إسرائيل في رأي المسيحية – لنيافة الأنبا شنوده

| الكتاب | إسرائيل في رأي المسيحية |
| المؤلف | نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
إسرائيل في رأي المسيحية
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية 
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة المجلس الملي العام ودوره في المعركة
مقدمة المجلس الملي العام ودوره في المعركة
موضوع اليوم: "إسرائيل في نظر المسيحية"، إن كلمة إسرائيل لها عدد من الدلالات؛ فهي تدل على شخص يعقوب بن إسحاق الذي سُمي "إسرائيل"، وتدل على شعب إسرائيل القديم السابق للمسيحية. ولها أيضًا معنى رمزي في إشارتها للكنيسة المقدسة. متى بدأت قصة إسرائيل؟ بدأت بعهد من الله مع إبراهيم أبي الآباء، قال له فيه "لك أُعطي هذه الأرض ولنسلك من بعدك" (تك13: 15)، فماذا كان ذلك الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم وأولاده؟ ومَن هم أولئك اليهود: هل هم شعب الله المختار حقًا؟ هل هم حقًا أبناء لإبراهيم؟ هل هم حقًا دولة لها كيانها؟ هل هم حقًا أصحاب المواعيد الإلهية؟ أم أن الله رفضهم وانتهى أمرهم منذ زمن؟ هذا هو ما سنتحدث عنه.
أولًا: العهد.
أولًا: العهد
1. كان العهد الذي أُعطى لذلك الشعب له شروط
ففي سفر الخروج (أصحاح 19: 5، 6) يقول الرب لهم: "إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً..".
وقد وافق جميع الشعب على هذه الشروط، وقالوا لموسى النبي: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ" (خر19: 8). وكتب هذا العهد في كتاب.
"وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا: كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ" (خر24: 7).
"إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً" (خر24: 7). هذا هو شرط الله معهم، وهذا هو عهده. يقول الكتاب المقدس: "وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ، لأَنَّنِي بِحَسَبِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ" (خر34: 27).
+ نفس هذا الشرط كرره الرب مرة أخرى في سفر التثنية. فخاطب الشعب قائلًا: "جَمِيعَ الْوَصَايَا الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ تَحْفَظُونَ لِتَعْمَلُوهَا، لِكَيْ تَحَيَوْا وَتَكْثُرُوا وَتَدْخُلُوا وَتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكُمْ" (تث8: 1).
إذا يجب أن يحفظوا جميع الوصايا، وينفذوا كل أوامر الله، لكي يدخلوا ويملكوا الأرض.
ثم يعلق الرب على كل هذا مكملًا:
"وَإِنْ نَسِيتَ الرَّبَّ إِلهَكَ... كَالشُّعُوبِ الَّذِينَ يُبِيدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكُمْ كَذلِكَ تَبِيدُونَ، لأَجْلِ أَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ" (تث8: 19، 20).
إذًا، إن سمعتم دخلتم الأرض، وإن لم تسمعوا تبيدوا مثل ذلك الشعوب. هذا هو الشرط.
+ نفس هذا الشرط، قاله الرب لداود النبي والملك. وهكذا ورد في المزمور: "أَقْسَمَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ لاَ يَرْجعُ عَنْهُ: مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ. إِنْ حَفِظَ بَنُوكَ عَهْدِي وَشَهَادَاتِي الَّتِي أُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا، فَبَنُوهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ يَجْلِسُونَ عَلَى كُرْسِيِّكَ" (مز132: 11، 12).
+ ونفس الشرط ذكره الرب لسليمان بن داود: "وَأَنْتَ إِنْ سَلَكْتَ أَمَامِي كَمَا سَلَكَ دَاوُدُ أَبُوكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبٍ وَاسْتِقَامَةٍ... فَإِنِّي أُقِيمُ كُرْسِيَّ مُلْكِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ..." (1مل9: 4، 5).
إذًا هو وعد مشروط. لا بد أن يحفظوا عهد الرب، ويطيعوا وصاياه، وإلا كانوا غير مستحقين للمكافأة التي كافأهم بها.
وما أخطر الكلمات التي قالها الرب لسليمان، في هذا الصدد:
"إِنْ كُنْتُمْ تَنْقَلِبُونَ أَنْتُمْ أَوْ أَبْنَاؤُكُمْ مِنْ وَرَائِي، وَلاَ تَحْفَظُونَ وَصَايَايَ، فَرَائِضِيَ الَّتِي جَعَلْتُهَا أَمَامَكُمْ، بَلْ تَذْهَبُونَ وَتَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرَى وَتَسْجُدُونَ لَهَا، فَإِنِّي أَقْطَعُ إِسْرَائِيلَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، وَالْبَيْتُ الَّذِي قَدَّسْتُهُ لاسْمِي أَنْفِيهِ مِنْ أَمَامِي، وَيَكُونُ إِسْرَائِيلُ مَثَلاً وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ، وَهذَا الْبَيْتُ يَكُونُ عِبْرَةً. كُلُّ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُ وَيَصْفُرُ، وَيَقُولُونَ: لِمَاذَا عَمِلَ الرَّبُّ هكَذَا لِهذِهِ الأَرْضِ وَلِهذَا الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الرَّبَّ إِلهَهُمُ..." (1مل9: 6-9).
إذًا كان عهد الرب بشرط: إن لم يطع إسرائيل عهد الرب، يقطعه الرب عن وجه الأرض، ويجعله مثلًا وهزاه. وحتى البيت المقدس - الذي هو الهيكل - يحطمه الرب، وكل من يراه يتعجب.
يبقى بعد هذا أن نسأل سؤالًا هامًا وهو: هل حفظ إسرائيل العهد حتى يستحق الأرض، أم أنه لم يحفظ عهد الله؟ هذا ما سنوضحه بالتفصيل فيما بعد. ويكفي أن نذكر هنا أنه حتى سليمان نفسه لم يطع الرب. وفي أواخر أيامه أمالت النساء قلبه فبخر للأصنام. يقول الكتاب أن الرب أقام له خصومًا: "هَدَدَ الأَدُومِيَّ... رَزُونَ بْنَ أَلِيدَاعَ... وَيَرُبْعَامُ بْنُ نَابَاطَ" (1مل11: 14، 32، 26). ثم تقسمت مملكته من بعده. والعهد الذي أعطاه الرب لداود لم يتم بسبب كسر الوصية.
2- قائمة من اللعنات إن كسروا عهد الرب
إن الله قد أعطى عهدًا لشعبه. وفي نفس الوقت نرى في (الأصحاح 28 من سفر التثنية)، قائمة كبيرة للبركات واللعنات: البركات إن حفظوا العهد، واللعنات إن خالفوا الوصايا.
إن اللعنات تشمل أشياء كثيرة جدًا. ولكني سأقتصر هنا على ما يتعلق منها بوراثة الأرض.
يقول الوحي في سفر التثنية (ص28): "وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ.." (ع15).
+ "... يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا" (ع21).
+ "يَجْعَلُكَ الرَّبُّ مُنْهَزِمًا أَمَامَ أَعْدَائِكَ. فِي طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ، وَفِي سَبْعِ طُرُقٍ تَهْرُبُ أَمَامَهُمْ، وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ الأَرْضِ" (ع25).
+ ".. لاَ تَكُونُ إِلاَّ مَظْلُومًا مَغْصُوبًا كُلَّ الأَيَّامِ وَلَيْسَ مُخَلِّصٌ" (ع29).
+ "تَبْنِي بَيْتًا وَلاَ تَسْكُنُ فِيهِ. تَغْرِسُ كَرْمًا وَلاَ تَسْتَغِلُّهُ.. تُدْفَعُ غَنَمُكَ إِلَى أَعْدَائِكَ وَلَيْسَ لَكَ مُخَلِّصٌ. يُسَلَّمُ بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ لِشَعْبٍ آخَرَ.. ثَمَرُ أَرْضِكَ وَكُلُّ تَعَبِكَ يَأْكُلُهُ شَعْبٌ لاَ تَعْرِفُهُ، فَلاَ تَكُونُ إِلاَّ مَظْلُومًا وَمَسْحُوقًا كُلَّ الأَيَّامِ" (ع30-33).
+ "يذهب بك الرب وبملكك الذي تقيمه عليك إلى أمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك.." (ع36).
+ "وَتَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلاً وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ" (ع37).
+ "تُسْتَعْبَدُ لأَعْدَائِكَ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمُ الرَّبُّ عَلَيْكَ.." (ع48).
+ "يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ.. فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةَ أَرْضِكَ حَتَّى تَهْلِكَ.." (ع49- 51).
+ " يَجْعَلُ الرَّبُّ ضَرَبَاتِكَ وَضَرَبَاتِ نَسْلِكَ عَجِيبَةً. ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً رَاسِخَةً، وَأَمْرَاضًا رَدِيَّةً ثَابِتَةً" (ع59).
+ "وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا.." (ع64، 65).
إذا من ضمن العقوبات: الهزيمة والتشتت في الأرض.. نعود الآن إلى سؤالنا الخطير:
3- هل حفظوا عهد الرب، أم لم يحفظوه؟
المعروف عن شعب إسرائيل، أنه كان طول تاريخه شعبًا عنيدًا متذمرًا صلب الرقبة. وتعب منه موسى النبي الذي كان أكثر الناس حلمًا على وجه الأرض (عد12: 3). لقد اتسم هذا الشعب بما يلي:
شعب عنيد صلب الرقبة
يشهد عنه الرب كما يذكر لنا بولس الرسول: "أَمَّا مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ: طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ" (رو10: 21).
وفي سفر الخروج، قال عنه موسى للرب إنه: "... شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةُ" (خر34: 9).
ويتحدث عنه الرب إلى حزقيال النبي فيقول له: "لكِنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَسْمَعَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَشَاؤُونَ أَنْ يَسْمَعُوا لِي. لأَنَّ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ صِلاَبُ الْجِبَاهِ وَقُسَاةُ الْقُلُوبِ" (حز3: 7).
ويقول عنه في سفر إشعياء النبي: "وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! " (إش1: 4).
وقال عنه الرب في سفر إرمياء النبي: "هكَذَا أُفْسِدُ كِبْرِيَاءَ يَهُوذَا، وَكِبْرِيَاءَ أُورُشَلِيمَ الْعَظِيمَةِ. هذَا الشَّعْبُ الشِّرِّيرُ الَّذِي يَأْبَى أَنْ يَسْمَعَ كَلاَمِي، الَّذِي يَسْلُكُ فِي عِنَادِ قَلْبِهِ..." (إر13: 9، 10).
