الرب قد ملك

نتابعك معك اليوم تأملاتنا في المزامير، وسيكون مزمور هذا العدد المزمور الأخير في صلاة الساعة السادسة (مز 93) وهو:
الرب قد ملك…
“تسبحه شكر لداود في اليوم الذي هو قبل السبت…
هذا العنوان غير موجود في الترجمة البيروتية، ولكنه موجود في الترجمة السبعينية، وفي تراجم اللاتين،
وفي تفسير القديس أوغسطينوس للمزامير. المزمور هو إذن تأمل في اليوم السابق للسبت، أي في اليوم السادس. فما الذي حدث في اليوم السادس؟
” فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ:
«أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” ( تكوين 1 : 27-28 ).
ولكن هل استمر الإنسان على صورة الله؟ وهل ملك الأرض؟ لا هذا ولا ذاك. بل فسد الإنسان وفقد صورته الإلهية، كما فقد سلطانه أيضًا.
وملك بدلًا منه الشيطان الذي يسميه رب المجد نفسه “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ” ( يوحنا 14 : 30 )،
ويسميه بولس الرسول “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ” ( أفسس 2 : 2 ). ولم يملك الشيطان الأرض جملة واحدة وإنما تفصيلًا أيضًا.
فأحد جنوده يلقبه في سفر دانيال بأنه “وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ” ( دانيال 10 : 13 ).
واستمر الأمر هكذا إلى أن تجسد الله الابن، ورد الإنسان إلى صورته الأصلية.
أخذ الله صورة الإنسان ليعطي الإنسان صورة الله. هذا عن الصورة.. فماذا عن الملك؟
إنه لم يكن قد تم قبل اليوم السادس. حقًا أن المسيح كان يكرز بهذا الملكوت في كل مدينة وقرية ( متى 4 : 23 )،
وعندما أرسل تلاميذه قال لهم “اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” ( متى 10 : 7 ).
كان الملكوت يقترب، إلا أن الله لم يكن قد ملك بعد، ولم يكن دخوله أورشيلم كملك إلا رمزًا إلى الملكوت الآتي.
لأنه بعد أحد الشعانين بأيام “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” ( يوحنا 14 : 30 ).
ولما اقترب إلى الصليب “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ” ( يوحنا 16 : 11 ).
فمتى حدث ذلك؟ حدث في اليوم السادس، عندما دفع السيد المسيح عنا أجرة الخطية التي هي الموت،
هنا يبدأ داود مزموره ويقول “الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ” ( المزامير 92 : 1 ).
نسأله وأين ملك؟ فيجيب في مزمور آخر “الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ” ( المزامير 95 : 10 ).
“الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ. لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها”
ظهرت قوة السيد المسيح على الصليب، لأنه استطاع أن “يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ،
وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” ( العبرانيين 2 : 14-15 ). وماذا بعد؟
أخذ “وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ” ( الرؤيا 1 : 18 ). “سَبَى سَبْيًا” ( أفسس 4 : 8 )
وفتح باب الفردوس ( لوقا 23 : 43 )،
وأعطي الذين يحبونه “أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ” ( الرؤيا 2 : 7 ) وهكذا بموته ملك على الأحياء والأموات.
وفي موته لم يكن ضعيفا “وإنما لبس الجلال”: فإذا “حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ…
وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ” ( متى 27 : 51-52 )..
و “أَبْطَلَ الْمَوْتَ” ( تيموثاوس الثانية 1 : 10 ). وهكذا ملك الرب، وأعطانا أيضًا “أن نملك معه” ( تيموثاوس الثانية 2 : 12 ).
قد يسأل البعض: إن كان المسيح قد ملك حينئذ، فمن كان يملك قبل صلبه؟ يجيب الرسول على هذا:
“قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ”. وكيف؟ “بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ” ( رومية 5 : 14-17 ).
أما الآن فقد ملك الرب ونحن نعيش في ملكوت الله. بل أن “مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” ( لوقا 17 : 21 ).
