تأملات في مزامير باكر

| الكتاب | تأملات في مزامير باكر |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | أغسطس 1995م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 8960/ 1995م |
| الترقيم الدولي | 977-5345-29-4 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة الكتاب
مقدمة الكتاب
المزامير هي كنز للتأملات الروحية.
لذلك تستخدمها الكنيسة في صلواتها اليومية، سواء الصلاة الخاصة للأفراد، أو صلوات المؤمنين داخل الكنيسة، أو الصلوات الطقسية: في عشية وباكر والقداس الإلهي.
وقد نشرنا لكم من قبل بعض التأملات في المزامير:
منها تأملات في مزامير الغروب. وتأملات في المزمور الثالث (يا رب لماذا)، وفي المزمور السادس (يا رب لا تبكتني بغضبك)، وفي المزمور العشرين (يستجيب لك الرب في يوم شدتك). وفي المزمور الخمسين (ارحمني يا الله كعظيم رحمتك).
وفي هذا الكتاب نقدم لك تأملات في أربعة مزامير:
وهي: المزمور الأول: طوبى للرجل.
مزمور 112 (113): سبحوا الرب أيها الفتيان.
مزمور 62 (63): يا الله أنت إلهي إليك أبكر.
مزمور 12 (13): إلى متى يا رب تنساني؟
نرجو أن تكون هذه التأملات عاملًا مساعدًا لك.
مجرد أن تفتح أمامك بابًا، تنطلق منه روحك في مجال تأملها كما تشاء.
وإلى اللقاء في مجموعة أخرى من المزامير، نتأمل فيها معًا.
وليعطينا الرب نعمة للتأمل، حسب عمل روحه فينا.
أغسطس 1995م شنوده الثالث
المزمور الأول طوبى للرجل
المزمور الأول طوبى للرجل
طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار.
وفي طريق الخطاة لم يقف.
وفي مجلس المستهزئين لم يجلس.
لكن في ناموس الرب مسرته،
وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا.
فيكون كشجرة مغروسة على مجاري المياه.
تعطي ثمرها في حينه، وورقها لا ينتثر.
ليس كذلك الأشرار، ليسوا كذلك.
لكنهم كالعصافة التي تذريها الريح عن وجه الأرض.
فلهذا لا يقوم الأشرار في يوم الدين،
ولا الخطاة في مجمع الصديقين.
لأن الرب يعرف طريق الأبرار،
أما طريق الأشرار فتباد.
هللويا
تأملات في المزمور الأول
تأملات في المزمور الأول
هذا هو المزمور الأول من مزامير داود، والمزمور الأول في صلاة باكر حسب ترتيب الكنيسة المقدسة.
وهو مزمور له طابع وعظي أو إرشادي.
فهناك مزامير أو صلوات يغلب عليها طابع الطلب، وأخرى لها طابع الشكر، وثالثة يغلب عليها الانسحاق والاعتراف بالخطية، ورابعة عبارة عن كلام تسبيح وتمجيد. أما هذا المزمور فهو عظة، أو إرشاد تقدمه الكنيسة لك، تتلوه في باكر كل يوم لكي تتذكر كيف تسلك في هذا اليوم بغير عثرة، واضعًا وصايا الله أمام عينيك.
والكنيسة تقدم لك أيضًا في بدء صلاة باكر قطعة وعظية أخرى، عبارة عن فصل من الرسالة إلى أفسس "الأصحاح الرابع" يقول فيها القديس بولس الرسول: "أسألكم أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ (يليق) لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ إليها، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ... إلخ" (أف4: 1، 2).
هذا الفصل من أفسس، وهذا المزمور، إرشاد لازم في بدء اليوم.
يشابههما مزمور آخر من مزامير باكر، له نفس الطابع، هو المزمور 14 حيث يقول فيه المصلي: "يَا رَبَّ مَنْ يَسْكنُ في مَسْكنِكَ، وَمَنْ يَحلُّ في جَبَلِ قُدْسِكَ؟ إلا السَّالِكُ بِلا عَيبٍ. والفَاعِلُ البِرَّ، والمتكَلِّمُ بالَحَقِّ في قَلْبهِ، الذِى لا يَغشُّ بلِسَانهِ، ولا يَصْنعُ بقَريبِهِ سُوءًا"... إلخ". إنه أيضًا مزمور وعظ وإرشاد، يوحي للمصلي كيف يسلك في يومه ليرضي الرب.
المسألة إذًا ليست مجرد صلاة، إنما هي أيضًا سلوك.
وعبارة سلوك تكررت في كل هذه الأمثلة الثلاثة في صلاة باكر: فكما وردت في هذا المزمور (مز1: 1)، وردت أيضًا في مزمور (14: 2) وكذلك في (أف4: 1). لأنه قد علمنا الرب قائلًا: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21).
وهذا المزمور يعلمنا كيف نفعل إرادة الآب، لكي يقبل صلاتنا.
ولكي لا يوبخنا بقوله: "هذَا الشَّعْبُ... يُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 8) (إش29: 13).
فما هي النصائح التي يقدمها لنا المرتل في هذا المزمور؟ إنه يبدأ بقوله: طوبى:
"طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ" (مز1: 1).
ويمكن أن تترجم "طوبى للإنسان..".
وحسن أن تبدأ أول كلمة في أول المزامير بعبارة الطوبى. وهكذا بدأ ربنا يسوع المسيح عظته على الجبل بعبارة طوبى أيضًا. إنها بشارة مفرحة...
كلمة طوبى
كلمة طوبى
ما معنى كلمة "طوبى"؟
إنها تعني أمرين هما السعادة والبركة.
لذلك فأنا لا أستريح مطلقًا لمن يترجم كلمة "طوبى" في العظة على الجبل بكلمة "سعداء"، فيقول: سعداء هم المساكين بالروح... سعداء هم الودعاء... لأن هنا تركيز على السعادة فقط، وإغفال للبركة، بينما لا توجد سعادة بدون بركة. وكلمة مطوب Makarios تعني البركة والسعادة معًا. وفي أهم الترجمات الإنجليزية للكتاب تترجم بكلمة Blessed "مبارك" أو Happy "سعيد".
وفي الترجمة السبعينية بدأ المزمور الأول بكلمة Blessed "مبارك" ويبدأ كذلك في ترجمة:
King James Version وفي Revised Standard version وفي New International version.
وكذلك في الترجمة الأمريكية N.A.S.
الكل يجمعون على كلمة Blessed لأن البركة تحمل داخلها السعادة، وتكون أقرب إلى المعنى. على أني لست أرى عبارة البركة كافية، فكلمة Makarios تحمل البركة والسعادة معًا. فيمكن أن تترجم بعبارة "مطوب" أو "مغبوط" ولذلك حسنًا أن التطويبات ترجمت بكلمة Beatitudes كما في ترجمة كتاب القديس غريغوريوس أسقف نيصص عن التطويبات. وكلمة طوبى كلمة عربية، فلماذا لا نستخدمها في ترجماتنا؟!
وما أجمل أن يرشدنا الوحي في أول المزامير إلى طريق السعادة والبركة.
فهذا هو الطريق الذي يريده لنا، من أول سفر التكوين، حيث وضع الله آدم وحواء في جنة فيها كل أنواع الراحة. وفي نفس الوقت "وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا..." (تك1: 28). وهكذا كان الإنسان الأول أول مَنْ تمتع بالطوبى "السعادة والبركة"، وإن كان لم يثبت فيها.
وأبونا نوح وأولاده، أراد لهم الرب السعادة إذ خلصهم من الطوفان. وأيضًا "بَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ..." (تك9: 1). فنالوا نفس بركة آدم وحواء، وإن كانوا أيضًا لم يثبتوا فيها، إذ أخطأ أولاد نوح... ولعن كنعان (تك9: 25). ففقد هذه الطوبى.
ومعلمنا داود النبي يبدأ بعض مزاميره بالطوبى والطرق الموصلة إليها.
فيقول: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (مز32: 1، 2). "طوبَي لِمَنْ يَتعَطَّفُ عَلَي المسْكينِ، في يَومِ الشَّرِّ يُنَجّيهِ الرَّبُّ" (مز41: 1). ويقول كذلك: "طوباهُمْ الذينَ بلا عَيْبٍ في الطّريقِ" (مز119: 1).
وتوجد الطوبى في كثير من مزاميره. فيقول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي جَعَلَ الرَّبَّ مُتَّكَلَهُ" (مز40: 4). كما يقول: "طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَى الأبَدِ. طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ" (مز84: 4، 5).
أو "طوبى للرجل الذي نصرته من عندك" كما في ترجمة أخرى ولكن ماذا يقول المرتل عن الطوبى في المزمور الأول؟
هنا يضع لنا الوحي على لسانه، أساسًا روحيًا للطوبى.
فمَنْ هو هذا المغبوط صاحب الطوبى؟ يجيب معلمنا داود ويقول:
نصيحة للسلوك
نصيحة للسلوك
"طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ"...
وهنا يراعى التدرج في التصرف، وفي نوعية الصحبة الشريرة.
فالذي يلجأ إلى مشورة الأشرار، ويطيعها ويسلك فيها، سيتدرج أن يقف في طريقهم، أي يسايرهم ويعرف سبلهم. فإن فعل هذا سيأتي عليه الوقت الذي يجلس في مجالسهم. والجلوس يعني الاستقرار، وهو أصعب من الوقوف في الطريق. وهذا الوقوف أصعب من مجرد سماع المشورة.
كما أن الأشرار والخطاة، أقل من المستهزئين، الذين يهزأون بالسيرة المقدسة وبكلام الله. ويتهكمون على الناس الفضلاء، ويحيون حياة اللامبالاة. ويجذبون غيرهم إلى أسلوبهم. لذلك تسميهم بعض الترجمات الوبأيين، أي الذين هم مثل الوبأ، المرض المنتشر، كل مَنْ يختلط به يصاب بالعدوى.
فالكنيسة هنا تنصح أولادها بالبعد عن العثرات...
تقدم لهم هذه النصيحة في كل صباح، حتى يحترسوا، لأن "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
فتنصحهم بأنهم إن كانوا قد خطوا خطوة، فلا يتدرجون إلى غيرها: فمَنْ سمع مشورة خاطئة، لا يسلك فيها. وإن سلك يقيم لنفسه حدودًا، فلا يقف مع الخطاة في طريق واحد. وإن فعل ذلك، فلا يجلس في مجالسهم، ولا يختلط بالمستهزئين..
يبعد عن الخطوة الأولى، فهذا أفضل. وهذه الخطوة هي:
مشورة المنافقين
مشورة المنافقين
تخير أصدقاءك جيدًا، ولا تختلط بفكر غريب، ولا بنصيحة بطالة أو مشورة خاطئة. وكل توجيه تسمعه من أي إنسان كان، ضعه في ميزان وصية الله الصالحة، هذا إن كان في ناموس الرب مسرتك...
لا تسلك إذًا في مشورة الأشرار، مهما كانت تبدو نافعة.
فمَنْ هم هؤلاء الأشرار الذين ترفض مشورتهم؟
قد يكون الأشرار هم الشياطين، الذين سبق لنا في المعمودية أن جحدنا كل حيلهم الرديئة والمضلة. ولكنهم لا ييأسون من تقديم الفكر تلو الفكر. ومعلمنا بولس الرسول يقول عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو2: 11).
وقد يكون الأشرار هم الناس الأشرار بكل أفكارهم الخاطئة.
وقد ينطبق هذا المزمور على أناس أبرار أو قديسين، ولكنهم قدموا مشورة خاطئة، كما حدث مع القديسة رفقة حينما قدمت لابنها يعقوب فكرًا خاطئًا خدع به أباه إسحاق ليسرق منه بركة أخيه. وكان أبونا يعقوب يعرف أن مشورة أمه هي شرّ قد ينال عليه "لَعْنَةً لاَ بَرَكَةً". ولكنها طمأنته بقولها: "لَعْنَتُكَ عَلَيَّ يَا ابْنِي" (تك27: 12، 13). وسلك يعقوب في مشورة أمه. وكانت سقطة له.
ومثال رفقة في مشورتها، سلك القديس بطرس مع السيد المسيح.
وذلك حينما أراد أن يبعده عن الصليب، مستكثرًا ذلك عليه، بقوله: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!". فسمع انتهار الرب له قائلًا له: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (مت16: 22، 23). كانت مشورة من الشيطان، نطق به القديس بطرس الرسول!
لذلك نحن لا نوافق على الطاعة العمياء.
فالطاعة ينبغي أن تكون حكيمة وبصيرة. وكما قال الرسول عن طاعة الوالدين: "أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ" (أف6: 1). أما خارج الرب، فلا توجد طاعة، لأنه "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29).
المشورة الخاطئة قد تكون من الشيطان، أو من الناس أيًا كانوا، أو من داخل الإنسان ذاته، من أفكاره أو رغباته الشريرة.
وأول سقطة للإنسان، كانت من سلوكه في مشورة الأشرار.
جاءت الحية "الشيطان". وقدمت مشورة شريرة لأمنا حواء، فسلكت فيها وسقطت. وحواء قدمت نفس المشورة لأبينا آدم. وسلك كلاهما في مشورة الأشرار. وأكلا من الشجرة المحرمة، وطردهما الله من الفردوس.
لا تقل أنا أستطيع أن أحفظ نفسي مهما اختلطت بالأشرار!!
فسليمان الحكيم نفسه، بعد خلطة خاطئة عن طريق زواجه بالغريبات، لم تكن طريقه مستقيمة أمام الله، وأخطأ (1مل11)، واستحق العقوبة من الله... وأنت لست أحكم من سليمان... وإن لم تخطئ اليوم، قد تخطئ غدًا أو بعد غد... وعلى الأقل، من الناحية الإيجابية لا تنمو ولا تستفيد.
المزمور يقول لم يسلك، ولم يقل لم يسمع...
فأنت لا تضمن عدم السماع، ما أكثر الذين يعرضون عليك مقترحات وأفكارًا ومشورات. لكن المهم أنك سمعتها، لا تسلك فيها. بل يكون لك الإفراز الذي تميز به المشورة الخاطئة، والإرادة الصالحة التي تمنعك من التنفيذ. إن الشيطان عرض على السيد المسيح ثلاثة أفكار ومقترحات. ولكن السيد ردّ عليها، وانتهر الشيطان أخيرًا (مت4).
لا تسلك في المشورة الخاطئة، ولا تقف في طريق الخطاة.
أي إن عبرت على هذا الطريق، فأسرع باجتيازه ولا تقف فيه...
إنه طريق خاطئ، وقوفك فيه يعثرك، وقد يعثر غيرك. مثال ذلك إن عرضت عليك الشياطين فكرة، فلا تقف معها، بل أسرع بتركها ولا تتأمل تلك الفكرة، لأن تذكار الشر يلبس الموت.