وقال عنه أيضًا: "... وَأَبَوْا قُبُولَ التَّأْدِيبِ. صَلَّبُوا وُجُوهَهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الصَّخْرِ... وَصَارَ لِهذَا الشَّعْبِ قَلْبٌ عَاصٍ وَمُتَمَرِّدٌ" (إر5: 3، 23).
شعب متذمر
هذا الشعب عاش مع موسى النبي في منتهى التذمر. لقد قرأت كثيرًا في كتب التاريخ، ولكني لا أعرف على الإطلاق شعبًا أكثر تذمرًا من شعب إسرائيل.
إن الضربات الكثيرة التي حطم بها الرب قوة فرعون، لم تمنع تذمر إسرائيل. فما أن وصلوا إلى البحر الأحمر، حتى تذمروا على موسى النبي قائلين: "هَلْ لأَنَّهُ لَيْسَتْ قُبُورٌ فِي مِصْرَ أَخَذْتَنَا لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟" (خر14: 11). فقال لهم موسى: "... قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13-14). وضرب البحر بعصاه فشقه نصفين، وخلص إسرائيل.
فهل عرفوا بعد هذا جميل الرب وأبطلوا التذمر؟ كلا. فبعد الضربات العشر في مصر، وبعد شق البحر الأحمر وعبورهم فيه، نراهم أيضًا متذمرين! لأنهم لهم يجدوا ماءً حلوًا ليشربوه! (خر15: 24).
حول لهم موسى - بمعجزة من الرب - الماء المُرّ إلى ماء عذب. فماذا كانت النتيجة؟ تذمروا أيضًا من أجل الطعام! وقالوا لموسى وهارون: "... لَيْتَنَا مُتْنَا بِيَدِ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مِصْرَ، إِذْ كُنَّا جَالِسِينَ عِنْدَ قُدُورِ اللَّحْمِ نَأْكُلُ خُبْزًا لِلشَّبَعِ. فَإِنَّكُمَا أَخْرَجْتُمَانَا إِلَى هذَا الْقَفْرِ لِكَيْ تُمِيتَا كُلَّ هذَا الْجُمْهُورِ بِالْجُوعِ" (خر16: 3).
فأنزل لهم الرب المَنَّ من السماء، خبزًا سماويًا ليأكلوه. ولكنهم مع ذلك لم يبطلوا التذمر، فإنهم لخجلهم جميعًا، وجدناهم في يوم من الأيام وإذ هم يبكون بدموع غزيرة. لماذا؟ لأنهم يريدون أن يكلوا لحمًا! بكوا، وقالوا: "مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ قَدْ تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ مَجَّانًا، وَالْقِثَّاءَ وَالْبَطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ" (عد11: 4-5).
فتضايق موسى النبي جدًا منهم. وهذا الرجل الحليم، الذي كان أكثر حلمًا من جميع الناس، صرخ إلى الرب قائلًا: "تَأْكُلُونَ لاَ يَوْمًا وَاحِدًا، وَلاَ يَوْمَيْنِ، وَلاَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَلاَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَلاَ عِشْرِينَ يَوْمًا، بَلْ شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَنَاخِرِكُمْ، وَيَصِيرَ لَكُمْ كَرَاهَةً..." (عد11: 19-20).
"وَإِذْ كَانَ اللَّحْمُ بَعْدُ بَيْنَ أَسْنَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ، حَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى الشَّعْبِ، وَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً جِدًّا" (عد11: 33). فما منهم كثيرون، ودعوا اسم ذلك المكان "قَبَرُوتَ هَتَّأَوَةَ" أي "قبور الشهوة".
فهل أبطلوا التذمر بعد هذا؟ كلا. بل استمروا طوال تاريخهم في التذمر، حتى أنهم أرادوا مرة أن يرجموا موسى وهارون، ويقيموا عليهم رئيسًا آخر وغضب الرب، وقال لموسى: "حَتَّى مَتَى يُهِينُنِي هذَا الشَّعْبُ؟ وَحَتَّى مَتَى لاَ يُصَدِّقُونَنِي بِجَمِيعِ الآيَاتِ الَّتِي عَمِلْتُ فِي وَسَطِهِمْ؟ إِنِّي أَضْرِبُهُمْ بِالْوَبَإِ وَأُبِيدُهُمْ، وَأُصَيِّرُكَ شَعْبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهُمْ" (عد14: 11، 12). وعاد الرب فصفح عنهم بشفاعة موسى فيهم.
ولكن هل عادوا هم إلى رشدهم، وأبطلوا تذمرهم وشرورهم؟ كلا، فبعد معجزات لا عدد لها، وبعد أن أضاء الرب عليهم ليلًا بعمود النار، وظللهم نهارًا بالسحاب، وبعد أن أنزل لهم المن والسلوى من السماء، بعد هذا غاب موسى على الجبل، عندما أخذ لوحي الشريعة من الله. فماذا فعل هذا الشعب؟ اخرجوا الذهب الذي عندهم، وصنعوا تمثالًا. وسجدوا له، وقدموا له الذبائح وقالوا: "هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ" (خر32: 4).
وقال الرب لموسى: "اذْهَبِ انْزِلْ. لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ... فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ، فَأُصَيِّرَكَ شَعْبًا عَظِيمًا" (خر32: 7، 10). فشفع فيهم موسى..
وأريد هنا أن أسأل: أين كان وعد الله، حينما قال: "أنا أفنيهم"؟ لو كان وعد الله غير مشروط، فلماذا كان إذًا يريد أن يفنيهم؟
3-شعب شرير، عابد للأصنام
وصلَ الأمر بشر هذا الشعب، أنهم وقعوا جميعهم في عبادة الأصنام. ليس فقط عندما عبدوا العجل الذهبي في حياة موسى النبي، وإنما أيضًا بعد وفاة موسى ويشوع. يروي سفر القضاة سلسلة من تواريخ عبادتهم للآلهة الغريبة، وكيف أنهم "عَبَدُوا الْبَعْلِيمَ وَالْعَشْتَارُوثَ وَآلِهَةَ أَرَامَ وَآلِهَةَ صِيدُونَ وَآلِهَةَ مُوآبَ وَآلِهَةَ بَنِي عَمُّونَ وَآلِهَةَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَتَرَكُوا الرَّبَّ وَلَمْ يَعْبُدُوهُ" (قض10: 6). حتى أن الرب قال لهم: "وَأَنْتُمْ قَدْ تَرَكْتُمُونِي وَعَبَدْتُمْ آلِهَةً أُخْرَى. لِذلِكَ لاَ أَعُودُ أُخَلِّصُكُمْ، اِمْضُوا وَاصْرُخُوا إِلَى الآلِهَةِ الَّتِي اخْتَرْتُمُوهَا، لِتُخَلِّصَكُمْ هِيَ فِي زَمَانِ ضِيقِكُمْ" (قض10: 13، 14).
ومنذ أن تكونت مملكة إسرائيل منشقة عن يهوذا، وصارت تعبد الأصنام. خاف يربعام ملك إسرائيل أن يذهب الإسرائيليون إلى أورشليم لكي يسجدوا هناك. فصنع لهم عجلين من ذهب، وقال لهم: ".. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ" (1مل12: 28).
وظلوا يعبدون عجلي يربعام حتى سبوا في القرن الثامن قبل الميلاد.
وصل الأمر بهؤلاء الناس في تركهم الله، أن آخاب ملك إسرائيل كان له 450 نبيًا كاذبًا أنبياء للبعل، و400 نبيًا كاذبًا للسواري. وكانوا يعبدون الأصنام وآلهة المدن الغريبة، ويسيرون في الفسق والفساد.
هؤلاء الإسرائيليون كانوا بلا شك قد نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله. وإنكم لتجدون مُلخصًا مُركزًا لشرورهم في سفر الملوك الثاني (2مل17: 7-18) حيث يقول الوحي الإلهي:
"وَكَانَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخْطَأُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمِ الَّذِي أَصْعَدَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ تَحْتِ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، وَاتَّقَوْا آلِهَةً أُخْرَى، وَسَلَكُوا حَسَبَ فَرَائِضِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَقَامُوهُمْ.. وَبَنَوْا لأَنْفُسِهِمْ مُرْتَفَعَاتٍ فِي جَمِيعِ مُدُنِهِمْ.. وَأَقَامُوا لأَنْفُسِهِمْ أَنْصَابًا وَسَوَارِيَ.. وَأَوْقَدُوا هُنَاكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْتَفَعَاتِ.. وَعَمِلُوا أُمُورًا قَبِيحَةً لإِغَاظَةِ الرَّبِّ. وَعَبَدُوا الأَصْنَامَ.. فَلَمْ يَسْمَعُوا بَلْ صَلَّبُوا أَقْفِيَتَهُمْ كَأَقْفِيَةِ آبَائِهِمِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِهِمْ. وَرَفَضُوا فَرَائِضَهُ وَعَهْدَهُ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَ آبَائِهِمْ وَشَهَادَاتِهِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِلِ، وَصَارُوا بَاطِلاً.. وَتَرَكُوا جَمِيعَ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِهِمْ وَعَمِلُوا لأَنْفُسِهِمْ مَسْبُوكَاتٍ عِجْلَيْنِ، وَعَمِلُوا سَوَارِيَ، وَسَجَدُوا لِجَمِيعِ جُنْدِ السَّمَاءِ، وَعَبَدُوا الْبَعْلَ. وَعَبَّرُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ فِي النَّارِ، وَعَرَفُوا عِرَافَةً وَتَفَاءَلُوا، وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ لإِغَاظَتِهِ. فَغَضِبَ الرَّبُّ جِدًّا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَنَحَّاهُمْ مِنْ أَمَامِهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ سِبْطُ يَهُوذَا وَحْدَهُ".
فماذا إذًا عن مملكة يهوذا هذه، بعد أن عبدت أختها إسرائيل الأصنام، وسارت في الفساد؟
يقول الكتاب: "وَيَهُوذَا أَيْضًا لَمْ يَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِهِمْ، بَلْ سَلَكُوا فِي فَرَائِضِ إِسْرَائِيلَ الَّتِي عَمِلُوهَا" (2مل17: 19).
كم كان أبشع حالة مملكة يهوذا التي وبخها الله بقوله: "لأَنَّهُ عَلَى عَدَدِ مُدُنِكَ صَارَتْ آلِهَتُكَ يَا يَهُوذَا... كُلُّكُمْ عَصَيْتُمُونِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر2: 28، 29).
