الرب مع تلاميذه بعد القيامة

إن الأربعين يومًا التي تلت القيامة، كانت أيامًا مفرحة، وسعيدة، عاش فيها التلاميذ مع الرب، يفتقدهم ويقويهم،
ويزيل شكوكهم، ويثبتهم في الإيمان… عاشوا معه، وتمتعوا بعشرته، ورأوه ففرحت قلوبهم… ليتنا نتأمل تلك الأيام المفرحة…
تقديس الفرح والحزن
إن فترة الصوم والنسك خلال الأربعين المقدسة، والبصخة المقدسة، هي فترة مقدسة في حياتنا الروحية، وكذلك فترة الفرح في الخمسين يومًا المقدسة
وهكذا كما قدس الرب الحزن والألم، كذلك قدس أيضًا الفرح به. كلها فترات مقدسة، لحن كي إيبرتو، ولحن إخريستوس آنستي.
إننا نحيا مع الرب، في شركة دائمة، في شركة آلامه، وأيضًا في شركة الفرح بالقيامة وبتأسيس الكنيسة…
إن فترة الخماسين، هي فترة فرح، ولكنه فرح بالرب.
وهذا هو الفرح الحقيقي، الذي أراده لنا الكتاب “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” (
فيلبي 4 : 4
) (
فيلبي 3 : 1
).
وكان أول فرح هو الفرح برؤية الرب
“لقد فرح التلاميذ إذ رأوا الرب” (
يوحنا 20 : 20
). وهو نفسه كان قد قال لهم “سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم” (
يوحنا 16 : 22
) …
وهنا نتأمل قول الرب للمجدلية ولمريم الأخرى “اذهبا وقولا لأخوتي، أن يمضوا إلى الجليل، وهناك يرونني” (
متى 28 : 11
).
وهذا ما بشر به الملاك أيضًا “يسبقكم إلى الجليل، هناك ترونه كما قال” (
مرقس 16 : 7
).
إن أفراح القيامة، بعد أتعاب الجلجثة، أعطت رجاءً عجيبًا.
رجاء في أن كل ظلمة وراءها نور، وكل ضيقة لابد لها فترة وتنقضي وتؤول إلى أفضل…
من كان يظن أن الشعب الهائج يوم جمعة الصلبوت يهتف أصلبه أصلبه، سيتحول بعد حين إلى شعب مؤمن بهذا المسيح المصلوب…
ولكنه درس من القيامة نتعلمه، ألا نيأس مهما بدت قوات الظلمة مسيطرة.
إن فترة الأربعين المقدسة، كانت في فرحها رمزاً للفرح الذي لا ينتهي في الأبدية.
كانت مذاقه لهذا الملكوت، جعلت التلاميذ يشتهون الانطلاق من هذا العالم، لكي يكونوا مع الرب كل حين “لي اشتهاء أن أنطلق، وأكون مع المسيح، فذاك أفضل جدًا”.
ولم ينس التلاميذ مطلقًا هذه الفترة، خلال كرازتهم.
وهكذا يبدأ القديس يوحنا الحبيب رسالته الأولى بقوله “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا”… (
يوحنا الأولى 1 : 1
).
هذا الذي رأوه بالعيان، كان رمزًا للرؤيا بالإيمان.
على الأقل رؤية الله في حياتنا، وإدراك عمله معنا…
أول ما نلاحظ في الأربعين يومًا، أنها كانت فترة افتقاد.
فترة افتقاد ورعاية
لم يشأ أن يترك تلاميذه للشك وللخوف وللضعف، وللهزات النفسية التي أحدثها تأثير الصليب…
الذين كانوا منهم في ضعف خاص، ظهر لهم خصيصًا…
بطرس الرسول كان في أزمة نفسية بعد إنكاره. كان يرعبه قول الرب “من ينكرني قدام الناس، أنكره قدام ملائكة أبي في السموات” (
متى 10 : 33
). لذلك ظهر الرب لبطرس، وطمأنه على رسوليته
يوحنا 21 : 15–16
)
عندما قام السيد المسيح، لم يفكر في ذاته، وإنما في الآخرين… لم يوبخ الذين تركوه والذين أنكروه، إنما عالج كل هؤلاء وأفتقدهم في حب…
لقد جاز المعصرة وحده. تخلى عنه الكل. ولكنه لم يعتب عليهم… أحباؤه ضعف إيمانهم، وخافوا. فلم يوبخهم على خوفهم وعلى ضعف إيمانهم، وإنما عمل على إدخال الإيمان إلى قلوبهم…
تقوية الإيمان
بدأ بعد قيامته، في تدعيم إيمان تلاميذه وعلاجه.