لقد “تمنطق المسيح” أي استعد للعمل. وتمنطق بالقوة: “تقلد سيفه على فخذه كجبار، استله ونجح وملك” ( المزامير 45 : 3-4 ).
ظهرت قوته على الصليب في قهر الشيطان، وظهرت قوته عند القبر في قهره للموت.
فمتى ظهرت قوته أيضًا وكيف؟ ظهرت في تأسيسه للكنيسة وتثبيته لها،
حتى اكتسحت دولًا وممالكًا، وخضع لها رؤساء وملوك، وبادت أمامها فلسفات وأديان. وملك الرب على كل هؤلاء مُظهرًا قوته.
وهكذا “مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” ( مرقس 9 : 1 ) وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة ليسوع المسيح،
ونعمة عظيمة كانت على جميعهم “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” ( أعمال الرسل 4 : 33 ).
حتى أن رؤساء الكهنة كانوا يسألونهم بأية قوة وبأي اسم صنعتم هذا؟ ( أعمال الرسل 4 : 7 ).
أنها القوة التي شعر بها بولس الرسول فقال: “بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ” ( كولوسي 1 : 29 ).
حقًا أن الرب قد لبس القوة وتمنطق بها في تثبيت الكنيسة. ولذلك فإن المرتل يقول بعد ذلك مباشرة.
“لأنَّهُ ثَبتَ المسْكونَة فَلَن تَتَزعْزَعَ” ( المزامير 92 : 1 )
والمسكونة هنا لا تعني الأرض وإنما سكانها كما يقول المزمور 95 “يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ”.
وكما يقول المزمور أيضًا “هَلِّلُوا للرَّبِّ يا كُلّ الأرْضِ. اعْبدوا الرَّبَّ بالفَرَحِ” ( المزامير 99 : 1-2 ) فلا تقصد الأرض وإنما سكانها.
وهنا ليس المقصود “بالمسكونة” كل الناس وإنما المؤمنين أو القديسين فقط،
أعضاء الكنيسة التي لن تقوى عليها أبواب الجحيم. أما الباقون فإن المزامير تطلق عليهم لفظ “الغُرَباءَ” ( المزامير 54 : 3 ).
ما أعجب قوله عن الكنيسة أنها لا تتزعزع! قيل عن الجبل “تَتَزعْزَعُ الجِبالُ بعِزَّتهِ” ( المزامير 46 : 3 )
وقيل إن “الآكَامَ تَتَزَعْزَعُ” ( إشعياء 54 : 10 )،
كما قيل “وَتَتَزَعْزَعُ الأَرْضُ مِنْ مَكَانِهَا” ( إشعياء 13 : 13 ) وحتى السماوات قال عنها
“وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ” ( متى 24 : 29 ).
فما هو السر في أن هذه الكنيسة تثبت ولا تتزعزع؟
يجيب داود في مزمور آخر ” لقَد قَدَّس العَلي مَسْكنَهُ. واللَّهُ في وَسَطها فَلَن تَتَزَعْزع” ( المزامير 46 : 4-5 ).
السر إذن هو أن “اللَّهُ في وَسَطها” “هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” ( متى 28 : 20 ).
“لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ” ( المزامير 16 : 4 ).
“إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ” ( كورنثوس الأولى 15 : 58 ).
لقد قال الله أنه سيسكن فيكم ويسير بينكم ( كورنثوس الثانية 6 : 16 ). وكيف يسكن فينا؟
إنه يسكن كملك لأن “مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” ( لوقا 17 : 21 ). وما دام يسكن فينا كملك فلابد أن له عرشًا. وهنا يقول داود:
“كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ وأنْتَ هُوَ مُنْذُ الأزَل” ( المزامير 92 : 2 )
والترجمة الصحيحة لكلمة “كُرْسِيُّكَ” هي كلمة “عرشك”. فكيف أن عرش الله ثابت منذ البدء؟
حقًا يا رب أنك امتلكتنا على الصيب واشتريتنا بدمك ( كورنثوس الأولى 6 : 20 ).