بل بلغ الأمر أن الله قال مرة على لسان إرمياء النبي: "طُوفُوا فِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ وَانْظُرُوا، وَاعْرِفُوا وَفَتِّشُوا فِي سَاحَاتِهَا، هَلْ تَجِدُونَ إِنْسَانًا (واحدًا)، أَوْ يُوجَدُ عَامِلٌ بِالْعَدْلِ طَالِبُ الْحَقِّ، فَأَصْفَحَ عَنْهَا؟ (إر5: 1). كان مستعدًا أن يصفح عن أورشليم إن وجد فيها شخصًا واحدًا يعرف الله ويسير في طريق الحق. ولم يجد هذا الواحد. لذلك صدق الكتاب عندما قال: "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ.. الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رو3: 12، 23)، (مز53: 1و 3).
نقض بني إسرائيل عهد الرب
لقد نقض بنو إسرائيل عهد الرب الذي أبرمه الرب معهم. كان من شروط العهد أن يعبدوه ولا يسيروا وراء آلهة أخرى، ولكنهم تركوا الرب وعبدوا آلهة غريبة وسجدوا لأصنامها. وكان من شروط العهد أن يحفظوا وصاياه، ولكنهم خالفوها وساروا وراء شهوات قلوبهم. لذلك استحقوا غضب الله عليهم، واستحقوا لعنات الشريعة التي أنذرهم بها الرب من قبل.
قال الرب عنهم لإرمياء النبي: "فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُمِيلُوا أُذُنَهُمْ، بَلْ سَلَكُوا كُلُّ وَاحِدٍ فِي عِنَادِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ. فَجَلَبْتُ عَلَيْهِمْ كُلَّ كَلاَمِ هذَا الْعَهْدِ الَّذِي أَمَرْتُهُمْ أَنْ يَصْنَعُوهُ وَلَمْ يَصْنَعُوهُ" (إر11: 8).
واستطرد متحدثًا عن نقضهم عهده، ونتيجة هذا النقض "قَدْ نَقَضَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ وَبَيْتُ يَهُوذَا عَهْدِي الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ. لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَيْهِمْ شَرًّا لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، وَيَصْرُخُونَ إِلَيَّ فَلاَ أَسْمَعُ لَهُمْ" (إر11: 10، 11).
وكان من مظاهر هذا الشر الذي يجلبه عليهم خراب مدينتهم عندما قال الرب: "وَيَعْبُرُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ، وَيَقُولُونَ الْوَاحِدُ لِصَاحِبِهِ: لِمَاذَا فَعَلَ الرَّبُّ مِثْلَ هذَا لِهذِهِ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ؟ فَيَقُولُونَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِهِمْ وَسَجَدُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدُوهَا" (إر22: 8، 9).
وقد صاح إيليا النبي، مُعلنًا هو أيضًا نقض بني إسرائيل عهد الرب، فقال له: "لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ..." (1مل19: 10).
وكان نقض العهد معناه اللعنة، وعدم الاستحقاق لأن يكونوا شعب الله. لذلك يقول لهم الرب: "مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ كَلاَمَ هذَا الْعَهْدِ، الَّذِي أَمَرْتُ بِهِ آبَاءَكُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ كُورِ الْحَدِيدِ قَائِلاً: اسْمَعُوا صَوْتِي وَاعْمَلُوا بِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَتَكُونُوا لِي شَعْبًا، وَأَنَا أَكُونُ لَكُمْ إِلهًا" (إر11: 3، 4).
4- عقوبات الرب لهم
أنذرهم الأنبياء بالنتيجة المحتومة لنقضهم العهد. فقال إرمياء النبي: "هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ... وَتَصِيرُ جُثَثُ هذَا الشَّعْبِ أَكْلاً لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ، وَلاَ مُزْعِجَ. وَأُبَطِّلُ مِنْ مُدُنِ يَهُوذَا وَمِنْ شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ صَوْتَ الطَّرَبِ وَصَوْتَ الْفَرَحِ، صَوْتَ الْعَرِيسِ وَصَوْتَ الْعَرُوسِ، لأَنَّ الأَرْضَ تَصِيرُ خَرَابًا" (إر7: 32-34).
"وَيُخْتَارُ الْمَوْتُ عَلَى الْحَيَاةِ عِنْدَ كُلِّ الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ هذِهِ الْعَشِيرَةِ الشِّرِّيرَةِ الْبَاقِيَةِ فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي طَرَدْتُهُمْ إِلَيْهَا، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ" (إر8: 3).
وما أبشع الصورة التي سجلها إرمياء النبي لغضب الرب عليهم إذ يقول: "ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِي: «وَإِنْ وَقَفَ مُوسَى وَصَمُوئِيلُ أَمَامِي لاَ تَكُونُ نَفْسِي نَحْوَ هذَا الشَّعْبِ. اِطْرَحْهُمْ مِنْ أَمَامِي فَيَخْرُجُوا. وَيَكُونُ إِذَا قَالُوا لَكَ: إِلَى أَيْنَ نَخْرُجُ؟ أَنَّكَ تَقُولُ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: الَّذِينَ لِلْمَوْتِ فَإِلَى الْمَوْتِ، وَالَّذِينَ لِلسَّيْفِ فَإِلَى السَّيْفِ، وَالَّذِينَ لِلْجُوعِ فَإِلَى الْجُوعِ، وَالَّذِينَ لِلسَّبْيِ فَإِلَى السَّبْيِ. وَأُوَكِّلُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ، يَقُولُ الرَّبُّ: السَّيْفَ لِلْقَتْلِ، وَالْكِلاَبَ لِلسَّحْبِ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَوُحُوشَ الأَرْضِ لِلأَكْلِ وَالإِهْلاَكِ. وَأَدْفَعُهُمْ لِلْقَلَقِ فِي كُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ.." (إر15: 1-4).
"هأَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ شَرًّا، كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذْنَاهُ" (إر19: 3).
تسليمهم لأيدي أعدائهم
إن تسليم هذا الشعب لأيدي أعدائه كلما أخطأ، عقوبة قديمة كثيرًا ما عاقبهم الرب بها. وتظهر واضحة في سفر القضاة.
فلما تركوا الرب بعد موت موسى ويشوع، يقول الكتاب: "فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَدَفَعَهُمْ بِأَيْدِي نَاهِبِينَ نَهَبُوهُمْ، وَبَاعَهُمْ بِيَدِ أَعْدَائِهِمْ حَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا بَعْدُ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ. حَيْثُمَا خَرَجُوا كَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ لِلشَّرِّ..." (قض2: 14، 15). وقال الرب: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ هذَا الشَّعْبَ قَدْ تَعَدَّوْا عَهْدِيَ الَّذِي أَوْصَيْتُ بِهِ آبَاءَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِي، فَأَنَا أَيْضًا لاَ أَعُودُ أَطْرُدُ إِنْسَانًا مِنْ أَمَامِهِمْ مِنَ الأُمَمِ" (قض2: 20، 21).
ويضرب لنا سفر القضاة أمثلة تفصيلية عن هذا الأمر، فيقول: "فَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَنَسُوا الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَعَبَدُوا الْبَعْلِيمَ وَالسَّوَارِيَ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَبَاعَهُمْ بِيَدِ كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ مَلِكِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ..." (قض3: 7، 8). "وَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُونَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ.. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَبَاعَهُمْ بِيَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَبِيَدِ بَنِي عَمُّونَ، فَحَطَّمُوا وَرَضَّضُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ.." (قض10: 6-8).
وتؤيد المزامير هذا المبدأ ذاته فتقول عن بني إسرائيل: ".. بَلِ اخْتَلَطُوا بِالأُمَمِ وَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَهُمْ.. وَأَسْلَمَهُمْ لِيَدِ الأُمَمِ، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مُبْغِضُوهُمْ" (مز106: 35، 41).
ولما أخطأ "سليمان" الملك، أقام عليه الرب خصومًا ضايقوه. وآحاز ملك يهوذا الشرير "فَدَفَعَهُ الرَّبُّ إِلهُهُ لِيَدِ مَلِكِ أَرَامَ، فَضَرَبُوهُ وَسَبَوْا مِنْهُ سَبْيًا عَظِيمًا" (2أي28: 5).
والأمثلة كثيرة عن دفع هذا الشعب لأيدي أعدائه لا تقع تحت حصر. يكفي منها أنه أسلمهم للسبي، فسبيت مملكة إسرائيل ثم سبيت مملكة يهوذا. وعاشوا في السبي زمانًا. "قَالَ الرَّبُّ: أَدْفَعُ صِدْقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا وَعَبِيدَهُ وَالشَّعْبَ.. لِيَدِ نَبُوخَذْرَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ وَلِيَدِ أَعْدَائِهِمْ وَلِيَدِ طَالِبِي نُفُوسِهِمْ، فَيَضْرِبُهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. لاَ يَتَرَأَّفُ عَلَيْهِمْ وَلاَ يَشْفُقُ وَلاَ يَرْحَمُ" (إر21: 7).
وقال عن أورشليم: "قَدْ جَعَلْتُ وَجْهِي عَلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لِلشَّرِّ لاَ لِلْخَيْرِ، يَقُولُ الرَّبُّ. لِيَدِ مَلِكِ بَابِلَ تُدْفَعُ فَيُحْرِقُهَا بِالنَّارِ" (إر21: 10).
أين كان عهد الرب وهم في السبي؟ أين كانت وعوده لهم وقوله: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ" (تك12: 7)، بينما قد غربهم عن أرضهم وسلمها لأعدائهم. واضح جدًا أن الله وقد نقض بنو إسرائيل عهده أصبح غير مكلف من ناحيته بذلك العهد.
بل أن سبيهم وتسليمهم لأعدائهم يتفق مع عهد الرب. لأنه سبق وأنذرهم قائلًا "إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي.. فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها" (1مل9: 6، 7).
تشتيتهم وإبادتهم، وإفناؤهم
منذ أيام موسى أنذرهم الرب بهذا التشتيت إن كانوا لا يسمعون له فقال: "..وَأُذَرِّيكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ، وَأُجَرِّدُ وَرَاءَكُمُ السَّيْفَ فَتَصِيرُ أَرْضُكُمْ مُوحَشَةً، وَمُدُنُكُمْ تَصِيرُ خَرِبَةً" (لا26: 33).
وكرر هذا على فم إرمياء النبي، فقال: "وَأُذْرِيهِمْ بِمِذْرَاةٍ فِي أَبْوَابِ الأَرْضِ. أُثْكِلُ وَأُبِيدُ شَعْبِي..." (إر15: 7). "لِتُجْعَلْ أَرْضُهُمْ خَرَابًا وَصَفِيرًا أَبَدِيًّا. كُلُّ مَارّ فِيهَا يَدْهَشُ وَيَنْغِضُ رَأْسَهُ.. كَرِيحٍ شَرْقِيَّةٍ أُبَدِّدُهُمْ أَمَامَ الْعَدُوِّ" (إر18: 16، 17).