كان التلاميذ قد أهتز إيمانهم في حادث الصليب، وما سبقه… فمنهم من هرب، ومن أنكر، ومن خاف واختبأ.
ولم يصدقوا القيامة لما سمعوا بخبرها من مريم المجدلية ومن تلميذي عمواس ( مرقس 16 : 11–13 ).
وكذلك لما أخبرتهم النسوة، لم يصدقوهن وتراءى كلامهن لهم كالهذيان
لوقا 24 : 11
).
كذلك، فإن توما أنكر. وباقي التلاميذ لما ظهر لهم المسيح ظنوه خيالًا أو روحًا (
لوقا 24 : 37
) …
وجميعهم تملكهم الرعب، واختفوا في العلية، وبدا أن كل بناء الإيمان قد اهتز…
وقام المسيح، فافتقد التلاميذ، وقوى إيمانهم، وأعاد الثقة إلى نفوسهم. وثبتهم حتى ينشروا الإيمان، باقتناع…
ونحن في كل هذا نأخذ خبرة روحية، في افتقاد السيد الرب لشعبه وتقويته لإيمانهم. وهذا يفرحنا… لأن الرب بعد القيامة، لم يعاتب ولم يعاقب على أخطاء…
بل قام يعالج ويصلح. ويعيد للكنيسة معنوياتها، وللتلاميذ شجاعتهم وإيمانهم…
قيامة المسيح، أعطت الكنيسة أيضًا شعورًا بالقوة…
لقد قام المسيح بقوة عجيبة، أخاف الحراس وصاروا كأموات، مع هيبة الملاك الذي دحرج الحجر لأجل النسوة. وقوة المسيح ظهرت في سلطانه على الموت،
إذ لم يقمه أحد، بل قام بذاته… وهكذا فقد الموت قوته، لما داس المسيح الموت، حتى أن بولس الرسول يقول مستهزئًا به “أين شوكتك يا موت؟!”…
هذا الشعور بالقوة لازم التلاميذ، فكانوا في قوة يبشرون بقيامة المسيح غير هايبين الموت.
فهل تعمل فيك قوة القيامة، وهل أصبحت لا تخاف الموت، في فرح بقيامة أفضل…
فترة وجود الله معنا وثباته فينا:
كان يمكن للسيد الرب أن يقوي إيمان التلاميذ في يوم واحد أو في أقل، ولكنه قضى معهم أربعين يومًا، لأنه يحب أن يكون مع أولاده… مسرته في بني البشر… لقد قابلهم في العلية (
يوحنا 20 : 19
) وعند البحيرة (يو21) وفي الجليل… وزارهم مرارًا، وحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (
أعمال الرسل 1 : 3
).
وليس فقط يريد المسيح أن يكون مع أولاده، بل بالأكثر أن يكون فيهم، يحل فيهم، ويثبت فيهم وهم فيه، إلى الأبد.
قال للآب عنهم “أنا فيهم، وأنت فيَّ، ليكونوا مكملين إلى واحد” (
يوحنا 17 : 23
). وقال لتلاميذه “أثبتوا فيَّ، وأنا فيكم… أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيًّ وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير” (
يوحنا 15 : 4–6
). وقال أيضًا “من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيَّ وأنا فيه” (
يوحنا 6 : 56
).
إنها إذن ليست مجرد عشرة معه، وإنما ثبوت متبادل… يحيا المسيح فينا، ونحن فيه، نوجد فيه. وكما قال بولس الرسول “…لكي أحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ” (غل2: 20).
عشرة ثابتة في الله، ليس في هذا العالم فقط، وإنما في الأبدية أيضًا، في العالم الآخر.