أنت سائر في طريق الحياة وسترى أمامك طرق الخطاة، فلا تقف فيها، حتى إن حاولوا إقناعك بمشورتهم أنها نافعة. فالكتاب يقول: "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم14: 12) (أم16: 25).
وفي مجلس المستهزئين لا تجلس
وفي مجلس المستهزئين لا تجلس
فهؤلاء المستهزئين لهم طبيعة الاستهتار بكل القيم، واللامبالاة، جلستهم لا تمجد الله، وقد تطول. وقد تغير أفكارك، وقد تتعود أسلوبهم. وتصير كواحد منهم. وتكون قد تدرجت من سماع المشورة، إلى السلوك فيها إلى الوقوف في الطريق، إلى الجلوس مع المستهزئين.
لقد تدرج لوط، حتى جلس في مجالس سادوم.
"كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ" (2بط2: 8). بل قال عنه القديس بطرس الرسول أنه كان "مَغْلُوبًا مِنْ سِيرَةِ الأَرْدِيَاءِ" (2بط2: 7) لولا أن الله أرسل له ملاكين لإنقاذه، وإخراجه من ذلك المكان النجس. وقيل له: "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ... لاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ... لِئَلاَّ تَهْلَكَ" (تك19: 17).
كل هذا عن السلبيات. فماذا قال المزمور عن الإيجابيات؟
لكن في ناموس الرب مسرته
لكن في ناموس الرب مسرته
تحدثنا عن الطوبى التي للإنسان الذي لم يسلك في مشورة الأشرار كمشورة الحية لحواء (تك3)، ومشورة إيزابل لآخاب (1مل21)، ومشورة أعداء المسيح لبيلاطس (مت26: 26). ولا حتى في المشورة الشريرة، وإن صدرت من أناس قديسين مثل مشورة القديسة رفقة لابنها يعقوب (تك27)، ومثل مشورة القديس بطرس حينما قال: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ!" (مت16: 22).
إذًا هذا المزمور يدعو إلى البعد عن العثرات... عن كل مصدر تأتي منه الخطية...
ليس فقط من جهة الناس، الأشرار والخطاة والمستهزئين وإنما أي مصدر آخر معثر، حتى لو كان كتابًا أو مجلة أو صورة... أو مكانًا من الأمكنة أو فكرًا يخطر لك.
ابعد عن مصادر الخطية، لأنها تبرد روحك، وتضعك تحت تأثير خارجي خاطئ، وتعرضك لحرب لا تدري نتائجها حتى إن انتصرت عليها، ربما تترك في عقلك الباطن رواسب تفقدك نقاوتك.
****
ومع ذلك فالبعد عن الشر لا يكفي. وإنما ينبغي بالأكثر تقوية الحياة الروحية ومحبة الله في القلب.
وجميع الأمرين معًا واضح في قول المزمور: "حِدْ عَنِ الشَّرِّ، وَاصْنَعِ الْخَيْرَ" (مز34: 14). وأيضًا في شهادة الرب عن أيوب الصديق أنه "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8).
إن كانت الناحية الإيجابية أساسية هكذا في الحياة الروحية، فما هي بداية الطريق إذًا؟ يقول المزمور.
لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ
كلمة ناموس تعني شريعة أو قانون. وناموس الرب هنا تعني وصايا الرب وأوامره، أو تعني كلام الرب وكتابه بوجه عام.
في ناموس الرب مسرته، أي أنه يحب كلام الله.
ليست قراءة الكتاب المقدس بالنسبة إليه واجبًا أو عبئًا، إنما موضع لذة، ومتعة روحية لذلك يقول داود النبي في المزمور (119) "كلماتكَ حُلوَة في حَلْقى، أفضَلُ من العَسَلِ والشّهدِ في فَمي"، "كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا"، "أبتَهجُ أنا بكلامكَ، كمن وَجَدَ غَنائم كثيرةٍ"، "لأجْل هذا أحْبَبتُ وَصاياكَ أفضَل من الذّهَبِ والجَوهرِ" (مز119: 103، 140، 162، 127).
وأيضًا في كلام الله تعزية له وخلاصًا.
فيقول للرب في صلواته:
"اذكُرْ لعبدِكَ كلامَكَ الذي جَعلتني عليهِ أتّكل. هذا الذي عَزّاني في مَذلّتي" وأيضًا "تَذكّرتُ أحْكامِكَ يا رَبُّ منذُ الدّهرِ فتَعزّيتُ" ويعتبر أن كلام الرب هو الذي يحفظ من الضياع والهلاك، فيقول: "لو لم تَكنْ شَريعَتكَ تلاوَتي لهَلَكتُ حينئذٍ في مَذلّتي" (مز119: 49، 50، 52، 92).
إنه يشعر بفائدة شريعة الرب له وبحكمة وصاياه.
لذلك يقول له: "مِصباحٌ لرجليَّ كلامكَ ونورٌ لسَبيلي" (مز119: 105). إنه الذي ينير لي الطريق في ظلمة هذ العالم. إنه الذي "يُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا" فيقول: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعد" "شَهادَةُ الرَّبِّ صادِقَةٌ، تُعلِّمُ الأطْفال" "فَرائِضَ الرَّبِّ مُسْتقِيمةٌ، تُفْرِّحُ القَلْب" "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا" "أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ" (مز19: 7، 8، 10). ولذلك كله:
يلهج في ناموسه النهار والليل:
يقول للرب: "اشْتقتُ إلى خَلاصِكَ يا رَبُّ، وناموسكَ هو تِلاوَتي" "تَكلمّتُ بشهادتِكَ قُدّامَ المُلوكِ ولم أخْز. ولَهَجْتُ بوَصاياكَ التي أحبَبْتُها جدًا" "بفَرائضِكَ ألْهَجُ، ولا أنْسى كلامكَ" "سَبقتْ عَيْنايَ وَقت السَّحَر لألْهَجُ في جَميعِ أقوالِكَ" "شهاداتِكَ هي دَرسي" "ناموسَكَ هو دَرسي" (مز119: 174، 46، 47، 16، 148، 24، 77).
لذلك يطلب التعمق في فهم كلام الله.
ويقول للرب: "اكشِفْ عن عَينَيَّ فاُبصرُ عَجائبَ ناموسِكَ" "غَريبٌ أنا في الأرضِ، فلا تُخْف عني وَصاياكَ" (مز119: 18، 19). لماذا يطلب هذا الكشف وهذه المعونة الإلهية؟ لأنه يقول: "لكُلِّ تَمامٍ رأيْتُ مُنتَهي، أما وَصاياَك فواسِعةٌ جدًا" (مز119: 96). كلما تأملت كلام الله، تجد معاني جديدة وأعماقًا جديدة، وينكشف لك ما لم تكن تدركه من قبل.
****
عبارة "وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلًا" تذكرنا بوصية الرب ليشوع بن نون.
إذ قال له الرب: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ" (يش1: 8).
لا يقل أحد، ليس لدي وقت.
فيشوع بن نون كان قائدًا لجيش وقائدًا لشعب، وليست مشغولياتك أنت مثله... ومع ذلك قال له الرب: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً"...
ونفس الوضع بالنسبة إلى داود النبي والملك، الذي كان رئيسًا لإمبراطورية واسعة ولم يكن له وزراء متخصصون... كما كان ربًا لأسرة كبيرة... ومع ذلك يتكلم أيضًا عن لهجه في ناموس الرب، وتلاوته ودراسته... ولم يعتذر بقلة الوقت...
بل إنه قبل داود، وقبل يشوع، ومن أيام موسى:
كانت هذه هي وصية الرب في سفر التثنية:
فقال: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ" (تث6: 6، 7).
إذًا اللهج في ناموس الرب لا يكون فقط على المستوى الفردي، وإنما أيضًا على المستوى العائلي...
والسؤال الآن: هل أنت كذلك؟
إن هذه العبارة التي تتلوها من هذا المزمور في صلاة باكر، ليست مجرد صلاة، وإنما هي أيضًا عظة، هي وصية لك، تحكم بها على نفسك، وتختبرها هل أنت تجد مسرتك في تلاوة وصايا الرب؟ هل تلهج فيها النهار والليل؟ هل تحبها وتشتاق إليها؟ هل تقصها على أولادك؟ هل تتكلم بها حين تجلس في بيتك؟ هل تتأمل فيها حين تمشي في الطريق؟ وهل تتذكرها حين تنام وحين تقوم؟
هل تفرح بكلام الله كمَنْ وجد غنائم كثيرة؟ وهل هي أحلى من العسل والشهد في فمك؟
تأمل إذًا في فائدة كلمة الرب لك.
حقًا ما أجمل ما قاله القديس يوحنا الحبيب للشباب، في رسالته الأولى "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ" (1يو2: 14).
إذًا كلمة الله، إن ثبتت في العقل والقلب، تعطي قوة، وغلبة على الشرير... ليس كل الشباب أقوياء في الروح. ولكن الأقوياء هم الذين كلمة الله ثابتة فيهم. ولذلك غلبوا الشرير.
إن كلمة الله – كما قال الرب – هي روح وحياة (يو6: 63).
إذًا افهم روح الوصية، وحولها إلى جزء من حياتك.
تحب كلام الله، فتقرأ كلامه باستمرار، وتلهج فيه باستمرار فتثبت الكلمة فيك، وتعطيك قوة. وترد بها على حروب الشياطين. فكلما حاربتك خطية تضع أمامها وصية. فتجد استحياء داخلك من وصية الرب. كما أن الوصية تحمل نعمة خاصة تساعدك وتقويك.
انظر كلمة الرب وفاعليتها في القديس أنطونيوس الكبير.
سواء وصية "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ..." (مت19: 21) أو وصية "لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ" (مت6: 34) ... أو اُنظر كلمة الرب لبولس الرسول: "لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 9، 10) بل تذكر كلمات الرب في عظاته، حيث قيل عنه إنه "كان يتكلم بسلطان" (مر1: 22). الكلمة لها سلطان على الفكر والقلب والإرادة.
إنما يلزم لسلطان الكلمة ومفعولها، أن يكون هناك استعداد في القلب.
فلا تجعل كلمة الرب تصل فقط إلى أذنيك وإلى عقلك، وإنما بالأكثر تصل إلى قلبك، وتختلط بمشاعرك وتتحول إلى إرادتك. وفائدة أن تلهج بالكلمة نهارًا وليلًا، أنها تثبت فيك ولا تنساها. وهكذا قال داود النبي "خَبَّأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ" (مز119: 11).
أما البعد عن كلمة الله وفاعليتها، فقد يُهلك.
كما قال داود النبي أيضًا: "ولو لم تَكنْ شَريعَتكَ تلاوَتي لهَلَكتُ حينئذٍ في مَذلّتي" (مز119: 92). فإن كان نبيًا عظيمًا مثل داود يخشى الهلاك إن ابتعد عن تلاوة كلام الله، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ كلام الله هو غذاء لنفسك وروحك، كما قال الكتاب:
"لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت4: 4) (تث8: 3).
بها تحيا روحك، كما يحيا بالخبز جسدك... وبكلمة الله يمكن أن تحيا روحك في كل الظروف...
فيمكن أن عبارة الليل والنهار تؤخذ بمعنى رمزي: أي في وقت الحزن وفي وقت الفرح، في وقت التجربة، وفي وقت السعة. في وقت التعرض للسقوط، وفي وقت الصعود إلى فوق... في كل وقت... حينما تكون الدنيا مظلمة من حولك، وحينما تكون مشرقة ومضيئة.
وماذا يحدث لك حينما تلهج في كلمة الله؟
تكون كشجرة مغروسة على مجاري المياه
تكون كشجرة مغروسة على مجاري المياه
الماء يعطيها الحياة باستمرار. وأنت بالكلمة تأخذ غذاءك الروحي باستمرار. وقد شرحت لك رموز المياه من قبل، في عظتنا عن غسل الأرجل في كتاب "خميس العهد"، وفي محاضراتنا عن الرموز.
ويكفي هنا أن نذكر قول الرب: "مَنْ آمَنَ بِي... تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ" (يو7: 38، 39).
إذًا المياه هنا ترمز إلى الروح القدس.
الروح "الناطق في الأنبياء" كما يقول قانون الإيمان... الروح الذي أوحى (2بط1: 21) كما قال الرب للرسل: "لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت10: 20). روح الله يعمل في الكلمة حينما تتلوها وترددها وتصلي بها. ويعمل في المزامير كما قال عنه الرب: "دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ..." (مر12: 36).
هذا الماء هو الماء الحي، أو ماء الحياة:
هذا هو الماء الحي الذي طلب الرب من المرأة السامرية أن تشرب منه، قائلًا لها: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 14). أو هو الماء الذي قال عنه الله في العهد القديم "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13).
شجرة مغروسة على مجاري المياه... "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك1: 2).
لاحظوا قوله "مجاري المياه" ولم يقل مجرى المياه.
والماء الجاري هو الماء النقي الحي، بينما الماء الراكد ماء فاسد، وهنا مجاري كثيرة للمياه تستقي منها نفسك... كلمة الله ترويك، وكذلك المزامير والصلوات والقداسات والتسابيح والتراتيل والألحان والتأمل، والتناول... حقًا ما أكثر مجاري المياه التي تغذي شجرة حياتك. وإن حدث وأبعدتها عن مجاري المياه، تذبل وتتساقط أوراقها، ولا تعطي ثمرًا.
ولكن ماذا عن الشجرة المغروسة على مجاري المياه؟
****
"تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي حِينْهِ وَوَرَقُهَا لاَ يَنْتَثرُ".
إن الله يريد من حياتك أن تكون مثمرة، إن بدأت حياتك بالتوبة، يقول: "اصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8) "فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10). وما هو هذا الثمر؟ يقول الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22، 23). فهل في حياتك هذه الثمار؟ أم يبكتك المزمور؟ تذكر قول الرب عن أهمية الثمار "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ... كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً" (مت7: 16، 17).
تعطي ثمرها في حينه
تعطي ثمرها في حينه
المؤمن البار هو شجرة مثمرة:
لا بُدَّ أن يعطي ثمرًا، لأن عصارة الحياة تجري فيه، لأنه مغروس على مجاري المياه حياته لها ثمر. كلماته لها ثمر لا يمكن أن ترجع فارغة (إش55: 11). خدمته لها ثمر، ثلاثين وستين ومئة (مت13: 23). كل هذه الثمار تدل على عمل الروح فيه، وعلى شركته مع روح الله... مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت7: 16).