وقال أيضًا: "...هأَنَذَا أُطْعِمُ هذَا الشَّعْبَ أَفْسَنْتِينًا وَأَسْقِيهِمْ مَاءَ الْعَلْقَمِ. وَأُبَدِّدُهُمْ فِي أُمَمٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا هُمْ وَلاَ آبَاؤُهُمْ. وَأُطْلِقُ وَرَاءَهُمُ السَّيْفَ حَتَّى أُفْنِيَهُمْ..." (إر9: 15، 16). "فَأُبَدِّدُهُمْ كَقَشٍّ يَعْبُرُ مَعَ رِيحِ الْبَرِّيَّةِ" (إر13: 24).
وتنبأ عنهم صفنيا النبي فقال: "نَزْعًا أَنْزَعُ الْكُلَّ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، يَقُولُ الرَّبُّ.. وَأَمُدُّ يَدِي عَلَى يَهُوذَا وَعَلَى كُلِّ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ" (صف1: 2، 4). "..لاَ فِضَّتُهُمْ وَلاَ ذَهَبُهُمْ يَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَهُمْ في يَوْمِ غَضَبِ الرَّبِّ، بَلْ بِنَارِ غَيْرَتِهِ تُؤْكَلُ الأَرْضُ كُلُّهَا" (صف1: 18).
وقال عنهم هوشع النبي: "فَيَكُونُونَ تَائِهِينَ بَيْنَ الأُمَمِ" (هو9: 17).
وقال عنهم الوحي الإلهي على فم عاموس النبي (9: 8-10) "هُوَذَا عَيْنَا السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَى الْمَمْلَكَةِ الْخَاطِئَةِ، وَأُبِيدُهَا عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ. غَيْرَ أَنِّي لاَ أُبِيدُ بَيْتَ يَعْقُوبَ تَمَامًا، يَقُولُ الرَّبُّ... لأَنَّهُ هأَنَذَا آمُرُ فَأُغَرْبِلُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ كَمَا يُغَرْبَلُ فِي الْغُرْبَالِ".
وما أصعب قول الرب عنهم فم إرمياء النبي (19: 11) "هكَذَا أَكْسِرُ هذَا الشَّعْبَ وَهذِهِ الْمَدِينَةَ كَمَا يُكْسَرُ وِعَاءُ الْفَخَّارِيِّ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بَعْدُ". أترى بعد هذه الآية يوجد لهم رجاء؟!
نختم هذا الفصل بقول السيد المسيح عنهم: "وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ" (لو21: 24).
ثانيًا: شعب الله
ثانيًا: شعب الله
بعد كل الشر الذي فعله بنو إسرائيل، وبعد أن سلط الله عليهم الأعداء، وحكم عليهم بالتشتيت والإفناء، هل بعد ذلك كله يمكن أن يقال عنهم إنهم شعب الله؟!
ما معنى شعب الله المختار؟
وهل حقًا أن بني إسرائيل هم شعب الله المختار؟ نريد أن نبحث هذا الموضوع..
1- ما الحكمة في اختيار شعب معين؟
إن الله هو إله الجميع، إنه للكل، والكل له. هو رب جميع الشعوب. فلماذا يكون له شعب معين خاص به؟ ما الحكمة التي أدت إلى هذا في ذلك الحين؟ وهل ما تزال الأسباب باقية أم أنها انتهت وانتفت منذ زمان؟
أنتم تعلمون جميعًا أن العالم كان قد وقع في الشر وازداد الشر في الأرض جدًا، حتى أغرق الله العالم بالطوفان.
العالم كله كان قد وقع في عبادة الأوثان. لم يكن يعرف الرب أحد. فاختار الرب مجموعة من الناس، أقربها إلى معرفته وقتذاك. وعزل تلك المجموعة عن الآخرين. عزلها لكي تحفظ الإيمان والعقيدة والشريعة والنبوءات والرموز. وتنقل هذا كله إلى الجيل الذي يستلمها منها، أي إلى المسيحية. لذلك، عندما أخذ هذا الشعب، وعزله عن الناس، قال له في سفر الخروج: "اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ آتٍ إِلَيْهَا لِئَلاَّ يَصِيرُوا فَخًّا فِي وَسَطِكَ، بَلْ تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتَقْطَعُونَ سَوَارِيَهُمْ" (خر34: 12، 13). وأضاف في سفر التثنية: "وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ" (تث7: 5). "وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بِنْتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنْتَهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ" (تث7: 3). ووضح السبب في ذلك بقوله: "لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا" (تث7: 4).
ولكن هذا الشعب الذي اؤتمن على الإيمان ليحفظه بعيدًا عن عبادة الأصنام، وقع هو أيضًا في عبادة الأصنام. واختلط بالأمم الغريبة وعبد آلهتها، وبذلك انتفت الحكمة من وجوده. وإذ سلم للمسيحية ما في عهدته من شريعة ونبوءات ورموز، لم يعد هناك من داع مطلقًا لبقائه كشعب مختار.
ملاحظة أخرى: وهي أن هذا الشعب اختير شعبًا لله، على شرط أن ينفذ وصاياه، لأنه بذلك يصير نورًا وسط الشعوب الوثنية. أما إن لم ينفذ الوصايا الإلهية، وصار مثل باقي الشعوب في فسادها وشهواتها، حينئذ تنتفي الحكمة من اختياره.
ويظهر هذا الشرط واضحًا من قول الرب: ".. بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهذَا الأَمْرِ قَائِلاً: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ لَكُمْ إِلهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا... ففَلَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يُمِيلُوا أُذْنَهُمْ، بَلْ سَارُوا فِي مَشُورَاتِ وَعِنَادِ قَلْبِهِمِ الشِّرِّيرِ.. فَلَمْ يَسْمَعُوا لِي وَلَمْ يُمِيلُوا أُذُنَهُمْ، بَلْ صَلَّبُوا رِقَابَهُمْ. أَسَاءُوا أَكْثَرَ مِنْ آبَائِهِمْ" (إر7: 23-26).
ترون إذًا أنهم لم ينفذوا الشرط الذي به يصيرون شعبًا لله. لذلك خاطبهم الله على فم هوشع النبي قائلًا: "...لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ شَعْبِي وَأَنَا لاَ أَكُونُ لَكُمْ" (هو1: 9).
2- هل هم أولاد إبراهيم؟
إن اليهود كانوا منذ القديم شعبًا تنفخه الكبرياء العنصرية. وكان من أسباب كبريائهم أنهم أولاد إبراهيم.. يفخرون بهذا حتى وهم في أعماق الخطيئة والفساد، كما لو كانت هذه البنوة وحدها كافية لخلاص أنفسهم في اليوم الأخير!
فماذا قالت المسيحية عن بنوة اليهود لإبراهيم؟
بدأ يوحنا المعمدان فقال لليهود: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْرَاهِيمَ" (لو3: 8، 9). هنا أراهم يوحنا المعمدان أن بنوتهم لإبراهيم بالجسد لا تفيدهم شيئًا، ما لم يتوبوا ويصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة، وإلا فإن الغضب الآتي يلحقهم.
والبنوة لإبراهيم كانت موضوع نقاش بينهم وبين السيد المسيح كما يروي يوحنا الرسول في إنجيله: "أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ! وَلكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي... أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا" (يو8: 39-44).
هنا ينفي السيد المسيح أنهم أبناء إبراهيم ما داموا لا يعملون أعمال إبراهيم، إذًا فهم ليسوا أولاد إبراهيم. وما داموا يعملون أعمال إبليس "ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ" (يو8: 44). إذًا فهم أبناء إبليس. وهنا تضع لنا المسيحية مبدأً هامًا وهو أنه ليس كل المولودين من إبراهيم بالجسد، هم أبناء لإبراهيم.
هذا الأمر يوضحه لنا بولس الرسول في كلمات صريحة، في رسالته إلى أهل رومية قائلًا: "لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعًا أَوْلاَدٌ (إبراهيم)" (رو9: 6، 7).
ما معني هذا الكلام؟
معناه أن المسيحية ترى أن هناك نوعين من البنوة لإبراهيم: بنوة جسدية، وبنوة روحية. أما البنوة الجسدية فلا تفيد شيئًا، لأن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم.. ونحن قوم لا نحيا حسب الجسد وإنما حسب الروح.
أما البنوة الروحية فهي بنوة الإيمان "الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ" (غلا3: 9). وهكذا يقول بولس الرسول في صراحة ووضوح: "اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ" (غلا3: 7).
وبهذا يدخل الأمم Gentiles أيضًا في البنوة لإبراهيم "لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا" (رو4: 16).
إذًا في الإيمان، الكل أبناء لإبراهيم، لا فرق بين يهودي وأممي، ولا بين عبراني ويوناني. بل كما قال بولس الرسول: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ" (غلا3: 28، 29).
إذًا في إبراهيم يجتمع كل المؤمنين أيًا كان أصلهم، ويصدق وعد الله الذي أعطاه لإبراهيم منذ البدء، حين قال له: "فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ" (تك17: 5).
"لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ" وليس لأمة واحدة. فنفس كلمة إبراهيم معناها أبو جمهور.
3- هل هم يهود أو إسرائيليون حقيقيون؟
قلنا إنهم ليسوا أولاد "إبراهيم" لسببين أساسيين: لأنه ليس لهم أعمال إبراهيم، ولأنهم ليسوا من الإيمان إذ أنهم لم يؤمنوا بالمسيح بل رفضوه.
هم أيضًا ليسوا إسرائيليين. حقًا أنهم "إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ" (1كو10: 18) كما سماهم بولس الرسول. ولكنهم ليسوا هكذا بالمعنى الروحي للكلمة. فكما يقول الرسول " لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ" (رو9: 6). "أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً" (رو9: 8).
فهل هم يهود؟ ليسوا كذلك بالمعني الروحي للكلمة، بل إن سفر الرؤيا يطلق عليهم اسمًا مرعبًا لهم ينفيهم من ملكوت الله.
ففي رسالة الرب إلى ملاك كنيسة سميرنا، أي إلى راعيها، يقول له: "أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ. وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 9).
ويكرر نفس هذا اللقب في رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا، فيقول له: "هنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ" (رؤ3: 9).
4- من هو شعب الله المختار؟
في المسيحية، شعب الله المختار هو جميع المؤمنين به، ليس لله شعب معين. بل "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 12).
فالسيد المسيح يتكلم عن مجيئه الثاني فيقول في إنجيل متى إنه " فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت24: 31). يقصد بهذا أن مختاريه من كل أمم الأرض، من كل جهة فيها.
يقول لأهل تسالونيكي: " وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ" (2تس2: 13).
