آدم وحواء – قايين وهابيل (شخصيات الكتاب المقدس)

| الكتاب | شخصيات الكتاب المقدس آدم وحواء – قايين وهابيل |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1980م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 1980/2644 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقــــدمة
مقــــدمة
ليست هذه دراسات في العهد القديم، ولا هي مقدمات لأسفاره، إنما هي تأملات روحية، تقدم منهجًا تأمليًا في الكتاب.
وقصتها قديمة معي...
إذ كنت قد قمت بتدريس العهد القديم في الكلية الإكليريكية، عقب تخرجي فيها، من أكتوبر سنة 1949م، أي أكثر من ثلاثين عامًا... كما قمت بتدريس العهد الجديد من سنة 1952م
وكنت أرى الكتاب – كما قدمه الرب لنا – روحًا وحياة...
وهذا ما أريد أن أقدمه لك، أيها القارئ العزيز.
تمامًا، كما قدمته في محاضرات يوم الثلاثاء بالكاتدرائية الكبرى، خلال ثلاث سنوات من 1969م إلى 1972م.
وأود من أجلك، أن أتابع نشر هذه المجموعة، التي أحب أن تحتفظ بها معك، كاملة...
وثق أنك سترى حياتك الخاصة، من خلال شخصيات الكتاب... فالنفسية البشرية هي هي، منذ آدم، وحواء إلى يومنا هذا...
ولقد صدرت الطبعة الأولى من هذه المجموعة عن "آدم وحواء"، و"قايين وهابيل" في 24 فبراير 1980م ونفذت فور صدورها. وها نحن نعيد طبعها، ليحتفظ بها من فاته اقتناؤها قبلًا...
وسأحاول أن أتابع معك شخصيات العهد القديم، حتى يوحنا المعمدان... كما نتناول شخصيات العهد الجديد أيضًا، إن أحب الرب وعشنا.
وأحتاج إلى صلواتك، لكيما يعطيني الرب نعمة لإكمال هذا العمل.
سبتمبر 1982م شنوده الثالث
شخصيات الكتاب
شخصيات الكتاب
قدم لنا الكتاب المقدس ألوانًا متنوعة من "أُناس الله القديسين":
إنها صور متعددة من قديسين، كل منهم له طابعه الخاص، يختلفون في العمر والجنس والوظيفة والحياة الاجتماعية والأسلوب الروحي.
وذلك لكي نتعلم أن القداسة ملك للكل، وليست وقفًا على فئة معينة من الناس دون غيرها...
فلم يقدم لنا الكتاب حياة القداسة أو حياة الكمال، قاصرة على الأنبياء والرسل مثلًا، أو على الكهنة ورؤساء الكهنة، أو على صانعي العجائب والمعجزات، إنما هي للكل، وهي بإمكان كل أحد...
قدم لنا الكتاب المقدس قديسين في مراحل متفاوتة من العمر:
منهم الأطفال مثل صموئيل، ومنهم الصبيان مثل داود وإرميا. ومنهم الشباب مثل يوسف الصديق، ويوناثان، ومار مرقس ويوحنا الحبيب. ومنهم الرجال الناضجون مثل موسى وبطرس، ومنهم الشيوخ مثل نوح وأخنوخ وإبراهيم... وسمعان الشيخ...
قدم لنا رجالًا ككل هؤلاء. كما قدم لنا نسوة قديسات... مثل مريم العذراء، وحنة النبية، وسارة، وراعوث، وأستير، وأليصابات، ومريم أخت لعازر... وغيرهن كثيرات...
وكما قدم لنا قديسين متفاوتين في العمر، قدم لنا أيضًا قديسين متفاوتين في المركز الاجتماعي، وفي الغنى والفقر: فالمسألة أولًا وأخيرًا مسألة قلب مستعد لعمل النعمة فيه، أيًا كان مركزه أو وضعه المالي أو وظيفته في المجتمع.
وهكذا قدم لنا الكتاب قديسين أغنياء جدًا مثل أيوب الصديق، وأبينا إبراهيم، ويوسف الرامي. كما قدم لنا فقراء مثل الأرملة التي دفعت من أعوازها فلسين في الصندوق، ومثل أرملة صرفة صيدا التي استضافت إيليا النبي، ومثل لعازر المسكين الذي كان يستعطي، وكانت الكلاب تلحس قروحه...
قدم لنا الكتاب رعاة غنم مثل داود وإسحاق ويعقوب، وصيادي سمك مثل بطرس وأندراوس، وعشارين مثل متى وزكا، وملوكًا مثل داود ويوشيا، ووزراء مثل دانيال ويوسف، وأسرى حرب مثل الثلاثة فتية، وأبطالًا مثل شمشون، وقضاة مثل جدعون، وطبيبًا مثل لوقا، وكاتبًا مثل عزرا، وخادمًا مثل أَلِيعَازَرُ الدمشقي...
وقدم لنا الكتاب أيضًا قديسين متفاوتين في ثقافتهم وعلمهم:
فبينما نرى موسى الذي "تَهَذَّبَ بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ"، وبولس الذي كان من علماء عصره، وسليمان الذي كان أحكم أهل الأرض في زمانه، نرى أيضًا جُهال العالم الذين اختارهم الله ليخزي بهم الحكماء...
كذلك قدم لنا الكتاب أمثلة متفاوتة في البتولية والزواج والترمل، وكلها كانت تحيا حياة مقدسة طاهرة أحبها الرب...
قدم لنا بتوليين قديسين مثل إيليا وأليشع ويوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب، ومتزوجين قديسين مثل نوح البار، وبطرس الرسول، وأخنوخ أبي الآباء الذي رفعه الله إليه... كما قدم لنا من عاشوا حياة مقدسة في الترمل مثل حنة النبية، ومن تزوجوا بعد ترملهم مثل راعوث، ومن تزوجوا بأكثر من واحدة مثل إبراهيم وموسى وداود...
وعلى جبل التجلي، ظهر السيد المسيح، مُحاطًا بإيليا البتول، وبموسى المتزوج، والكل يحيط بهم نور عجيب. وحول الصليب، كانت مريم العذراء ويوحنا البتول، ومريم زوجة كلوبا التي أنجبت عددًا كبيرًا من البنين والبنات...
قدم لنا الكتاب من عاشوا حياة مقدسة منذ البدء، ومن جاءوا إلى الرب أخيرًا، ورحمهم الله وقبلهم إليه:
قدم لنا قديسين من بطون أمهاتهم، مثل يوحنا المعمدان الذي من بطن أمه امتلأ من الروح القدس. كما قدم لنا قديسين وقديسات عاشوا في عمق الخطية قبل لقائهم بالرب، مثل اللص اليمين، والمرأة التي بللت قدمي الرب بدموعها، ومثل راحاب الزانية، وقدم لنا الكتاب أشخاصًا عاشوا من قبل بعيدين عن الله، مثل مريم المجدلية التي أخرج منها الرب سبعة شياطين، والمرأة الكنعانية التي كانت من شعب ملعون أممي...
وقدم لنا قديسين من مضطهدي الكنيسة، مثل شاول الطرسوسي، ومثل الجندي الذي طعن المسيح بالحربة.
قدم لنا الكتاب المقدس شخصيات تحمل ألوانًا من الروحيات، متنوعة، ومتغايرة ولكننا نراها كلها متكاملة:
قدم لنا إيليا الشديد الناري، الذي أغلق السماء ثلاث سنين وستة أشهر فلم تمطر، والذي قتل المئات من أنبياء البعل وأنبياء السواري، وانتهر أخآب الملك، وقال لتنزل نار من السماء وتأكل الخمسين فنزلت وأكلتهم. كما قدم لنا الكتاب إرميا النبي الباكي الذي سكب دموعه ومراثيه.
وأرانا الكتاب كيف أن الله عمل في الشخصية النارية، كما عمل في الشخصية الباكية. واستخدم الاثنتين في بناء ملكوته. فليس المهم هو نوعية الشخص، إنما تسليمه لإرادته في يد المشيئة الإلهية.
في الكتاب نرى شخصية بطرس الرسول المملوءة غيرة وتسرعًا واندفاعًا، مع شخصية توما المملوءة حرصًا وشكًا وتريثًا وحبًا للفحص وبُعدًا عن الاندفاع. وكلاهما في يد الرب، يعمل بهما. ونرى في الكتاب كيف استخدام الله أُناسًا كما هم، بينما غيّر البعض فحول يوحنا ابن الرعد، تلميذ المعمدان إلى قلب كله حب...
وكل فضيلة تعجبنا، نرى شخصيات في الكتاب تمثلها:
نرى أيوب يمثل الصبر، وسمعان الشيخ يمثل الرجاء والانتظار. نرى داود يمثل التوبة والانسحاق، وإبراهيم يمثل الطاعة والإيمان. نرى يعقوب الهادئ المحتمل، ويوحنا المعمدان المشهور بالشجاعة والمواجهة، وبولس المملوء نشاطًا وغيرة وحركة وتعليمًا كما نرى العذراء المشهورة بالصمت والتأمل...
إنها باقة من الفضائل متنوعة الأزهار والألوان والعطور:
يقدمها الكتاب المقدس، في أشخاص أتقنوها عمليًا، وتركوها لنا كقدوة ومثال. بحيث أننا إن أردنا صفة ما، أو فضيلة ما، سنجد حتمًا الشخص الذي يعطي لها صورة مثالية وهكذا يكون الكتاب جامعًا لكل ما نريد.
لذلك لا ييأس أحد مفتكرًا أن حالته لا تناسب دعوة الله:
فالله مستعد أن يدعوك كما أنت، أيًا كانت حالتك، أو ثقافتك، أو سنك، أو مركزك، أو وضعك الاجتماعي... إنه "الداعي الكل إلى الخلاص"... ولعلك تجد مثيلًا لك في الكتاب المقدس، قد عمل الله فيه وبه...
لا تقل إذًا "لست أصلح" فليس المهم هو صلاحيتك، إنما المهم هو عمل الله معك. والله قادر أن يعمل مع الكل. قل له إذًا "مُستَعدٌ قَلْبي يا اللَّهُ، مُسْتَعدٌ قَلْبي" (مز56: 7).
ومن الأمور المُعزية أيضًا في الكتاب أنه قدم لنا مثاليات مثلنا، لقديسين كانت لهم ضعفاتهم ونقائصهم وسقطاتهم:
ولكن روح الله قد عمل فيهم، وأوصلهم إلى درجات عُليا في القداسة، على الرغم من هذه الطبيعة التي يمكن أن تضعف أحيانًا، وتسقط.... وما أعمق وأصدق قول الكتاب:
"كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا..." (يع5: 17).
ومع أنه كان تحت الآلام مثلنا، إلاّ أنه "صَلَّى صَلاَة". واستطاع أن يغلق السماء، وأن يفتحها.
قدم لنا الكتاب إبراهيم الذي خاف أن يقتلوه، فقال عن زوجته سارة إنها أخته. ويعقوب الذي خدع أباه، وسرق بركة أخيه. وشمشون الذي أغرته دليلة، فكسر نذره. ونوحًا الذي سكر وتعرى، وداود الذي زنى وقتل، وتوما الذي شك، وبطرس الذي أنكر...
لم يقدم لنا الكتاب قديسين معصومين، أو بشرًا من نوع الملائكة، إنما قدم بشرًا مثلنا، واقعًا لا خيالًا... قدم النفس البشرية التي نعرفها، والتي اختبرناها، "الأواني الخزفية" السهلة الكسر، التي عمل فيها الخزاف العظيم، وصنع منها أواني للكرامة، وجعلها رائحة بخور ذكية، أمام الملائكة والبشر... وكان "فَضْلُ الْقُوَّةِ لِلَّهِ لاَ مِنَّا" (2كو4: 7) أما عن الحروب الروحية التي تعرض لها هؤلاء، فيعزينا الكتاب بقوله: "الْحَرْبَ لِلرَّبِّ" (1صم17: 47)... والرب قادر أن يغلب بالكثير وبالقليل (1صم14: 6).
قدم لنا الكتاب المقدس عينات من قديسين، من نفس نوعنا، يمكن أن تضعف، ويمكن أن تسقط، ويمكن أن تخطئ وأن تزل...
ولكنه قدم لنا في هؤلاء القديسين الذين أخطأوا، صورًا رائعة من التوبة. نصف الحقيقة أنهم أخطأوا، والنصف الآخر، الأروع، أنهم تابوا...
