اهتم بأبديتك

ما أكثر الناس الذين لهم اهتمامات ومشغوليات عديدة جدًا. والأمر الوحيد الذي لا يهتمون به ولا يفكرون فيه، هو أبديتهم!!
لذلك حسنًا أن السيد المسيح له المجد، وبخ مرثا بقوله:
“أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ” ( لوقا 10 : 41–42 ).
وهذا الشيء الواحد الذي ينبغي أن نهتم به هو أبديتنا. هو ملكوت الله، هو حياتنا مع الله في الأبدية التي لا تنتهي…
وهذا ما تعلمنا الكنيسة إياه في صلواتنا الطقسية:
فنقول في صلاة الغروب: “إذا كان الصديق بالجهد يخلص، فأين أظهر أنا الخاطئ؟!
( بطرس الأولى 4 : 18 ). “أسرع لي يا مخلص بفتح الأحضان الأبوية، لأني أفنيت عمري في اللذات والشهوات، وقد مضى مني النهار وفات”.
وفي صلاة النوم نقول: “هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل، مرعوبًا ومرتعدًا من كثرة ذنوبي. لأن العمر المنقضي يستوجب الدينونة.
لكن توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة” لكن إذا انكشفت أعمالك الرديئة وشرورك القبيحة، فأي جواب تجيبين وأنت على سرير الخطايا منطرحة، وفي إخضاع الجسد متهاونة؟!”.
إنها حالة إنسان يفكر في أبديته، في يوم الدينونة ومصيره الأبدي، حينما يقف أمام الديان العادل.
لذلك يقول في صلاة الستار: “يا رب إن دينونتك لمرهوبة: إذ تحشر الناس، وتقف الملائكة، وتُفتَح الأسفار، وتنكشف الأعمال، وتفحص الأفكار. أية إدانة تكون إدانتي، أنا المضبوط بالخطايا؟!
إنسان يهتم بأبديته، فيعترف بخطاياه، ويدين نفسه.
يفعل ذلك كل يوم. بل يقول في صلاة نصف الليل: “أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة…”
“إذا ما تفطنت في كثرة أعمالي الرديئة، ويأتي على قلبي فكر تلك الدينونة الرهيبة، تأخذني رعدة، فأهرب إليك يا الله محب البشر… أنعم لنفسي المسكينة بتخشع، قبل أن يأتي الانقضاء وخلصني”
لهذا كان القديسون يحاسبون أنفسهم، ويبكون على خطاياهم.
تصوروا قديسًا عظيمًا مثل القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك، كان يبكي حتى تساقطت رموش عينيه، وهو العظيم في الفضائل. وكان يقول: “هبني يا رب أن أبدأ”… “أنا حتى الآن لم أبدأ”…! أرسانيوس لم يبدأ؟! هذا عجيب… ولكن لا تظنوا أنه كان يقول مجرد كلام تواضع، أو يخدع نفسه! كلا، لعله كان يقصد لم يبدأ طريق الكمال، الذي لا حدود له…
الإنسان العادي يبدأ بالتوبة. والقديسون الذين اجتازوا التوبة، ودخلوا في حياة القداسة… يبدأون في طريق الكمال. وكلما قارنوا أنفسهم بالكمال الذي بلا حدود يشعرون أنهم خطاة، ويبكون على خطاياهم…!
انظروا مثالًا للتفكير في الأبدية: داود الملك والنبي:
في كل مظاهر المُلك المحيطة به، ومع كل العظمة والأُبهة، نراه يقول: “عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ.
هُوَذَا جَعَلْتَ أَيَّامِي أَشْبَارًا، وَعُمْرِي كَلاَ شَيْءَ قُدَّامَكَ. إِنَّمَا نَفْخَةً كُلُّ إِنْسَانٍ قَدْ جُعِلَ. إِنَّمَا كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ…” ( المزامير 39 : 4–6 ).
لذلك حتى في كل مشاكله – كان ينشغل بكلام الله…
يتغنى بها النهار والليل. ويقول: “مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي” المزامير 119 : 97 ) …
“كلماتكَ حُلوَة في حَلْقى، أفضَلُ من العَسَلِ والشّهدِ في فَمي” ( المزامير 119 : 103
ولم تمنعه مشاكله عن التأمل في كلمات الرب اللازمة لأبديته..