ويقول لأهل كولوسي: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ" (كو3: 13).
ويقول لأهل أفسس: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ" (أف1: 4).
وما أروع قوله لأهل رومية: "مَا يَطْلُبُهُ إِسْرَائِيلُ ذلِكَ لَمْ يَنَلْهُ. وَلكِنِ الْمُخْتَارُونَ نَالُوهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَتَقَسَّوْا" (رو11: 7). وهنا يجعل المختارين غير إسرائيل، كان إسرائيل ليس من المختارين على الإطلاق.
وبطرس الرسول يقول في رسالته الأولى (1بط5: 13) "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي".
5- الله يرفض إسرائيل
إن كانت قد مرت فترة من الفترات على اليهود دعوا فيها شعب الله، فهل عاد الله ورفضهم لأجل شرورهم ولأجل نفضهم عهده وكسرهم وصاياه؟ وهل يوجد في الكتاب المقدس دليل على ذلك.
نعم أن الله رفضهم بآيات صريحة في الكتاب المقدس من العهدين القديم والجديد.
في سفر إرمياء النبي (6: 28-30) يقول عنهم: " كُلُّهُمْ عُصَاةٌ مُتَمَرِّدُونَ... كُلُّهُمْ مُفْسِدُونَ.. الرَّبَّ قَدْ رَفَضَهُمْ". ويقول أيضًا: "الرَّبَّ قَدْ رَفَضَ وَرَذَلَ جِيلَ رِجْزِهِ. لأَنَّ بَنِي يَهُوذَا قَدْ عَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر7: 29، 30). ويقول الله للنبي: "لأَنِّي نَزَعْتُ سَلاَمِي مِنْ هذَا الشَّعْبِ، يَقُولُ الرَّبُّ، الإِحْسَانَ وَالْمَرَاحِمَ" (إر16: 5).
كما يقول له أيضًا: "وَإِذَا سَأَلَكَ هذَا الشَّعْبُ أَوْ نَبِيٌّ أَوْ كَاهِنٌ: مَا وَحْيُ الرَّبِّ؟ فَقُلْ لَهُمْ: أَيُّ وَحْيٍ؟ إِنِّي أَرْفُضُكُمْ، هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ" (إر23: 33). كما يقول الرب أيضًا: "لِذلِكَ هأَنَذَا أَنْسَاكُمْ نِسْيَانًا، وَأَرْفُضُكُمْ مِنْ أَمَامِ وَجْهِي، أَنْتُمْ وَالْمَدِينَةَ الَّتِي أَعْطَيْتُكُمْ وَآبَاءَكُمْ إِيَّاهَا. وَأَجْعَلُ عَلَيْكُمْ عَارًا أَبَدِيًّا وَخِزْيًا أَبَدِيًّا لاَ يُنْسَى" (إر23: 39، 40).
وفي سفر هوشع النبي يقول لهم الله: "لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ شَعْبِي وَأَنَا لاَ أَكُونُ لَكُمْ" (هو1: 9). كما يقول عنهم النبي: "أَصْلُهُمْ قَدْ جَفَّ. لاَ يَصْنَعُونَ ثَمَرًا... يَرْفُضُهُمْ إِلهِي لأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا لَهُ، فَيَكُونُونَ تَائِهِينَ بَيْنَ الأُمَمِ" (هو9: 16، 17). ويقول عنهم أيضًا "يَذْهَبُونَ... لِيَطْلُبُوا الرَّبَّ وَلاَ يَجِدُونَهُ. قَدْ تَنَحَّى عَنْهُمْ" (هو5: 6).
وفي سفر عاموس النبي يقول الرب: "قَدْ أَتَتِ النِّهَايَةُ عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. لاَ أَعُودُ أَصْفَحُ لَهُ بَعْدُ. فَتَصِيرُ أَغَانِي الْقَصْرِ وَلاَوِلَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ" (عا8: 2، 3).
وبولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين (8: 10) يقتبس قول الوحي على لسان إرمياء النبي: "نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر31: 32).
ليس عجيبًا يا إخوتي أن يسير أناس مع الله حينًا ثم يرفضهم، أو أن يعين الله أشخاصًا، ثم من أجل خطاياهم يعود فيرفضهم:
أنتم تعلمون أن شاول الملك قد عينه الرب، وأرسل صموئيل النبي فمسحه ملكًا. ثم ماذا يقول الكتاب عنه.
يقول إن الرب قد رفض شاول، وأن روح الرب قد فارقه، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ (1صم16: 1، 14). تعلمون أيضًا يربعام بن نباط عينه الرب ملكًا، وتنبًا له أخيا الشيلوني بهذا من جهة الرب. ثم عاد الرب فرفض يربعام، وأفنى كل بيته، ولم يبق فيه أحد. نفس الأمر بالنسبة إلى ياهو الملك، مسحه أحد الأنبياء حسب أمر الرب. وسار حسنًا في البدء، ولم يكمل كما ينبغي ورفضه الرب هو وكل بيته.
السيد المسيح نفسه أعلن رفضه لهذا الشعب، في مثل الكرامين الأردياء الذي شرحه لهم قائلًا: "إن إنسانًا كان له كرم سلمه لكرامين، أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ، فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا. ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ. فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي! وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ!" وهنا سأل السيد المسيح اليهود: "فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟ قَالُوا لَهُ: أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ.. لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 33- 43).
يظهر رفضهم أيضًا من بكاء السيد المسيح على أورشليم، إذ قال لها: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!" (لو13: 34، 35).
ويقول بولس الرسول عن اليهود في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي: "إن اليهود قَتَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ، وَاضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ ِللهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ.. يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَةِ" (1تس2: 15، 16). وقد شبههم الرسول بأغصان قد قُطعت من الزيتونة لعدم إيمانهم (رو11: 19، 20).
6- الله يرفض شفاعة الأنبياء فيهم
وقد بلغ غضب الله في رفضه لهذا الشعب أنه رفض شفاعة الأنبياء فيهم.. فقال لإرمياء النبي: "وَأَنْتَ فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هذَا الشَّعْبِ وَلاَ تَرْفَعْ لأَجْلِهِمْ دُعَاءً وَلاَ صَلاَةً، وَلاَ تُلِحَّ عَلَيَّ لأَنِّي لاَ أَسْمَعُك" (إر7: 16). "وَقَالَ الرَّبُّ لِي: لاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هذَا الشَّعْبِ لِلْخَيْرِ" (إر14: 11).
وقال الله أيضًا: "وَإِنْ وَقَفَ مُوسَى وَصَمُوئِيلُ أَمَامِي لاَ تَكُونُ نَفْسِي نَحْوَ هذَا الشَّعْبِ" (إر15: 1).
ثالثًا: قصة الله مع الأمم - قبوله غير اليهود
ثالثًا: قصة الله مع الأمم - قبوله غير اليهود
1- حوادث ورموز منذ أيام إبراهيم:
لقد رفض الله بني إسرائيل إذًا، ورفض شفاعة الأنبياء فيهم، وسلمهم لأيدي أعدائهم، وسلمهم للسبي وبددهم بين الشعوب.
وهنا يفتح المجال لمجموعة أخرى هي الأمم.. والمقصود بالأمم (غير اليهود)، لأن اليهود كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وكل ما عداهم يدعون أممًا. وفي رسائل بولس كلمة (اليونانيين) معناها الأمم أيضًا.
ومجال بحثنا في هذا الفصل هو تتبع علاقة الله بالأمم وقبوله لهم، وكيف أنه كان هناك مكان لغير اسرائيل منذ بداءة العهد القديم! ما أجمل قول المزمور: "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" (مز24: 1). وما أجمل قول الوحي الإلهي: "كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (أع2: 21).. فلنتبع إذًا قصة الله مع الأمم..
في نفس الوقت الذي دعا الله فيه إبراهيم أبا الآباء كان هناك ملكي صادق، ملك ساليم كاهن الله العلي، الذي بارك إبراهيم، ودفع له إبراهيم العشور، وكان أعظم من إبراهيم (عب7: 1- 7).. وكان رمزًا للمسيح له المجد.
وفي عهد موسى نفسه صاحب الشريعة، نرى أن موسى تزوج امرأة كوشية (عد12). وكانت تلك المرأة الكوشية رمزًا لدخول الأمم في الإيمان، لأنها لم تكن من إسرائيل. ولما تقول هارون ومريم على موسى، دافع عنه الرب في زواجه بالمرأة الكوشية.
وفي دخول أرض الموعد، انضمت راحاب الخاطئة التي من أهل أريحا، إلى الإيمان هي وبيتها. كانت رمزًا لدخول الأمم في جماعة الرب.
ثم نرى أيضًا أن راعوث الموآبية، التي صارت جدة لــداود النبي، دخلت هي أيضًا في الإيمان وفي جماعة الرب. وقالت لحماتها: "شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي" (را1: 16).
والعجيب أن هاتين المرأتين راحاب الأممية غير اليهودية، وراعوث الأممية غير اليهودية، صارتا جدتين ليسوع المسيح له المجد، وذُكرتا في سلسلة الأنساب. فكان المسيح قد أتي من نسل اشترك فيه الأمم أيضًا مع إسرائيل، ولم يكن إسرائيل فيه هو الشعب المختار المنفرد بهذا الأمر.
وسليمان الحكيم أتته ملكة سبأ أو ملكة التيمن من أقاصي الأرض. وكانت امرأة أممية هي الأخرى. ودخلت في الإيمان مؤمنة بإله سليمان، وكانت رمزًا لدخول الأمم.
ونرى في سفر نشيد الأنشاد أن المحبوبة تقول فيه: "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ" (نش1: 5). ولقد كانت هذه المحبوبة ترمز في سفر النشيد إلى كنيسة الأمم. وتقول عن نفسها (أنا سوداء)، أي أنا أممية غريبة لا أصل لي في جماعة الرب ولا شريعته. بالنسبة إليكم أعتبر سوداء ولكنني جميلة لأن الرب أحبني، ورأى فيَّ من الجمال ما لم يره في اليهود، في بنات أورشليم.
أرملة صرفة صيدا أيضًا التي جاء إليها إيليا النبي أثناء المجاعة، وبارك بيتها، وأقام ابنها من الموت، كانت هي كذلك رمزًا لقبول الأمم.