إن الكتاب المقدس صريح وواقعي. إنه يقدم لنا قديسين من نفس طبيعتنا، التي يمكن أن تخاف، وأن تشتهي، وأن تفتر، وأن تهرب، وتختبئ من الله... حتى السبعة ملائكة الذين للسبع كنائس في آسيا، نراهم من نفس الطبيعة البشرية العادية:
لذلك حينما ندرس هؤلاء الرعاة، الذين وصفهم الكتاب بأنهم ملائكة، لا ننسى أن واحدًا منهم كان فاترًا، لا هو حار، ولا هو بارد، وكان الله مزمعًا أن يتقيأه (رؤ3: 16) ونرى واحدًا آخر منهم، على الرغم من تعبه وكدّه لأجل الله، عاد وترك محبته الأولى، وأرسل له الله قائلًا: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 5) ونرى ملاكًا ثالثًا من ملائكة هذه الكنائس السبع، يقول له الرب: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ" (رؤ3: 1).
إنها نفس الطبيعة البشرية التي لباقي الناس... والكتاب المقدس لا يكلمكم من وحي الخيال، ولا يصور لكم قديسين لهم أجنحة من نور ونار، ويطيرون في السماء، ويسبحون في أجواء القداسة العُليا...
ولكن بعمل الله القوي الذي عمل فيهم، بنعمته التي دخلت إلى قلوبهم، بروحه القدوس الذي أرشدهم وقواهم واشترك في العمل معهم... بهذا قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه... وتغيروا...
بطرس الذي خاف ذات مرة أمام جارية وأنكر المسيح، تحول إلى القديس بطرس الجبار العنيف، الذي وقف أمام ولاة وملوك، وقال للشيوخ ولرؤساء الكهنة "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29) ... جاهر بالإيمان، وتعب لأجله، وصار شُعلة من نار، وصُلِب، ومات شهيدًا...
ما هذا يا أبي القديس بطرس؟ يجيب: لقد كنت ضعيفًا مثلك، وخائفًا مثلك. لكن الله عمل في ضعفي، وروحه قواني وشددني، فشهدت له أمام الكل...
إذًا، حينما نجد القديس بطرس الرسول قد ملأ الدنيا تبشيرًا، لا نقول إنه من طبيعة أخرى سامية غير طبيعتنا... كلا، إنه مثلنا. ولكنه فتح قلبه لعمل الله، وسلم مشيئته لمشيئة القدوس...
وإن رأينا إنسانًا مثل القديس بولس الرسول، قد تعب أكثر من جميع الرسل، وكرز في كل أرجاء الأرض، فلا نظن أنه قد وُلد هكذا... وإنما هو نفسه يعترف ويقول: "أنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلَكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْلٍ" (1تي1: 13) ...
وإن عرفنا جبارًا من جبابرة الروح والرعاية مثل القديس موسى النبي، الذي أجرى الله على يديه معجزات في أرض مصر، وشق البحر بعصاه، وضرب الصخرة ففجر منها الماء، وأنزل من السماء المن والسلوى... فلا نظن أنه قد وُلد هكذا... بل أنه عاش في مبدأ حياته كأمير في قصر فرعون، بكل ما تحمل الإمارة من رفاهية وتنعم وكبرياء، معتدًا بنفسه، يضرب المصري فيقتله. ولكن الله أمسك به، وعلّمه طريقه. أمسكه "ابن النجار"، بالفارة والمنشار، وأزال نتوءاته وصنفره، وعمل فيه، حتى صار قديسًا عظيمًا لا نستحق التراب الذي يدوسه بقدميه... وصار "الرَّجُلُ مُوسَى... حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد12: 3).
هذه عينات من الناس، أخذها الله كما هي، وعمل فيها، وعمل معها، وصارت له، وأخذت من بهائه، ومن قوته...
وبالنسبة إليك، لا تشابه القديسين في ضعفاتهم، وإنما في طهرهم.
لا تتهاون معتذرًا بأن القديسين أنفسهم قد أخطأوا، إنما انظر إلى توبتهم وأعماقها العجيبة، والتصاقهم الطبيعي بالله.
وحينما نقول إنهم أخطأوا، فلا نعني أن حياتهم كلها كانت خطية. بل السقطات كانت الوضع العابر الطارئ في حياتهم. أما القداسة فكانت الوضع الطبيعي الدائم.
إذا عرفنا أن داود في وقت ما، قد زنى وقتل. فليس معنى هذا أن حياته كلها كانت زنى وقتلًا. وليس معنى هذا أن يتطاول بعض الوعاظ على هذا القديس العظيم، ولا يتحدثون إلا عن خطيئته بلون من الاستصغار!! وينسون أنه رجل الصلاة والتسبيح والمزامير، رجل المزمار والقيثار والعشرة الأوتار، رجل الإيمان والوداعة، الذي قال عنه الرب بنفسه "فحصت قلب داود، فوجدته حسب قلبي" (أع13: 22).
إن الشر لم يكن طبيعة في هذا البار، الذي حل عليه روح الرب، والذي هزم جليات، واحتمل شاول وغفر لشمعي بن جيرا، وسبح للرب تسابيح جديدة... إنما هي صفات طارئة، سمح بها الرب ليعطي قديسه انسحاقًا ودموعًا، ويصيّره درسًا في التوبة، كما كان درسًا في الصلاة، وفي الوداعة، وفي الشجاعة.
وبنفس الوضع حينما نذكر خوف أبينا إبراهيم، وقوله عن امرأته سارة إنها أخته... لا ننسى أبدًا إيمان الرجل، ونسكه وشجاعته، وكرمه، وطاعته للرب حتى رفع السكين ليقدم وحيده المحبوب محرقة... ولا ننسى تركه لأهله وعشيرته وسعيه وراء الرب...
كذلك في حديثنا عن قديسي الكتاب، ليس المهم نقطة البدء في حياتهم، فربما بدأ البعض منهم كأشخاص عاديين إنما المهم هو ما انتهوا إليه...
لقد كانت حياة هؤلاء القديسين، مجرد مجال عمل فيه الله. ونحن نهتم بهذه النقطة بالذات في حياة قديسي الكتاب... يهمنا جدًا دور الله في حياتهم. كيف عاملهم الرب؟ وكيف عامل غيرهم من الناس الذين اتصلوا بهم؟ كيف كانت معاملة الله لقديسيه، وكيف كانت معاملته للأشرار؟ ومعاملته للساقطين والتائبين وللقائمين...
إن الكتاب هو سجل جميل لمعاملة الله مع الناس...
ومن واقع هذه المعاملة نأخذ فكرة عن صفات الله الجميلة، وعن حبه وطول أناته، وحكمته وصلاحه، وقوته وقدرته... ونأخذ من كل هذا درسًا لأنفسنا ومجالًا لتأملاتنا.
وفي سير قديسي الكتاب، لا نريد أن ندرس تاريخًا، إنما أن نمتص حياة...
فالكتاب المقدس لم يقصد به أن يكون كتاب تاريخ، إنما هو كتاب إيمان، وكتاب حياة. وهذا هو الفرق بين دراستنا للكتاب، ودراستنا لكتب التاريخ. التاريخ يذكر أحداثًا، ولكننا هنا لا نفحص الأحداث، بقدر ما نفحص حالة القلب.
إننا من خلال الأحداث، ندرس النفس البشرية، في كل مشاعرها وأحاسيسها وتصرفاتها. ندخل إلى أعماق النفس، وندرس حروبها الروحية، وندرس علاقاتها مع الله ومع الناس ومع ذاتها. ومن كل ذلك نتعلم...
والكتاب المقدس صريح جدًا في كشف النفس البشرية.
ونحن نريد أن نتناول هذه النفوس، لكي نحللها، ونفهمها، ونرى فيها صورتنا نحن، وما ينبغي أن نفعل. وفيما ندرس هذه الشخصيات، ندرسها لكي نحيا نحن...
نحيا من خلال حياة هؤلاء، ونستفيد من تجاربهم، ومن خبراتهم، ونستفيد من سقوطهم أيضًا ومن قيامهم. وإن تعرضنا لأخطائهم، فنحن لا ندينهم عليها. إنهم آباؤنا ومعلمونا، بل هم أيضًا مُثلنا العليا. وهم أحباء الله الذين نرجو شفاعتهم وبركتهم...
والأخطاء التي نكشفها، إنما تكشف لنا ضعف طبيعتنا، وليس ضعفًا لأولئك القديسين الذين لا نستحق أن نقبل التراب الذي داسوه بأقدامهم الطاهرة...
بركة هؤلاء جميعًا، فلتكن معنا، آمين...
1- آدم وحـواء
آدم وحـــــواء
يحسن بنا أن نبدأ تأملاتنا في شخصيات الكتاب بأبوينا الأولين، آدم وحواء، ونرى كيف خُلقا وكيف كانا، وميزات طبيعتهما الأولى في عمق بهائها ومجدها، وكيف قادهما الضعف البشري، وتطور بهما من سقطة إلى أخرى، حتى كثرت خطاياهما جدًا، وفسدت طبيعتهما البشرية.
بهاؤهما الأول
1- كانا مخلوقين، غير مولودين، لم يرثا فسادًا من طبيعة سابقة:
آدم وحواء، لم يولدا من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل... لم يأتيا من زرع بشر، ولم يرثا طبعًا فاسدًا من طبيعة سابقة عليهما، إنما خلقهما الله، شيئًا جديدًا لم يتلوث من قبل، وبالطريقة التي أرادها الرب لهما.
2- خلقهما الله على صورته ومثاله. ولا يمكن أن يوجد أعظم من هذا، أن يكون آدم وحواء على شبه الله...
وفي ذلك يسجل سفر التكوين "وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا... فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" (تك1: 26، 27).
وما أكثر تأملات الآباء القديسين وتفسيراتهم، الخاصة بخلق أبوينا الأولين على صورة الله...
قيل إن الله خلقهما على صورته في البر والقداسة، في وضع فائق للطبيعة... وهكذا كان كلاهما بارًا بلا خطية حينما خَلقهما الله متسربلين بالقداسة...
وقيل على صورته في الجمال والبهاء والمجد، أي أعطاهما قبسًا من بهائه، فكانا في منتهى الجمال، جسدًا ونفسًا وروحًا...
وقيل إن الله خلق الإنسان على صورته في الخلود، إذ وهب لهما نفسًا خالدة، نفخها في أنف آدم، نسمة حياة، "فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً" (تك2: 7).
وقيل إن الله خلقهما على صورته في حرية الإرادة.
وقيل أيضًا إن الإنسان خُلق على صورة الله في التثليث والتوحيد: ذاتًا، لها عقل ناطق، ولها روح. والذات والعقل والروح كائن واحد: كالذات الإلهية، لها عقل، ولها روح، والثلاثة كائن واحد... إنما الله غير محدود في كل شيء، والإنسان محدود...
وقيل إن الله خلقهما على صورته في المُلك والسلطة. فكانا ملكين على الأرض، لهما سلطة على كائناتها (تك1: 28). وكان آدم نائبًا لله على الأرض، وممثلًا للخليقة الأرضية كلها...
وقيل إن الله كان يعرف مسبقًا بسقوط الإنسان، وبأنه سيخلي ذاته ويتجسد لكي يخلصه. فخلق هذا الإنسان على الصورة التي كان الله مزمعًا أن يتجسد بها، على شبهه ومثاله...
3- وكان آدم وحواء يتصفان بالبساطة والبراءة:
ما كانا يعرفان الشر إطلاقًا. كانا يعرفان الخير فقط، ولا شيء سوى الخير. لذلك لم يفكرا وقت التجربة أن الحيّة يمكن أن تخدع وأن تكذب. فعبارات الكذب والخداع لم تكن موجودة في قاموسهما في ذلك الحين.
وفي بساطتهما وبراءتهما، ما كانا يعرفان بعضهما من الناحية الجنسية، بل كطفلين ساذجين - ما كانا يفهمان الفروق العضوية في تركيب جسديهما. وكما ذكر سفر التكوين "وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ" (تك2: 25).
4- وقد باركهما الله معًا، بنفس البركة، وأعطاهما سلطانًا على الأرض كلها بجميع كائناتها، نفس السلطة لكليهما...
وفي ذلك يذكر سفر التكوين "وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا... فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (تك1: 28).