وهذا الثمر دليل على البركة:
وهكذا يقول الرب في أصحاح البركة: "مُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ" (تث28: 4). وهذا الإثمار هو طبيعة الشجر كما أرادها الله منذ البدء، حينما خلق "كُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ" (تك1: 29) ... فهل أنت شجرة مثمرة؟ ما هو نوع ثمرك؟ وما كميته أو متى تعطي هذا الثمر؟ ... يقول المزمور: تعطي ثمرها في حينه.
فما معنى: تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي حِينْهِ؟
أول معنى أنك لا تتأخر في عمل الخير، كما يقول الكتاب: "لاَ تَمْنَعِ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهِ، حِينَ يَكُونُ فِي طَاقَةِ يَدِكَ أَنْ تَفْعَلَهُ. لاَ تَقُلْ لِصَاحِبِكَ: "اذْهَبْ وَعُدْ فَأُعْطِيَكَ غَدًا" وَمَوْجُودٌ عِنْدَكَ" (أم3: 27، 28).. ربما إذا تأخرت في عمل الخير، تحدث أضرار أو تضيع الفرصة وتندم...
أيضًا تعطي ثمرها في حينه قد تعني معنى آخر، وهو:
****
تعطي ثمرها في الحين المناسب له، حينما يكون لازمًا.
فحين يحتاج الناس، تعطي ثمر المحبة والرحمة والخدمة، وفي فترات السكون، تعطي ثمر الصلاة والتأمل، تعطي المشاركة الوجدانية في الحين المناسب "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15) ... حين يسيء إليك أحد، تعطي ثمر الاحتمال... حين تصيبك تجربة، تعطي ثمر الصبر أو ثمر الشكر... حينما تسمع مديحًا، تعطي ثمر الاتضاع، وترجع الفضل لله...
****
اللطيف في الشجرة، أنها تعطي ثمرها لغيرها..
جذرها يمتد في الأرض ويمتص الغذاء والماء، ساقها يصعد إلى فوق حاملًا العصارة للفروع وللثمار والأوراق. وتحتمل الشجرة الحر والبرد وعصف الريح. وكل ذلك لكي تقدم ثمرًا ينتفع به الغير. فثمرها لغيرها لا لنفسها. وكل تعبها لكي تغذي الآخرين وتسعدهم وتغنيهم... إنها درس، هذه الشجرة المعطاءة التي تعيش لتعطي...
ليتنا نتذكر هذا، وباستمرار نعطي ثمارًا لغيرنا.
ونعطيهم هذه الثمار في الحين الحسن، وبالقدر الوافي وباستمرار... فلا ننقطع إطلاقًا عن العطاء. والماء الذي نمتصه من مجاري المياه والذي يرمز إلى عمل الروح ووسائط النعمة، هو أيضًا يكون لتقديم ثمار جديدة... ليست فقط ثمار الشجرة لغيرها، بل حياتها كلها لغيرها.
والثمر ليس هو فقط عمل البر، إنما هو الأبناء أيضًا.
كما قال الرب لآدم وحواء: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28). وكان يعني إنجابهم... ولعل هذا أيضًا يكون درسًا للآباء والأمهات أن يكون نسلهم ثمرة لخير المجتمع الذي يعيشون فيه ولبناء الملكوت. وحينئذ يقول الرب لكل منهم: "مُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ..." (تث28: 4).
****
الإنسان شجرة مثمرة، تعطي ثمرها في حينه.. وماذا أيضًا؟ يقول المزمور: وورقها لا ينتثر...
وكل ما يعمله ينجح فيه
وكل ما يعمله ينجح فيه
إنها صفة لازمة للأبرار. ليس فقط النجاح، إنما النجاح في كل شيء في كل ما يعملونه.
ما أجمل ما قيل عن يوسف الصديق: "وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحًا" "وَرَأَى سَيِّدُهُ أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُ كَانَ الرَّبُّ يُنْجِحُهُ بِيَدِهِ" (تك39: 2، 3). وفعلًا كان يوسف ناجحًا كابن، وكخادم، وكسجين، وكوزير.. ناجحًا في كل عمل...
وما أجمل أيضًا ما قاله القديس يوحنا الحبيب لتلميذه غايس "فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ" (3يو2).
النجاح عمومًا بركة من الرب، وفي نفس الوقت مكافأة للأمانة في العمل والطاعة.
قد يسمح الله بفشل الإنسان الذي يعصى وصاياه، كعقوبة إلهية على عصيانه، كما ورد في اللعنات التي سجلها سفر التثنية، وهي كثيرة (تث28) وقد يكون الفشل وعدم النجاح نتيجة طبيعية لأخطاء الإنسان.
وبعكس ذلك نجاح مَنْ يتمم وصايا الله، كما قال الرب ليشوع بن نون: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ" (يش1: 8).
الفشل وعدم النجاح هو جزء من تساقط الأوراق.
حيث يتعرى الإنسان من المظهر الحسن أمام الغير... فيعثرون، ويقولون: كيف يكون أولاد الله هكذا؟! كيف أن الذين يذهبون إلى الكنيسة أو يخدمون فيها، يرسبون في امتحاناتهم، أو يفشلون في عملهم...؟! وكما قال السيد المسيح "إِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ؟!" (مت6: 23).
إن سقطت أوراقكم، فصورة المثاليات أمام الناس تهتز...
وربما يتساءلون في قلوبهم هل حقًا هذه الشجرة مغروسة على مجاري المياه؟! وإن كانت هكذا، فلماذا تتساقط أوراقها؟! ولماذا تفشل في حياتها؟! إنها عثرة...
وهنا نقصد الفشل الذي يكون نتيجة الخطأ والإهمال، وليس الذي هو نتيجة لحروب خارجية وحسد الشياطين، أو ما يقوله مزمور آخر "كَثيرةٌ هِي أحْزانُ الصِّدّيقينَ" (مز34: 19) ... في كل هذه يكونون ناجحين من الداخل، وورقهم لا ينتثر، بصبرهم واحتمالهم وبشاشتهم...
لذلك إن وجدت نفسك فاشلًا في شيء، راجع نفسك.
هل هذا بسبب خطأ، أو إهمال، أو سوء تصرف؟! أم هي محاربة خارجية لا دخل لإرادتك فيها. وباستمرار حاول أن تكون ناجحًا في كل عمل تعمله، وأن تؤدي كل عمل بأمانة ودقة وجدية وبضمير صالح.
لأن القاعدة الأساسية أن يكون الإنسان البار ناجحًا، وكل ما يعمله ينجح فيه.
ليس كذلك الأشرار
ليس كذلك الأشرار
ليس كذلك الأشرار، ليس كذلك...
الأشرار يفقدون بركة الله، وأيضًا يحصدون نتائج أخطائهم إنهم كما يقول الرسول "غُيُومٌ بِلاَ مَاءٍ... أَشْجَارٌ خَرِيفِيَّةٌ بِلاَ ثَمَرٍ..." (يه12).
ولعل الكتاب يقصد بالأكثر النجاح الروحي، أو النجاح الحقيقي. لأن هناك نجاحًا زائلًا أو زائفًا. وهنا تواجهنا المشكلة التي عاتب فيها إرميا النبي الإله قائلًا:
"لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!" (إر12: 1).
لماذا ينجح الذي يسلك بالرشوة، والذي يسلك بالتعلق والرياء، والذي يغطي أموره بالكذب والخداع؟! ولماذا ينجح السارق والظالم والعنيف والقاسي؟
بلا شك ليس هذا هو النجاح الحقيقي المقصود. لأن كل هؤلاء فشلوا في الداخل. فشلوا في القيم والمثل والروحيات، ولعلهم يذكروننا بقصة الغني الذي عاصر لعازر المسكين، وكيف أن هذا الغني "استوفى خيراته على الأرض" (لو16: 25) لذلك فنصيبه في العالم الآخر هو العذاب.
والقديس أغسطينوس يشبههم بالدخان الذي يصعد إلى فوق وينتشر، وفيما هو يرتفع وينتشر، يتبدد.
بينما النار تبقى تحت، وهي محتفظة بحرارتها وفاعليتها...
أما المزمور فيتحدث عن النجاح الحقيقي، حتى لو أحاطوا به مِثْلَ النَّحْلِ حَولَ الشَّهْدِ، والْتَهَبوا كَنارٍ في شَوْكٍ (مز118: 12). يوسف الصديق ألقي في السجن. ولكنه في داخله، وأمام الله، كان إنسانًا ناجحًا، بعكس المرأة التي اضطهدته...! (تك39).
لذلك لا نحسد الأشرار على نجاحهم الزائف، مع انهيار أرواحهم وسقوطها، بل يقول عنهم المزمور إنهم:
كَالْعُصَافَة
كَالْعُصَافَة
"كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ عَنْ وَجهِ الأَرضِ".
ربما ظن قايين أنه انتصر على هابيل وقتله. ولكن قايين في الحقيقة قد قتل نفسه، وصار كالعصافة التي تذريها الريح، "تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ" (تك4: 14) بينما هابيل البار لم يمت بالحقيقية وقد طالب الرب بدمه الذكي (تك4: 11) (مت23: 35) "وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" (عب11: 4).
فرق كبير بين الشجرة والعصافة.
الشجرة الثابتة في الأرض، وحفنة التبن التي تطيرها الريح عن وجه الأرض!... ومهما ارتفع التبن إلى فوق، فهو تبن... إننا نحتاج إلى أن نقيس الأمور بمقاييس روحية لنعرف أن الأبرار كالشجرة الثابتة، والأشرار كالعصافة التي تذريها الريح. نعرف الفرق بين يوحنا المعمدان الذي أخذوا رأسه على طبق، وكان أعظم من ولدته النساء (مت11: 11). وأعظم من هيرودس الذي قتله... وكان كالعصافة، ومرتجفًا وخائفًا... لأنه:
"لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22).
ويقول الكتاب أيضًا: "يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأَشْرَارِ" (أي21: 17). باعتبارهم تبنًا أو قشًا أو عصافة، ترفعهم الريح إلى فوق، ومع ذلك لا ثبات لهم ولا سلام ولا قيمة، مهما ارتفعوا... وأيضًا:
"لا تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ".
لا تعني هنا القيامة من الأموات فهي للجميع كما قال الكتاب: "يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
أما عبارة لا يقوم الأشرار هنا، فمعناها لا تقوم لهم قائمة لا يقدرون أن يقفوا أمام الله من شدة خزيهم، ولا يستطيعون أن يبرروا أنفسهم أمام العدل الإلهي... أو لا يظل أحد منهم قائمًا أمام الله في يوم الدين، إذ يقول لهم "اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!... إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" (مت7: 23).. هم لا يستطيعون أن يقوموا في مجمع الأبرار.
حاليًا يختلط القمح بالزوان (مت13). ولكن في يوم الدين ليسوا كذلك. الغني في مكان، ولعازر في مكان آخر وبينهما هوة عظيمة (لو16: 26). لذلك قال: "لا تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ، وَلاَ الْخُطَاةُ فِي مَجْمَعِ الْصِدِّيقِين"، "لأَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتُبَادُ"...
الرب يقول لهم لا أعرفكم، أي لا تستحقون معرفتي...
يطرحون في الظلمة الخارجية. وقد بادت كل طرقهم، ولم تعد تنفعهم بشيء، الريح تذريهم وتذري طرقهم أيضًا.
كل مكائدهم نحو الأبرار تنتهي. وكل افتخارهم أيضًا يباد، وكذلك كل كرامتهم التي كانت لهم على الأرض...
****
سبحوا الربّ أيّها الفتيان
سبحوا الربّ أيّها الفتيان
[مز112 (113)]
سبِّحُوا الرَّبِّ أيُّها الفتِيانُ، سَبِّحُوا اِسْمَ الرَّبِّ.
لِيَكُنِ اِسْمُ الرَّبِّ مُبارَكًا مِنَ الآنِ وإلى الأبَدِ.
مِنْ مَشَارقِ الشَّمْسِ إلى مَغارِبِها بَاركُوا اِسْمَ الرَّبِّ.
الرَّبُّ عَالٍ عَلي كلِّ الأمُمِ، فَوْقَ السَّمَوات مَجْدهُ.
مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إلَهنَا السَّاكِنِ في الأعَالي.
النَّاظِرِ إلي المتَواضِعِات في السَّماءِ وعَلي الأرْضِ.
الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ.
الرَّافِع البَائِسِ مِنَ المزْبَلةِ. لِكي يُجْلسَهُ مَعَ رُؤسَاءِ شَعْبهِ.
الذِي يَجْعلُ العَاقِرَ ساكِنَة في بَيْتٍ، أمَّ أوْلادٍ فرِحةً.
هللويا.
التسبيح
التسبيح
تسبيح الرب هو أعمق أنواع الصلوات.
لأن فيه يتجرد المصلي من ذاته، ويتركز في الله وحده. فهو في صلاة التسبيح لا يقدم طلبًا، ولا يعترف بخطية ويسأل عنها غفرانًا، ولا يشكر من جهة شيء أخذه... إنما هو يتأمل في صفات الله الجميلة، ويتغنى بها... إنه لا يصلي عن احتياج شخصي، وإنما عن حب...
صلاة التسبيح هي طقس السارافيم.
أولئك الملائكة الذين وقفوا حول العرش الإلهي يقولون: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ" (إش6: 3).
والكنيسة تقدم لنا التسابيح، في كتاب الإبصلمودية، في تسبحة الغروب، وتسبحة نصف الليل. وفي تسابيح كيهك، وفي تسبحة البصخة (أسبوع الآلام). وسفر الرؤيا يقدم لنا تسابيح أخرى... كلها تماجيد لله، بلا طلب... كما نقول في تسبحة البصخة: "لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين". وبمثل هذه التسبحة نختم الصلاة الربية.
والمزامير مملوءة بالتسابيح، يقول فيها المرتل.
"سَبِّحِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ" (مز146: 1) "سَبِّحي الرَّبَّ يا أورُشَليمَ" (مز147: 12) "سَبِّحي الرَّبَّ يا كُلَّ الأرْضِ" "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا" "سَبِّحوا الرَّبَّ وبارِكوا اِسْمَهُ، بَشِّروا مِنْ يَومٍ إلَي يَومٍ بِخَلاصِهِ" (مز96: 1، 2) وأيضًا "سبِّحُوا الرَّبِّ أيُّها الفتِيانُ" (مز113: 1).
ومن العجيب أن صلاة الساعة التاسعة، تحفل مزاميرها بالتسابيح، على الرغم أنها بمناسبة موت السيد على الصليب. فنحن نمجد هذا الموت، الذي به تم الخلاص للبشرية. ولا نخجل من موته، بل نفتخر به، إذ كان فيه كل الحب للبشرية، وكل البذل، وعظمة الفداء...