لعل ما يشبه هذا أيضًا نعمان السرياني، (رئيس جيش ملك أرام) (2مل 5: 1، 15)، الذي آمن بالرب بعد أن شفاه أليشع النبي من برصه، وصار هو أيضًا من جماعة الرب. إن في قصة نعمان السرياني ملاحظة دقيقة لا تخفى عليكم، وهي ما في المقارنة بينه وبين جيحزي تلميذ أليشع النبي، من معان ورموز رائعة. رفض أليشع النبي أن يأخذ مالًا من نعمان السرياني. فجرى وراءه جيحزي في الخفاء، وأخذ منه ما أخذه كذبًا باسم النبي، فلعنه النبي فحل به البرص الذي كان في جسم نعمان. وهنا نرى صورة عجيبة: رجلًا أمميًا غريبًا يشفي جسدًا وروحًا، ويدخل في الإيمان ورجلًا آخر يهوديًا وتلميذًا لنبي تصيبه اللعنة والبرص، ويبعد عن إيمانه. ولعل ذلك رمز للمستقبل الذي كان ينتظر اليهود والأمم.
وبدخول نعمان السرياني في الإيمان، بدأ الإيمان يزحف قليلًا إلى أَرام. ونجد سفر الملوك الثاني (2مل8: 7-13) يحكي لنا عن قصة بنهدد ملك أَرام، الذي مرض مرضًا لم يعرف إن كان سيموت به أم يشفي. فأرسل ابنه حزائيل إلى أليشع النبي وقال له: "وَاذْهَبْ لاسْتِقْبَالِ رَجُلِ اللهِ، وَاسْأَلِ الرَّبَّ بِهِ قَائِلاً: هَلْ أَشْفَى مِنْ مَرَضِي هذَا؟" (2مل8: 8). أرام بلد أممي، وبنهدد ملك أممي، يرسل ابنه إلى أليشع النبي مؤمنًا أنه رجل الله، يريد أن يسأل الرب به.. فذهب حزائيل إلى أليشع قال له: "إِنَّ ابْنَكَ بَنْهَدَدَ مَلِكَ أَرَامَ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ" (2مل8: 9)، معتبرًا ملك أَرام ابنًا روحيًا لنبي الله. هنا نجد الإيمان قد دخل إلى أَراَم.
وماذا بعد؟ نسمع الله يقول لنبيه أمرًا عجيبًا: "وَامْسَحْ يَاهُوَ بْنَ نِمْشِي مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ... وَامْسَحْ حَزَائِيلَ مَلِكًا عَلَى أَرَامَ" (1مل19: 15، 16).
ما هذا؟ كيف أن ملك أَرام الأممي يمسحه نبي الله ملكًا؟ أمر عجيب، يدل على أن الإيمان كان قد دخل - ولو وقتيًا - إلى أَراَم..!
نرى أيضًا في قصة يونان النبي أمرًا عجيبًا: يونان النبي يعصي كلام الله عندما أرسله الله إلى أهل نينوي. ويركب سفينة تعصف بها أمواج البحر، وكل ركابها أمميون وثنيون. ويصرخ كل واحد منهم إلى الرب، بينما كان يونان النبي المخالف قد نام في السفينة نومًا ثقيلًا! حتى أن ربان السفينة قال له: "مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ..." (يون1: 6). هنا نجد رجلًا أمميًا، يُبكّت يهوديًا من رجال الله ويدعوه للصلاة! أترى كان ذلك رمزًا؟ على أن أهل السفينة الذين دخلوا في الإيمان وصاروا شعبًا لله.
ثم ذهب يونان النبي إلى مدينة نينوى فتابت وآمنت بالله، وكان فيها أكثر من مائة وعشرين ألفًا من الناس، كلهم صاروا شعبًا لله في عهد اليهود.
حتى في السبي، عندما ألقى دانيال في جب الأسود، وأرسل الله ملاكه فسد أفواه الأسود ولم تؤذ دانيال بشيء ماذا حدث؟ حدث أن داريوس ملك الفرس أمر بعبادة إله دانيال في كل مملكته الأممية وقال: "لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى هُوَ يُنَجِّي وَيُنْقِذُ وَيَعْمَلُ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ. هُوَ الَّذِي نَجَّى دَانِيآلَ مِنْ يَدِ الأُسُودِ" (دا6: 25- 27).
إذًا، لا شك أن الإيمان كان قد دخل كل الأمم، حتى في العهد القديم. وقبل الله وكل أولئك.. وهذا ينفي فكرة الشعب الواحد المختار. فلو كان الله لا يريد إلا شعبًا واحدًا له، إذًا لرفض أهل نينوي، ورفض راحاب وراعوث وكل الذين تحدثنا عنهم.. ولكن "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
2- فهل كان بنو إسرائيل يعرفون كان هذه الدلالات والرموز؟
يجيب الله على هذا السؤال فيقول: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ: «رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ.. اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ، أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلاَ يَعْرِفُ. شَعْبِي لاَ يَفْهَمُ" (إش1: 2، 3) ويقول أيضًا في سفر إرمياء النبي: "شَعْبِي أَحْمَقُ. إِيَّايَ لَمْ يَعْرِفُوا. هُمْ بَنُونَ جَاهِلُونَ وَهُمْ غَيْرُ فَاهِمِينَ. هُمْ حُكَمَاءُ فِي عَمَلِ الشَّرِّ، وَلِعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَفْهَمُونَ" (إر4: 22).
لم يفهموا هذه النبوءات، ولا هذه الرموز. لماذا؟ لأن كبرياءهم العنصرية كانت تقول لهم إنهم هم الشعب الوحيد المختار من الله، ولا يوجد غيرهم!
لذلك أتي المسيح يوضح ويشرح، وهو يقول لهم: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت22: 29).
3- السيد المسيح يوضح ويشرح أفضلية الأمم:
لما رآهم منتفخين من كبريائهم العنصرية، أعاد إلى ذاكرتهم قصص العهد القديم مفضلًا الأمم عليهم. فقال: "وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا. وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ" (لو4: 25-27).
وقد فهم اليهود ما يقصده السيد المسيح من ذكر هاتين الواقعتين، وكيف أنه يفضل الأمم عليهم. فماذا كانت النتيجة؟ يقول الكتاب: "فَامْتَلأَ غَضَبًا جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هذَا. فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةَ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلٍ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى" (لو4: 28-30).
وعاد السيد المسيح يضرب على نفس الوتيرة، فقال لهم: "رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا!" (لو11: 32).
"مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا!" (مت12: 41، 42).
ألسنا نرى هنا أن السيد المسيح لا يشرح فقط كيف أن أهل الأمم مقبولون عند الله، وإنما كانوا في هذه الأمثلة أفضل من اليهود؟
4- آيات صريحة من العهد القديم
إننا جميعًا نتمسك جدًا بموضوع قبول جميع الأمم في الإيمان، وأن اليهود لم يعودوا على الإطلاق شعبًا مختارًا لله. لأنه لو كان اليهود إلى الآن شعب الله المختار، ما كنا جميعًا من المؤمنين.. فكلنا من الأمم، ولسنا يهودًا.. فلو كان الله لا يقبل غير اليهود، لما وجد واحد منا مقبولًا عند الله.
ما أكثر الآيات الدالة على ترحيب الله بالأمم، وبالتالي نفي فكرة الشعب المختار، ليس في العهد الجديد فقط وإنما في القديم أيضًا.
كان هذا الأمر واضحًا منذ دعوة إبراهيم، إذ قال الرب له: "لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ"، "أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ.."، "وَأُثْمِرُكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا" (تك17: 4-6).
ونفس الوعد أعطي ليعقوب "أُمَّةٌ وَجَمَاعَةُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ" (تك35: 11).
وما أكثر الدلالات على هذا الأمر في سفر المزامير، إذ يقول النبي: "يُعْرَفَ فِي الأَرْضِ طَرِيقُكَ، وَفِي كُلِّ الأُمَمِ خَلاَصُكَ" (مز67: 2). "سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا كُلَّ الأُمَمِ. حَمِّدُوهُ يَا كُلَّ الشُّعُوبِ" (مز117: 1). "فَتَخْشَى الأُمَمُ اسْمَ الرَّبِّ..." (مز102: 15). "وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ. كُلُّ الأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ" (مز72: 11).
ويقول إشعياء النبي: "فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ" (إش60: 3). ويقول أيضًا: "وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ" (إش2: 2).
ويقول دانيال النبي عن الرب: "لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا7: 14).
ويقول الوحي الإلهي على فم زكريا النبي: "فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا فَأَسْكُنُ فِي وَسَطِكِ" (زك2: 11).
ويتنبأ يوئيل النبي عن حلول الروح القدس على كل من اليهود والأمم، فيقول الرب على فمه: "أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى" (يوئيل2: 28).
5- آيات صريحة في العهد الجديد
إن الديانة المسيحية ديانة جامعة للكل، لا تمييز فيها لشعب معين أو جنس أو عنصر أو لغة، كما يقول بولس الرسول: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلا3: 28). كما يقول أيضًا: "حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ... بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ" (كو3: 11). "لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ" (رو10: 12).
وقد بدأ قبول الأمم عمليًا في المسيحية بإيمان كرنيليوس قائد المائة على يد بطرس الرسول الذي شرح الأمر قائلًا للمؤمنين من اليهود: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى رَجُل يَهُودِيٍّ أَنْ يَلْتَصِقَ بِأَحَدٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَرَانِي اللهُ أَنْ لاَ أَقُولَ عَنْ إِنْسَانٍ مَا إِنَّهُ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ.. أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ.. هذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ" (أع10: 28، 34-36).
وبولس الرسول ذهب أولًا مبشرًا في مجامع اليهود: "وَإِذْ كَانُوا يُقَاوِمُونَ وَيُجَدِّفُونَ نَفَضَ ثِيَابَهُ وَقَالَ لَهُمْ: دَمُكُمْ عَلَى رُؤُوسِكُمْ! أَنَا بَرِيءٌ. مِنَ الآنَ أَذْهَبُ إِلَى الأُمَمِ" (أع18: 6). ويقول هذا الرسول: "أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا" (رو3: 29).
وأول مجمع مقدس في المسيحية، كان في أورشليم اجتمع فيه الآباء الرسل، لأجل قبول الأمم في الإيمان (أع15).
والسيد المسيح قد جعل الكرازة بالإنجيل لجميع الأمم. فقال: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). كما قال لتلاميذه: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). وعندما طهر الهيكل قال: "بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ ..." (مر11: 17).
السيد المسيح يحطم كبرياء إسرائيل
كان السيد المسيح يعلم كبرياء اليهود، وأراد أن يحطم تلك الكبرياء بما يناسبها. من مظاهر كبريائهم أنهم كانوا لا يقبلون الخطاة، وهم خطاة! كانوا لا يقبلون الأمم لأنهم غرباء، ولا الكنعانيين لأنهم شعب ملعون، ولا السامريين ولا العشارين لأنهم خطاة.. فرفع المسيح من شأن كل هؤلاء ليخفض شأن اليهود، ويريهم أن من يرونهم خطاة هم أفضل منهم.