وهكذا عاش الاثنان، ولهما هيبة وسلطة، على الأرض ومخلوقاتها. ما كانا يخافان الوحوش أو دبيب الأرض، بل عاشا وسط الأسود والنمور والفهود والحيات والثعابين وما أشبه، في حياة من الألفة والسلام، لهما سلطان على كل هؤلاء. ترى الوحوش فيهما صورة الله فتعاملهما بالمهابة اللائقة بهما.
وآدم هو الذي سمى كل الحيوانات وكل ذوات الأنفس بأسمائها "وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ" (تك2: 19، 20).
5- وكان آدم وحواء اجتماعيين، يتعاونان معًا...
حينما كان آدم وحده في الجنة، وجد التعاون والألفة بين جميع حيوانات الأرض "وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (تك2: 20) وصعد هذا الاشتياق، أو هذا الاحتياج إلى الله "فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ" (تك2: 21، 22).
وشعر آدم بهذه الرابطة القوية التي تربطه بحواء، وإنها جزء منه، بينهما رابطة دم ولحم وعظم "فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ" (تك2: 23).
6- ونحن نعجب من هذه المعرفة التي كانت لآدم:
كيف عرف أن حواء، قد أُخذت من لحمه ومن عظامه، بينما كان في سبات...؟! هل أخبره الله بما حدث، في ظل علاقة المحبة بينه وبين الله؟ أم كان هذا اللون من المعرفة، من ضمن مواهبه في ذلك الوقت، الذي خُلق فيه بوضع فائق للطبيعة...؟!
كما أننا نُعجب بآدم إذ أنه أعطى حواء اسمًا له دلالة وله عمق، فسماها امرأة، لأنها من امرء أُخذت.
وفيما بعد... بعد الخطية، حينما ولدت امرأته ابنًا، أعطاها اسمًا آخر: "وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ" (تك3: 20). إنها حكمة اتصف بها آدم في إطلاق الأسماء. ولعله استخدم هذه الحكمة ذاتها في تسمية الحيوانات والطيور وكل ذوات الأنفس الحيّة.
ليت أحد المتخصصين في علوم اللغات، يبحث مع بعض المتخصصين في علوم الحيوان، السر الذي يكمن وراء أسماء الحيوانات، والحكمة التي بها أطلق آدم كل اسم على صاحبه...
كان آدم أيضًا يعمل في الجنة ويحفظها (تك3: 15). فمن أين أوتي آدم هذه المعرفة بشئون كل النباتات الموجودة في الجنة، أتراه أيضًا لون من الكشف الإلهي، أو كانت معرفة آدم من نوع فائق لمعرفتنا؟!
7- وقد خُلق آدم وحواء بعد أن أعدّ الله لهما كل شيء.
خلقهما في اليوم السادس، كقمة لمخلوقاته كلها. وخلقهما بعد أن خلق من أجلهما كل شيء، كما في القداس الغريغوري. من أجلهما أعد السماء لهما سقفًا، ومهد لهما الأرض كي يمشيا عليها. رتب لهما قوانين الفلك، ووضع لهما الشمس لضياء النهار، والقمر لإضاءة الليل. ونظم لهما الطبيعة وأجواءها، وخلق لهما النبات لطعامهما، والحيوانات لخدمتهما. وأخيرًا خلقهما، ليتمتعا بهذه الطبيعة كلها.
وعندما تنتهي فترة إقامة البشرية على الأرض، ويأتي الرب على السحاب، ليأخذ باقي البشر، ويسكن الإنسان في الأبدية، حينئذ ستزول هذه الأرض وهذه السماء اللتان خلقهما الله، لراحة الإنسان ههنا. إذ سيزول غرضهما بانتقال الإنسان إلى جوار الله في أورشليم السمائية.
ما أعظم قيمة هذا الإنسان، الذي من أجله خلق الله كل شيء. آدم صورة الله، أعظم كائن على الأرض في أيامه، نائب الله، المسلط منه على كل الخليقة الأرضية...
8- وكان آدم وحواء سعيدين، يعيشان في جنة:
خلق الله جنة جميلة، لكي يحيا فيها هذا الإنسان سعيدًا "غَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ" (تك2: 8) ويشرح سفر التكوين بعض تفاصيل هذه الجنة، فيقول: "وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ" (تك2: 9، 10)
كان آدم سعيدًا هو وحواء داخل الجنة. لم يكن هناك ما ينقصهما، ولم يكن هناك ما يعكر صفوهما. كان كل شيء حولهما جميلًا وعاشا في اليوم السابع، اليوم الذي قدسه الرب، واتخذه للراحة، له ولهما.
وهذه الطبيعة الجميلة الهادئة النقية التي خلقها الله لآدم وحواء، يقول عنها الكتاب: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا" (تك1: 31).
9- وعاش آدم أيضًا في عشرة الله...
لم تكن سعادة هذا الإنسان الأول، من مجرد خلقه في طبيعة ممتازة، أو من سلطته على هذه الطبيعة، أو من حياته في جنة جميلة، إنما لعل السبب الأول في سعادته، أنه كان يحيا في عشرة الله... الله كان يظهر له، وكان يكلمه، وكان يباركه، وكان يعلمه بنفسه ويقدم له الوصايا النافعة له.
كانت له علاقة مباشرة مع الله، يشرحها سفر التكوين "وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ" (تك2: 7) "وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" (تك2: 15) وأحضر "الحيوانات" "إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا" (تك2: 19) "وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28) "وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا".
10- وقد عاش آدم وحواء في الجنة نباتيين...
{ إن أكل اللحوم لم يسمح به الله إلا في أيام نوح، بعد خروجه وأسرته من الفلك، إذ يذكر سفر التكوين أن الله بارك نوحًا وبنيه بنفس بركة آدم وحواء، تقريبًا، وقال لهم: "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ، غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لاَ تَأْكُلُوهُ" (تك9: 3، 4).
أما ما قبل فلك نوح، فلم يكن مصرحًا بغير النبات... وهذا ما يذكره سفر التكوين:
لما خلق الله آدم وحواء، سمح لهما بأكل الفاكهة والبقول، أي ثمار الأشجار، وذلك بقوله: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا". "وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذلِكَ" (تك1: 29، 30).
{ إذًا لم يكن الإنسان وحده نباتيًا في الجنة، وإنما حتى الحيوانات أيضًا بكل أنواعها كانت نباتية: للإنسان الثمار والبقول، وللحيوان العشب الأخضر. لم يكن هناك افتراس. لا الإنسان يأكل الحيوان، ولا الحيوان يأكل الإنسان، ولا الحيوان يأكل بعضه بعضًا.
وبعد السقوط في الخطية: لما حدث أن الإنسان، كالحيوان اشتهى أن يأكل، أعطاه الله الطعام المخصص للحيوان، عشب الأرض. فقال الرب للإنسان بعد السقوط: "وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ" (تك3: 18)، وكان العشب مخصصًا للحيوان من قبل (تك1: 30).
بقيَّ الإنسان بعد السقوط نباتيًا، يأكل ثمار الشجر والبقول والعشب، بعد طرده من الجنة دون أن يأكل اللحوم، التي لم يصرح له بعدها، إلًا بعد فلك نوح (تك9: 3).
ومع ذلك كانت الأعمار طويلة جدًا، في تلك الفترة من آدم حتى نوح، كما يشرح الأصحاح الخامس من سفر التكوين:
عاش آدم 930 سنة (تك5: 5)، وعاش نوح 950 سنة (تك9: 29). وعاش متوشالح 969 سنة (تك5: 27)، وهو صاحب أطول عمر في كل أجيال البشرية، وكان نباتيًا.
لماذا إذًا صرح الله بأكل اللحوم بعد فلك نوح؟
يقول الكتاب قبل الطوفان مباشرة: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْم. فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ" (تك6: 5، 6). وهكذا أغرق الرب العالم بالطوفان. وأبقى الرب بقية من البشرية وسمح لها بأكل اللحوم، لأن مستوى البشر لم يكن يحتمل غير هذا...
خطايا عديدة لأبوينا الأولين
خطايا عديدة لأبوينا الأولين
كانت طبيعتهما سامية جدًا، ولكنهما كانا يتمتعان في نفس الوقت بحرية الإرادة، وبالحرية توجد إمكانية السقوط.
والعجيب أن كثيرًا من الكُتاب يتحدثون عن خطية آدم أو حواء، كما لو كانت خطية واحدة لا غير!! بينما وقع أبوانا في عديد من الخطايا، نذكر منها هنا 27 خطية، بنوع من التحليل، لكي نتعلم نحن أيضًا التدقيق في محاسبتنا لأنفسنا... فما هي هذه الخطايا؟
1- العصيان أو المخالفة
وهذه هي الخطية الواضحة للكل. إن الله أمر أبانا آدم قائلًا: "مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك2: 16، 17). الوصية واضحة، وقد سمعها آدم بنفسه من فم الله. وكانت تحفظها حواء (تك3: 2). ومع ذلك خالفها آدم وخالفتها حواء.
لو لم ينذر الله آدم وحواء من قبل، لقلنا إنها كانت خطية جهل. ولكن من الواضح أنها خطية معرفة.
2- المعاشرات الرديئة
بدأت سلسلة الخطايا التي وقع فيها آدم وحواء بخطية "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33). فجلست أمنا حواء مع الحيّة "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ" (تك3: 1).
وحتى إن كانت أمنا حواء، بنقاوة قلبها وبساطتها، لا تدرك ما في الحية من خبث، فإنه كان يجب عليها أن تتنبه، حينما أخذت الحية تكشف أوراقها، وتقول كلامًا عكس ما قاله الله نفسه لهما!!
ولكن أمنا القديسة بدلًا من أن تتنبه، وقعت في خطية الانقياد، ووقعت أيضًا في خطية الشك. وقادتها هاتان الخطيتان إلى سقطات أخرى كثيرة.
3- خطية الشك
قالت الحية في خبث وهي تبذر بذور الشك: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟"... أحقًا أن الله الرحيم الطيب يمنعكما عن الأكل من كل الشجر؟ وماذا يضيره لو جعلكما تأكلان؟ أي شر في هذا؟!
فلما أجابت المرأة حسنًا، أخذت الحية تتعمق في إلقاء بذور الشك، فقالت: "لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 1)... إذًا الله خائف من أن تصيرا مثله، لذلك يمنعكما... ليس حبًا منه لكما، أو حرصًا عليكما، إنما خشية من المنافسة...
هذا هو الشك الذي ألقته الحية في نفس حواء:
الشك في صدق كلام الله، والشك في حب الله للبشر، بل الشك أيضًا في إنذار الله لهما بالموت. فهما – حسب كلام الحية – لن يموتا، بل ستتحسن أحوالهما...
واستسلمت حواء إلى هذا الشك، فسلمها إلى خطيئة أخرى:
4- خطية الانقياد
انقادت – وهي صورة الله ومثاله – إلى الحية ومشورتها. فبدلًا من أن تنتهر الحية على التشكيك في كلام الله، أطاعتها، وبهذا فقدت شخصيتها أمام الحية، بينما كان الله قد أعطاها سلطانًا على جميع حيوانات الأرض وعلى ما يدب على الأرض، فكانت الحية بذلك تحت سلطانها، وكانت تملك أن تخضعها، حسب قول الرب عن هذه الكائنات "وَأَخْضِعُوهَا" (تك1: 28). فبدلًا من إخضاعها. خضعت لها.
ونفس هذا الانقياد الخاطئ، الذي وقعت فيها حواء، حدث بالنسبة إلى أبينا آدم من جهة امرأته حواء، بينما الرجل رأس المرأة. وكان يجب على آدم أن يقود حواء إلى الخير، ويرفض أن يأكل الثمرة المحرمة من يدها، ولكنه اِنقاد هو أيضًا وأطاع. ووقع في نفس ضعف الشخصية الذي وقعت فيه حواء.
لذلك فإن الله لم يقبل من حواء عبارة "الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي" ولم يقبل من آدم عبارة "الْمَرْأَةُ... أَعْطَتْنِي" (تك3: 13، 12).
كان يجب على كل منهما أن يكون قوي الشخصية، ولا يقبل من غيره أية نصيحة أو أي توجيه ضد وصية الله الواضحة.
وكان انقياد حواء للحية، يجمل داخله خطية أخرى هي:
5- ضعف الإيمان
انقياد حواء للحية، معناه أنها قبلت كلامها أكثر من كلام الله، أو قل إنها صدقت الحية وكذبت الله. الله يقول عن ثمر الشجرة "لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3: 3) والحية تقول "لَنْ تَمُوتَا!" والمرأة تقبل كلام الحية، وتميل إليه بقلبها، وتترك كلام الله، لا تخشاه، ولا يتعبها إنذاره...