وتسبيح الرب تشترك فيه الطبيعة أيضًا..
ففي المزمور 148 نقول: "سَبِّحُوا الرَّبَّ... يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. سَبِّحِيهِ يَا جَمِيعَ كَوَاكِبِ النُّورِ... سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ، وَيَا أَيَّتُهَا الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ... سَبِّحِي الرَّبَّ مِنَ الأَرْضِ، يَا أَيَّتُهَا التَّنَانِينُ وَكُلَّ اللُّجَجِ. النَّارُ وَالْبَرَدُ، الثَّلْجُ وَالضَّبَابُ، الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ الصَّانِعَةُ كَلِمَتَهُ، الْجِبَالُ وَكُلُّ الآكَامِ" (مز148: 1 – 9).
وفي المزمور 19 نقول: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1).
والتسبيح تشترك فيه الملائكة.
ليس فقط السارافيم (إش6)، بل كل ملائكة الله. بل عجيب أن المرتل يطلب من الملائكة أن يشتركوا معه في التسبيح، فيقول: "سَبِّحُوهُ يَا جَمِيعَ مَلاَئِكَتِهِ. سَبِّحُوهُ يَا كُلَّ جُنُودِهِ" (مز148: 2) "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20). بل الأطفال أيضًا، كما دافع عنهم الرب عند دخوله أورشليم، بقوله مكتوب:
"مِنْ أفْواهِ الأطْفالِ والرُّضْعانِ هَيَّأتَ سَبْحًا" (مت21: 16) (مز8: 2).
إن المرتل يريد أن يشترك الكل في تسبيح الله. وما أجمل قوله "لأنّ كُلّ الأشْياء مُتعبّدَة لكَ" (مز119: 91).
فهل عندما تسمع نداء المرتل "سبحوا الله"، تستجيب لذلك وهنا أسأل:
ما هو مقدار التسبيح في حياتك؟
هل تمارسه؟ هل دربت نفسك عليه؟ هل تردد تسبحة الثلاثة تقديسات من كل قلبك؟ هل تستخدم باقي صلوات التسابيح المحفوظة؟ هل تقول لله مع المرنم: "ليسَ لَكَ شَبيهٌ في الآلِهَةِ يا رَبُّ" (مز86: 8). يا رب مَنْ مثلك!! تكلم مع الله عن ذاته، وعن حبك لصفاته. تأمل في محبته، في مغفرته، في عظمته وجلاله... قل له كما في (مز119):
"مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي" (مز119: 97)
ردد عبارة التسبحة "اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك"... لاحظ أن الطلبات الثلاث الأولى في الصلاة الربية، تدخل في نطاق التسبيح "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ..."... إن الله غير محتاج إلى تسبيحك. لكنك بتسبيحك له، يتقدس فكرك.
يمكن أن تسبح الله بلسانك، وتسبحه بعملك.
وعن ذلك قال السيد الرب: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16) ... كذلك كما تسبحه بلسانك، تسبحه بقلبك. كما نقول في التسبحة "قلبي ولساني يسبحان القدوس".
المزمور
المزمور
"سبِّحُوا الرَّبِّ أيُّها الفتِيانُ، سَبِّحُوا اِسْمَ الرَّبِّ" (مز112: 1).
كلمة (الفتيان) كما تعني الصغار والأحداث والأطفال، تعني أيضًا المتضعين حسب تفسير القديس أغسطينوس. فلكي لا يظن بعض الكبار أن هذا المزمور لا يخصهم، على اعتبار أنهم قد شاخوا، نقول إنه ليس للكبار الذين كبروا في أعين أنفسهم. بل هو للذين هم صغار في أعين أنفسهم مهما كبروا. هو للمتضعين والحديثي الإيمان.
ويمكن أن يقوله الآباء والخدام لأبنائهم.
يقوله الآباء والأمهات لأبنائهم: سبحوا الرب أيها الفتيان. بل يكتبون هذه الآية ويعلقونها في بيوتهم، كدرس دائم. ونفس العبارة يقولها الآباء الكهنة وخدام مدارس الأحد، لكل مَنْ هم تحت مسئوليتهم. إنها مبدأ تربوي. نقوله لأنفسنا ولأولادنا. وإن تذمروا لسبب ما، نقوّمهم بهذه الآية. ونضع أمامهم هذه الآية مهما أصابهم.
فعلينا أن نسبح الله، مهما أصابتنا الضيقات.
ومثالنا في ذلك أيوب الصديق، الذي في كل تجاربه وضيقاته وآلامه كان يقول: "لْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي1: 21). لذلك ينبغي أن نسبح الرب ونشكره على كل حال، ومن أجل كل حال، وفي كل حال، سواء كنا عند جبل التجلي، أو كنا في الجلجثة أو جثسيماني. نباركه في الضيقة كما في السعة. حينما تغمرنا بركاته، وحينما تلاحقنا شماتة الأعداء...
سهل أن نقول: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 2). ولكن هل تستطيع أن تسبح اسم الرب، وأنت في بطن الحوت، تقول: "طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ... جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ". وتقول معها أيضًا: "أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ أَذْبَحُ لَكَ..." (يون2: 3، 9).
تسبح اسم الرب في الظلمة وفي النور. حينما يستجيب صلواتك، أو تظن أنه لم يستجب. تسبحه في أوقات النجاح، وفي أوقات الفشل، في أوقات الاضطهاد، وفي أوقات التعزية.
الذين يسبحون الله باستمرار، يملك السلام قلوبهم. لا يتضايقون ولا يتذمرون.
ومن الناحية الأخرى، الذين يملك السلام قلوبهم، يسبحون الرب في كل حين. حقًا ما أجمل قول المرتل في المزمور: "أُباركُ الرَّبَّ في كُلِّ وَقْتٍ، وفي كُلِّ حينٍ تَسْبحَتُهُ في فَمي. بالرَّبِّ تَفْتَخرُ نَفْسي" (مز33: 1، 2).
****
لِيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ.
اسم الرب العالي، الذي ترتعد أمامه الملائكة، الاسم الذي هو فوق كل اسم، فليكن مباركًا في كل حين، لا نذكره إلا بكل تمجيد، قائلين له: "ليتقدس اسمك". لا نتذمر عليه مهما حدث، ولا ننسب إليه شرًا أو ظلمًا، ولا ندّعي إنه قد نسينا أو قصر في رعايتنا! حاشا... إنما كل ما يصيبنا من ضيقات له أسباب أخرى. والرب سيتدخل فيها ويصلحها. لذلك فليكن اسم الرب مباركًا من الآن وإلى الأبد، وأيضًا:
****
"مِنْ مَشَارقِ الشَّمْسِ إلى مَغارِبِها بَاركُوا اِسْمَ الرَّبِّ".
يمكن أن تعني هذه العبارة من الصباح إلى المساء، أي كل الوقت. ويمكن أن تعني من مشارق الشمس – جغرافيًا – إلى مغاربها، أي كل الدنيا. فهي دعوة لكل الشعوب أن تبارك اسم الرب، أو هي صلاة نوجهها إلى الله أن يفتقد كل تلك الشعوب البعيدة في أقصى الشرق، التي تعبد براهما وبوذا وكنفوشيوس، وعبادات أخرى كثيرة، لكي تؤمن وتبارك اسم الرب، وهي تشمل آلاف الملايين. فكأنها صلاة أن يمتد ملكوت الله، ليشمل الأرض كلها. لأنه "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" [مز23 (24): 1].
في كل هذا، لا يطلب المصلي لأجل نفسه، إنما لأجل الرب وملكوته في كل مكان... عجيب هذا المزمور في نسيان المصلي لنفسه، وتركيزه على الله وعلاقة الناس به. فهو يقول بعد ذلك:
****
الرَّبُّ عَال فَوْقَ كُلِّ الأُمَمِ. فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مَجْدُهُ. مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟
إن كان الرب ساكنًا في الأعالي، فعلى الأقل يسكن في قلوب الناس... حتى إن كانت الأمم تنكره، فهذا لا يضيره، ولا ينقص من مجده، لأنه عالٍ على كل الأمم. ولأن مجده فوق السماوات، وفوق الملائكة. وهناك سماء أعلى من هذه السماوات، هي "سماء السماوات" إذ قيل للرب: "هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ" (1مل8: 27) ... حقًا، "مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إلَهنَا السَّاكِنِ في الأعَالي".
إن كان علوك بهذا القدر، فمَنْ نحن حتى نقترب إليك؟!
هل هذا يشعرنا بصغر نفس وإحباط ويأس، إذ لا نقدر على الاقتراب من الله "الساكن فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ" (1تي6: 16)، الذي فوق السماوات مجده.. كلا، فإن المزمور يمنحنا الرجاء في الله بقوله عنه:
****
السَّاكِنِ في الأعَالي. النَّاظِرِ إلى المتَواضِعِات:
"النَّاظِرِ إلي المتَواضِعِات في السَّماءِ وعَلى الأرْضِ" "المُعْطي البَهائِمَ طَعامَها ولِفِراخِ الغِرْبانِ الَّتي تَدْعوهُ" (مز146 (147): 9). الذي يقول عنه المزمور: "الرَّبُّ قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ" (مز145: 18).
كثير من البشر إذا ارتفع قدرهم أو منصبهم، يرتفع قلبهم، ويتعالون على مَنْ هم أقل منهم، كما قال الشاعر:
لما صديقي صار من أهل الغنى .:. أيقنت أني قد فقدت صديقي
أما الله فليس هكذا: إنه الساكن في الأعالي، وفوق السماوات مجده. وعلى الرغم من ذلك، هو الناظر إلى المتواضعات في السماء وعلى الأرض. ولما لم نستطع أن نصعد إليه، نزل هو إلينا...
"الرَّبُّ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً" (يع4: 6).
الملاك المتكبر الذي قال: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). هذا "انْحَدَرْ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ" (إش14: 15). أما الملائكة المتواضعون "الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20)، فهؤلاء أعطاهم نعمة...
العذراء، اختارها الرب من بين كل النساء، "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" (لو1: 48).
وهكذا قالت في تسبحتها "أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ... شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ" (لو1: 52، 51). إن أيوب الصديق، حينما كان "بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أي32: 1) دخل في تجربة. ولكنه حينما تواضع، ورفض البر الذاتي، وقال: "أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ" وحينما قال: "نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا" (أي42: 6، 3)، حينئذ انتهى وقت تجربته، "وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ... وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا" (أي42: 10).
هذا الإله الناظر إلى المتواضعات، قيل عنه أيضًا إنه:
****
"المقِيمِ المسْكِينَ مِنَ التُّرابِ، الرَّافِع البَائِسِ مِنَ المزْبَلةِ. لِكي يُجْلسَهُ مَعَ رُؤسَاءِ شَعْبهِ".
هكذا فعل الله مع داود الذي كان مسكينًا بين يدي شاول الملك، وكان محتقرًا من إخوته، الذي قال: "أَنَا صَغِيرًا كُنْتُ... فِي بَيْتِ أَبِي" "وَغَرِيبًا عِنْدَ بَنِي أُمِّي" (مز151: 1؛ 69: 8)، هذا رفعه الله، وصيره ملكًا، وصار أعلى من كل بيت شاول.
وكذلك يوسف الصديق، الذي كان مسكينًا في يدي إخوته فألقوه في البئر وباعوه للإسماعيليين (تك37: 24، 28)، هذا رفعه الله "وجعله أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك45: 8).
كذلك يمكن أن يطلق هذا على كنيسة الأمم.
التي كانت من الغرباء، بلا أنبياء بلا آباء، بلا شريعة، بلا عهود، فصارت "رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (أف2: 12، 19)
ويمكن أن تنطبق على كل إنسان منسحق القلب. وكذلك على الإنسان التائب الذي يقبله الله، ويسكنه الروح القدس. وينطبق عليه قول المزمور:
*****
"الذِي يَجْعلُ العَاقِرَ ساكِنَة في بَيْتٍ، أمَّ أوْلادٍ فرِحةً!".
من الناحية الحرفية، تنطبق هذه الآية على كثير من العواقر: أمثال سارة أم إسحاق، وراحيل أم يوسف الصديق، وحنة أم صموئيل، وأليصابات أم يوحنا المعمدان، وعلى كثير من العواقر.
وتنطبق على كنيسة الأمم، التي قيل عنها في سفر إشعياء النبي: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ... أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ، وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ... لأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى الْيَمِينِ وَإِلَى الْيَسَارِ، وَيَرِثُ نَسْلُكِ أُمَمًا، وَيُعْمِرُ مُدُنًا خَرِبَةً" (إش54: 1- 3).
وتنطبق الآية أيضًا على النفس الخاطئة التي كانت عاقرًا من جهة البر، ثم بدأت تنجب من الروح القدس فضائل عديدة، وأصبحت ساكنة في بيت الله، أم أولاد فرحة.
إنها تنطبق على الأرض التي "كانت خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ"، ثم "قَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ" (تك1: 2، 3). ثم عمرت الأرض بالإنسان والنبات والحيوان والطبيعة، وصارت أم أولاد فرحة.
وهذه الأرض هي رمز لكل نفس بشرية كانت في مثل حالتها، وأشفق عليها الله، فصارت عامرة بكل ثمار الروح، أم أولاد فرحة.
يا الله أنت إلهي، إليك أبكر مز62 (63)
يا الله أنت إلهي، إليك أبكر
مز62 (63)
يا الله أنت إلهي، إليك أبكر، عطشت نفسي إليك.
لكي يزهر لك جسدي في أرض مقفرة، وموضع غير مسلوك، ومكان بلا ماء. هكذا ظهرت في القدس، لأرى قوتك ومجدك.
لأن رحمتك أفضل من الحياة.
شفتاي تسبحانك، لذلك أباركك في حياتي.
وباسمك أرفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم.
شفاه الابتهاج تبارك اسمك. كنت أذكرك على فراشي.
وفي أوقات الأسحار كنت أرتل لك.
لأنك صرت لي عونًا، وبظل جناحيك أبتهج.
التحقت نفسي وراءك، ويمينك عضدتني.
أما الذين طلبوا نفسي للهلاك، فيدخلون في أسافل الأرض، ويدفعون إلى يد السيف. يكونون أنصبة للثعالب.
أما الملك فيفرح بالله. ويفتخر كل مَنْ يحلف به.
لأن أفواه المتكلمين بالظلم تسد.
هللويا.
مناسبة المزمور
مناسبة المزمور
قال داود هذا المزمور وهو في البرية، حينما كان هاربًا من شاول الملك الذي كان يطارده ويريد قتله.
في الواقع إن المزامير التي قالها داود وهو في الضيقة، كانت من أجمل مزاميره.