انتهز فرصة سؤال وجهه إليه أحد الناموسيين وهو من اليهود الحرفيين المتعصبين، فأجابه بأن قصّ عليه مثل السامري الصالح. قال: "إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا، فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ، فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ، وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِنًا نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَلكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا جَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ، فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا، وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُق وَاعْتَنَى بِهِ وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ، وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ". وعندئذ أراهم المسيح أن قريب هذا الإنسان هو الذي فعل معه الخير. وأظهر لهم أن السامري كان أفضل من أفضل طبقات اليهود، وأفضل من الكاهن، ومن اللاوي (لو10: 30-37).
وبالنسبة إلى الكنعانيين مدح المسيح أمامهم المرأة الكنعانية وقال لهم: "عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!" (مت15: 28).
أما عن علاقتهم بالأمميين، فوبخهم بما فعله قائد المائة الأممي الذي جاء إلى السيد يطلب شفاء غلامة. فلما قال له: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ. فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي.. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: اءيتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ.. فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 5-10). وكأنه يقول لهم كفاكم كبرياء واعتزازًا بعنصريتكم. هل تظنون أنفسكم أفضل من الأمم؟ إني لم أجد في إسرائيل كله إيمانًا بمقدار إيمان هذا القائد الأممي! وأكمل السيد توبيخه لهم بقوله: "وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ (اليهود) فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (متى8: 11، 12).
ولما رأى احتقارهم للعشارين، قص عليهم مثل الفريسي والعشار. والفريسي هو رجل يهودي متمسك متكبر. والعشار في نظره رجل سارق ظالم. قال لهم السيد المسيح إن اثنين دخلا إلى الهيكل ليصليا: "إحداهما فريسي والآخر عشار. أما الفريسي فوقف في كبرياء وقال: أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أما العشار فوقف في انسحاق قلب، لا يجرؤ أن يرفع عينه إلى السماء. قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ، إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" (لو18: 9-14).
أراهم أن ذلك الفريسي المتكبر المفتخر بنفسه الذي يعتبر أنه أفضل من غيره، لا يمكن لمثل هذا أن تصل صلاته إلى الله. بينما قبلت صلاة العشار الخاطئ المنكسر القلب المتواضع أمام الرب. كل هذا ليريهم أنه ليس بالعنصرية يخلص إنسان، لأنه يهودي! وإنما يخلص بالإيمان السليم والأعمال الصالحة. وبغير ذلك فيهوديته لا تنفعه شيئًا..
إن السيد المسيح لما رآهم متكبرين أخزاهم بحياته، إذ جاء إلى العالم فقيرًا متواضعًا آخدًا شكل العبد..
ولما رآهم مفتخرين بمدينتهم العظيمة أورشليم وبهيكل سليمان، تنبأ عن خراب أورشليم، كما تنبأ عن خراب الهيكل (لو21).
ولما رآهم مفتخرين بأنهم أصحاب الشريعة والناموس، وبخهم على أنهم أفسدوا الشريعة بتفسيرات وتقليدات آبائهم. وقال لهم: " لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (متى23).
رابعًا: فكرة المملكة
رابعًا: فكرة المملكة
أريد أن أقول لكم كلمة بسيطة عن فكرة المملكة، هل يوجد شيء اسمه مملكة اليهود؟ ما رأي المسيحية في تلك المملكة.
حقًا، قد تكونت ممالك لليهود في العهد القديم. ولكن ماذا كانت صفات المملكة وشخصيتها وقتذاك؟
1- الله يملك بنفسه
كان الله في بادئ الأمر يحكم الشعب بنفسه. إما مباشرة وإما عن طريق أنبيائه. كان يرشدهم في طريق الخير، يدبر أمورهم ويوجه تحركاتهم. وعندما دعاهم إليه، قال لهم: "وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (خر19: 6).
هذه المملكة لا يقبل فيها الله معونات من سائر الأمم الأخرى، ولا محالفات عسكرية أو اقتصادية. وكانت مملكة مقدسة تنفذ وصاياه، يحكمها عن طريق أنبيائه، لذلك كان الله الحاكم هو نفسه نبي الله، بما يتلقاه من أوامر من الله مباشرة.
كان موسى يحكم هذا الشعب، هو الحاكم وهو النبي، وهكذا كان يشوع حاكمًا ونبيًا. وهكذا كان القضاة حكامًا ونوابًا بالله على الأرض.. وسار الأمر على هذا الوضع زمنًا. ثم حدث انقلاب، فماذا كان ذلك الانقلاب؟
2- ممالك خاطئة انتهت بالفشل؟
ثم أتى الشعب يطلبون من صموئيل النبي أن يقيم لهم ملكًا مثل سائر الشعوب. وكانت رغبة فيها انفصال عن حكم الله المباشر، وتقليد للأمم الأخرى، ومظهرية من المجد الباطل. فاستاء صموئيل، وأخبر الله بالأمر، فأجابه الرب: "لأَنَّهُمْ لَمْ يَرْفُضُوكَ أَنْتَ بَلْ إِيَّايَ رَفَضُوا حَتَّى لاَ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ" (1صم8: 7)! وشرح لهم النبي مساوئ الفكرة، "فَأَبَى الشَّعْبُ أَنْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ صَمُوئِيلَ، وَقَالُوا: لاَ بَلْ يَكُونُ عَلَيْنَا مَلِكٌ، وَيَخْرُجُ أَمَامَنَا وَيُحَارِبُ حُرُوبَنَا" (1صم8: 5-22).
إذًا بدأت فكرة المملكة كفكرة خاطئة، كتمرد على حكم الله ورفض له. وكانت مجرد تقليد للأمم.
على أن الله نفذ لهم فكرتهم، وأقام لهم ملكًا. وكحل متوسط، احتفظ الله بإجراءين احتياطيين لحفظ المملكة من الانحراف. أولهما أن يقام الملوك باختيار من الله، وثانيهما أن يحكموا طبقًا لشريعته ووصاياه. وهكذا يكون تحت إشرافه.
هذان الأمران يوضحهما سفر التثنية إذ يقول فيه الرب لإسرائيل: "مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ" (تث17: 14، 15).
"وَعِنْدَمَا يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، يَكْتُبُ لِنَفْسِهِ نُسْخَةً مِنْ هذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ. فَتَكُونُ مَعَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ أَنْ يَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَهُ" (ثت17: 18، 19).
هذه الأوامر نفذت أولًا ثم تجاهلها الملوك والناس. فالملكان الأولان (شاول وداود) مسحهما صموئيل بأمر الرب. ثم صار الملك بالوراثة في مملكة يهوذا من نسل داود حسب وعد الله. أما في مملكة إسرائيل، فباستثناء يربعام وياهو، نجد أن القاعدة الأولى قد كسرت، وصار الملوك يقامون بغير اختيار الله، وبغير مسح الأنبياء لهم.
وقد غضب الله لكسر هذه القاعدة. فقال في سفر هوشع النبي: "قَدْ كَرِهَ إِسْرَائِيلُ الصَّلاَحَ فَيَتْبَعُهُ الْعَدُوُّ. هُمْ أَقَامُوا مُلُوكًا وَلَيْسَ مِنِّي. أَقَامُوا رُؤَسَاءَ وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ. صَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ مِنْ فِضَّتِهِمْ وَذَهَبِهِمْ أَصْنَامًا لِكَيْ يَنْقَرِضُوا" (هو8: 3، 4).
وعلى نطاق أوسع كسرت القاعدة الثانية، فتجاهل الملوك الشريعة، وساروا في فساد حتى عبدوا الأصنام وجروا الشعب معهم.. وبلغ نسيانهم للشريعة أن يوشيا الملك عندما عثر على سفر الشريعة وقرأه، مزق ثيابه خوفًا وحزنًا (2أي34: 19).
وبهذا الوضع، وبفساد الملوك، حدث ازدواج وانقسام في قيادة الشعب. لم يعد الحاكم هو النبي كأيام موسى ويشوع والقضاة. وإنما صارت هناك قيادتان: الأنبياء والملوك، ممثلو الله وممثلو الشعب الخاطئ. وأدى هذا الانقسام إلى صراع طويل. والملوك بدورهم يسجنون الأنبياء ويقتلونهم. لذلك قال السيد المسيح موبخًا أورشليم فيما بعد: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا" (لو13: 34).
أول ملك أقيم لليهود (هو شاول) رُفض من الله.
الملك الثاني داود سار مع الرب، وكان صالحًا ونبيًا على الرغم من أخطائه. وبعد داود أتى سليمان، وأغرته النساء في أواخر أيامه ليبخر للأصنام، ودخل في علامة استفهام كبيرة. فما زال المسيحيون حتى الآن يتساءلون هل خلص سليمان أم لم يخلص؟ ولا يستطيع أحد أن يجيب إجابة صحيحة مؤكدة. وبعده انقسمت المملكة إلى اثنتين: مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل.
أما مملكة إسرائيل فعبدت الأصنام منذ يومها الأول حتى السبي. بينما تمسكت مملكة يهوذا قليلًا بالرب، ثم انجرفت هي الأخرى إلى عبادة الأصنام، فأسلمها الرب كذلك إلى السبي. ونظر الرب فإذا تجربة المَلك هذه قد فشلت. وبقي أن يعود الله مرة أخرى ويحكم الشعب بنفسه.
وهنا ظهر السيد المسيح.
3- السيد المسيح يرفض الملك الأرضي
أراد السيد المسيح أن يملك على قلوب الناس، وأفكارهم، وأن يملك على مشاعرهم وحواسهم. وهكذا يقيم مملكة روحية على الأرض، كما نادي في الناس وقال: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21). دُعيَ اسمه يسوع (أي مخلص) لأنه يخلص شعبه من خطاياهم.
أما اليهود فأرادوا مخلصًا من نوع شمشون الجبار، أرادوه أن ينقذهم من نير الرومان ويقيم لهم ملكًا عالميًا بالقوة والسلطان، ويعيد لهم دولة داود وسليمان.
ولكن المسيح تمسك بالمملكة الروحية ورفض الملك الأرضي.
لما أشبع الخمسة الآلاف من خمس خبزات وسمكتين، أعجب الناس جدًا بهذه المعجزة، وأرادوا أن يقيموه ملكًا، ولكنه رفض، يقول الكتاب: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ" (يو6: 15).
وفي أحد الشعانين، دخل أورشليم، فاستقبلوه كملك بسعوف النخل وبالهتاف " مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!" (لو19: 38). "وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا..." (مت21: 10) أما السيد المسيح فرفض هذا الملك. وفي هيبة روحية دخل إلى الهيكل وطهره، ووبخهم على فسادهم. ثم ترك أورشليم وذهب إلى بيت عنيا. فتضايق اليهود من هذا التصرف الذي خيب آمالهم فيه.