إذًا فهذا ضعف إيمان بالله وبكلمته وبإنذاره. بل هو عدم إيمان بصدق الله... وضعف الإيمان هذا، قادها إلى خطية أخرى وهي:
6- الاستهانة وعدم مخافة الرب
بدأت تستهين بحكم الله وبتهديده وعقوبته، ولم تخف إطلاقًا من أن تمد يدها وتأخذ، كما لو كانت عبارة "مَوْتًا تَمُوتُ" لا تهز لها جفنًا، ولا تحرك ضميرها أو قلبها...!
على أن إغراء الحية وحديثها، قاد المرأة إلى خطية أخرى، دنست قلبها الطاهر، وهي خطية الشهوة.
7- خطية الشهوة
نظرت المرأة إلى الشجرة، فإذا هي "جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ" (تك3: 6) فاشتهتها...
كانت شجرة معرفة الخير والشر في وسط الجنة، وربما كانت حواء تمر عليها كل يوم وتراها. وكانت نظرتها إليها بسيطة، لا تحمل شهوة...
أما الآن فإن النظرة قد تغيرت، لم تعد بسيطة كما كانت أمس وقبلًا من أمس، ذلك لأن القلب قد تغير...
القلب قد دخلته شهوة، فأصبحت نظرته إلى الشجرة مشبعة بالشهوة. وبالشهوة صارت الشجرة شيئًا آخر مشتهى، بل شيئًا مفضلًا على الكل، حتى على وصية الله. صارت الشجرة "جيدة للأكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر"... لماذا؟ لأن خطية أخرى قد دخلت القلب... فما هي؟
8- خطية الكبرياء
"يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ". هنا الإغراء الجبار "تصيران مثل الله" أو تصيران إلهين...!! إن كان الأمر هكذا، فلماذا نرضى ونكتفي بالمستوى البشري؟! ولماذا نأخذ من الله موقف الطاعة، بدلًا من موقف المساواة؟! وعصفت شهوة الألوهية بهذه الإنسانة المسكينة فدخلتها الكبرياء.
واستطاعت هذه الكبرياء أن تحطمها، كما حطمت الشيطان من قبل لأنه أراد أن يقع الإنسان في نفس السقطة التي وقع فيها... وماذا كانت سقطته؟ يحكيها سفر إشعياء النبي فيقول:
"كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ. لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ" (أش14: 12 – 15).
إن عبارة "أصير مثل العلي" التي قالها في قلبه، هي نفس عبارة "تصيران مثل الله" التي أغرى بها حواء...
إن الكبرياء هي التي أسقطت الشيطان، وهي التي أسقطت الإنسان الأول. وكما قال أحد القديسين: إن حواء اشتهت مجد الألوهية، ففقدت ما كان لها من مجد البشرية.
على أن هذه السقطة، وهذه الكبرياء، كانت تحمل في داخلها شهوة أخرى، أو خطية أخرى، وهي...
9- المعرفة المخربة
"تصيران مثل اللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" "تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا"... لقد قدم الشيطان للإنسان هذا الإغراء، إغراء المعرفة... إلى متى تظل مقفل العينين لا تعرف؟ ليتك تأكل لكي تنفتح عيناك المغمضتان، وتذوق الدنيا وتعرفها...
إلى متى يغلق الله عليكما في هذه البساطة أو السذاجة، التي يسمونها النقاوة أو البراءة!! فتظلان هكذا لا تدريان ولا تفهمان الجمال الموجود في الدنيا، واللذة الموجودة في الثمرة؟! لماذا يحرمكما الله من هذه المعرفة؟!
أية معرفة يقصدها الشيطان؟ لقد وهبهما الله فضل معرفته، وجعلهما يعرفان الخير والبر ويذوقان ما في هذه المعرفة من لذة. يجيب الشيطان إنهما حُرِما من معرفة الخير والشر.
وهنا تبدو الخدعة الكبرى التي انطلق على حواء... فما هي؟
إنهما يعرفان الخير فقط. والشيطان يريد لهما الآن "معرفة الخير والشر"، أي أن تضاف إلى معرفتهما النقية، معرفة الشر...!
يا للخدعة الخبيثة، التي قال عنها الحكيم "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18)، يقصد المعارف التي تشوه نقاوة الإنسان، أو تربك سلامة فكره...
وأكل الإنسان من شجرة المعرفة، فصار جاهلًا... لأنه أخذ معرفة الشر إلى جوار معرفة الخير، وماذا أصابه أيضًا؟
10- مشكلة الثنائية وفقدان الثقة
ومن ذلك اليوم، والإنسان يعيش معذبًا، يسبح في بحر العالم، يحيطه شاطئان:
وللأسف، فإن معرفة الشر عند كثيرين، ارتبطت بشهوة الشر، أو على الأقل ارتبطت بالصراع بين الخير والشر. وعاش الإنسان حياته في هذا الصراع، وتشوهت أفكاره بمعرفة الشر، وجلبت له هذه المعرفة الظنون والأفكار، ووضعت في عقله الواعي أو عقله الباطن صورًا متعبة، تظهر أحيانًا كأحلام، وأحيانًا كشكوك وظنون، وأحيانًا كإدانة للآخرين، أو كاشمئزاز من وضع معين، أو كخوف من سقوط... أو ارتياب في نقاوة.
ولما أكلت حواء من شجرة المعرفة هذه، بدأت ترى آدم رجلًا يختلف عن أنوثتها. وبدأ آدم يراها أنثى تختلف عن رجولته. وبدأ الجنس يفتح أبوابه.
وكان أول باب هو الخجل. وأحسّ آدم وحواء أنهما عريانان، وفكرا كيف يستران عريهما... وفقد الاثنان بساطتهما الأولى...
ما كان أغناهما عن هذا كله، لو أنهما لم يطلبا هذه المعرفة، أو على الأقل طلبا المعرفة من الله وحده. ولكنهما وقعا في خطية أخرى وهي:
11- طلب المعرفة من غير الله
كان الله هو المعلم الأول والوحيد للإنسان، يعطيه من المعرفة ما يفيده وما يبقي على نقاوته.
ثم بدأ الإنسان يتخذ له مرشدًا غير الله، يشير عليه بما يفعل، ويعطيه معرفة أخرى. وكان هذا المرشد للأسف، هو الشيطان الذي دخل الحية، وأرشد الإنسان إلى ما فيه هلاكه...
وشهوة المعرفة، بعيدة عن الله، ومن غير الله، ملأت الإنسان بمعارف ضيعته. وما زال الإنسان يسعى إلى المعرفة منذ أكل من الشجرة. وفي كل يوم تنفتح عيناه بالأكثر... وتجمع له الحواس أحيانًا ما يضره...
ويستمر في ثنائية المعرفة، التي تشمل الخير والشر، إلى أن يهب له الله في الأبدية إكليل البر، فيتقيأ ما أكله من معرفة الخير والشر، ويعود لا يعرف غير الخير وحده، وينسى في النعيم الأبدي ما كان قد عرفه في العالم من شر. يمحو الله من ذاكرته ومن علمه ومعرفته كل معرفة الشر في الإنسان الجديد الذي يقوم من الأموات في نقاوة لا تعرف شرًا.
ويصير "الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللَّهِ" (يو6: 45). ولا يعود الشيطان يعلم ويرشد يلقي أفكاره في عقول الناس... بل في الأبدية سنأخذ معرفة بديلة، هي معرفة الله الذي يكشف لنا ذاته. وكما قال ربنا يسوع المسيح لله الآب "هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3).
حينئذ يكون الله هو مصدر معرفتنا، وقمة معرفتنا، وتبطل مشورة الشيطان الذي أسقط أمنا حواء في القديم، فأكلت...
وظهرت في أكلها خطيئة أخرى وهي:
12- حفظ الوصية عقلًا لا عملًا
كانت حواء تحفظ الوصية حفظًا عقليًا! لذلك عندما سألتها الحية "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟"، صححت لها حواء منطوق الآية، وذكرت تفاصيلها، فقالت للحية: "مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3: 1 – 3). إنه حفظ دقيق لم يكتف بالمنع عن الأكل، بل عن اللمس أيضًا...
والعجيب أنها في نفس الوقت الذي ذكرت فيه الوصية بهذه الدقة العجيبة، عادت وكسرت الوصية، ومدت يدها وقطفت وأكلت...! لقد حفظت الوصية عقلًا لا عملًا...
إنها تذكرني بالشاب الغني الذي كان يحفظ الوصايا، وقال عنها للسيد الرب: "هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي" (مر10: 20). وفي نفس المناسبة مضى حزينًا، لأنه كان يعبد إلهًا آخر هو المال، بينما تقول الوصية الأولى "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" (خر20: 3).
وفي الأكل من الشجرة، وقعت حواء، كما وقع آدم أيضًا في خطية أخرى وهي:
13- الانحدار إلى المستوى الجسداني
الأكل، وشهوة الأكل، والنظر إلى الشجرة على أنها "جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ"... كلها أمور جسدانية انحدر إليها آدم وحواء، بأسباب نفسانية، سقطا بها عن المستوى الروحي.
ولذلك اعتبر البعض أن الوصية الأولى التي أعطيت للإنسان، كانت وصية صوم، تشبه صومنا في هذه الأيام، نأكل من الكل ما عدا نوع واحد وهو الأطعمة الحيوانية. كذلك أعطى لآدم وحواء أن يأكلا من الكل ما عدا نوع واحد هو ثمر هذه الشجرة.
ولكن آدم وحواء كسرا هذا الصوم، وأكلا من هذا الصنف المحرم. وبالأكل سقطا من المستوى الروحي إلى المستوى الجسدي.
وبهذا السقوط، استمرت معهما حروب الجسد فيما بعد. حتى أن بعض العقوبات التي فرضها الله عليهما، كانت تحمل إشارة إلى هذا المستوى الجسداني الذي هبطا إليه:
قال للمرأة: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا".
وقال لآدم: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ... بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا... وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ" (تك3: 16 –19).
هذه عقوبة الأكل. على أنه في الأكل من الشجرة كانت توجد خطية أخرى:
14- عدم القناعة
الله أعطى أبوينا الأولين أن يأكلا من كل شجر الجنة، ما عدا واحدة. ولا شك أنه كانت توجد أثمار كثيرة جدًا في الجنة، بل كان فيها كل نوع ثمر... ولكن هذا كله لم يقتنع به آدم وحواء ولم يكفيهما، بل أرادا الأكل من هذا النوع الواحد الناقص. وهذا يدل على عدم القناعة.
وما زال مرض عدم القناعة موروثًا حتى الآن "الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ." و"كُلُّ الأَنْهَارِ تَجْرِي إِلَى الْبَحْرِ، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بِمَلآنَ" (جا1: 8، 7).
على أن حواء في أكلها من الثمرة المحرمة، لم تقع فقط في كل هذه الخطايا، إنما أضافت إليها خطية أخرى وهي:
15- إعثار الآخرين
لم يقتصر أمرها على كسر الوصية والأكل من الشجرة، وإنما يقول الكتاب إنها "أَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ" (تك3: 6).
الخطأ، وقادته إلى كسر الوصية، وكانت سببًا في ضياعه، ووضعت أول بذرة للعثرة، ولإعثار الآخرين...
والعجيب أن البعض يظنون أن خطية آدم وحواء هي مجرد الأكل من الشجرة! فعلى الرغم من كل الخطايا التي ذكرناها، توجد خطايا أخرى كثيرة ارتكبها أبوانا بعد الأكل من الشجرة... فما هي هذه الخطايا؟
16- تغطية الخطية بأوراق التين
لما أكلا "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ" (تك3: 7)، إذ فقدا نقاوتهما، فقدا بساطتهما الأولى فبدلًا من معالجة الخطية والتخلص منها، والرجوع إلى النقاوة الأولى، قاما بتغطية الخطية بأوراق التين. وهكذا تغطى آدم وحواء، ولكن بقى القلب من الداخل غير سليم، والشعور كما هو...
وأصبحت أوراق التين ترمز إلى تغطية الخطية، دون التخلص منها.
لهذا نرى أن الرب لم يوافق على فكرة أوراق التين "صَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21).
ومن أين أتت أقمصة الجلد؟ لعلها أتت من ذبيحة، سُفك دمها لأجلهما، وتغطيا بجلدها وهنا بدأ الرمز العميق:
الخطية تُعري الإنسان وتخجله، والذبيحة تغطيه وتستره، بل وتطهره...