قالها بنفسية حسّاسة، وقلبه متصل بالله. وقد رفعه الألم إلى مستوى عميق من المشاعر. وكما قال أمير الشعراء:
ومُتعتَ بالألم العبقريّ وأنبغ ما في الحياة الألم
ليس الألم شيئًا رديئًا، إن أحسن الإنسان استغلاله. فهو يعصر النفس ويُخرج منها روحيات جميلة. ونلاحظ أن داود النبي، كان – إذا أحاطت به المشاكل – لا يتذمر ولا يتضجر، بل يرفع قلبه إلى الله مصليًا. وحالما يتصل قلبه بالله في الصلاة، ترتفع روحه. فلا تضغطه المشاكل ولا الضيقات. كان يعالج الضيقة بالصلاة.
وكان في صلاته ينسى المشكلة ويتذكر الله.
وحينئذ كان يستريح من الداخل، بل تتحول طلبته إلى شكر.
وإذ لا يجد معونة من الله، يلجأ إلى الله ليأخذ منه العون.
هدفه ووسيلته
هدفه ووسيلته
إنه من أجمل مزامير داود، في شرح العلاقة مع الله:
1- يشرح اشتياقه إلى الله بقوله: "عَطِشَتْ إلَيكَ نَفْسِي" "يزهر لك جسدي" "الْتَحَقَتْ نَفْسي وَرَاءَكَ".
2- يسبّح الله بقوله: "شَفَتايَ تُسبِّحانِكَ. لذلِكَ أُباركُكَ في حَياتِي".
3- يظهر شبعه بالله في قوله: "باسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ".
4- يتحدث عن الشركة مع الله، والعلاقة مع الله، والحديث مع الله. فيقول: "كنْتُ أذْكرُكَ عَلي فِراشِي. وفي أوْقاتِ الأسْحَارِ كُنتُ أرتِّل لَكَ".
5- يتكلم عن اعتماده على الله، فيقول: "لأنَّكَ صِرْتَ لي عَونًا، وبِظلِّ جَنَاحَيكَ أبْتَهجُ".
6- يتكلم عن انتصاره عن طريق معونة الله، فيقول: "أمَّا الذِينَ طلَبُوا نَفْسي للْهَلاكِ، فيَدْخلُونَ في أسافِلِ الأرْضِ. ويُدْفَعونَ إلي يَدِ السَّيْفِ".
هذا هو ملخص علاقته بالله:
الاشتياق إلى الله. تسبيح الله. الشبع به.
الشركة معه. الاعتماد عليه. الانتصار بواسطته.
7- أما الطريقة التي سلك بها داود، فهي أنه حاول أن يمسك بالله بكل الطرق:
أولًا: بالإيمان، إذ يقول: "يَا اللهُ إِلَهِي أَنْتَ".
ثانيًا: بالحب، إذ يقول: "عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي...".
ثالثًا: بالرجاء، إذ يقول: "أمَّا الملِكُ فَيفْرحُ باللهِ" وقوله: "لأنَّ رحْمتَكَ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ".
رابعًا: بالصلاة، إذ يقول: "كنْتُ أذْكرُكَ عَلي فِراشِي. وفي أوْقاتِ الأسْحَارِ كُنتُ أرتِّل لَكَ" "وباسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي...".
بعد هذه المقدمة، فلنتناول المزمور آية، آية.
يا الله أنت إلهي
يا الله أنت إلهي
بهذا يظهر إيمانه بالله، ويذكر أن الله هو إلهه الخاص.
يكلمه لا كإله لكل الناس، ولكل الشعوب والأمم، وإنما باعتباره إلهه الخاص.
"أَنْتَ إِلَهِي". بيني وبينك علاقة خاصة... كمَنْ يقول للسيد المسيح "أنت مخلصي"، مع أنه مخلص العالم كله...
والله نفسه كان يستخدم هذا الأسلوب أحيانًا، فيقول: "أَنَا إِلهُ... إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر3: 6). وهكذا أيضًا صلى يعقوب وقال: "يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ..." (تك32: 9).
إن الله يوافق أيضًا على هذه العلاقة الخاصة.
يحدثنا التاريخ أحيانًا: إنه حينما كانت تحدث معجزة أثناء تعذيب مار جرجس، كان كثيرون يؤمنون ويصيحون قائلين: "نؤمن بإله مار جرجس" أو "عظيم هو إله مار جرجس"... مع أنه إله العالم كله.
ومن أمثلة ذلك، بعد معجزة نجاة الثلاثة فتية من أتون النار، أن نبوخذ نصر الملك قال: "تَبَارَكَ إِلهُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ..." (دا3: 28). وكذلك فعل داريوس الملك بعد نجاة دانيال من جب الأسود، الذي كتب إلى كل شعوب مملكته قائلًا: "مِنْ قِبَلِي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ، لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ..." (دا6: 26).
كثيرون يعبدون الله، ولكنهم لا يشعرون إنه هو إلههم بالذات.
يصلي الواحد منهم إلى الله، دون أن يشعر أنه هو إلهه الخاص. ولا يقول له "يا الله أنت إلهي"، أنت الذي خلقتني من العدم، أنت الذي ترعاني. حقًا إنك ضابط الكل، لكنك بالنسبة إليَّ لك رعاية خاصة بي أعرفها جيدًا...
وما أكثر أمثال هذه التأملات في القداس الغريغوري، التي يصلي فيها الكاهن بأسلوب المفرد "أنت الذي خلقتني إذ لم أكن... رفعت لي السماء سقفًا، وثبتّ ليَّ الأرض كي أمشي عليها. من أجلي ألجمت البحر. من أجلي أخضعت طبيعة الحيوان...".
إليك أبكر
إليك أبكر
إيمانك بالله كإله خاص بك، لا بُدَّ أن يكون له تأثير عملي في حياتك. فالإيمان الاِسمي أو الشكلي أو الظاهري، لا ينفعك بشيء.
ما دام هو إلهك، ينبغي أن تبكر إليه، لتتحدث معه.
ويكون أول مَنْ تنشئ معه علاقة في يومك. فالمحبة التي لا يثبتها العمل هي محبة باطلة أو محبة ناقصة. لذلك فأنت في محبتك لله، تظهر محبتك بتبكيرك للتواجد معه. فأول ساعة من يومك تخصصها له. وهكذا تعطيه بكور وقتك. وعلى الأقل يكون الله هو أول مَنْ تتحدث معه في يومك.
ويتقدس يومك إذ يبدأ بالله.
إذ تعطيه الوقت البكر، الذي لم يرتبط بأي فكر خاطئ، ولا بأي شعور سيئ، ولا بأية علاقة مع إنسان، أو اهتمام بشيء ما. وإذ تذكر الله في بدء يومك، إنما يتقدس فكرك بالصلاة، ويستحي من أنه ينشغل بشيء خاطئ. وكما كان الله يأخذ البكور من المحاصيل في العهد القديم، هو الآن يأخذ بكور وقتك بالصلاة والتأمل وقراءة الكتاب والأفكار الروحية.
عبارة "إليك أبكر" تدل على اشتياقك إلى الله.
فأنت لا تريد أن يطول نومك، ويشغلك عن الحديث مع الله، وإنما تسرع إلى الاستيقاظ لكي تتمتع بالوجود مع الله، لكي تحيا معه ومع وصاياه، لأن نفسك قد عطشت إليه.
في هذا التبكير المشتاق إلى الله، تقول مع داود:
"سَبقتْ عَيْنايَ وَقت السَّحَر لألْهَجُ في جَميعِ أقوالِكَ" (مز119: 148).
أي سبقت عيناك وقت الفجر، لتتلو في أقوال الله.
وهكذا تعلمنا الكنيسة في بدء صلاة باكر، أن نصلي الأصحاح الأول من الإنجيل للقديس يوحنا البشير "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ". وفي تأمل - في غير معناها اللاهوتي – تجعل الله الكلمة في بدء يومك.
وحسنًا اسمتها الكنيسة صلاة باكر، حاملة معنى التبكير.
ولم تطلق عليها اسم صلاة الصباح. لأن فيها يقول المصلي: "يَا اللهُ إِلَهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ". ويقول أيضًا: "سبقت عيناي وقت السحر، لأتلو في جميع أقوالك".
أنا يا رب أبدأ يومي معك، وآخذك معي طول النهار. تكون معي في البيت، وفي الطريق وفي مكان عملي، وفي كل ما أعمله.
أضعك في فكري، وعلى لساني، وداخل قلبي.
وآخذ منك نعمة وروحًا ومعونة. وأعطيك قلبي ومشاعري.
كثيرون يبكرون لأجل أمور كثيرة. لأجل ميعاد العمل، لأجل ميعاد السفر، لأجل إعداد أنفسهم لامتحان أو لدراسة أو لمقابلة هامة... فلماذا لا يبكر الإنسان للقاء مع الله؟
وفي التبكير لله، تقول له: ليس لأي مصلحة خاصة، وإنما:
عطشت نفسي إليك
عطشت نفسي إليك
إنه اشتياق النفس إلى الله، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء. أو كما يقول في مزمور آخر: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي... إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 1، 2).
هذا العطش الذي عبر به داود عن مشاعره، لعله تعبير عما قاله المسيح في عظته على الجبل: "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ" (مت5: 6). ولا يوجد برّ أعظم من الوجود مع الله والتمتع به.
العطش إلى الله يدل على أن صلاته ليست مجرد طاعة لأمر، أو تغصب لصنع فضيلة.
إنما هي مشاعر اشتياق إلى الله. إنه عطشان إلى ذلك الماء الحيِّ، الذي قال عنه الله في توبيخه لليهود: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13). وهو الماء الحي الذي تحدث عنه الرب مع المرأة السامرية: وأنه "يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 14).
داود النبي عرف – وهو في العهد القديم – الارتواء من الماء الحيِّ... وكأنه يقول لله في صلواته:
أنا لا أريد أن أرتوي بماء من عندك، إنما أريد أن أرتوي بك أنت. أنت مائي، وفيك ريّ نفسي. أنا أرتوي بك. أنا مشتاق إليك. أتغذى بك وأحيا بك. أنا معك مثل الشجرة المغروسة على مجاري الماء. والماء الذي ترتوي به هو أنت يا رب. من غيرك لا أستطيع أن أعيش يومًا واحدًا. فأنت ماء الحياة بالنسبة إليَّ. إن بعدت عنك، تجف نفسي وأموت. أكون كمَنْ قلت عنه إن له اسمًا أنه حيّ وهو ميت (رؤ3: 1).
أنا متعجب من هذا الرجل داود...!
طول النهار مع الله، يقول له: "سَبْعُ مَرّاتٍ في النّهارِ سَبّحتُكَ على أحْكام عَدلكَ" (مز119: 164). هو معه عشية وباكر ووقت الظهر. وكل ذلك غير كافٍ له. فحينما يذهب لينام، يقول: "كنْتُ أذْكرُكَ عَلي فِراشِي" (مز62: 6). وهو لا يستمر على فراشه، وإنما يقول: "في نِصفِ الليلِ نهَضتُ لأشْكرُكَ على أحْكامِ عَدلِكَ" (مز119: 62). وبعد نصف الليل يقول: "سَبقتْ عَيْنايَ وَقت السَّحَر لألْهَجُ في جَميعِ أقوالِكَ" (مز119). وبالرغم من هذا الليل المتقطع بالصلاة يقول لله: "يا اللَّهُ أنت إلَهِي إليْكَ أُبكِّرُ. عَطِشَتْ إلَيكَ نَفْسِي" (مز62: 1).
حقًا أنا طول الليل في حضنك الإلهي. شمالك تحت رأسي، ويمينك تعانقني (نش2: 6). ومع ذلك لا بُدَّ أن أصحو مبكرًا، لأن نفسي قد عطشت إليك. وهو وقد جرّب محبة الله والحياة معه، يدعو الناس إلى مشاركته في ذلك، فيقول لهم:
"ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8).
وإن ذقتم محبة الله، سوف تحبونه، وتشتعل نار محبته في قلوبكم. ومن شدة هذه الحرارة تشعرون بالعطش، وبالحاجة إلى الماء ليرويكم. وهذا الماء هو الله نفسه...
إننا لا نصلي مثل داود، لأننا لا نحب الله مثلما كان داود يحبه. حقًا إننا نعيش في نعم العهد الجديد، ولكن ليست لنا محبة داود لله وقد كان يعيش في العهد القديم. إننا لم نصل إلى مستوى قلب داود، الذي كان قيثارة للروح القدس.
كان يحسن العزف على العود (1صم16: 16). وهو نفسه كان العود الذي يعزف عليه الروح القدس ألحانًا في محبة الله.
لقد كان يعيش في العهد القديم بروح العهد الجديد. كان صلاته إلى الله متعة روحية له، ورائحة سرور للرب كدخان المحرقة (لا1: 9). كان صلاته شوقًا إلى الله، وحبًا، وعطشًا إلى الله....
كل عبارة "أنا عطشان" التي قالها السيد المسيح على الصليب، كانت – بالإضافة إلى معناها الجسدي الحرفي – تمثل معنى الاشتياق إلى الارتواء بعبارة "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30) التي بها ارتوى "ابن الإنسان" بتكميل رسالته في الفداء وطاعته للآب حتى الموت...؟!
طبعًا كان السيد المسيح في حالة ارتواء دائم مع الآب. ولكننا نتكلم هنا عن الحب في عمل مشيئته، ونقل محبته إلى الناس (يو3: 16). يقول داود عن سبب عطشه إلى الله: "لِكَيْ يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي، فِي أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ وَمَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ وَمَكَانٍ بِلَا مَاءٍ" (مز62: 1).
يزهر لك جسدي
يزهر لك جسدي
"لِكَيْ يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي". لأن الجسد ليس شرًا، كما يرى البعض الذين يرون الخير كله في الروح. فالرسول يقول: "مَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20).
إن الجسد ليس شرًا، فالله قد خلقه. والله لا يخلق شرًا. والجسد ليس شرًا، وإلا ما كان السيد المسيح قد اتخذ له جسدًا واتحد به.
الجسد إذًا يمكن أن يزهر للرب، حينما يسير مع الروح في اتجاه واحد، ويخضع للروح التي تخضع لله.
يمكن أن يشترك الجسد مع الروح في عبادة الله. يقف في وقار أمام الله في الصلاة، ويرفع يديه في الصلاة، حسبما يقول داود في نفس هذا المزمور: "باسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ" (مز63: 4، 5). أو يركع الجسد في صلاته ويسجد، ويقول مع داود: "لَصقتْ بالترابِ نَفْسي" (مز119: 25)، أو يتعب الجسد من عمل الخير.
"يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي"، أي يبدأ في الثمر.