ولكننا قبل هذا أيضًا كنا لك ولم تكن مملكة إبليس سوى اغتصاب “لأَنَّ غُرَبَاءَ قَدْ قَامُوا عَلَيَّ، وَعُتَاةً طَلَبُوا نَفْسِي.
لَمْ يَجْعَلُوا اللهَ أَمَامَهُمْ” ( المزامير 54 : 3 ).
نحن لك، ليس فقط لأنك افتديتنا وإنما أيضًا لأنك قبل ذلك قد خلقتنا… إذن فحقك في ملكك علينا ليس هو ابن اليوم ولا هو ابن أمس ولا قبلًا من أمس وإنما “كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ”.
أنت تملك على الكنيسة وأنت تثبتها. لأنها احتاجت إلى هذا. وكيف؟
“رَفَعتِ الأنْهارُ يا رَبُّ، رَفَعتِ الأنْهارُ صَوتَها تَرفَعُ الأنْهارُ صَوتَها. مِنْ صَوتِ مِياهٍ كَثيرةٍ” ( المزامير 93 : 3-4 )
قال الرب “مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ” ( يوحنا 7 : 38 ).
وفسر هذا يوحنا الرسول فقال “قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ” ( يوحنا 7 : 39 ).
إذن فالروح القدس يمكن أن يشبه أو عمله في المؤمنين “بأنهار ماء حي”، لعل هذا ما يقصده داود بقوله “مَجاري الأنْهارِ تُفَرِّحُ مَدينَةَ اللَّهِ” ( المزامير 46 : 4 ).
فإذا كانت كلمة “أنهار” تطلق على روح الله وعمله، فمن الممكن أن تطلق على المملوئين من روح الله،
الذين يعمل روح الله فيهم وبهم، أولئك الذين تجري من بطونهم هذه الأنهار لتروي الآخرين وتفرح مدينة الله.
ما الذي حدث لهذه الأنهار؟
يقول داود “رَفَعتِ الأنْهارُ يا رَبُّ، رَفَعتِ الأنْهارُ صَوتَها” ( المزامير 93 : 3 ) وهذا هو الذي حدث في يوم الخمسين
عندما امتلأ الرسل من الروح القدس عندما امتلأت هذه الأنهار من الماء الحي… استهزأ البعض قائلين “إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأُوا سُلاَفَةً” “خمرًا”!
حينئذ وقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته وقال ( أعمال الرسل 2 : 14 ).
فما الذي حدث عندما رفع هذا النهر العظيم صوته وفاض بالماء الحي؟ قبلوا كلامه بفرح واعتمدوا وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس،
هذه الأنهار رفعت صوتها ولم تستطع أن تسكت كما قال بطرس لرؤساء الكهنة ( أعمال الرسل 4 : 20 ).
وبينما كانت هذه الأنهار المقدسة ترفع أصواتها في الكرازة، كانت هناك أنهار أخرى مقدسة ترفع صوتها “رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا:
أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِله”ُ ( أعمال الرسل 4 : 24 ). فماذا حدث عندما رفعوا صوتهم؟ “تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ،
وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ” ( أعمال الرسل 4 : 31 ).
عندما رفعت الأنهار صوتها في سمع الناس، آمن الناس… وعندما رفعت صوتها إلى الله استجاب. ولكن…
ماذا حدث أيضًا عندما رفعت الأنهار صوتها؟
يقول الكتاب “وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ الشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ، مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ…
فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى الْغَدِ… وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَكَتَبَتَهُمُ اجْتَمَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ حَنَّانَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَقَيَافَا وَيُوحَنَّا وَالإِسْكَنْدَرِ،
وَجَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ عَشِيرَةِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ.
وَلَمَّا أَقَامُوهُمَا فِي الْوَسْطِ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمَا” ( أعمال الرسل 4 : 1-7 ) هل كل هؤلاء قاموا على هذا الأنهار مقاومين لها؟ بل وأكثر من هؤلاء.