إنه معنى ربما يكونان قد عرفاه بسيطًا في بادئ الأمر، وأتى التعمق فيه على مرّ الزمن فيما بعد.
بعد الخطية، شعر آدم وحواء بالعري، وبالخزي، فاستترا بأوراق التين... وماذا بعد؟ لقد وقعا في خطية أخرى كبيرة وهي:
17- الهروب من الله
"سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ" (تك3: 8).
أصبح هناك تباعد بينهما وبين الله... وُجدت هوة فاصلة... لم يعودا يفرحان بالوجود في حضرة الرب. فحالما سمعا صوته مُقبلًا، هربًا من وجهه واختفيا...
وصار الهروب من الله خطية موروثة في نسل آدم وحواء. فما أن يقع الإنسان في الخطية، حتى يبدأ في سلسلة من الهروب: يهرب من الصلاة، لأنه يخجل من الكلام مع الله وهو في الخطية! ويهرب من الكنيسة، ومن أب الاعتراف، ومن الاجتماعات الروحية، ومن الأصدقاء الروحيين، إلى أن يقطع كل صلة له بالله...!
ولعل الهروب من الله، بالنسبة إلى آدم وحواء، قد دفعت إليه خطية أخرى وهي الخوف.
18– الخــــوف
والخوف إن لم يكن خطية في حد ذاته، فعلى الأقل هو انحدار في المستوى، انحدار من مستوى الحب الإلهي الذي كانا يعيشان فيه. ويقول القديس يوحنا الرسول: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ" (1يو4: 18).
وواضح من إجابة أبينا آدم أنه خائف. ولا نقصد المخافة التي تحمل مهابة الله، وإنما الخوف بمعناه الحرفي، الذي يدعو إلى الهرب والاختفاء. وفي هذا يقول للرب: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك3: 10).
وبالنسبة إلى آدم وحواء، لا نقول فقط إنهما نزلا من مستوى الحب، بل عملا أعمالًا ضد محبة الله.
19- الخروج من محبة الله
لا شك أن كسر الوصية كان عملًا ضد محبة الله. لأن الرب يقول: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي" (يو14: 21). ويقول القديس يوحنا الحبيب: "مَنْ قَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هَذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ" (1يو2: 4). إذًا كسر الوصية ضد المحبة.
ورغبة آدم وحواء في أن يصيرا "مثل الله" حسب إغراء الحية، كان عملًا آخر ضد محبتهما لله.
وتصديق كلام الحية، عكس كلام الله، كان أيضًا عملًا ضد محبة أبوينا الأولين لله.
وفي مناقشتهما مع الله، كانت الطريقة لا تتفق والمحبة.
وهروبهما من وجه الله، واختفاؤهما، كان عملًا رابعًا منهما ضد محبة الله.
كذلك في خوف أبوينا واختبائهما، وقعا في خطية أخرى، وهي عدم السعي للصلح مع الله.
20- عدم السعي إلى الخلاص
إنهما إنسانان قد كسرا وصية الله، وأصبح محكومًا عليهما بالموت. فماذا فعلا للتخلص من حكم الموت هذا؟ هل سعيا إلى الخلاص؟ هل بذلا جهدهما لكي يصطلحا مع الله ولكي يعودا إلى علاقة الحب الأولى؟ كلا.
لقد شلّ الخوف تفكيرهما، فلم يقوما بأي عمل من أجل نفسيهما الهالكتين، إنما أسرعا بالاختفاء من وجه الله.
وفي الاختفاء من وجه الله في وسط الشجرة وقعا في خطية أخرى وهي الجهل بالله وقدرته...
21- الجهل بالله وقدرته
إلى أين يهرب هذان المسكينان من وجه الرب؟ وأين يختفيان؟ لقد كان حفيدهما داود أكثر معرفة بالله حينما قال:
"أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ..." (مز139: 7، 8) ... فما معنى الاختباء وسط الشجر إذًا؟!
هل الشجر يخفيهما عن عين الله الفاحصة الخفيات والظاهرات؟ أم أنهما جهلا قدرة الله على كل شيء...
حقًا إن الإنسان لما أكل من شجرة المعرفة صار جاهلًا، لقد وعده الشيطان وعدًا زائفًا لم يبر به...
وفي المناقشة بين الله وأبوينا الأولين، نرى في إجابتهما عددًا كبيرًا من الأخطاء، منها:
22- عدم إدانة النفس
إن كان هذا الإنسان قد أكل من شجرة المعرفة، وعرف الخير والشر، فعلى الأقل أصبح يعرف أنه قد أخطأ.
ولكن كلمة "أخطأت" لم يقلها آدم إطلاقًا، ولم تقلها حواء.
ولم يعترف أحد منهما بهذه الخطايا التي ذكرناها، ولا بشيء منها. لم يقُم أحد منهما بإدانة نفسه، ولم تكن لأي منهما حكمة القديس مقاريوس الكبير الذي قال: "احكم يا أخي على نفسك، قبل أن يحكموا عليك"...
ويا ليتهما لم يدينا نفسيهما وصمتا، بل أنهما وقعا في خطية أصعب، وهي محاولة تبرير النفس...
23- محاولة تبرير النفس
كل منهما حاول أن يبرر نفسه. حاول أن يوجد لنفسه عذرًا يغطي به خطيته، أو يقلل من الجرم الذي وقع فيه. ولم يقبل الله شيئًا من تبريراتهما وأعذارهما، لأن الخطية واضحة.
أمام الله يستد كل فم. وإن تكلم الإنسان، فإنما ليعترف ويدين نفسه ويطلب الرحمة، وليس غير. أما محاولة تبرير النفس، فهي نوع من المكابرة والكبرياء.
وفي تبرير كل من آدم وحواء لنفسه، وقع خطية أخرى وهي إلقاء التبعة على الآخرين.
24- إلقاء التبعة على الآخرين
حواء، تلقي التبعة على الحية فتقول: "الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ". وآدم يلقي التبعة على حواء "الْمَرْأَةُ... أَعْطَتْنِي... فَأَكَلْتُ" (تك3:13، 12).
ولا يلقي أحد منهما بالتبعة على نفسه...
ولم يكن إلقاء التبعة على الآخرين عذرًا مقبولًا: فآدم كان يستطيع أن يرفض الأكل، ولا يسمع لحواء، بل كان يستطيع أن يوبخها، بل أكثر من هذا كان يمكنه أن ينصحها ويمنعها قبل الوقوع في الخطية.
أما أن تقدم له من الثمرة فيأكل دون تفكير، دون امتناع، ودون تذكر للوصية دون تذكر للعقوبة، فهذا أمر لا يقبله أحد.
وحواء بالمثل، كانت تستطيع أن ترفض إغراء الحية...
وحينما ألقى آدم بالتبعة على حواء، إنما وقع ضمنًا في خطية أخرى، تخدش المحبة التي بينهما.
25- ضد محبة القريب
كما كسر آدم محبته لله، كسر أيضًا محبته للقريب. والقريب الوحيد هنا كان حواء. اتهمها أمام الله، وحملها تبعة سقوطه في الخطية.
وهكذا ألقى أول بذرة للخلافات الزوجية. ونشكر الله أن حواء لم ترد على آدم، ولم تدخل معه في مناقشة، بل لزمت الصمت، ومرت المشكلة من جهتها بسلام. على أن اتهام آدم لحواء، كان يحمل خطية أخرى:
26- الاختفاء وراء امرأة
ما كان يليق بأبينا آدم – الرجل الأول في البشرية أن يختفي وراء امرأة لكي ينجو! يقدمها للاتهام، ويحملها المسئولية، لكي يتبرر هو!
الأمر المثالي، أن يتحمل أخطاءها، وينسبها لنفسه، كمسئول، وينجيها من العقوبة، ويتصدر الموقف ويتركها تختفي وراءه. يحمل خطاياها، كما حمل المسيح خطايا عروسه الكنيسة... لكن آدم فعل العكس.
لا أريد أن أعلق على الموقف بأكثر من هذا...
27- عدم اللياقة في الحديث
وفي دفاع آدم عن نفسه بإلقاء التبعة على المرأة، فقد اللياقة اللازمة في التحدث مع الله نفسه...!
فلم يكتف بقوله: "المرأة أعطتني فأكلت" وإنما قال لله: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي".
وكأنه بهذا يشرك الله في المسئولية، أو يجعل الله صاحب السبب في سقوطه، لأنه أعطاه المرأة التي أعطته الثمرة...! وكان تعبيرًا غير لائق من جهة آداب الحديث مع الله. ولم يرد الله عليه...
***
من هذه السقطات التي وقع فيها أبوانا الأولان نستنتج:
أن الخطايا ليست عواقر، وأنها تلد خطايا أخرى... ويكفي أن يجر الإنسان أول الخيط، لكي ينساب كله، ويجد أن خطية تقوده إلى أخرى... إلى غير انتهاء...
كذلك نستنتج أنه يلزمنا التدقيق في محاسبتنا لأنفسنا وفي اعترافاتنا...
فربما نظن أننا اقترفنا شيئًا بسيطًا، بينما هذا الشيء يحوي العديد من الخطايا، التي ربما تُخفى عن معرفتنا، ولكننا بقليل من التحليل ندركها... وها قد رأينا كيف سقط أبوانا آدم وحواء، وكيف بدأ الفساد ينخر في الطبيعة البشرية على مدى العصور، حتى أتلفها تمامًا.
بقى أن نتأمل نتائج السقطة الأولى للبشرية:
نتائج هذه الخطايا وعقوباتها
نتائج هذه الخطايا وعقوباتها
1- اللعنــــــــة
اللعنة لم تصب آدم وحواء لسببين:
أولًا: لأن الله كان قد باركهما قبلًا (تك1: 28) وهبات الله بلا ندامه (رو11: 29)، ولا يرجع فيها مهما حدث. إنها لا تتوقف على أمانتنا، بقدر ما تتوقف على جوده هو وكرمه...
ثانيًا: لأنه لو لعن آدم وحواء، لكانت اللعنة قد أصابت الجنس البشري كله، الموجود في صلبهما، كما لعن فيما بعد كنعان فلعن كل نسله، وكذلك قايين وكل نسله.
ولا يمكن أن يلعن الجنس البشري كله، ومنه سيأتي أنبياء وأبرار يباركهم الرب ويكونون بركة... بل من نسل آدم سيأتي السيد المسيح – حسب الجسد – الذي سيسحق رأس الحية، وبه تتبارك فيه "جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ" (تك22: 18).
ولكن اللعنة أصابت الحية التي أغرت حواء بأكل الثمرة. كذلك أصابت اللعنة الأرض التي تخرج ثمرًا للأكل:
1- فقال الله للحية: "مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ".
ونلاحظ أن لعنة الحية، كانت تحمل عقوبة ضمنية للإنسان.
أصبحت هناك عداوة بينه وبين الحية، ولم توجد من قبل أية عداوة بينه وبين أحد من الخليقة كلها. كما أن سلطانه على الحيوان قد اهتز، فصارت الحية تستطيع أن تسحق عقبه، وتؤذيه! وهو الذي كان ملكًا مسلطًا على كل أنواع الخليقة. وهكذا ضاع جزء من هيبته ومن سلطته...
على أن سلطان الحية قد اهتز عندما أعطانا السيد المسيح سلطانًا أن ندوس "الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُّوِ" (لو10: 19). وانتهى حينما سحق المسيح رأس الحية... وعبارة "وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ" فيها تعريض بالإنسان الذي قال له الرب في نفس المناسبة "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك4: 19).
الإنسان البار، هو صورة الله ومثاله، أما الإنسان الخاطئ فهو تراب. وكتراب يصير طعامًا للحية، لأنها تأكل ترابًا كل أيام حياتها... هذا هو المعنى الرمزي كما تأمله القديس أغسطينوس...
وفي داخل هذه العقوبة التي أوقعها الله على الحية، وضمنًا على الإنسان، كان يوجد الوعد بالخلاص...
وعد بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وهذه كانت أول نبوءة عن مجيء السيد المسيح لخلاصنا.
ويُظهر لنا هذا الوعد حنو الله على الخطاة، ويزيده عمقًا أنه وعد بالخلاص، وعد به الله فيما هو يعاقب ويقتص من الخطية. حقًا إن عدله مملوء رحمة، وأنه رحيم في عدله، وصفاته لا تنفصل عن بعضها البعض...
