تأملات- في الميلاد

[1]تأملات- في الميلاد
لقد فرح العالم بميلاد المسيح
أما اليهود فاضطربوا وسعوا لقتله طفلًا…
كان ميلاد المسيح سبب فرح للعالم، لأنه جاء لخلاصهم وفدائهم. ولذلك فإن الملاك عندما بشر الرعاة بمولده قال لهم.
“هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ (لو2: 11).
وفي وسط هذه الأفراح كان هيرودس الملك حزينًا… يقول الكتاب إنه لما سمع بميلاد المسيح الملك “اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ” (مت1: 3) … لم يفكر في البشرية وخلاصها، وإنما فكر في ذاته وفي ملكه…! أهو ملك حقًا، هذا المسيح؟! وكيف أتركه يملك.
مسكين هيرودس ظن أن المسيح ملك الملوك ورب الأرباب، قد جاء ينافسه في ملك أرضي!! فخاف، بينما صرح المسيح فيما بعد “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ” (يو18: 36).
كان أحرى بهيرودس أن يفرح لمجيء المسيح، لو كان يفكر في خلاص نفسه.
أو على الأقل كان يمكنه أن يفرح لأن النبوات قد تحققت في عهده. وهكذا بدلًا من أن يذهب وينال بركة هذا المولود، نراه قد اضطرب وحزن. ولم يقتصر الأمر على اضطرابه، بل فكر أن يقتل الصبي!!
تقتله؟! يا للهول!! أتقتل من في يده مفاتيح الحياة والموت؟! إن حياتك كلها معلقة بأصبعه، بل هي معلقة بمجرد مشيئته…
العجيب أن هيرودس لم يفكر أن يقتل المسيح عن جهل، بل عن معرفة! لقد جمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب، وسألهم أين يولد المسيح؟ فقالوا له في بيت لحم اليهودية، وأوردوا له النبوءة. وصدق هيرودس النبوءة، وفكر أن يقتل المسيح! عجب هذا منك يا هيرودس. إن كانت هذه النبوءة حقًا كما عرفت، فهل أنت قادر أن تقف ضد الله؟! وما معنى هذا الجنون في الخوف الذي يدفعك إلى قتل مائة وأربعة وأربعين ألفًا من الأطفال الأبرياء. لعل المسيح يكون واحدًا منهم!!
أن هيرودس لم يستطع أن يفرح بالميلاد، لأنه كان متمركزًا حول ذاته. كل تفكيره هو: كيف ترفع ذاته، كيف يصير ملكًا واحدًا؟ كيف يتخلص من منافس له في الملك، حتى لو كان المسيح؟! حتى لو كانت النبوءات تسند هذا المنافس وتقول أنه لا تكون لملكه نهاية!
وأنت أيها الأخ، هل أنت- مثل هيرودس- متمركز حول ذاتك، أم هل تفكر في المسيح وتفرح بمجيئه.
عكس موقف هيرودس من المسيح، كان موقف يوحنا المعمدان. كان المعمدان في قمة مجده وعظمته. ثم ظهر المسيح. فقال يوحنا “يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ” (يو3: 30) يوحنا كان يختفي لكي يظهر المسيح. أما هيرودس فأراد أن يختفي المسيح، لكي يظهر هو!! مسكين، كانت ذاته هي سبب متاعبه. لقد انطبق عليه قول الرب “مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا” (مت10: 39). وأما النصف الآخر من الآية “وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” فينطبق على يوحنا.
كثيرون لا يفرحون بمجيء المسيح، ذلك لأنهم غير مستعدين للقائه. لو عرفوا أن المسيح قد جاء يخافون ويرتعشون. يخافون أن يكشفهم، أو أن يضبطهم في خطية، أو أن يحرمهم من مشغوليات تبهجهم.
ماذا نفعل لو قيل لنا “هوذا المسيح قد جاء”؟ أخاف أن نقول “نحن غير قادرين أن نستعد للقائه، من الأفضل أن تقتلوه”.
لا يا أخي لا تفعل هكذا. بل كن كالرعاة الساهرين، الذين كانوا يحرسون حراسات الليل، “فاستحقوا ذلك الفرح العظيم الذي بشرهم به الملاك. أو كن كالخمس عذارى الحكيمات اللاتي كن ساهرات ومستعدات للقاء العريس.
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد الثانى 10 يناير 1975




