حواء (2)

تتميز أمنا حواء، بأنها الأولى في عديد من الأمور…
كانت أول قديسة، وكانت أول خاطئة. كانت أول من جلست إلى الحية، وأول من تكلمت مع الله، وأول من نالت المواعيد…. كانت أول أم… أول حبلى، وأول ئكلى.
الوحيدة التي جاءت إلى العالم بلا خطية، وعاشت بلا خطية فترة من الزمن، قبل السقوط.
الوحيدة التي عاشت عريانة، مع رجل عريان، بكل نقاوة وطهارة، وبكل براءة وبساطة، وبكل ود وكل عفة…
أخذت المرأة من ضلع لآدم، دون أن يشعر آدم بأي ألم، أو بأي نقص. إنها أول عميلة جراحية أجراها الرب، سبقها بأول عميلة تخدير، إذ “أوقع عليه سباتاً”.
وبالوحى عرف آدم القصة، فقال “هذه لحم من لحمى، وعظم من عظامي”.
المرأة جاءت من الرجل، والرجل حالياً يجي من المرأة. وهكذا صار كل منهما الآن يعتبر الآخر أصلاً له…
الرجل هو من نسل المرأة. والمرأة أتت من ضلع الرجل. وكلاهما يكونان الجسد الواحد… وكانت حواء جميلة جداً، ولكنها لم تكن سبب غواية لآدم.
لم تغره حواء الجميلة، لأن الخطية لم تكن فيه، ولم تكن فيها. كانا _ بالجسد _ كملائكة الله في السماء.
لم يكن الجسد خطية، ولم يكن الجمال عثرة، ولا كان العرى عثرة، لأن القلب لم يكن قد عرف الخطية بعد… إن الخطية تنبع من الداخل قبل أن تكون لها أسباب خارجية…
ولما أغويت حواء من الحية، كانت هناك أمور كثيرة تخفف من خطيئتها:
لقد كذبت عليها الحية قائلة “لن تموتا”، ولم تكن حواء تعرف ما هو الكذب. وخدعتها الحية، وأغرتها، وهي لم تكن تعرف معنى الخداع.
كانت لأول مرة في حياتها تتلامس مع الخطية. وهي بسيطة لا تعرف ما هي الخطية، بريئة تصدق كل شيء، ولا تشك فيما تسمعه. ولا تدرك معنى الخداع.
والحية في مكرها، لم تقل لها: خالفي أو أخطئ، إنما صورت لها أن الأكل من الشجرة سوف لا تكون له أية نتائج سيئة بل على العكس سينفع، وسيصيرها مثل الله… فسقطت حواء.!
نحن لا نبرىء المرأة، ولكننا نشرح ظروف سذاجتها، التى استغلتها الحية. إنه خطأ البساطة بدون حكمة.
لذلك قال الرب فيما بعد “كونوا بسطاء كالحمام، وحكماء كالحيات”.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السابع) 18-2-1977م