الذين يعملون في الزراعة، يعرفون أن الثمرة تبدأ حينما تزهر الشجرة، ثم يعقد الزهر، فيكون بداءة الثمرة. والشجرة الجيدة هي التي تصنع ثمرًا.
كذلك فالزهر له رائحة زكية، ومنه يصنع النحل شهدًا.
هكذا إذًا عبارة يُزهر جسدي، تعني الثمر الذي لله، كما تعني الرائحة الزكية، التي يتنسّم منها الله "رَائِحَةَ الرِّضَا" (تك8: 21).
يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي، وليس لغيرك.
لأن هناك أشخاصًا جسدهم يزهر للعالم. يهتم الواحد منهم بجمال جسده وأناقته ورشاقته ورائحته الطيبة، كل ذلك للعالم، وربما للخطية. ينظر إليه العالم فيجده جسدًا جميلًا، "كالقبور المبيضة من الخارج، وفي الداخل عظام نتنة" (مت23: 27).
أما داود فقال للرب: "يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي". من أجلك ومن أجل ملكوتك، يتعب لك جسدي بالسهر والصوم، بالعرق والدموع، بالصلاة والمطانيات، بالتعب في الخدمة، بتحمل الآلام من أجلك.
وهكذا يكون جسدًا يزهر في العمل الروحي، ثم يثمر أيضًا.
بعض القديسين كانت أجسادهم مجرد جلد على عظم، من شدة النسك والزهد والصوم. ولكنها كانت مزهرة لله تقدم له ثمار الفضيلة، "فِي أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ وَمَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ وَمَكَانٍ بِلَا مَاءٍ".
في أرض مقفرة
في أرض مقفرة
كان داود في ذلك الوقت في أرض مقفرة ومكان بلا ماء، هاربًا من شاول الملك، ومع ذلك كان مزهرًا للرب. كان كل ما يحيط به هو الخوف والضيقة والتعب والمطاردة. وكان شاول يتربص له في البرية، ويضع له كمينًا لكي يقتله. وكان داود يعرف ذلك تمامًا، كما قال ليوناثان بن شاول: "إِنَّهُ كَخَطْوَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَوْتِ" (1صم20: 3).
ومع ذلك، وهو في تلك البرية القفرة والموضع غير المسلوك والمكان الذي بلا ماء، لم يفكر في ضيقاته ومتاعبه، ولم يفكر في الموت الذي يتهدده، ولا في شاول الذي يطارده، وإنما غنى لله قائلًا: "يَا اللهُ أنت إِلَهِي، إِلَيْكَ أُبَكِّرُ... يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي، فِي أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ".
في ضيقاته لم يكن يتذمر، وإنما كان يتذمر بالمزامير.
وعلى الرغم من متاعبه وضيقاته، كانت نفسه مرتفعة عالية، وكان فكره مرتبطًا بالله. وكان يسبح الله قائلًا: "شفتاي تسبحانك، لذلك أباركك في حياتي".
في هذا المكان الذي بلا ماء، لم يكن داود يشتاق إلى الماء، وإنما إلى الله. كانت حرارة الروح عنده تجعله ينسى جسده، أو لا يشعر به. أو من الناحية الروحية والرمزية، يمكن أن نأخذ هذه الكلمات بمعنى آخر فنقول:
يُزْهِرَ لَكَ جَسَدِي، فِي أَرْضٍ مُقْفِرَ، أي في حياة التجرد. وفي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ أي في الوحدة معك. نقول هذا في تأملنا الروحي.
بدء دعوى إبراهيم أن أخرجه الله من أهله ومن عشيرته ومن بيت أبيه، إلى الجبل الذي أراه إياه (تك12: 1، 2) إلى موضع غير مسلوك من جهة تلك البيئة. كذلك كلّم الله موسى وحده على الجبل، في موضع غير مسلوك وفي أرض مقفرة ومكان بلا ماء. وفي موضع قفر غير مسلوك كلّم الرب إيليا النبي، وهو هارب من إيزابل (1مل19).
وفي المزمور الأول يريدنا الله أن نعيش معه في موضع غير مسلوك من الخطاة والمنافقين ومجالس المستهزئين.
إن عمق العلاقة بالله يناسبها الخلوة، أي الموضع غير المسلوك.
بعيدًا عن ضجيج المجتمع ومشاكله... وهذا ما نريد أن ندرب أنفسنا عليه، حسبما نستطيع. أما آباؤنا القديسون فعاشوا في ذلك طول حياتهم.
وعبارة "مَكَانٍ بِلَا مَاءٍ" ترمز إلى حياة النسك والزهد، بعكس الغني الذي عاصر لعازر المسكين، بالرفاهية فاستوفى خيراته على الأرض (لو16).
عبارة مَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، قد ترمز أيضًا إلى القلب النقي والعقل النقي.
الذي لم تسلك فيه أفكار العدو، وشهوات العالم. لم تعبر فيه فكرة خاطئة ولا شهوة شريرة. أما الذين يتجاذبون مع الأفكار والشهوات، فيقول عنهم مار إسحاق:
"يكونون كمَنْ هم في سوق، يبيعون ويشترون".
أما صاحب القلب النقي، فيقول للرب: أنا أسبحك من قلب هو موضع غير مسلوك لا يقبل أية فكرة أو شهوة تعرض عليه.
هي ذي العينُ لقد أغمضتها |
| عن رؤى الأشياءِ علّي أن أراك |
وعن هذا المعنى قيل في النشيد بأسلوب رمزي "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 12).
عبارة مَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، قد تعني أيضًا أنه مخصص للرب.
ولأضرب لذلك مثلًا فأقول: إذا اشترى أحد أرضًا، وتركها بدون أسوار، قد تدوسها أقدام كثيرة، ويسلك فيها كثيرون. أما إذا أحاطها بسور، وجعل لها بابًا وأغلقه، تصير هذه الأرض مصانة، وتصبح موضعًا غير مسلوك، ويحترم الناس ملكيته لها.
هكذا يكون قلبك إن كان ملكًا، لا يصبح أرضًا مداسة من الغير، ولا يدوسها ذلك الذي هوايته "الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ... التَّمَشِّي فِيهَا" (أي1: 7).
هَكَذا ظَهَرَتْ لَكَ في القُدسِ، لأرَي قُوَّتكَ ومَجْدكَ. لأنَّ رحْمتَكَ أفْضَلُ مِنَ الحَياةِ.
من عطشي إليك، ذهبت إلى أقداسك، وظهرت لك. لأن هناك أرى قوتك ومجدك. وأشعر أنني في حمى إله قوي ممجد.. وفي حمى رحمته...
الاعتماد على رحمته أفضل من الاعتماد على هذه الحياة التي أحياها.
من أجل هذا تتعلق نفسي بك وأسبحك.
شفتاي تسبحانك. لذلك أباركك في حياتي.
باسمك أرفع يدي فتشبع نفسي
باسمك أرفع يدي فتشبع نفسي
† أرفع يدي في الصلاة، مثال الصليب... والصليب يخيف الشياطين. كما أن الأيدي المرفوعة بعيدة عن الأرض والماديات.
† ورفع اليدين طقس من طقوس الصلاة:
يقول المرتل في المزمور: "في اللَّيالي. ارْفَعوا أيْديَكُم إلَى القُدسِ، وبارِكوا الرَّبَّ" (مز134: 2). ويقول القديس بولس الرسول: "أريد أن الرجال يصلون رافعين أيدي طاهرة" (1تي2: 8).
† وأثناء الحرب من عماليق، كان موسى النبي يرفع يديه في الصلاة، فينتصر جيش يشوع. ولما ثقلت يداه، قام هارون وحور بدعم يديه لكي يستمر الانتصار (خر17: 11- 13).
† ورفع اليدين وهما مفتوحتان، هو اعتراف بالاحتياج، لكي يملأها الله من خيراته. كما أن ذلك دليل على الاتضاع.
****
هناك أشخاص يصلون في ملل، أما داود فيقول:
"باسْمِكَ أرْفَع يَدِي. فتَشَبعُ نَفْسِي كَما مِنْ شَحْمٍ ودَسَمٍ".
إنه شبع روحي، شبع بالرب، يشعر به داود حالما يرفع يديه في الصلاة. وهذا دليل على أنه يصلي من عمق قلبه وبكل مشاعره، وليس بمجرد ألفاظ تخرج من فمه.
يشبه شبعه ليس بمَنْ يشبع من خبز، بل من شحم ودسم. وكان ذلك من أفضل المأكولات التي تشبع. وكان شحم الذبائح في العهد القديم يقدم على مذبح المحرقة (لا4: 8- 10) إشارة إلى أنه مقدم لله لنيل رضاه كرائحة سرور للرب (لا1: 9، 13، 17).
وهو يشير إلى الوليمة السمائية.
شفتاي تسبحانك لذلك أباركك في حياتي
شفتاي تسبحانك لذلك أباركك في حياتي
لو أن داود سبّح الرب في انتصاره، لكان ذلك أمرًا عاديًا.. أما أن يسبحه في الضيقة، في الأرض القفرة، وفي موضع غير مسلوك، وهو هارب من شاول، والموت يطارده... فهذا يدل على أن داود كان هدفه هو الله وحده. ولم يكن هدفه هو راحته الشخصية، أو التخلص من التجارب...
لقد سبّح الله، لأنه لم يركز مشاعره في الضيقة، وإنما في قوة الله ومجده. إذ يقول له:
هكذا ظهرت لك في القدس، لأرى قوتك ومجدك.
حسن هذا، أنه في ضيقته، يظهر أمام الله، ليرى قوته التي فيها يتمجد الله أيضًا. وبعد ذلك يقول له: "شفتاي تسبحانك...".
عملي هو أن أسبحك...
لأنك وهبتني هذه النعمة، أن أسبحك...
وهبتني هذا القلب الشاكر لك، الذي يشكرك على كل حال، ومن أجل كل حال، وفي كل حال... أشكرك عندما أنتصر على جليات، وأشكرك وأنا هارب من شاول، وخائف منه، ومطرود ومطارد ومرذول أسبحك في الحالتين كلتيهما، لأن تسبحتك هي عملي في الحياة...
لذلك أباركك في حياتي.
أباركك طول أيام حياتي... أي أسبحك طول الحياة...
في مزمور آخر يقول: "ها بارِكوا الرَّبَّ يا عَبيدَ الرَّبِّ القائِمينَ في بَيْتِ الرَّبِّ في دِيارِ إلَهِنا" (مز134: 1). ويقول في (مز84: 4) "طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَي الأبَدِ"... أما هنا، فإنه يبارك الرب في موضع غير مسلوك، بل يباركه طول حياته...
ليتنا نفعل مثله، نسبح الرب كل حياتنا، سواء كنا قائمين في بيت الرب في ديار إلهنا، أو كنا في متاهة، في مكان بلا ماء، وموضع غير مسلوك.
أذكرك على فراشي
أذكرك على فراشي
يتابع داود تسبيحه للرب فيقول:
كنْتُ أذْكرُكَ عَلي فِراشِى. وفي أوْقاتِ الأسْحَارِ كُنتُ أرتِّل لَكَ:
كما أذكرك في النهار، كذلك أذكرك في الليل، على فراشي، أي في كل وقت. إنه بهذا يعطينا فكرة عن الصلاة الدائمة، وعن الصلاة قبل النوم. بحيث أن آخر فكرة تأتينا قبل النوم، تكون في ذكر الله أيضًا... كما أقول: "يا اللَّهُ إلَهِي إليْكَ أُبكِّرُ"... أقول أيضًا: "كنْتُ أذْكرُكَ عَلي فِراشِي".
أي أنك يا رب في بدء يومي، وفي نهايته.
أنت "الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ" (رؤ22: 13). بك أبدأ يومي، وبك أختمه... هكذا، يا ليت كلًا منا، حينما يصعد على فراشه يفتكر الله. وحينما يرقد على فراشه في مرض أو ألم، يكون فكره في الله أيضًا. فبهذا يحصل على عزاء.
وحينما تذكر الله على فراشك، يتقدس فراشك.
إن الذين يصلون صلاة طويلة قبل النوم، إنما يقدسون فراشهم، وكذلك يقدسون أفكارهم قبل النوم. وبهذا تكون أحلامهم مقدسة. لأن الذي انغرس في عقلهم الباطن قبل نومهم، كان هو الله نفسه وما يتعلق به.
"أذْكرُكَ عَلي فِراشِي"، تعني أيضًا في وقت راحتي.
فوقت راحتي لا يُعطى للجسد فقط، بل للروح أيضًا، إذ تجد راحتها فيك. حينما أتأمل فيك يا رب، وحينما أذكرك على فراشي، أجد فيك راحتي. أجد راحة لقلبي، وراحة لفكري، وراحة لروحي... ليس فقط في الليل قبل النوم، إنما أيضًا:
"في أوْقاتِ الأسْحَارِ كُنتُ أرتِّل لَكَ"
أي وقت الفجر.. يقوم ليرتل للرب.
إنه يقدم لنا مثالًا، كيف تتحول الحياة كلها إلى صلاة... فعلى فراشه في الليل يذكر الله. وفي نصف الليل ينهض ليشكره على أحكام عدله. وتسبق عيناه وقت السحر ليتلو في جميع أقواله (مز119). وأيضًا في أوقات الأسحار يرتل له. ومع كل ذلك يقول له: "يا اللَّهُ إلَهِي إليْكَ أُبكِّرُ. عَطِشَتْ إلَيكَ نَفْسِي"...
هكذا كان الآباء يقطعون الليل بالصلاة...
فلا يمر الليل بطوله، وهو في غفوة أو نعاس بعيدًا عن مناجاة الله... ولهذا نرى أن كنيستنا تقسم صلاة نصف الليل إلى ثلاث هجعات. أي ينام جزءًا من الليل، ثم يصحو ليصلي، ثم ينام ويصحو ليصلي، وهكذا. وليس هذا النظام للرهبان وحدهم، وإنما للعلمانيين أيضًا. وداود لم يكن راهبًا، بل كان متزوجًا وله أسرة كبيرة. وصلوات النهار أيضًا بالمثل.
رتبتها الكنيسة بحيث لا تمر ثلاث ساعات على الإنسان، إلا ويرفع قلبه بالصلاة. من صلوات باكر إلى الثالثة، فالسادسة، فالتاسعة، فالغروب... وهكذا كان داود الذي قال للرب: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164). كل ذلك من محبته لله، إذ يقول له: "عَطِشَتْ إلَيكَ نَفْسِي". وأيضًا عرفانًا بجميل الله، الذي كان دائمًا يعينه ويحميه. فإذ يسبح الله، يقول له:
لأنك صرت لي عونًا وبظل جناحيك أبتهج
لأنك صرت لي عونًا وبظل جناحيك أبتهج
عجيب داود هذا، في مشاعره نحو الله. يتغنى بعون الله له، ويبتهج بظل جناحيه، بينما هو مطارد من شاول، ومهدد بالموت، في برية قفرة! لو كان واحد منا في مثل ظروفه لاعتبر حالته تخليًا من الله عنه وليس عونًا له... أما داود النبي، فهو عينة مرتفعة وسامية.