قام عليهم الولاة والأمراء والملوك والرؤساء والحكام والقضاة، وماذا أيضًا؟
“بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” ( كورنثوس الثانية 11 : 26 ). ويلخص داود كل هذه الكلمة في عبارة “مياه كثيرة”.
فهل المياه الكثيرة ترمز إلى المقاومات؟
نعم. وفي ذلك يقول داود ” لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء… إذَنْ لَغرَقْنا في الماءِ، وَعَبَرَت نُفوسِنا السَّيْلُ.
بَلْ جازتَ نُفوسِنا الماءُ الَّذي لا نِهايَةَ لَهُ. مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم ” ( المزامير 124 : 6 ).
أن هذه المياه الكثيرة، المياه التي لانهاية لها، والسيول، ترمز هنا وفي مواضع أخرى إلى المقاومات والضيقات والعالم ومشاكله.
ويستعمل داود تعبيرًا آخر يدل به على المياه الكثيرة وهو البحر. فيقول.
“عَجيبَةٌ هِي أَهْوَالِ البَحْر (أو أمواجه) الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ” ( المزامير 93 : 4-5 )
من التشبيهات المألوفة في الكتاب، تشبيه العالم بالبحر، والكنيسة بسفينة، وأخطار العالم وأشراره بالأمواج،
إن الأشرار يشبههم يهوذا الرسول في رسالته بأنهم “أَمْوَاجُ بَحْرٍ هَائِجَةٌ مُزْبِدَةٌ بِخِزْيِهِمْ” (يه 13).
ويقول أشعياء “أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا” ( إشعياء 57 : 20 ).
وعندما رفعت الأنهار صوتها صارخة إلى الله من صوت مياه كثيرة، ماذا كانت أهوال البحر التي صدمتها؟
يعطينا بولس الرسول مثلًا فيشرح كثرة الأتعاب والضربات والسجون والجلد والرجم والميتات مرارًا كثيرة، فهل كانت هذه كل أهوال البحر؟ كلا.
أنه يستطرد “بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ،
بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” ( كورنثوس الثانية 11 : 26 ).
عجيبة حقًا هي أهوال البحر!!… يشرحها داود في المزمور الثاني فيقول
“لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” ( المزامير 2 : 2 ).
فما الذي حدث عندما هاجت أمواج البحر، وقامت ملوك الأرض وتفكرت الشعوب بالباطل؟
هل استطاعت أن تجرف أولاد الله؟ أترى حازت نفوسهم الماء الذي لانهاية له؟ كلا، لأن “الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ”.
يأتيهم ماشيًا على الماء، يدوس بقدميه الأمواج الصاخبة، وينتهر البحر فيسكت، فليتغنى داود إذن ويقول “يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟ قَوِيٌّ…
أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا” ( المزامير 89 : 9 ). فليعج البحر إذن كما يشاء، ولتتفكر الشعوب بالباطل…
” اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ بِهِمْ… حِينَئِذٍ يُكَلِّمَهُم بِغَضَبِهِ وَبرِجْزِه يَرْجفُهُمْ” ( المزامير 2 : 4-5 ) “الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ”…
شهاداتك صادقة جدًا
ها قد هاجت أمواج البحر على التلاميذ فما هي شهادة الله الصادقة التي يتذكرونها فيتعزون؟ لقد قال لهم الرب
“يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي”…
هذه هي أهوال البحر العجيبة. فهل من عزاء عند ملاقاتها؟ يستطرد الرب فيقول
“فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا ( لوقا 21 : 14-17 ) حقًا شهاداتك صادقة يا رب.
فهل من شهادة أخرى؟ نعم لقد قال لهم ” وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ.
وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي” هذه هي أهوال البحر العجيبة. فماذا بعد؟ يقول “وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ”؟ ( لوقا 21 : 18 )
حقًا أن الرب لم يخدعهم في شيء. وإنما قال لهم تلك الأمور قبل أن تكون حتى إذا كانت يؤمنون ( يوحنا 14 : 29 ) يؤمنون بماذا؟
يؤمنون بأن شهاداته صادقة جدًا. هذا عن الماضي، فماذا عن المتسقبل؟ يؤمنون أيضًا بأنه.
لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ
قلت لليهود “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا” ( متى 23 : 38 )؛ ( لوقا 13 : 35 ).
وكانت شهاداتك صادقة جدًا، وتم ذلك وكان.
أما كنيستك فقلت عنها “وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” ( متى 16 : 18 ).
فلتكن يا رب شهاداتك صادقة، ولتدم بيعتك مقدسة باسمك ودمك حتى الانقضاء…
“يا رَبُّ أحْبَبْتُ جَمالَ بَيْتِكَ، ومَوضِعَ مَسْكنِ مَجْدكَ” ( المزامير 26 : 8 ). “طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ،
يُبارِكونَكَ إلَي الأبَدِ” ( المزامير 84 : 4 ) لأنه “لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ” ( المزامير 93 : 5 ).
تأمل روحي
تحدثنا أيها الأخ المبارك عن المعنى النبوي للمزمور مطبقا على الكنيسة. بقيَّ أن تطبقه شخصيًا على نفسك. مثال ذلك:
الرب قد ملك ولبس الجلال.
أي ملك ذاتك كلها: حياتك، رغباتك، وقتك، فكرك، مشاعرك… كل ما عندك. اشتراك بدمه وصرت ملكًا له. وهكذا:
لبس الجلال فيك. أصبحت مهابًا لدي الشياطين “يَسْقطُ عَنْ يَساركَ أُلوفٌ وعَنْ يَمينكَ رِبْواتٌ، وأمّا أنْتَ فَلا يقْتَربُ إليْكَ الشَّرُّ…
ولا تدْنو ضَرْبةً مِنْ مَسْكنِكَ” ( المزامير 91 : 7 ) بعض الأفكار والشهوات لا تقترب إليك، وإن مرت على ذهنك تعبر سريعًا كالدخان.
ولكنك قد تقول في نفسك “ليس هذا هو وضعي فكيف أتأمله في الصلاة؟!” تأمله كأمل، كرغبة، كما تقول “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ”.
لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها، لأنَّهُ ثَبتَ المسْكونَة فَلَن تَتَزعْزَعَ.
قوة الله التي يعمل بها فيك لتسير في موكب نصرته. وقوة النعمة التي تعطى لك لتجاهد وتثابر حتى تسلم إرادتك للرب.
وهكذا تثبت في محبة الله ولا تتزعزع إرادتك نحو الخطية لأن “ميراثك ثابت لك”.
كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ وأنْتَ هُوَ مُنْذُ الأزَل
كان يجب أن أجعل عرشك في قلبي منذ البدء، ولكني تأخرت في حبك.
… تَرفَعُ الأنْهارُ صَوتَها. مِنْ صَوتِ مِياهٍ كَثيرةٍ.
مياه كثيرة تحاربك، أهمها العالم والجسد والشيطان، بما يقدمه أولئك من عثرات وشهوات وأفكار… وباقي متاعبك التي تعرضها أمام الله.
عجيبة هي أهوال البحر الذي يريد أن يجرفك. ولكن معونة الله ستنقذك لأن الرب في الأعالي هو أقدر…
شهاداتُهُ صادِقةٌ جدًا.
كما شهدت يا رب بأنه في العالم سيكون لنا ضيق، قلت أيضًا “ثقوا أيضًا أنا قد غلبت العالم”، فاغلبه مرة أخرى في قلبي وفي حياتي.
لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ
بيت الله هو قلبك، الذي ينبغي له التقديس، ليكون أهلًا لحلول الروح القدس فيه. على أن يكون ذلك طول الأيام، فلا تحيا حياة ذبذبيه وتقلب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الأولى – العدد الخامس يونيه 1965م