إن الله لم يلعن الإنسان، ولكنه لعن الحية التي أغوت الإنسان، وكانت في لعنتها، عقوبة ضمنية للإنسان. كذلك لعن الله الأرض التي يعيش عليها الإنسان.
وفي اللعنة التي أصابت الأرض، كانت توجد أيضًا عقوبة ضمنية موقعة على الإنسان نفسه:
كانت لعنة الأرض ضمن العقوبة التي أوقعها الله على الإنسان، إذ قال له: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ... حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا..." (تك3: 17 –19).
بهذه اللعنة بدأت الأرض تتمرد على الإنسان، كما أصبحت الحيوانات تتمرد عليه، ممثلة في الحية، وهكذا فقد الإنسان هيبته، فيما كانت تعده الحية بالألوهية!!
أول تمرد للأرض، يكمن في عبارة "بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ" (تك3: 17). الأرض المباركة، لا يتعب فيها الإنسان. أما الأرض الملعونة فتتعبه. كان آدم قبل الخطية يعمل في الجنة، ولكنه كان عملًا مريحًا، ولم يذكر الكتاب مطلقًا إنه كان يتعب في عمله، أو أنه كان يتعب ليحصل من الأرض على أكله...
هذه اللعنة نجدها واضحة في قول الرب لقايين، أول إنسان لعنه الله "مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا" (تك4: 12).
وتمرد الأرض يظهر أيضًا في عبارة "وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ" (تك3: 18) ... لأول مرة نسمع عن الشوك والحسك، إذ لم يرد لهما ذكر من قبل في نباتات الأرض وحينما نظر الله إلى كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا: إن الأرض العطشانة، والمحرومة من بركة الله وخيره، يمكن أن تنتج شوكًا وحسكًا. وهي تُحرم من بركة الله وخيره، بسبب خطية الإنسان. لذلك قال له الله "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ" (تك3: 17).
إن الإنسان البار، به تتبارك الأرض، والإنسان الخاطئ بسببه تُلعن الأرض، كما ورد في سفر التثنية (تث 28).
يقول الرب لمن يحفظ وصاياه "مُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ. وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ..." (تث28: 3، 4). وبعكس ذلك يقول الرب لمن لا يحفظ وصاياه "مَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ... مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ" (تث28: 16، 18).
لما لُعنت الأرض، قل خيرها، وأصبحت تنتج شوكًا وحسكًا.
وجاء المسيح الذي حمل خطايانا على الصليب، فحمل أيضًا على جبينه الشوك والحسك اللذين أنتجتهما خطية الإنسان.
قلنا إنه كانت من نتائج الخطية اللعنة. وماذا أيضًا؟
2- المـــــوت
"يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك2: 17).
كان الموت هو العقوبة الأساسية للخطية.
والكل قد خضع له، مات آدم وحواء، ومات كل نسلهما، وسيموت النسل الذي يولد فيما بعد. ويظل الموت إلى أن ينتهي هذا العالم.
ويقول الكتاب إن "آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ" (1كو15: 26). يحدث هذا في نهاية العالم، حينما تتغير طبيعتنا في القيامة العامة ونلبس الحياة، أو كما يقول الرسول: "هَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو15: 53). عندئذ فقط نقول له: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" (1كو15: 55) ... أما قبل هذه القيامة، فتظل شوكة الموت في أجسادنا جميعًا... نتيجة لخطيئة آدم وحواء...
ولكن لم يكن ممكنًا أن يموت أبوانا في التو واللحظة...
وإلاّ تكون البشرية كلها قد انتهت وزالت، ويكون الشيطان قد انتصر في المعركة انتصارًا ساحقًا، ولا يكون هناك خلاص، الخلاص الذي أعده الرب لآدم وبنيه...
لذلك تأجل هذا الموت إلى حين، ريثما تلد حواء بنين وتربيهم. لأنه فيما بعد سيأتي من نسل المرأة من يسحق رأس الحيّة، ويطلب ويخلص ما قد هلك.
ومع تأجيل هذا الموت الجسدي، كانت هناك أنواع أخرى من الموت، تمّ بعضها في التو واللحظة:
هناك الموت الروحي، وكما قال القديس أغسطينوس [موت الجسد هو انفصال الروح عن الجسد. أما موت الروح، فهو انفصال الروح عن الله] ...
ولهذا اِعتبر الكتاب أن الخطية موت، فقال الأب عن ابنه الضال "ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 24). وقال الرب لملاك كنيسة ساردس: "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ" (رؤ3: 1). فالخطية موت روحي، لأنها تفصل الإنسان عن الله، لأنه لا شركة للظلمة مع النور...
وآدم وحواء قد ماتا هذا الموت الروحي يوم أكلا من الشجرة، وماتا أيضًا موتًا آخر أدبيًا:
في هذا الموت الأدبي، ضاعت كرامة هذا الإنسان الأول، وفقد الحالة الفائقة للطبيعة التي خُلق عليها، كما سنشرح في النقاط المقبلة... وأكبر تعبير على هذا الموت الأدبي، أن الله طرده من الجنة. وعبارة "طرد" تعني كثيرًا من جهة الموتين الأدبي والروحي. على أنه من جهة هذين الموتين، ظل الله يعمل عملية إقامة من الأموات بالنسبة إلى آدم وبنيه، لكي يرجعهم إلى رتبهم الأولى، ولكي تتم مصالحة بينهم وبين الله. ولكن الأمر كان يتوقف على مدى الاستجابة الفردية لعمل النعمة في كل إنسان على حدة...
بقيَّ الموت الأبدي، وهو أخطر ما في حكم الموت: وهو الذي خلصنا منه المسيح بالفداء، حين مات عنا...
ولكن آدم وحواء وبنيهما جميعًا، ظلوا تحت حكم الموت في كل العصور السابقة للفداء. وكان كل الذين يموتون، يذهبون إلى الجحيم. والمؤمنون منهم، الراقدون على الرجاء، يرتلون مع داود "أنَّكَ لا تَتْركُ نَفْسي في الجحِيمِ. ولا تَدَعُ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسادًا" (مز15: 10).
ولأن الخطية حرمت الإنسان من الحياة، وأوقعته في الموت، لذلك رأينا أمرًا خطيرًا قد صدر من الله "وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (تك3: 24).
3- فقدان الصورة الإلهية
في حالة البر الأولى، كان آدم على صورة الله، ومثاله، كما قال الله: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ كَشَبَهِنَا" (تك1: 26) أما في حالة السقوط، فقد فَقدَ الإنسان هذه الصورة الإلهية.
وفساد الطبيعة البشرية، الذي سنتحدث عنه في النقاط التالية، لم يعد يتفق مع الصورة الإلهية التي كانت له يوم خُلق.
ولهذا نجد الله يخاطبه بلغة أخرى تتفق وصورته في الخطية، فيقول له: "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ"...
كان صورة الله، فأصبح ترابًا.
ننتقل إذًا إلى النقطة الرابعة من نتائج الخطية، وهي:
4- فساد الطبيعة البشرية
فقدت الطبيعة البشرية نقاوتها الأولى، وبساطتها الأولى، وعرفت الخطيئة، واختبرتها، ودخلت في ثنائية معرفة الخير والشر، وفي الصراع بين الجسد والروح، وهبطت إلى المستوى الجسدي أحيانًا كثيرة. أصبح من السهل أن نخطئ...
وقد رأينا فيما بعد، كيف انهارت هذه الطبيعة البشرية، وانحدرت إلى مستويات مؤسفة، وتوارثت ألوانًا من الفساد، إلى أن وصلت إلى محبة الخطية، وإلى العبودية لها، وإلى إنكار الله، والجهل به.
وفقد آدم وحواء هيبتهما، وسلطتهما على الطبيعة، وعلى الحيوان، فتمردت عليهما الأرض، وصارت تنبت لهما شوكًا وحسكًا، وتمرد عليهما الحيوان، وقامت عداوة معه...
وظهر فساد الطبيعة البشرية أيضًا في انحلالها، في تعب الجسد وتعب النفس، وستبقى في هذا الفساد إلى يوم القيامة حين "لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ" (1كو15: 54).
5- تعب النفس
لأول مرة نسمع عن أمراض النفس: نسمع في قصة آدم وحواء عن الشهوة، وعن الخوف، وعن الخجل "أي الخزي"، ثم عن معرفة آدم لحواء... وعن سائر تعب الروح الذي ذكرناه في تحليل خطاياهما.
وكل هذه كانت بداية، إلى أن نسمع في قصة قايين، في حياة أبويه آدم وحواء، عن الحسد والغضب والقتل، وعن القلق والرعب وفقدان السلام الداخلي (تك4).
وبدا أن أمراض النفس والروح قد أخذت تزداد، كمظهر من مظاهر فساد الطبيعة البشرية.
6- تعب الجسد
أصبح آدم يأكل خبزه بعرق جبينه. يعمل في الأرض وبالتعب يأكل منها كل أيامه...
وأصبحت حواء بالوجع تلد أولادًا، كما قال لها الرب: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ" (تك3: 16).
وثمة تعب آخر، هو شهوات الجسد وغرائزه، اشتياقاته...
وقبل الخطيئة، لم يكن هناك تعب، ولا وجع... وما هذا كله إلا مظهر آخر لفساد الطبيعة البشرية.
***
وبدا أن الحية لم تصدق في خداعها. فبدلًا من ارتقاء الإنسان ليصير مثل الله... انحدر إلى أسفل.
وكان انحدار آدم وحواء، هو "مبتدأ الأوجاع".
ولم يعد هناك من حلّ، سوى انتظار الخلاص الذي يأتي به المسيح، حيث ينضح علينا بزوفاه فنطهر ويغسلنا فنبيض أكثر من الثلج، ويمنحنا بهجة خلاصه (مز 50).
2- هــــــابيل وأخوه قايين
هابيل وأخوه قايين
لا شك أن قصة قايين وهابيل، هي من القصص المؤثرة، لأنها تمثل أول حادث قتل يحدث بين أخين، بل بين شقيقين، من أب واحد وأم واحدة، ولم يكن يوجد في الأرض أخوة غيرهما...!
كيف دخلت الخطية؟ وكيف بدأت، وكيف تطورت؟ وماذا كانت نتائجها؟
لقد ولد قايين ميلادًا حسنًا، وسميّ قايين. لأن أمه اِعتبرت أنها قد اقتنته من الرب (تك4: 1)، أي حصلت عليه من الرب... وكان قايين عاملًا في الأرض، وكان أخوه هابيل راعيًا للغنم.
وظل هذان الأخوان يعيشان معًا في هدوء، إلى أن دخل بينهما نوع من التنافس... لقد قدم كل منهما قربانًا للرب فقبل الرب قربان هابيل، ولم يقبل قربان قايين. فغضب قايين على أخيه هابيل وقتله...
مشكلة هابيل، إنه إنسان مقبول من الرب!
هكذا كانت مشكلة مريم أيضًا، التي اختارت النصيب الصالح، وجلست عند قدمي المسيح، فرضيَّ عنها. واستاءت أختها مرثا ووجهت إليها اللوم وغضبت عليها...!
ما ذنب مريم، إذا جلست عند قدمي المسيح ورضيَّ عنها، وما ذنبها إذا كان عمل مرثا ليس في مستوى عملها؟!
قايين وجد أن قربانه غير مقبول كأخيه، فدخله الحسد...
وكان هذا الحسد بدء الشر الذي دخل قلبه، وانتهى به إلى قتل أخيه. وربما كان الحسد أيضًا هو الذي دفع الشيطان إلى إسقاط آدم وحواء، إذ رأى أن الله قد أحبهما وباركهما، وأعطاهما سلطانًا ومركزًا، وقد خلقهما على صورته ومثاله، فحسدهما الشيطان، ودبر خطته لإسقاطهما. ولذلك نقول في القداس الإلهي "والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس، هدمته...".
مساكين هم الأشخاص الذين يسيرون في طريق الرب، لأن الشر يتضايق من نجاحهم ومحبة الله لهم. فيدبر لهم ما يشاء أن يدبر... إنه حسد الشياطين وأعوانهم...
سواء في ذلك آدم، الذي حسده الشيطان في الجنة... أو هابيل البار، الذي قدم لله قربانًا أفضل من أخيه قايين، فحسده أخوه وقتله.
أو داود إذ مسحه صموئيل ملكًا، ونجح في حياته، فتضايق إخوته، وتضايق أيضًا شاول الملك، وحسده، ودبر لقتله...