إنه يذكر إحسانات الله، حتى في وسط متاعبه.
وكأنه يقول: أنا يا رب – مهما يحدث لي – لست أنسى عونك لي، كيف اخترتني من بين إخوتي، وأنا أصغرهم، ومسحتني ملكًا بيد نبيك صموئيل، ورضيت أن روحك القدوس يحل عليَّ (1صم16) ... وكنت لي عونًا، حينما هجم أسد ودب على شاة من غنمي، وأعطيتني القوة لكي أنتصر عليهما وأنقذ الشاة منهما. وكنت لي عونًا في وقوفي ضد جليات الجبار، ومنحتني انتصارًا مذهلًا عليه (1صم17). وكنت لي عونًا، حينما حققت لي نصرًا على مائتين من الأعداء دفعت به مهر ميكال (1صم18).
لذلك أنا بظل جناحيك أبتهج، ليس فقط من جهة الماضي، بل أبتهج في ضيقتي الحالية.
حتى في ضيقتي لم تتركني. شاول يطاردني، وأنا هارب منه. وأنت صرت لي عونًا، فمكنتني من الهرب. ولو تخليت عني يومًا واحدًا، لاستطاع شاول بكل قوته وجنوده أن يقتلني... لذلك أنا بظل جناحيك أبتهج.
وهذا التشبيه يذكرنا بالدجاجة التي تظلل على فراخها بجناحيها. كما قال السيد المسيح لأورشليم: "كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!" (مت23: 37) ... وهكذا الدجاجة تحمي أبناءها بجناحيها. وإذا هجم على فراخها أي عدو، فإن هذه الفراخ تزداد التصاقًا بجناحي الأم، وبظل جناحيها تبتهج.
ما أكثر استخدام داود النبي لتعبير (تحت جناحيك) أو (ظل جناحيك).
ففي (مزمور57: 1) يقول: "ارْحَمْني يا اللَّهُ ارْحَمْني، فإنَّهُ عَليْكَ تَوكَّلَتْ نَفْسي. وبظِلِّ جَناحَيْك أعْتَصِمُ، إلَى أنْ يَعْبُرَ الإثمُ".
وفي مزمور "اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ" يقول: "في وَسَطِ مَنْكبيْهِ يُظلِّلُكَ، وتَحْتَ جَناحَيهِ تَعْتَصمُ" وفي ترجمة أخرى "وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي" (مز91: 4).
يقول أيضًا: "مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ. فَبَنُو الْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ" (مز36: 7). وفي مزمور آخر "احفظني مثل حدقة العين. بظل جناحيك استرني" (مز17: 8).
إنه تشبيه يستريح له الابن، الذي يجد حمايته تحت جناحي الأبوة أو الأمومة. فليكن الله أباك. أما أمك فهي الكنيسة.
غير أننا نورد هنا ملاحظة هامة وهي:
صغار الفراخ هي التي تحتمي تحت جناحي أمها..
فلا تظن نفسك أنك قد كبرت، وتخرج من تحت الأجنحة التي تحميك. وإنما عليك أن ترجع وتصير مثل الأطفال، وتقول للرب: "وبظِلِّ جَناحَيْك أعْتَصِمُ، إلَى أنْ يَعْبُرَ الإثمُ" (مز 56: 1).
ليس فقط تحتمي تحت جناحي الله، وإنما تسبحه في شكر قائلًا:
"بِظلِّ جَنَاحَيكَ أبْتَهجُ"...
يتابع داود تسبحته في ضيقاته فيقول:
التحقت نفسي وراءك، ويمينك عضدتني.
التحقت نفسي وراءك، أي جرت وراءك. تبعتك حيث سرت... إنني لا أتبع مشيئتي الخاصة، ولا ما أدعيه لنفسي من حكمة. إنما أنا أسعى وراءك، وأتبع مشيئتك وحكمتك الإلهية.
أما عن أعدائي، فإنك ستتكفل بهم وتريحني منهم، وهكذا يقول عنهم داود النبي:
أما الذين طلبوا نفسي للهلاك...
ما دامت يمينك عضدتني، فإن الذين طلبوا نفسي ليهلكوها فإنهم "يدخلون في أسافل الأرض، ويُدفعون إلى يد السيف، ويكونون أنصبة للثعالب"...
بالإيمان، هؤلاء لن يقدروا عليَّ، لأنني في يمين الله. وشعرة واحدة من رأسي، لن تسقط بدون إذنه. (لو21: 18)، لأنه "قد نقشني على كفه" (إش49: 16). لذلك فهؤلاء الذين طلبوا نفسي، سيدخلون إلى أسافل الأرض، إلى الجحيم، مثل قورح وداثان وأبيرام الذين "فَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ" (عد16: 32).
لم يقل داود هذا حقدًا عليهم، إنما باعتباره نبيًا قد تنبأ عن آخرة هؤلاء الأعداء.
قال هذا عن طريق الوحي. كما قال الرب عنه إنه: "قال بالروح" (مت22: 43) ... وفعلًا قد هلك كل أعداء داود. ومات في الحرب الملك شاول الذي كان يضطهده... (1صم31) وعلى الرغم من ذلك بكاه داود ومزق ثيابه عليه، وصام هو والذين معه حتى المساء (2صم1: 11، 12) ورثاه بمرثية مؤثرة (2صم1: 19- 27).
ولكن في صلاتك أنت، ليكن لك معنى آخر.
فعندما تقول: "أما الذين يطلبون نفسي للهلاك"، ضع في ذهنك أنهم الشياطين، ولا تفكر في أحد من البشر، لئلا تطلب الشر لغيرك. والشياطين فعلًا يدخلون في أسافل الأرض، ويدفعون إلى يد السيف، بمعنى الهلاك الأبدي لهم.
يتابع داود النبي مزموره فيقول:
أما الملك فيفرح بالله ويفتخر كل من يحلف به
أما الملك فيفرح بالله ويفتخر كل من يحلف به
هنا لا ينسى داود أنه قد مُسح ملكًا (1صم16). وفي الرجاء بتحقيق وعد الله، يرى أنه سيفرح بالرب. ولا شك أن الرجاء يجلب الفرح، كما قال الرسول "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12: 12).
ولم يقل هنا أنه يفرح بهلاك أعدائه، إنما يفرح بالله.
وبالنسبة لنا نعتبر أنفسنا شركاء في ملكوت الله، وكل مَنْ يملك نفسه، هو ملك يفرح بالله، بالمعنى الروحي. وهكذا كل بني الملكوت، الذين يفتخرون بأنهم مؤمنون بالله "يحلف باسمه". وكان القسم بالله في العهد القديم يميز المؤمنين بالله عن عابدي الآلهة الأخرى.
لأن أفواه المتكلمين بالظلم تسد.
هؤلاء الذين ظلموا داود، وتكلموا ضده ظلمًا، قد سدّ الله أفواههم. سواء شاول الملك، أو شمعي بن جيرا (2صم16: 5- 8).
فإن فتح أحد فاه ضدك بكلمات ظالمة، لا تحزن. لأن "الرب يحكم للمظلومين" (مز146: 7). وأيضًا لأن "أفواه المتكلمين بالظلم تسدّ. سوف لا يحوجك الله إلى أن تنتقم لنفسك، بل هو الذي سيسد أفواههم. "أمَّا الملِكُ فَيفْرحُ باللهِ".
إلى متى يا رب تنساني
إلى متى يا رب تنساني...
[مز12 (13)]
إلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسانِي؟ إلَى الاِنْقِضَاءِ؟
حَتَّى مَتّى تَصْرفُ وَجْهَك عنِّي؟
إلَى مَتَى أرْدُدْ هَذِهِ المشُورَاتِ في نَفْسِي، وهَذِهِ الأوْجَاعُ في قَلْبي النّهَارَ كُلَّه؟
إلَى مَتَى يَرْتفِعُ عَدوِّي عَليَّ؟
أنْظُرْ واسْتَجِبْ إليَّ يَا ربِّي وإلَهي.
أنَرْ عَيْنيَّ لِئلاَّ أنَامُ نَومَ الموْتِ.
لِئلاَّ يَقولَ عَدوِّى إنِّي قَدْ قَويتُ عَليْهِ.
الذينَ يُحْزنُونَنِي يَتهلَّلُونَ إنْ أنَا زَلَلْتُ.
أمَّا أنَا فَعَلىِ رَحْمتكَ توَكَّلتُ، يبْتَهجُ قَلبِي بَخَلاصِكَ.
أُسبِّحُ الرَّبَّ الَمحْسِن إليَّ،
وأُرتِّل لِاسْمِ الرَّبِّ العَالِي.
هَلِّلُويَا.
تأملات في إلى متى يا رب تنساني
تأملات في إلى متى يا رب تنساني
إنه أحد مزامير صلاة باكر. وهو مزمور أنين وشكوى وعتاب من إنسان في ضيقة، وقد طال عليه الوقت في ضيقته.
ولذلك فإن عبارة (إلَى مَتَى؟) تكررت أربع مرات في صلاة هذا المزمور:
قال: "إلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسانِي؟ إلَى الاِنْقِضَاءِ؟ حَتَّى مَتّى تَصْرفُ وَجْهَك عنِّى؟ إلَى مَتَى أرْدُدْ هَذِهِ المشُورَاتِ في نَفْسِي، وهَذِهِ الأوْجَاعُ في قَلْبي النّهَارَ كُلَّه؟ إلَى مَتَى يَرْتفِعُ عَدوِّي عَليَّ؟".
هذا التكرار لم يكن تذمرًا، إنما لجاجة في الصلاة.
هو لون من الإلحاح على الرب. فمهما طالت به المدة في ضيقته، لا ييأس، وإنما يرفع قلبه إلى الله متضرعًا وقائلًا: إلَى مَتَى؟ رغبة منه في أن يتدخل الله لإنقاذه...
عبارة (إلى متى) تظهر لنا أن أوقات الألم تبدو طويلة.
أي أن الإنسان يشعر بطولها أكثر من أوقات الفرح... إن ساعة واحدة في ألم شديد من مرض قاس، تبدو أطول من ساعات أو أيام في المتعة والبهجة. دائمًا لحظات الحزن والوجع والألم تبدو طويلة، وأيام الفرح تبدو قصيرة... إن يعقوب أبا الآباء خدم من أجل راحيل 14 سنة "وَكَانَتْ فِي عَيْنَيْهِ كَأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ لَهَا" (تك29: 20). حقًا إن الوقت يسرع في الأفراح ويبطئ في الأحزان.
داود هنا يعاتب الله: لماذا تقف ساكتًا في ضيقتي؟ "أسْرعْ وأعِنِّي" (مز70: 1).
حتى متى لا تتدخل؟ "لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟!" (مز10: 1) ... قم أيها الرب، وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس (مز68: 1) حتى متى يضطهدني شاول الملك كل هذا الاضطهاد، وأنت ترى وتسكت؟! ربما لأن ساعته لم تأت بعد. هذا حق، ولكن أنا قد تعبت...
هنا وأقول: إن طالت عليك أوقات الألم، فكّر في سببها. ربما يكون داخلك!
ربما طالت الأيام بسبب عدم صبرك، أو عدم احتمالك! قد يشعر الإنسان بطول فترة الضيقة، إذا لم يستطع القلب أن يصرفها من الداخل... إذا كان في القلب شيء من الضجر أو التذمر أو عدم الصبر، أو عدم الإيمان بأن الرب سيخلصه وينجيه. وهكذا يفقد الرجاء أيضًا، فيتعب.
إن حلّت بك الضيقة، لا تركز أفكارك في الضيقة ومتاعبها، وإنما في الله الذي سوف ينجيك منها...
لا تتأمل في الضيقة: كيف هي؟ كيف جاءت؟ إلى متى تستمر. إنما تأمل في الله المحب الشفوق الذي نجاك قبلًا من ضيقات أخرى، ونجى كثيرين أيضًا. وترنّم بقول المزمور: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4). ورتّل أيضًا عبارات مماثلة في مزامير أخرى تعطي نفس الرجاء ونفس العزاء. اُذكر قول موسى النبي للشعب يوم يئس أمام البحر الأحمر:
"قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14).
إنك لو فكرت في الأحزان المحيطة بك، سوف تتعب. لذلك اتركها تمر عابرة، دون أن تدخل إلى قلبك وتستقر فيه. انشغل عنها بالتفكير في شيء آخر. فكّر في إحسانات الله، وفي وعوده، وفي أعمال محبته. وفي كل ضيقة تمر بك، قل لنفسك هذه العبارات:
مصيرها تنتهي. كلّه للخير. ربنا موجود...
أما داود فقد تعب، لأنه فكّر في مطاردة شاول له، محاولًا أن يقتله. وقد عبَّر داود عن مخاوفه هذه في عبارة واضحة وردت في (1صم27: 1) "وَقَالَ دَاوُدُ فِي قَلْبِهِ: إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ".
أي لا فائدة! إن هربت منه اليوم، قد لا أهرب غدًا، وسيدركني...!
التفكير في الضيقة، قد يؤدي إلى التفكير في تطورات لها أصعب وأصعب...
ويزداد الأمر خطورة في نظره، وقد لا يقف عند حد، ويتصور مخاوف ربما لا وجود لها. ويصاب بما يسميه القديسون "صغر نفس". وهنا يفقد الرجاء. وينسى وعود الله، ويفقد الأمل في تدخله لإنقاذه! وهكذا يدركه الخوف والحزن والقلق.
ولكننا سنرى أن داود لم تصغر نفسه في الضيقة، كما سنرى في هذا المزمور، الذي هو من أعجب المزامير:
إنه مزمور يبدأ بالأنين والشكوى والصراخ. وينتهي بالشكر والفرح والتهليل والتسبيح.
فيما داود كان يشكو، كان يرى خلاصه أثناء شكواه. كان يرى الضيقة، ومعها يرى أيضًا المنفذ، في إيمان وفي رجاء. فبينما يبدأ مزمور بعبارة "إلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسانِي؟ إلَى الاِنْقِضَاءِ؟ ... نراه يختم المزمور بقوله:
"الذينَ يُحْزنُونَنِي يَتهلَّلُونَ إنْ أنَا زَلَلْتُ. أمَّا أنَا فَعَلىِ رَحْمتكَ توَكَّلتُ، يبْتَهجُ قَلبِي بَخَلاصِكَ. أُسبِّحُ الرَّبَّ الَمحْسِن إليَّ، وأُرتِّل لِاسْمِ الرَّبِّ العَالِي. هَلِّلُويَا".