وهكذا طمأن السيد المسيح تلاميذه، فقال لهم “أنا ماض لأعد لكم مكانًا… وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا، آتي أيضًا، وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكون أنا، تكونون أنتم أيضًا” (
يوحنا 14 : 2–3
).
وفى صلاته الطويلة إلى الآب لأجل تلاميذه، قال له “أيها الآب، أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا” (يو17: 34). وأورشليم السمائية قيل عنها إنها “مسكن الله مع الناس” (
الرؤيا 21 : 3
).
وأما على الأرض، فقال الرب لتلاميذه “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر” (
متى 28 : 20
). و” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم” (
متى 18 : 10
).
إذًن يمكن أن نعتبر الأربعين يومًا “مذاقه للملكوت”… يذوقون فيها الحياة مع الرب، لكي يحيوا معه إلى الأبد… يحل فينا، ويتحد بنا، ويثبت فينا، ونحن فيه. وهكذا صارت فترة الأربعين يومًا هي فترة الوجود مع خاصته.
القيامة كانت تحمل معنى آخر، هو وجود الرب مع شعبه.
وكان هذا الوجود خلال الأربعين يومًا، إشارة إلى الوجود الدائم الذي قال لهم فيه “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر” وتمثل في وجود الرب وسط الكنائس السبع حسبما رآه القديس يوحنا الرائي (
الرؤيا 1 : 13–20
) (
الرؤيا 2 : 1
).
وهذا الوجود على الأرض، كان رمز الوجود في السماء.
حيث الرب في وسط شعبه، في أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس. تنفيذًا لوعده الصادق “حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”… إن ما حدث في الأربعين المقدسة، يستكمل في الأبدية السعيدة. والتلاميذ هنا رمز لكل الأبرار.
هناك يرونني
قال الرب لمريم المجدلية ومريم الأخرى: اذهبا وقولا لأخوتي أن يذهبوا إلى الجليل، هناك يرونني ( متى 28 : 10 ) انظر ( مرقس 16 : 7 ).
إنه يلتقي بالإنسان في المكان الذي يحدده هو. أي الرب. كما قاد إبرام أب الآباء إلى الأرض التي أراه إياها. وكما قاد موسى وهارون، وحدد لموسى الجبل الذي يكلمه عليه.
لقد كانت جزيرة بطمس مكانًا حدده الرب وليس يوحنا. وكانت بلوطة ممرا مكانًا أختاره الرب وليس إبراهيم.
ولكننا للأسف، في علاقتنا بالرب، ما أكثر ما نحدد له أمكنة، ومواعيد، وربما نوع العمل، ونوع المواهب.
ولكن الرب اختار مكانًا للقياه (هناك يرونني)، كما اختار مكانًا لسكناه، في الخيمة، وفي الهيكل، وفي أورشليم “هذا هو الموضع الذي سُر الرب أن يسكن فيه”… “ههنا موضع راحتي إلى أبد الأبد. ههنا أسكن لأني اشتهيته” (
المزامير 132 : 14
).
إن عبارة (هناك يرونني) تذكرنا بعبارة أخرى في النشيد: “تعال يا حبيبي، لنخرج إلى الحقل، ولنبت في القرى… هناك أعطيك حبي” (
نشيد الأناشيد 7 : 10–12
).
كثيرون يظنون أن الحرية هي أن يفعلوا ما يشاءون… أما نحن فنسير على الطريق الذي رسمه الرب.
كما فعل موسى كل شيء حسب المثال الذي أراه الرب إياه ( أعمال الرسل 7 : 44 ). حتى الأواني، قال الرب لموسى “وانظر فاصنعها حسب مثالها الذي أظهره لك على الجبل” (خر25: 40) … والمذبح “كما اظهر لك في الجبل، هكذا يصنعونه” ( الخروج 27 : 8 ) … وكان الرب يرسم كل شيء، بكل تفاصيله…
وتميز الشعب، بأنه يسير ليس حسب حكمته الخاصة، وإنما حسب المثال الذي رسمه الرب، بعبادة إلهية…
أمر الرب قائلًا “متى صليتم فقولوا: أبانا الذي…” يقول الكتاب أيضًا “متى اجتمعنا يكون لكل واحد مزموره” (
كورنثوس الأولى 14 : 26
).