أو يوسف الصديق، إذ كان إنسانًا موهوبًا، ومحبوبًا عند أبويه، فحسده إخوته، وباعوه كعبد.
أو السيد المسيح نفسه، الذي كان يجول يصنع خيرًا: فإذ رأى الكهنة أن "الكل قد ساروا وراءه"، حسدوه، وجمعوا عليه شهود زور، واتهموه باطلًا، وقدموه للصلب...
وهكذا كانت مشكلة هابيل، أن قربانه كان مقبولًا أمام الله، فتضايق أخوه، ويقول الكتاب في ذلك: "فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ" (تك4: 5).
إذًا قايين لم يكن يسعى إلى محبة الله، وإلى إرضاء قلب الله، إنما كان يبحث عن كرامته الشخصية ورضاه عن نفسه وعن مركزه.
لو كان يبحث عن محبة الله، لكان في حالة رفض الله لقربانه، يفتش كيف يرضي الرب، ولا مانع من أن يغير قربانه، ويقدم ذبيحة كهابيل، ويحسن تصرفه. ولعل هذا ما قصده الرب بقوله: "إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟" (ع 7) أي أفلا يرتفع وجهك، إن أحسنت التصرف، وإن أحسنت التقدمة، وإن أحسنت التفكير والشعور...
كانت أمامه فرصة لتحسين موقفه، ولكنه لم يستغلها، ولم يستفد من توجيه الرب، الذي تنازل وكلمه...
كان أمامه أن يتضع، ويشعر أن قربانه "من ثمار الأرض" ليس هو حسب مشيئة الرب، وإنما مشيئة الرب هي أن يقدم ذبيحة، محرقة سرور للرب، كما فعل أخوه البار هابيل. ولكن قايين لم يشأ أن يعترف بينه وبين نفسه أنه مخطئ في تقدمته، وأنه يجب أن يسلك كأخيه. إنما ركز على كرامته.
كانت ذاته تتعبه. وليته كان يحب ذاته محبة سليمة!
إن الذي يحب ذاته محبة حقيقية طاهرة من الكبرياء والعناد، لا مانع مطلقًا من أن يصحح لهذه الذات أخطاءها، ويعمل على تطهيرها من نجاساتها. أما محبة الذات الممتزجة بالكبرياء، فإن كبرياءها تعميها عن رؤية أخطائها، فتظل كما هي، وتصر على سلوكها...!
وهكذا كان قايين، محبته لذاته، حطمت هذه الذات...
محبة جاهلة، غير حكيمة، لا تعرف النافع لها من الضار... وقديمًا فكر الشيطان في ذاته، فقال: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). وبهذه المحبة الخاطئة لنفسه، ضيع نفسه...
وبالمثل أحب الإنسان الأول ذاته محبة خاطئة. وإذ أراد أن يصير مثل الله عارفًا الخير والشر، أضاع هذا الإنسان نفسه، وطُرد من الجنة، ودخل في حكم الموت.
قايين أيضًا ركز كل تفكيره في ذاته، كيف يتفوق على أخوه ويحظى برضى الرب؟! فرأى أن يتخلص من أخيه...
يتخلص من هذا البار، الذي كلما يراه تصغر نفسه ويشعر أنه أقل... ورأى أنه إذا تخلص منه، لا يبقى أمامه شخص أفضل، يثير حسده.
كانت كبرياء الذات، أهم عنده من نقاء الذات.
لقد نبهه الرب إلى أن هناك "خطية رابضة" وقال له بكل وضوح "وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك4: 7) ما زال في متناول يدك أن تتخلص منها...
إن الخطية ما زالت على باب فكرك، وعلى باب قلبك، وعلى باب إرادتك. وما زالت إرادتك في يدك، وأنت تسود عليها... فاحذر لنفسك قبل أن تتورط...
ما أعمق هذا الحنو، في معاملة الله للخطاة...
إنه يظهر لقايين، أول إنسان هلك على الأرض. ويكلمه، ويشرح له التجربة التي أمامه، وينصحه، بل ويناقشه أيضًا: "لِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ ليس السبب راجعًا إلى أخيك، بل يرجع إليك أنت نفسك. إنك لم تحسن التصرف. وإن أحسنت سيرتفع وجهك. علاج مشكلتك في أن تغير مسلكك وتحسن التصرف، وليس في أن تستسلم للخطية... اِحترس لنفسك عند باب قلبك وفكرك توجد خطية رابضة. حاول أن تنتصر عليها. فأنت ما زلت تسود عليها...
حنو من الله، أن يظهر للخاطئ، ويشرح له، ويحذره قبل أن يسقط، ويريه طريق التخلص من خطيته، ويسنده بنصائحه في وقت تجربته ومحاربة العدو له.
قد يخطئ البعض، ويظن أن الله لا يظهر إلا للقديسين!
إن ظهوره لقايين قبل سقوطه في خطية القتل، وتحذيره له، إنما هو مثال عجيب لمحبة الله وطول أناته، في العهد القديم، بل منذ بدء الخليقة...
وكأنه يقول لقايين: تعال يا حبيبي، لماذا أنت مغتاظ، ولماذا يسقط وجهك؟ أنا أريد أن أخلصك من غمك، وأعيد إليك سلامك. إن الخطية هي التي أفقدتك سلامك. تخلص منها، يرجع إليك سلامك...
لا تظن أن هابيل هو سبب متاعبك... كلا، إن متاعبك سببها الخطية الرابضة. فافحص نفسك جيدًا...
سبب متاعبك، يكمن في طريقة نظرتك إلى الأمور وفي ردود الفعل داخلك إزاء نجاح أخيك...
لو كانت في قلبك محبة، لكنت تفرح وتسر، إن رضيَّ الرب على أخيك، فلا تغتم ولا تغتاظ. بالمحبة، تفرح لفرح أخيك، وتفرح لرضى الرب عليه...
لكن قايين لم يفرح لفرح أخيه، ولقبول قربانه...
مثاله كان الابن الأكبر، الذي لم يفرح إذ قبل الأب أخاه الأصغر، وألبسه الحلة الأولى، وجعل خاتمًا في أصبعه، وذبح له العجل المسمن (لو15: 27، 28).
ذلك الأخ أيضًا اغتاظ، ولم يكن قلبه مستقيمًا تجاه أخيه، وكان يفكر في ذاته وليس في أخيه، ونفس الحسد أتعبه...
حقا، إنها قصة متكررة، تحدث في كل جيل، سببها عدم نقاوة القلب والاستسلام لمشاعر الغيرة...
لماذا يكون نجاح أخيك، له رد فعل خاطئ في قلبك؟! "كان ينبغي أن تفرح وتسر" لأن الله قبل قربان هابيل... كان ينبغي أن تفرح أيضًا لأن هابيل قد كشف لك الطريق الصالح الذي يرضي الرب، حتى تسير فيه أنت أيضًا، وتحصل على نفس الرضى والقبول...
العجيب أن قايين، بعد أن كلمه الله، لم يستجب لكلمة الله، ولم يفتح لها قلبه، بل فتحه للخطية...
بعد أن نصحه الرب، لم يستفد من النصيحة، إنما تورط في الخطية، وبالأكثر، وقام على أخيه فقتله!
إنه يذكرنا بالشيطان في قصة أيوب الصديق، لما وقف أمام الله، ولم يستفد من وجوده في حضرة الله شيئًا. وخرج من عند الله لكي يتعب أيوب الكامل والمستقيم، ويهدم له بيته، ويقتل أولاده ويضيع كل غناه... وبعد أن وقف ثانية أمام الله، ازداد في شره، وضرب أيوب بقرح رديء، دون أن يستفيد شيئًا من اللقاء مع الله وسماع كلمته...!
يذكرنا أيضًا بيهوذا الإسخريوطي، الذي لم يستفد من عشرته للسيد المسيح، ولا من أكله معه، وغمسه لقمته في نفس صحفته، ولم يستفد من كلام الرب وتحذيراته، وقام بعد العشاء ليخون سيده ويسلمه!
وسائط النعمة يستفيد منها من يشاء، ويرفضها من يشاء. إنها لا ترغم الإنسان على عمل الخير...
الشاب الغني، تقابل مع السيد الرب، وسمع نصيحة نافعة من فمه الإلهي، ولكنه بعد سماعها مضى حزينًا، ولم يقل الكتاب إنه نفذ شيئًا من تلك النصيحة...
أمر مُحزن ومُخجل، أن يسمع إنسان نصيحة من فم الرب نفسه، ثم يمضي حزينًا، ولا ينفذ. هكذا قايين أيضًا...
إذًا، فلا يجوز أن يحتج أحد ويقول "مشكلتي الوحيدة هي عدم وجود مرشدين روحيين. ولو كان لي مرشد روحي حكيم، لصرت قديسًا"... هوذا أمامنا أمثلة لأشخاص أرشدهم الرب نفسه ولم يستفيدوا، لأن القلب رافض أن يستجيب، مثل الأرض التي ألقى عليها البذار الرب نفسه، فأنتجت شوكًا... أو سمحت للشوك أن يخنق زرعها، وللطير أن يلتقط بذارها...
لقد تقابل قايين مع الرب، وللأسف لم يستفد. سعى الرب إليه وأراه الطريق، ولكنه رفض أن يسير في طريق الرب، ولم يستجب إلا لفكر قلبه الرديء.
المشكلة تكمن في عدم وجود استعداد داخلي.
لا تقل "إنني أذهب إلى الكنيسة ولا أستفيد"... لأن غيرك يذهب ويستفيد. لو كنت تريد أن تستفيد لاستفدت. إن لم تستفد من القداس، يمكنك أن تستفيد من العظة. وإن لم تستفد من العظة، يمكنك أن تستفيد من مجرد القراءات، بل من مجرد الوجود في الكنيسة في جو روحي... بل يمكنك أن تستفيد - لو أردت – من منظر الأيقونات، ومن الشموع... أو على الأقل تخلو إلى نفسك مع الله، ولو لحيظات...
وهكذا، لأن قايين لم يكن لديه استعداد داخلي للاستفادة، لم ينتفع بكلمة الرب له...
لم تكن له أذنان للسمع، فلم يسمع...
ربما أثناء حديث الرب معه، كان منشغلًا بالغيرة التي في قلبه، وكان الحسد يسدّ أذنيه، وكان الانفعال الداخلي أعلى صوتًا في القلب، وكانت ذاته حائلًا يحجب حكمة الوصية والنصيحة...
"وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ" (تك4: 8). ترى ماذا قال له؟
أتراه قال له "هيا بنا إلى الحقل، نقضي الوقت بعيدًا عن الأسرة معًا... بعيدًا عن ملاحظة الأبوين"... على أية الحالات، لم يكن هابيل ينتظر خيانة من أخيه قايين. إنه شقيقه، ويمكن أن ينام إلى جواره ويغمض عينيه، دون أن يخشى شرًا، في ثقة بهذه الأخوة... لو كان في قلبه أدنى شك من جهته، لاحتراس منه. ولكن حينما يأتي الشر ممن هم فوق مستوى الشك، حينئذ تكون المأساة أعمق وأكثر تأثيرًا في النفس...
"قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ". وهكذا تطورت به الخطية من سيء إلى أسوأ، وهو مستسلم لها...
تطور من غيرة إلى حسد، إلى غيظ، إلى حقد، إلى فكر الشر، إلى تدبيره وتنفيذه، إلى قتل أخيه... وبعد أن كانت الخطية رابضة عند الباب، دخلت إلى قلبه، وسيطرت على فكره ومشاعره وأعصابه وانفعالاته.
وبعد أن كان يسود عليها، صارت تسود عليه...
ودفعته الخطية في طريقها، فخضع لها ونفذها... وحينما نفذ اختفت من أمامه كل المُثل: لا محبة، ولا أخوة، ولا شفقة، ولا إرضاء الله...
وربما ظن قايين، أنه لا يوجد أحد يراه...
وأنه سوف لا يعلم أحد بجريمته، وإنه قد تخلص من هذا المتفوق الذي تصغر نفسه أمامه، وأن صوت هابيل قد سكت إلى الأبد.
وهابيل البار، لم يستطيع أن يدافع عن نفسه.
وهكذا بدا أن الشر قد انتصر على الخير...
وبدا أن الخير لم يستطع أن يدافع، فهزمه الشر...
نعم، إن الشر في الأرض، يبدو دائمًا أكثر جرأة، وأكثر عنفًا، وأكثر تسلطًا. يعرف أن يضرب، ويعتدي، ويقتل... والطرق أمامه مفتوحة كلها، بعكس الخير الذي يعف عن كثير من الوسائل التي يستخدمها الشر.