حتى تلاميذه، كانوا هم أيضًا يتخيلونه ملكًا، وتنافسوا فيها بينهم من يجلس عن يمينه وعن يساره أما يسوع فكلمهم روحيًا "بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت20: 25-28).
وعندما سأله بيلاطس: "أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟"، أجابه: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ... لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا" (يو18: 33-36).
أين إذًا مملكتك أيها الرب يسوع؟ قال لهم: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21)، "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26)
قال المسيح هذا الكلام، لأن الشعب كان قد سار في طريق الضلال وبعد عن الرب. حتى جميع عباداتهم كانت شكلية رفضها الرب. كانوا بعيدين عن الحياة الروحية السليمة.. شعب له المظهر الخارجي الذي يفتخر به!! يقدم المحروقات، يقدم الذبائح، يرفع البخور، ويظن أنه بهذا يعبد الرب! يقيم الأعياد، يحتفظ برؤوس الشهور وبالمواسم جميعًا، ويدخل إلى الهيكل، وهذا كل شيء! أما الله فلم يكن له وجود في هذا الشعب.
لذلك وبخهم الرب في العهد القديم كله على هذه العبادة الشكلية التي لا يملك فيها على قلوبهم قال لهم في سفر إرمياء النبي: "مُحْرَقَاتُكُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَذَبَائِحُكُمْ لاَ تَلُذُّ لِي" (إر6: 20) وقال لهم في سفر إشعياء: ".. لاَ تَعُودُوا تَأْتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ. الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي.. رُؤُوسُ شُهُورِكُمْ وَأَعْيَادُكُمْ بَغَضَتْهَا نَفْسِي. صَارَتْ عَلَيَّ ثِقْلاً. مَلِلْتُ حَمْلَهَا.. فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 13-15). كما قال الرب لهذا الشعب على فم عاموس النبي: "أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ" (عا5: 23).
وجدهم السيد المسيح: "كالقبور المبيضة من الخارج ومن الداخل عظام نتن" (مت23: 27) فقال لهم: "يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 7-8) كانت الشكليات الطقسية قد غطت على روح العبادة في ذلك الشعب. فجاء المسيح ليقيم مملكته الروحية.
على أن فكرة المملكة الروحية لم ترقهم. فتضايقوا من رفضه للمُلك. وتضايقوا من قوله: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ" (مر12: 17)، وهم الذين أرادوا أن ينجيهم من قيصر! لذلك تألبوا عليه، وصاحوا: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!" (لو23: 21). وفضل المسيح أن يكون حاملًا للصليب ومالكًا للقلوب.. وهو يريد من هذا أن يكون القلب ملكًا لله، ولا خوف على المملكة بعد ذلك، ستسير أمورها حسنًا.
4- لا نعترف بمملكة اليهود
نحن لا نعترف لليهود كأصحاب ديانة قائمة.. فمن الناحية الدينية كانت اليهودية ممهدة للمسيحية، فلما أتت المسيحية لم يعد لليهودية وجود كديانة قائمة بذاتها.
أما من جهة المملكة، فلا يمكن- في ضوء الكتاب المقدس- أن نعترف لهم بمملكة.. فالله رفض فكرة المملكة منذ البدء، كما رفض السيد المسيح أن يقيم لهم مملكة على الأرض. وعندما تنازل الله إلى فكرتهم وأقام لهم ملوكًا، كانت للمملكة شخصية مقدسة لا تنطبق على يهود اليوم. فالملك كان الله يختاره بنفسه، ويأمر بمسحه ملكًا بواسطة نبي أو رئيس كهنة. وكان الملك يتلقى أوامره من الله ويستشيره في كل خطوة. وكان محرمًا على ممالك اليهود أن تبرم محالفات عسكرية أو اقتصادية مع دول أخرى وإلا اُعتبر ذلك اعتمادًا على ذراع بشري يقتضي العقوبة من الله.
وليس شيء من هذا ينطبق حاليًا..
خامسًا: في بعض المعاني الرمزية
خامسًا بعض المعاني الرمزية
بقي أن أقول لكم شيئًا أخيرًا. وهو أن الديانة المسيحية ديانة روحية فيها الكثير من الرمز. وأن أمورًا كثيرة كانت موجودة في اليهودية، وظيفتها أنها ترمز لأمور مستقبلية في المسيحية. فلما تحقق المرموز إليه، بطل عمل الرمز بمعناها الرمزي.. وهناك أِياء لا يمكن أن تؤخذ بمعناها الحرفي.
وسنتناول الآن بعض الموضوعات في مفاهيمها اليهودية والمسيحية..
الخلاص
وكان الخلاص في العهد القديم معناه تخليص الناس من أعدائهم، كالخلاص الذي يقدمه الله لهم في الحروب..
أما الخلاص في العهد الجديد، فهو خلاص النفس من الخطيئة، ومن الشيطان، ومن سيطرة المادة والعالم. خلاصها بالإيمان، في أن تكون مقبولة لدى الله.
فعندما يقول بولس الرسول في (رسالته إلى رومية 11: 26) (سيخلص إسرائيل) إنما يعني أن إسرائيل سيرجع إلى الإيمان فيخلص. وليس للخلاص هنا معني غير هذا. ونحن ننتظر أن يخلص هؤلاء الناس، أي أن يقبلوا إلى الله ويؤمنوا بالإيمان السليم.
ونحن نعلم أن اليهود لا يمكن أن يقتربوا إلى الله إلا إذا تحطموا. فطول تاريخهم الطويل كانوا - إذًا عاشوا في سعة من العيش وفي راحة من أعدائهم - يفتخرون ويتكبرون، ينسون الرب إلههم. ولم يقتربوا إلى الله إلا في الأوقات التي ضربوا فيها ضربات شديدة من أعدائهم!
لذلك أنا اؤمن إيمانًا أكيدًا من كل قلبي، أن هؤلاء الناس لا يمكن أن يدخلوا في الإيمان إلا إذًا انهزموا هزيمة ساحقة مرعبة في الحرب. وكشخص مسيحي اؤمن بأسفار الكتاب المقدس والحكمة المأخوذة من تاريخ اليهود، لست أرى وسيلة لخلاصهم إلا انهزامهم، صدق المزمور عندما قال: "امْلأْ وُجُوهَهُمْ خِزْيًا، فَيَطْلُبُوا اسْمَكَ يَا رَبُّ" (مز83: 16).
ليس مانع إذًا من أن يقيم لهم الرب سيف تأديب يسلمهم لأعدائهم، كما سلمهم للأعداء من قبل. فإذا كان الله يريد أن يرسل "محمد أنور السادات" سيف تأديب لهذا الشعب، فإن هذا يكون خيرًا روحيًا لهم.
نحن كمسيحيين نحب جميع الناس، ونحب أعداءنا أيضًا. لكننا نحبهم محبة روحية، ونطلب أن تخلص نفوسهم في اليوم الأخير. فإن كنا نحب اليهود حقًا، ونحب أن تخلص نفوسهم في اليوم الآخر، ونحب أن يصلوا إلى الإيمان، فنحن نصلي أن ينهزموا في الحروب، لكي يخلصوا.
إن كلمة يسوع معناها مخلص، وسُمي يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم.
كلمة أرض الموعد
هذه أيضًا تشير في معناها الرمزي إلى الموضع الذي يعدنا به الرب في اليوم الأخير. ولذلك يقول داود في المزمور: "أَنَّنِي آمَنْتُ بِأَنْ أَرَى جُودَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ" (مز27: 13). ويقصد بأرض الأحياء ما قاله يوحنا الرسول في سفر الرؤيا: "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً.." (رؤ21: 1).
أورشليم - صهيون
أورشليم هي (مدينة الملك العظيم). ويمكن أن ترمز إلى الكنيسة، كما يمكن أن ترمز إلى النفس البشرية. ونحن نعتبر أن كل واحد من المؤمنين هو هيكل لله، وروح الله ساكن فيه، كمال قال الكتاب.
لذلك عندما أرتل بالمزامير في صلاتي وأقول: "سَبِّحِي يَا أُورُشَلِيمُ الرَّبَّ، سَبِّحِي إِلهَكِ يَا صِهْيَوْنُ" (مز147: 12)، إنما أوجه الكلام إلى قلبي أو إلى نفسي، أدعو القلب أن يسبح الله، والنفس أن تسبح الله.
لذلك إذا وُجدت في صلواتنا أو في تراتيلنا هذه العبارات، إنما تعني المعنى الرمزي وليس لها في قاموسنا الروحي معنى، ولها في لغة أولئك الناس معنى آخر.
الذبائح – الكهنوت – الهيكل – الختان
كذلك كل ما يقدمه اليهود من ذبائح، كان رمزًا لذبيحة المسيح عن العالم. فلما أتى المسيح انتفت تلك الذبائح، ولم يصبح هناك وجود لذبائحهم.
كانت الذبائح ترمز للمسيح. ما معنى الذبيحة؟ معناها أن الإنسان الذي يخطئ إلى الله يستحق الموت لأن "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). فعندما كان يذبح ذبيحة ويراها تموت، كان يرى الموت عاقبة الخطيئة أمامه. ثم كان يرى أيضًا كائنًا طاهرًا يموت عنه هو، ونفسًا تؤخذ عوضًا عن نفس. فكان بهذا يأخذ فكرة عن الفداء وتضحية نفس طاهرة عن نفس خاطئة.
أما هم ففقدوا كل هذه المعاني الروحية. وأصبحوا يرون الأمر مجرد ذبائح حيوانية تقدم، فحرمهم الرب من هذه الذبائح بتحطيم هيكلهم، حتى يفهموا المعنى الروحي، ولم يفهموه.
وكذلك الكهنوت الهاروني كان رمزًا للكهنوت المسيحي، والهيكل كان رمزًا للكنيسة، والختان كان رمزًا للمعمودية.
أما الآن فماذا أقول أيضًا عن اليهود؟ لقد خرب الهيكل وتهدم كله وتمت فيه نبوءة المسيح، فلم يبق فيه حجرٌ على حجر إلا ونُقض. وضاع الكهنوت منهم، ولم يبق فيهم كهنة. ولا يوجد لهم مذبح للذبائح، ولا نار مقدسة. ولم يصبح بإمكانهم أن ينفذوا الشريعة التي ائتمنوا عليها. فأي شيء بقي لهم إذًا من الناحية الدينية؟!
كيف يخلصون إذًا؟ وكيف ينفذون ناموس موسى بدون تقديم ذبائح؟!



