كما يقول العلم هي مكان الحبل السري الذي كان يربط الجنين ببطن أمه…
فما هي بصقة الشيطان على التراب، ورفع هذا البصاق بواسطة جبريل، وحدوث السرة نتيجة لذلك؟! أهذا وحي إلهي؟!
ثم إن آدم وحواء بالذات لم تكن لأي منهما سره في بطنه، لأنهما لم يولدا من امرأة، بل خلقهما الله خلقا…
إنما سرة البطن كانت لأبنائهما…
4- ويكمل “إنجيل” برنابا خرافاته في الخلق، في الفصل التاسع والثلاثين منه. فيقول إن الله خلق الحيوانات والطيور، ولم يكن قد خلق الإنسان بعد. فأتى الشيطان إلى أبواب الجنة، ورأى الخيل ترعى، فأخبرها “أنه إذا تأتى لتلك الكتلة من التراب أن يصير لها نفس، أصابها ضنك” لأن الإنسان سيركب الخيل ويستخدمها في حاجياته… وهنا يكمل “إنجيل” برنابا القصة فيقول عن الخيل:
“ولذلك كان من مصلحتها أن تدوس تلك القطعة من التراب على طريقة لا تكون بعدها صالحة لشيء. فثارت الخيل، وأخذت تعدو بشدة على تلك القطعة من التراب التي كانت بين الزنابق والورود”.
“فاعطى الله من ثم روحًا لذلك الجزء النجس من التراب، الذي وقع عليه بصاق الشيطان، الذي كان قد أخذه جبريل من الكتلة، وأنشأ الكلب. فأخذ ينبح، فروع الخيل فهربت”.
“ثم أعطى الله نفسه للإنسان. وكانت الملائكة كلها ترنم: اللهم ربنا، تبارك اسمك القدوس”…
بماذا نعلق على قصة البصاق والكلب والخيل وخلق الإنسان؟ شيء يمكن أن تقرأ شبيهًا له في كتاب كليلة ودمنه، أو خرافات أيوب، ولكن ليس في الكتب المقدسة الموحى بها من الله؟! بل قد تكون كليلة ودمنه أكثر عمقًا وحكمة…!
يفهم من هذه القصة أن الكلب لم يخلق مع باقي الحيوانات، وإنما خلق بعدها، ومن بصاق الشيطان، من جزء نجس. وسبب خلق الكلب هو تخويف الخيل لكيلًا تمنع خلق الإنسان…!!
ونسأل أيضًا: هل للشيطان بصاق، والبصاق مادة؟!
وهل يمسك الله ببصاق الشيطان ليخلق منه شيئًا؟!
وهل يستخدم الله النجاسة في خلقه؟!
فيه أخطاء لا يجهلها اليهودي المطلع على كتب قومه
ولا يرددها المسيحي المؤمن بالأناجيل،
ولا يتورط فيها المسلم الذي يفهم ما في إنجيل برنابا من المناقضة بينه وبين نصوص القرآن…
عباس محمود العقاد
وفي الحقيقة أن هذا الإنجيل برغم اتفاقه في الأغلب مع وجهة النظر الإسلامية، لم يجد رأيًا إسلاميًا مسئولًا يؤكد صحتة أو يدافع عنه… ومن بين الأخطاء العديدة التي وقع فيها ………
محمد جبريل
(جريدة المساء 19/1/1970)
والإسلام ليس في حاجة إلى كتاب كهذا تحوم حوله شكوك كثيرة لتأييد القرآن… ولا ينبغي أن نتخذ سفرًا مشكوكًا في صحة نسبته إلى صاحبه دليلًا على ذلك.
دكتور عبد الواحد وافي
(الأسفار المقدسة ص88)
لم تحدثنا الكتب والمصادر التي تحدثت عن هذا الإنجيل بأي حديث عن الأصل المنقول عنه. ومادام الأصل لا وجود له ولا سند، فنحن في مندوحة وحل من عدم الاعتراف به… فيجوز أن يكون هذا الإنجيل لمفكر إيطالي اعترف بمحمد وبرسالته وبعيسى وبرسالته، فأخرج هذا الإنجيل ونسبه لبرنابا.
الدكتور محمود بن الشريف
(الأديان في القرآن ص206)
(للبحث بقية)



