تأملات في رسالة بولس الرسول الي أهل رومية 12 كونوا كارهين الشر ج15

الفكرة الرئيسية
يتناول قداسة البابا شنودة الثالث وصية القديس بولس الرسول: «كونوا كارهين للشر ملتصقين بالخير» (رومية 12)، موضحًا أن هناك فرقًا بين ترك الخطية وكراهيتها من القلب. فترك الخطية يعني الامتناع عن ممارستها، أما كراهيتها الحقيقية فتعني رفضها بالفعل والفكر والقلب والمشاعر. والإنسان الذي يكره الخطية لا يقبلها ولا يسعى إليها ولا يسمح لها بأن تستقر في داخله. ويؤكد البابا أن الهدف من الحياة الروحية ليس مجرد الامتناع الظاهري عن الشر، بل الوصول إلى حالة داخلية تتغير فيها ميول الإنسان ويصبح الخير محببًا إليه والشر مرفوضًا لديه.
الرسالة الروحية
يوضح البابا أن كراهية الخطية الحقيقية تظهر عندما يرفض الإنسان الشر حتى في أوقات التجربة والضغط، كما نرى في مثال يوسف الصديق الذي رفض الخطية وهرب منها. ويستشهد أيضًا بسير القديسين الذين احتملوا التجارب والاضطهادات دون أن يتخلوا عن نقاوتهم أو إيمانهم. كما يشرح أن كراهية الشر تشمل محبة المال والشهرة والمجد الباطل والمديح، وليس فقط الخطايا الواضحة. فالإنسان الذي تحرر قلبه من هذه المحبة لا يعود أسيرًا لتأثيرها، بل يتعلم الاتضاع والرضا والتمسك بالحياة المقدسة. ويشير إلى أن الروح القدس يعمل في قلب الإنسان ويجدده، فيساعده على رفض الشر من الداخل وليس بالمظاهر الخارجية فقط.
الدرس التعليمي
يعلمنا البابا أن كراهية الخطية يجب أن تكون حقيقية ودائمة، وليست مجرد شعور مؤقت بالندم بعد السقوط فيها. فالإنسان الذي يعود إلى محبة الخطية بعد فترة قصيرة لم يصل بعد إلى كراهيتها الحقيقية. ويؤكد أن الخطية تبعد الإنسان عن الله وتحزن الروح القدس وتؤثر في حياته الروحية. لذلك ينبغي أن يدرك الإنسان خطورة الشر وآثاره، وألا يبرر أخطاءه أو يتعامل باستهانة مع التجارب. كما يوضح أن الغضب والانتقام ومحبة الكرامة والمديح قد تصبح أبوابًا للخطية عندما ينظر إليها الإنسان باعتبارها أمورًا محمودة. ومن هنا تأتي أهمية فحص القلب وتصحيح المفاهيم التي تجعل الإنسان يميل إلى الشر أو يقبله.
التطبيق الروحي العملي
يدعونا البابا إلى الابتعاد عن الخطية حتى إن كانت مشاعرنا لم تتغير بالكامل بعد، لأن الابتعاد عنها قد يكون الخطوة الأولى نحو كراهيتها. وينصحنا باختيار الأصدقاء والبيئة المحيطة بعناية، لأن معاشرة محبي الخطية قد تؤثر في الإنسان وتدفعه إلى السقوط. كما يشجعنا على ملء القلب بمحبة الله والفضيلة والخير بدلًا من الاكتفاء بمقاومة الخطية باستمرار. ويشرح أن الحياة الروحية تقوم على استبدال محبة العالم بمحبة الله، واستبدال الشهوات الخاطئة بالرغبة في الخير والقداسة. فعندما ينمو الإنسان في محبة الله والألحان الكنسية والحياة الروحية، تضعف جاذبية الأمور التي كانت تشغله بعيدًا عن الله. والغاية النهائية هي أن يكره الإنسان الشر من قلبه، ويلتصق بالخير بإرادته ومحبته، ويحيا في نقاوة وتوبة مستمرة.