لم ينتظر ليشكر في مزمور آخر، إنما شكر مع نفس الشكوى!
وهذا هو أسلوب داود في كثير من مزاميره التي يشرح فيها متاعبه. يبدؤها بذكر المتاعب، ولكن يختمها بعمل الله معه، فكل المتاعب عنده مخلوطة بالرجاء. وفي كل صلواته، يعرض على الله مشاكله، وفي نفس الصلاة يرى الحلول الإلهية. وقد يسكب أمام الله دموعه ويرى يد الله في حب تمسح هذه الدموع، فيشكر ويسبّح...
ومع ذلك، فلا مانع من أن يعاتب الله. والله يقبل...
وما أكثر ذلك في مزاميره. فيقول له في المزمور العاشر: "يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟ فِي كِبْرِيَاءِ الشِّرِّيرِ يَحْتَرِقُ الْمِسْكِينُ؟" ... الله ليس بعيدًا. ولكن لماذا أشعر أنك قد وقفت بعيدًا؟!".
ويقول في (مز42: 9، 10) "أَقُولُ ِللهِ صَخْرَتِي: «لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أَذْهَبُ حَزِينًا مِنْ مُضَايَقَةِ الْعَدُوِّ؟!... عَيَّرَنِي مُضَايِقِيَّ، بِقَوْلِهِمْ لِي كُلَّ يَوْمٍ: أَيْنَ إِلهُكَ؟"!! إنه كلام مؤثر حقًا أن يعيره أعداؤه بأن الله لا يعمل لأجله، وهو في خجل من أقوالهم وتعييرهم...
ويقول في (مز44: 24- 26) ... "لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ وَتَنْسَى مَذَلَّتَنَا وَضِيقَنَا؟ لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. قُمْ عَوْنًا لَنَا وَافْدِنَا مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ".
ويقول في (مز74: 19) "لاَ تُسَلِّمْ لِلْوَحْشِ نَفْسَ يَمَامَتِكَ. قَطِيعَ بَائِسِيكَ لاَ تَنْسَ إِلَى الأَبَدِ" أي لا تنس هؤلاء البائسين الذين يطلبونك... لهذا يرد الرب هكذا "مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ... أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً" (مز12: 5).
وهكذا يقول له المرتل في المزمور: "قُمْ يَا اَللهُ. أَقِمْ دَعْوَاكَ. اذْكُرْ تَعْيِيرَ الْجَاهِلِ إِيَّاكَ الْيَوْمَ كُلَّهُ. لاَ تَنْسَ صَوْتَ أَضْدَادِكَ، ضَجِيجَ مُقَاوِمِيكَ" (مز74: 22، 23). لا تنس يا رب ما نقاسيه. ضع قضيتنا أمام عينيك.
وعلى الرغم من كل العتاب، داود يعرف تمامًا أن الله لا ينسَ عبيده، وبخاصة المحتاجين إليه.
إنه يقول في (مز9: 12) "ذَكَرَهُمْ. لَمْ يَنْسَ صُرَاخَ الْمَسَاكِينِ". ويقول أيضًا في نفس المزمور: "لأَنَّهُ لاَ يُنْسَى الْمِسْكِينُ إِلَى الأَبَدِ" (مز9: 18).
وإشعياء النبي يقول كلامًا معزيًا في هذه النقطة: "قَالَتْ صِهْيَوْنُ: قَدْ تَرَكَنِي الرَّبُّ، وَسَيِّدِي نَسِيَنِي! هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ. هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ" (إش49: 14- 16). ويقول الرب في الإنجيل:
"أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟" (لو12: 6).
ويقول بعدها: "لاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!". ويقول أيضًا: "بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (لو12: 7).
لماذا إذًا يقول داود: "إلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسانِي؟ إلَى الاِنْقِضَاءِ؟" وفي إحدى الترجمات "تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ!" ولماذا يقول: "إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي!" ولكن هل حقًا يحجب الله وجهه عنا؟
هناك حقًا فترات من التخلي المؤقت للنعمة.
إما بسبب عقوبة مؤقتة، أو ليشعر الإنسان بضعفه فلا يقع في الكبرياء، أو بحكمة معينة من التدبير الإلهي لفائدة الإنسان، أو هو نوع من التخلي الشكلي، وفيه يراقب الله الإنسان وينقذه وقت اللزوم.
كالنسر الذي يحمل فراخه على جناحيه، ويلقيها في الجو لتتعلم الطيران.
فإذا تعب واحد منها، يلحقه بسرعة ويحمله على جناحه.
أو كأب يعلم ابنه العوم، فيحمله على ذراعيه ويدربه. ثم يخلي ذراعيه عنه ليعوم بنفسه. فإن لحقه خطر، يسرع إليه ويتلقاه مرة أخرى على ذراعيه. أو مثل أم تترك ابنها على الأرض ليتعلم المشي. وإن حملته طول الوقت على كتفها لا تشتد أعصابه، ويصاب بلين العظام. هكذا الله يدرب أولاده... ويقول في سفر إشعياء: "لُحَيْظَةً تَرَكْتُكِ، وَبِمَرَاحِمَ عَظِيمَةٍ سَأَجْمَعُكِ" "حَجَبْتُ وَجْهِي عَنْكِ لَحْظَةً، وَبِإِحْسَانٍ أَبَدِيٍّ أَرْحَمُكِ" (إش54: 7، 8).
أحيانًا يحجب الله وجهه عن إنسان بسبب خطاياه.
وبخاصة الذين يعبدون الله وأيديهم ملطخة بالدماء، وقلوبهم مليئة بالقسوة، كالذين قال لهم في سفر إشعياء: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15).
فإن قال أحد من هؤلاء: إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي؟ يقول له الرب: "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ" (إش1: 18). ابحث ربما أنت الذي بعدت. ولهؤلاء يقول الرب: "ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ" (ملا3: 7).
أنا أريد أن أصالحكم، لم يحدث أنني تركتكم، بل أنتم الذين تركتموني. وكنت معكم، وأنتم لا تشعرون بذلك. وعن هذا قال القديس أغسطينوس في اعترافاته: "كنت يا رب معي. ولكنني من فرط شقوتي لم أكن معك".
عندما أخطأ آدم، هرب من الله واختبأ وراء الشجر.
فمن الذي حجب وجهه عن الآخر: آدم أم الله؟!
آدم هو الذي اختبأ، ولم يعد يرى الله، بينما كان الله يسعى إليه! دائمًا الإنسان الخاطئ هو الذي يبتعد عن الله.
أتذكر أنني في أيام سنة 1960م كنت أتمشى في الجبل وقت الغروب، ورأيت الشمس تختفي عند الأفق، فقلت لنفسي: "لم يحدث أن الشمس أخفت وجهها عن الأرض. إنما الأرض هي التي أدارت ظهرها للشمس". هذه العبارة صحيحة جغرافيًا، ولكنها تنطبق علينا روحيًا. فعندما تصلي بمزمور داود: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي" "إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟"، قل له:
بل أنا يا رب الذي أنساك، وأنا الذي أحجب وجهي!
يعود داود في شكواه في هذا المزمور فيقول:
"إلَى مَتَى أرْدُدْ هَذِهِ المشُورَاتِ في نَفْسِى، وهَذِهِ الأوْجَاعُ في قَلْبي النّهَارَ كُلَّه؟"
وفي ترجمة أخرى "إلى متى أكوّم هذه الهموم في نفسي..." يقول هذا إنسان يكوّم الهموم في نفسه، دون أن يطرحها على الله! يصارع مع الأوجاع وحده، ولا يطلب معونته من ذلك المحب القوي الذي يقول على الدوام:
"تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
لذلك في كل ضيقاتك لا تعتمد على نفسك، ولا تعتمد على الناس، ولا تستمر في صراعك مع الأوجاع في قلبك النهار كله. بل "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ" (مز55: 22). سواء كانت متاعبك ضيقات مادية، أو اضطهادات من الناس، أو شهوات وخطايا...
يقول داود بعد ذلك في المزمور:
"إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟".
يقول المصلي هذه العبارة، سواء عن أعدائه من البشر، أو عن الحروب الروحية التي يسقط فيها. فالعدو الذي يرتفع عليَّ هنا هو الشيطان. ولكنه ليس مطلق السلطة علينا.
وإنما يرتفع علينا حينما نسلّمه إرادتنا.
حينما نخضع نحن له ونسلّمه قيادتنا. ولكن اطمئن يا أخي، فالعدو ليس له سلطان عليك. لأن الله قد أعطانا السلطان أن ندوس على "الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ" (لو10: 19).
يمكن أن يحاربك فكر رديء، وتكون لك القدرة على طرده. ولكنك إذا استسلمت له، فإنه يقوى عليك. وكلما تفسح له مجالًا، يسيطر. وهنا يرتفع العدو عليك.
عبارة (إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟)، قد تعني أيضًا: إلى متى ينتصر الشر على الخير في العالم؟ إلى متى قايين يقتل هابيل، وهيرودس يقتل المعمدان؟! وإلى متى يستطيع الشوك أن يخنق الزرع النامي؟!
إن عبارة (إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟) تحمل معنى طيبًا، إذ أننا نعتبره عدوًا. لأن الشيطان كثيرًا ما يظهر كصديق!!
يظهر كملاك من نور (2كو11: 14) أو كحكيم يقدم لك نصيحة، أو يقول: "لك أعطي ممالك الأرض ومجدها" (مت4: 8، 9) أو يلبس ثياب الحملان وهو ذئب خاطف (مت7: 15).
لكن ما دمت قد عرفت أنه عدو، احترس إذًا منه، ولا تفتح له قلبك ولا فكرك. وكما تتضايق من ارتفاع هذا العدو عليك، لا ترتفع أنت أيضًا على أحد. كن متواضعًا، وبهذا التواضع يمكنك أن تغلب الشيطان المرتفع.
أيضًا حينما يدرك داود ارتفاع عدوه عليه، يصرخ قائلًا:
"انْظُرْ واسْتَجِبْ إليَّ يَا ربِّي وإلَهي".
أنت الإله ضابط الكل، انظر ماذا يفعله عدوِّي بي. وأنقذني منه، لأنك أنت هو ربي وإلهي. أنت المعين والحافظ. أنت الذي يحكم للمظلومين (مز146: 7). استجب لي إذًا، لأني في خطورة.
"أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْتِ" (الوفاة)".
أنر عيني، فلا أحيا في الظلمة، لأن الخطية ظلمة. أعطني أن أستنير بروحك القدوس، ولا أسلك في العمى الروحي، مثل الذين لهم عيون ولكنها لا تبصر (مت13: 14). أنر عيني أيها النور الحقيقي، لكي أبصرك وأبصر الطريق الذي يوصل إليك. وحينما يضغط عدوِّي عليَّ، أنر عيني لأبصر أن الذين معنا أكثر من الذين علينا (2مل6: 16).
"اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ" (مز119: 18). أعطني الإيمان الذي به أرى ما لا يرى (عب11: 1). ولماذا؟
لئلا أنام نوم الوفاة. لئلا أسقط ولا أقوم. لئلا أموت الموت الروحي. وأجرة الخطية هي موت (رو6: 23).
هذه الكآبة التي أنا فيها، لها مطلب عند الشفقة التي فيك. فأنقذني من هذا الموت، موت الخطية، هذا الخوف من الموت، هو حجة يستدر بها عطف الله عليه، وأيضًا:
"لئلا يقول عدوِّي إني قد قويت عليه".
إن فخر العدو هو في إسقاطنا. وكما أن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لو15: 7). كذلك الشيطان يفرح ببار واحد يسقط أكثر 99 خاطئًا لا يعوزهم السقوط. إنه يفرح بسقوط البار ويقول قد قويت عليه. لذلك يقول داود:
"الذينَ يُحْزنُونَنِي يَتهلَّلُونَ إنْ أنَا زَلَلْتُ"
هؤلاء الذين يفرحون بالإثم، ويشمتون بي. كما قيل له في سقطته: "جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ" (2صم12: 14).
ما أكثر المزامير التي يشكو فيها داود من شماتة الأعداء:
إنه يقول: "يَا إِلهِي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، فَلاَ تَدَعْنِي أَخْزَى. لاَ تَشْمَتْ بِي أَعْدَائِي" (مز25: 2). ويقول أيضًا: "حَتَّى مَتَى الْخُطَاةُ يَا رَبُّ، حَتَّى مَتَى الْخُطَاةُ يَشْمَتُونَ؟!" (مز94: 3). ويقول كذلك: "أعظِّمُكَ يا رَبُّ لأنَّكَ احْتَضَنْتني، ولَمْ تُشمِت بي أعْدائي" (مز30: 1). وبنفس الروح يقول ميخا النبي: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ" (مي7: 8).
"أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ. يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ".
لتكن رحمتك يا رب أقوى من شماتتهم. ولتعطني أنت النجاح فلا يفرحون بفشلي. ولتعطني التوبة فلا يفرحون بسقطتي، أنا لا أتكل على مقاومتي للخطية، إنما على رحمتك توكلت. أنت برحمتك تخلصني، فيبتهج قلبي بخلاصك.
عجيب هو داود، الذي ينتقل من عبارة (الذين يحزنونني) إلى الابتهاج فيقول: "أُسبِّحُ الرَّبَّ الَمحْسِن إليَّ، وأُرتِّل لِاسْمِ الرَّبِّ العَالِي".
إنه يرتل، لأن الكتاب يقول: "أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ" (يع5: 13). إنه مسرور بالرب، يبتهج بخلاصه. لقد قال: "أنْظُرْ واسْتَجِبْ إلىَّ يَا ربِّي وإلَهي". والرب سمع واستجاب. وأحسَّ هو بهذا أثناء صلاته فابتهج وسبَّح... سبَّح الرب المحسن إليه. قبل أن ينال الإحسان، بل آمن به.
هذه القيثارة المحطمة اشتدت أوتارها مرة أخرى، فعزفت لحن التسبيح، وختمته بكلمة الليلويا.
وكأن داود يقول للرب: إن الكلمات التي قلتها في أول المزمور قد سحبتها الآن: سحبت عبارة تنساني، وعبارة تحجب وجهك عني. الآن يبتهج قلبي بخلاصك. إني أعتذر عما قلته. الآن عدوِّي لن يقوى عليَّ "الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا" (مز124: 7). حقًا ما أجمل قول السيد المسيح:
"لكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ" (يو16: 20).
****