كانت هناك مسئوليات المُلك الكبير، ومشاكل الأعداء المحيطين به. مشكلة أبنير رئيس جيش شاول، ومشاكل يوآب بن صراوية رئيس جيشه هو وأخوته. ومشكلة أبشالوم ابنه في خيانته وثورته عليه، ومشكلة شمعي بن جيرا الذي تطاول عليه وشتمه وعيَرَهُ… وعلى الرغم من كل ذلك، نرى داود المهتم بأبديته يقول:
“جَلسَ الرّؤساءُ وتَقَاوَلوا عليَّ، أما عَبدكَ فكانَ يَهتمُّ بحُقوقِكَ. لأنَّ شهاداتِكَ هي دَرسي” ( المزامير 119 : 23–24 ).
لم يهمه ما يتقاولون به عليه، لأنه منشغل بالتأمل في أقوال الرب. ويقول أيضًا بنفس المعنى: “كثيرون هم الذينَ يَضطهِدونَني ويُحزِنونَني، وعن شِهاداتِكَ لم أجْنحْ… أحْبَبتُ وَصاياكَ… بدءُ كلامِكَ ” ( المزامير 119 : 157 ). إنه لم ينشغل بالمشاكل لأن “فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا ” ( المزامير 1 : 2 ).
الذي يهتم بأبديته، لا تشغله المشاكل عنها، لأنه ما أسهل أن يقدم له الشيطان مشاكل كل يوم.
أما داود فلم يكن كذلك. كان له أعداء لا يحصون. قال عنهم: “أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ” ( المزامير 69 : 4 ).
ولكن في تجاه أعدائه كانت له مزاميره وتأملاته، واسم الرب في فمه لأن “اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ” ( الأمثال 18 : 10 ).
وهكذا يقول داود للرب: “بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي” ( المزامير 63 : 4–5 ).
أيضًا الذين يهتمون بأبديتهم، لا تشغلهم عنها الأمور المادية…
لقد انشغل سليمان الحكيم بالأمور المادية، وبمحبة النساء، فكاد يفقد أبديته. قال في ذلك: “بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا… عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ… قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ… اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ… وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا” ( الجامعة 2 : 4–10 ).
وماذا كانت النتيجة؟ يقول الكتاب: “وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ” ( الأمثال 11 : 4 ). وأخذ سليمان عقوبة من الله “فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ” ( الأمثال 11 : 9 ).
ولما تاب سليمان، وبدأ يهتم بأبديته:
حينئذ قال عبارته العميقة والمشهورة: “ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ” ( الجامعة 2 : 11 ).
هناك أشخاص يهتمون ببناء أنفسهم، ويبنونها بطريقة خاطئة.
كل منهم يقول: كيف أجد ذاتي؟ كيف أبني ذاتي؟ ويبحث كيف يعطي ذاته كرامة ومجدًا وعظمة… عن طريق المناصب والمراكز، عن طريق الشهرة، أو عن طريق المال… ثم يضيع منه كل هذا، ولا يكون قد كسب سماءً ولا أرضًا ولا يأخذ شيئًا من كل هذا معه عندما يترك العالم، ويقف أمام الله عاريًا…!
وقد يقول البعض: ما معنى أن أفكر في أبديتي، وأنا ما زلت صغير السن؟!
حينما أكبر وأدخل في الكهولة أو الشيخوخة، حينئذ أفكر في مثل هذه الأمور…! ناسيًا قول الكتاب: “فَاذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ” ( الجامعة 12 : 1 ).
والتاريخ يعطينا فكرة عن قديسين أطفال وشباب.
مثل القديس أبانوب، والقديس قرياقوص، ومثل القديس تيموثاوس الذي قال له معلمه القديس بولس الرسول: “وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ انْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ” ( تيموثاوس الثانية 3 : 15 ).
كذلك القديس مرقص المتوحد، والقديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين، والقديس تادرس تلميذ باخوميوس، والقديس يوحنا القصير، والقديس الأنبا ميصائيل السائح الذي بلغ إلى درجة السياحة وهو في حوالي السابعة عشر من عمره.