نصلي إذن المزامير… لا نعتمد على حكمتنا الخاصة، وإنما نتبع المثال الذي وضعه الرب في كل شيء…
إن فترة الأربعين يومًا ترينا عمق العلاقة التي بين الرب وخاصته.
كما أنها فترة الإعداد والتسليم لجميع الأسرار والتقاليد.
فترة التسليم
وهكذا كانت فترة الأربعين يومًا، فترة سلم فيها الرب لتلاميذه كل رسوم العبادة، وطقوسها، وكل أسرارها، فاتبعوها…
كان خلال تلك الأيام “يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله ” (
أعمال الرسل 1 : 3
) …
يقول لهم الأمور التي يحسن تسليمها للقيادة، والقادة يسلمونها لباقي الشعب… وعاشت الكنيسة بالتسليم…
انظروا ماذا يقول بولس الرسول لأهل كورنثوس؟
“لأني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا” (
كورنثوس الأولى 11 : 23
).
ويقول لتلميذه تيموثاوس “وما سمعته مني بشهود كثيرين، أودعه أناس أمناء، يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا” ( تيموثاوس الثانية 2 : 2 ).
المسيح سلّم تلاميذه، وهم سلموا غيرهم، وبالتسليم تأسست العقيدة. وفترة الأربعين يومًا كانت فترة تسليم من الرب لتلاميذه.
هذه الأسرار ليست لكل أحد، ليست تعليمًا عامًا يلقيه على الكل، مثل العظة على الجبل، وإنما هي للقادة.
هم يتسلمونها منه، ثم يسلمونها للأجيال فيما بعد، كما قال بولس الرسول عن سر الافخارستيا “لأني تسلمت من الرب ما سلمتكم.” ( كورنثوس الأولى 11 : 23 )
كما تسلم موسى من الرب على الجبل كل الرسوم والطقوس الخاصة بخيمة الاجتماع والعبادة فيها. وصنع كل شيء حسب المثال الذي أخذه.
حياتنا الروحية في هذه الأيام
أهم شيء في هذه الأيام المقدسة، أن نستقبل المسيح في قلوبنا، كما استقبله الرسل… أن نكون خاصته كما كانوا… وأن نحيا حياتهم.
شاول الطرسوسي لم يكن واحدًا من الاثني عشر، ولكن استعداده الداخلي، جعله ينال من الرب ما ناله الرسل، وأن يفوق كثيرين منهم.
فلنطلب من الرب أن يعلن لنا ذاته، كما ظهر لهم، لكي نقول معهم “الذي رأيناه، الذي سمعناه، الذي لمسته أيدينا”)
يوحنا الأولى 1 : 1
).
أو لنطلب من الرب أن يفتقدنا في هذه الأيام المقدسة كما افتقد تلاميذه الأطهار، بكل رعاية وحب.
إن عبارة “ليكن لك حسب إيمانك”، كانت تخيف البعض…
ماذا أفعل إذن إن كان إيماني ضعيفًا؟ هل معنى هذا إنني لا أنال شيئًا؟ لا شك أن الرب لو حاسبنا في كل حين بحسب إيماننا، لكان مصيرنا إلى الضياع…
ولكن السيد المسيح أرانا أن المحبة أعظم من الإيمان، يكفي أولًا أن تحب، ولا مانع أن يهبك الله الإيمان مكافأة لحبك…
هذا يرينا أن المسيح لا يعمل فقط مع الكاملين. إنما يعمل أيضًا مع الناقصين لكي يكملهم… تلميذا عمواس لم يكن عندهما الإيمان، لذا قالا عن المسيح إنه “كان إنسانًا نبيًا مقتدرًا في الفعل والقول…” (
لوقا 24 : 19
)، مجرد نبي، مجرد إنسان مقتدر في الفعل والقول!! فلا آمنا بلاهوته، ولا آمنا بقيامته، ولا عرفاه… ولكن المسيح وهبهما هذا الإيمان، من عنده…
حسن أن نؤمن أن الله يمكن أن يهبنا الإيمان، ويمكن أن يقوي ضعف إيماننا، ولا يعاملنا بحسب إيماننا الضعيف أو المفقود..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 1-6-1997م



