تابع حياة موسى النبى ج2

يتحدث البابا شنوده الثالث عن موسى النبي، موضحًا أن حياته لم تكن حياة فرد منفصل عن شعبه، بل كانت مرتبطة بحياة شعب إسرائيل كله، لأنه قاد الشعب واحتمل ضعفه وأوصل إليه رسالة الله.
بدأت رسالة موسى من إحساسه بآلام شعبه ورغبته في إنقاذهم من العبودية والذل في أرض مصر، ثم جاءت بعد ذلك قيادته الروحية للشعب.
ويشرح البابا أن خروج الشعب من مصر يحمل معنى روحيًا، ففرعون يرمز إلى الخطية أو الشيطان الذي يستعبد الإنسان، وموسى يرمز إلى القيادة الروحية، والخروج يرمز إلى التوبة والتحرر من عبودية الشيطان، بينما ترمز أرض الموعد إلى حلاوة العشرة مع الله.
ويؤكد أن الخطر هو أن يخرج الإنسان من عبودية الخطية لكنه لا يصل إلى العشرة مع الله، فيظل كأنه تائه في البرية بين الخطية والحياة مع الله.
الرسالة الروحية
يعرض البابا حياة موسى باعتبارها مثالًا واضحًا للتغيير الذي يصنعه الله في الإنسان من خلال التدريب الروحي.
في البداية حاول موسى أن يتدخل بقوته البشرية وحكمته الخاصة، ففشل وهرب إلى أرض مديان، لكن الله لم يرفضه بسبب فشله، بل نظر إلى غيرته المقدسة وأعدّه للخدمة.
قضى موسى أربعين سنة في البرية، وتحول خلالها من أمير وقائد يعتمد على نفسه إلى راعٍ يشعر بضعفه ويعتمد على الله.
تحول أيضًا من إنسان يستخدم العنف إلى رجل وديع جدًا، ومن شخص واثق في قدراته إلى إنسان يقول: «من أنا؟» ويشعر بأنه غير قادر على تنفيذ المهمة بقوته الخاصة.
ومن خلال هذا الشعور بالضعف أصبح موسى مستعدًا لأن يعمل الله من خلاله، وليس أن يعتمد على قوته الشخصية.
الدرس التعليمي
يوضح البابا أن الله يعمل في الوقت المناسب، وأن تأخر تحقيق الأمر لا يعني أن الله قد رفض الإنسان أو نسي وعده.
كما يشرح الفرق بين من يرفض الخدمة لأنه لا يهتم بالآخرين، وبين من يشعر بضعفه الحقيقي ويعتذر عن الخدمة لأنه يرى نفسه غير قادر عليها.
وكان اعتذار موسى نابعًا من شعوره الحقيقي بالضعف، وليس من عدم وجود غيرة مقدسة أو من الرغبة في حماية كرامته.
وعندما شعر موسى بعدم قدرته على الكلام، أعطاه الله هارون ليكون عونًا له، وهكذا أظهر الله أن نجاح الخدمة يعتمد على عمله وليس على الإمكانيات البشرية وحدها.
التطبيق العملي
يعلمنا هذا الكلام ألا نعتمد على قوتنا وحكمتنا وحدهما في الخدمة أو في حياتنا الروحية.
كما يعلمنا أن فترة التدريب والانتظار قد تكون ضرورية حتى يهيئنا الله للمسؤولية التي يريد أن يعطينا إياها.
وعندما نشعر بضعفنا الحقيقي، ينبغي ألا يتحول هذا الشعور إلى هروب من الله أو من الخدمة، بل إلى اعتماد أكبر عليه.
ويؤكد لقاء موسى مع الله في العليقة أهمية الخشوع أمام الله، فالخشوع الروحي يصاحبه أيضًا خشوع جسدي، كما ظهر في أمر الله لموسى أن يخلع حذاءه لأن المكان الذي يقف عليه أرض مقدسة.
وهكذا يصبح الهدف ليس مجرد الخروج من عبودية الخطية، بل الوصول إلى حياة الشركة والعشرة مع الله.