كل أولئك اهتموا بأبديتهم منذ صغرهم، وأضاءوا مثل أنوار في الكنيسة وهم بعد صغار. كالقديس أثناسيوس الرسولي، الذي وهو شماس شاب في مجمع نيقية أبهر 318 أسقفًا من رؤساء الكنائس ومندوبيها.
هناك أشخاص مشغولين عن أبديتهم بالصراع مع غيرهم:
يقول الواحد منهم: “أنا موهبتي في الأرض أن أخلع الزوان منها” ويتخيل زوانًا ينشغل بخلعه. وفيما يفعل ذلك يستخدم الإدانة والشتيمة، والثورة والغضب، والنقد والنقض. ويعثر غيره فيما يفعل، ويحاول هدم مبانٍ كثيرة.
وفيما يخلع ما يظنه زوانًا، يصير هو زوانًا:
فيفقد روحياته، ويفقد الاتضاع والمحبة، ويفقد “الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ” ( بطرس الأولى 3 : 4 ) … وفي كل ذلك ينسى خطاياه، وينسى أن يُخرِج الخشبة من عينيه قبل إخراج القذى من عين أخيه ( متى 7 : 3–5 ). ومع كل ذلك قد يذهب إلى التناول بغير استحقاق ( كورنثوس الأولى 11 : 27–31 ) … ويفقد أبديته…
الذي يهتم بأبديته يشعر أنه غريب على الأرض:
هوذا داود النبي العظيم يقول للرب: “أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي” ( المزامير 39 : 12 ). ويقول له أيضًا: “غَريبٌ أنا في الأرضِ، فلا تُخْف عني وَصاياكَ” ( المزامير 119 : 19 ). وقال الرسول عن الآباء رجال الإيمان أنهم: “أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ” ينتظرون “الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” ( العبرانيين 11 : 13–10 ).
والغريب لا يتعلق بالأرض وأمجادها بل يعد نفسه لأبديته:
لا يسعد نفسه بما يقتنيه ههنا. بل يعد نفسه في فترة اختبار إن نجح فيها، يستحق الأبدية السعيدة… هنا على الأرض يملأ آنيته زيتًا يضيء به مصباحه كالعذارى الحكيمات متى 25 : 4 .
إنه يعد نفسه بالتوبة، بمحاسبة نفسه، وإدانة نفسه، وتنقية نفسه من كل شر وشبه شر
(1تس5: 22). بل يزين نفسه بالفضائل، بكل ثمار الروح.
وتصير نفسه كما قيل في سفر النشيد “مُشْرِقةُ مِثْلَ الصَّبَاحِ، جَمِيلَةٌ كَالْقَمَرِ، طَاهِرَةٌ كَالشَّمْسِ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ” ( نشيد الأناشيد 6 : 10 ). “مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ” ( نشيد الأناشيد 3 : 6 ).
الإنسان الروحي لا يهتم فقط بأبديته، بل أيضًا بمركزه في الأبدية:
“لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ” ( كورنثوس الأولى 15 : 41 ). وبحسب جهاده على الأرض في اقتناء الفضائل في حياة الحب والبذل، هكذا يكون جزاؤه ومركزه في الأبدية. لأن الله سوف “يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ” ( متى 16 : 27 . و “كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ” ( كورنثوس الأولى 3 : 8 ) … حاول إذن أن تهتم بمركزك في الأبدية لا على الأرض.
ولا تكن كأصحاب برج بابل (تك11) الذين أرادوا أن “يصنعوا لأنفسهم اسمًا” بطريقة خاطئة، فبددهم الرب على وجه الأرض.
واذكر قول الرب: “مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” ( متى 10 : 39 ). كن مثل حبة البخور العطر، التي توضع في النار المقدسة، فتبذل ذاتها لكي تصير رائحة المسيح الذكية ( كورنثوس الأولى 2 : 15 ). احذر من أن تنشغل بشيء يفقدك أبديتك.
وافحص كل حياتك وأعمالك. واسأل نفسك بكل عمق وصراحة:
هل حياتي على الأرض تؤهلني لأن يكتب اسمي في سفر الحياة؟
اسأل نفسك واسأل الرب الذي يقول لك، كما لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ” ( الرؤيا 2 : 2 ).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية والعشرون – العددان 31، 32 (19-8-1994م)