إن قصة قايين وهابيل، ترينا مدى إمكانيات الشر:
الشر يستطيع أن يدبر مؤامرات، وأن يتنكر لكل القيم، وأن يستخدم كل الوسائل مهما كانت خاطئة. يستطيع أن يخون، وأن يخدع، وأن يتعدى، وأن يقتل، ومع كل ذلك يجرؤ أن يستر فعلته بالأكاذيب. ويقول في جرأة حتى أمام الله "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟"...
الشر استطاع بالنسبة إلى السيد المسيح نفسه، أن يقدم تهمًا باطلة، وأن يحضر شهود زور، وأن يتملق قيصر، وأن يثير الشعب كله، وأن يصلب البار.
والشر استطاع أن يغتصب نابوت اليزرعيلي، وفي نفس الوقت يلفق له تهمًا تجعله يستحق الموت...! (1مل: 21).
نعم إن الشر قد ينتصر على الخير... ولكن القصة لها تكملة... وتكملتها أن الله موجود، وأنه يحكم للمظلومين.
ربما لم يحسب قايين حسابًا لوجود الله ولتدخله، وظن أن الموضوع بينه وبين هابيل فقط، وليس من ثالث يتدخل بينهما، لكي يكمل القصة، ويقيم التوازن.
هذا الثالث العادل، تدخل بين الخير والشر...
تدخل ليحاسب ويحاكم، ويعاقب، ويشرح للشر أن الأمر لم ينته بعد، وأن هناك قوة أكبر وأن هناك عينًا ترى، وقضاء يحكم. وأن الله لا يترك عصا الخطاة تستقر على نصيب الصديقين.
وأثبت هذا الثالث، أن انتصار الشر هو انتصار زائف ومؤقت، وأن العبرة بالنهاية، والنهاية هي انهيار الشر.
إذًا، لا تفقد الرجاء أبدًا. إن أصابك شر، وحتى إن قويّ الشر عليك، وعلى ظهرك جلدك الخطاة وأطالوا إثمهم، فلا يتزعزع قلبك. ثق أن الله يرى ويسمع، ويكتب أمامه سفر تذكرة (مل3: 16). وثق أن "الرَّبّ صِدّيقٌ هُوَ، يَقْطعُ أعْناقَ الخُطاةِ" (مز128: 4)...
لا تنظر إلى أوائل الأشرار، وإنما إلى نهايتهم... وأسأل نفسك: من الذي انتصر: قايين أم هابيل؟
هابيل كُتب اسمه في سفر الحياة وهو "وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" (عب11: 4). أما قايين فعاش على الأرض معذبًا طول أيامه، قلقًا، خائفًا، فاقدًا سلامه. وانتظرته عذابات في الأبدية أشد آلامًا.
إن الشر قد يرتفع على الخير، ولكنه يتبدد: كمثال النار والدخان يرتفع إلى فوق وفيما هو يرتفع، تتسع رقعته، وتقل حدته، وينتشر فيندثر ويضعف ويختفي. أما النار، إن ظلت تحته، إلا أنها تستمر بعده في قوتها وفي نقاوتها. إنها أقوى وأشد حرارة... ولا تبالي بصعود الدخان إلى فوق، فوقها...
هابيل لم يدافع عن نفسه، فدافع الله عنه.
لم يرو لنا الكتاب أن هابيل دافع عن نفسه، أو أنه قاوم الشر، أو حتى أنه شكا أو استنجد أو استغاث. لقد لاقى مصيره في صمت، ومات بيد أخيه...
ولكن القصة لم تتم فصولًا. إذ أن الله واجه قايين وسأله: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟".
فأجاب: "لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟"...
وهكذا قادته خطية القتل إلى خطية الكذب، فكذب على الله نفسه، وقال له لا أعلم، وهو أكثر الناس علمًا بمصير أخيه!... أو كان الوحيد من البشر الذي يعلم بمصير أخيه!!
كان قايين كفأر في مصيدة، يحاول أن يفلت فلا يستطيع. إنه يلتمس طريقًا للهروب من مسئولية جريمته. يدعي عدم المعرفة. يدعي أنه غير مسئول عن أخيه وعن حراسته!! لقد أمسكه العدل الإلهي. فأخذ يكذب على فاحص القلوب والكلى، والعارف بالخفيات والظاهرات، على الله الذي أنذره من قبل ولم يسمع...
حقًا، إن الكذب هو الابن البكر لكل خطية. هو الغطاء الذي يحاول الخاطئ أن يغطي به على خطيئته فلا تظهر...
إنه أسهل طريقة، وأول طريقة، يحاول بها أن يهرب من المسئولية، من العقوبة، أو من العار والفضيحة... يندر أن يوجد خاطئ لا يكذب الذي يعترف بخطيئته، هو التائب أما الخاطئ المستمر في خطيته فإنه يكذب لسترها... ولكننا نفهم أن يكذب خاطئ على إنسان مثله. أما أن يكذب على الله نفسه، فهذا أمر خطير له دلالته.
إن كذب قايين على الله، يدل على بعده عن الإيمان. إنه لا يعرف من هو الله، وما هي قدرته، وما هو عمله غير المحدود.!
والعجيب أن الله هنا لم يجرح شعور قايين، ولم يقل له إنه كذاب. بل لم يجادله إطلاقًا في كلامه إنما واجهه بالحقيقة التي تكشف كذبه، فقال له: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10) ... إن هابيل لم يتكلم، ولكن دمه له صوت، صارخ من الأرض...
قد يصمت المظلومون. ولكن صمتهم له صوت، صارخ إلى الله.
والله يسمع هذا الصوت، صوت صمتهم الصارخ... إن يوسف الصديق قد ظلمه إخوته وظلمته امرأة فوطيفار، وصمت... ولكن صمته كان يصرخ إلى الله، وسمع الله، وتدخل لينقذه من الظلم.
والعمال الذين بخست أجورهم، يقول الكتاب إن هذه الأجرة المبخوسة تصرخ، والصراخ قد دخل إلى أذني الرب (يع5: 4).
إن الله يقاتل عنكم وأنت تصمتون، لأنه يسمع صوت صمتكم.
إذا ظُلم إنسان وسكت، فلا تظن أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد. فإن صوت سكوته يرن في أذني الرب، يقول الوحي الإلهي: "مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ، يقُولُ الرَّبُّ، أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً" (مز11: 5). نعم قم أيها الرب الإله، وليتبدد جميع أعدائك، وليهرب من قدام وجهك كل مبغضي اسمك القدوس...
"صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ" (تك4: 10، 11).
هنا بدأت العقوبة. هنا يجد الشر من يقف في طريقه، ويقاومه "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 19).
إن لم يجد الشر رادعًا على الأرض، فهناك رادع من السماء.
ولأول مرة هنا يلعن الرب إنسانًا... عندما أخطأ آدم قال له ملعونة الأرض بسببك، ولكن لم يلعنه شخصيًا.
لُعنت الحية، والأرض، ولأول مرة هنا يلعن الإنسان.
كان قايين قد فقد الصورة الإلهية نهائيًا، الصورة التي كانت للإنسان حينما خُلق على شبه الله ومثاله... إن قايين لم تغره الحية كحواء، ولكنه سقط من الداخل. رداءة قلبه قد أسقطته...
أين الحية في سقطة قايين؟
وبلعنته، لُعن كل نسله أيضًا، وأصبحوا يدعون أولاد الناس، بينما دُعيّ أولاد شيث "أَبْنَاءَ اللهِ" (تك6: 2). واستمرت هذه اللعنة، حتى أفنى الله كل أبناء قايين بالطوفان.
"مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ" هذه الأرض التي تنجست بجريمة القتل، وقبلت الدم المسفوك:
"مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا" (ع 12).
الأرض تتمرد عليك، ولا تعطيك الخير الذي تقدر عليه... بدلًا من أن تعطيك عشرين أردبًا، تعطيك اثنين أو ثلاثة. لا تجد بركة في عمل يديك، ولا بركة من خير الأرض وثمارها... بالنسبة إلى البار، قال الرب: "مُبَارَكَةً تَكُونُ... ثَمَرَةُ أَرْضِكَ" (تث28: 4). وبالنسبة إلى الخاطئ. لعن الله ثمرة الأرض (تث28: 18) ... فلا تعود تعطيك قوتها...
إن ثمار الأرض في يد الله، يباركها حينما يشاء، مثلما بارك غلة العام السادس، فكان يكفي ثلاثة أعوام...
أما إذا سلك الإنسان في الخطية، فقد يعاقبه الله بتمرد الأرض عليه، فلا تعطيه قوتها، لا تعطيه خيرها كما تمردت من قبل على آدم، وصارت تنبت له شوكًا وحسكًا.
المسألة إذًا لا تنحصر فقط في خبرة الإنسان بالزراعة، ومدى إتقانه لعمله فيها وخدمته لها، إنما يحتاج أيضًا إلى بركة. وتتبارك الأرض متى أُرضيّ قلب الله، وإلا فإنه متى عمل الأرض لا تعود تعطيه قوتها. لهذا نحن نصلي من أجل ثمار الأرض، لكيما يصعدها الله كمقدارها. ويفرح وجه الأرض، فتكثر أثمارها.
لقد لعن الرب قايين، وأمر الأرض أن تتمرد عليه، وماذا أيضًا عن باقي عقوباته؟ قال له الرب:
"تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ"...
تفقد سلامك الداخلي. تحيا في قلق واضطراب وخوف تجري وليس من مطارد. تشعر أن كل من وجدك سيقتلك. وهكذا بدأت الأمراض النفسية تعمق جذورها في الإنسان.
في خطية آدم، دخله الخوف، الخوف من الله وعقوبته. أما في خطية قايين، فقد دخله الخوف من الناس، أو الرُعب بمعنى أصح "يَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي" (ع 14).
"لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22) ...
الخاطئ يعيش منزعجًا باستمرار. يخاف أن تنكشف خطيئته ويعرفها الناس. يخاف من الفضيحة والعار والسمعة السيئة. يخاف من العقوبة، سواء عقوبة القانون، أو انتقام من أساء إليه. يرتعب من نتائج أخرى لا يعرفها. يصور له الاضطراب أمورًا أخرى كثيرة ستحدث... وأعداء كثيرين يطاردونه.
داخله يزعجه أكثر من أي إزعاج خارجي...
أيهما لاقى العذاب أكثر: قايين أم هابيل.
هابيل قاسى الألم ربما لحظة أو لحظات. ضربة قاتلة أصابته فمات. أما قايين فإنه عاش العمر كله يتألم ويتعذب، ويحطمه القلق والخوف والرعب والاضطراب... هابيل تألم بالجسد قليلًا. أما قايين فإن نفسه تعذبت من الداخل، ولا شك أن عذاب نفسه كانت له نتائجه على الجسد أيضًا...
هذه إحدى عقوبات الخطية تطارد الإنسان.
"فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي" (تك4: 13، 14)...
نلاحظ هنا أن عبارة "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ" لم تكن عبارة توبة، إنما خوف من العقوبة...
أي أن العقوبة أعظم من احتماله، عقوبة أن يكون تائهًا وهاربًا في الأرض، ومُهددًا من كل أحد بالقتل... لذلك فإن الله الرحوم، الذي يشفق حتى على القلوب القاسية إذا ما تذللت أمامه، طمأن قايين الخائف "وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (ع 15).
بل قال له أيضًا "كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ".
ونلاحظ أن قايين لم يطلب مغفرة لخطيئته، بل أنه لم يقل عبارة أخطأت. كل ما أتعبه هو العقوبة...
وإذ جعل الرب علامة لكي لا يقتله كل من وجده، "خَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ، وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ" وسكن معه الخوف والرعب كل أيام حياته. لقد قتل أخاه في لحظات. ولكن الخوف ظل يقتله كل يوم وكل ساعة وكل لحظة... وظلت خطيئته أمامه كل حين، لا تقوده إلى التوبة إنما تحطمه بالخوف. فمن أخذ بالسيف يؤخذ...
هناك مجرمون يتمنون العقوبة، هربًا من الانزعاج الداخلي. وقد يسلمون أنفسهم للعدالة ويعترفون غير محتملين عذاب الضمير أو عذاب النفس.
داود، قد غفر له الله خطيئته، ونقلها عنه (1صم12) وسامحه من جهة العقوبة الأبدية. ولكن بشاعة الخطيئة ظلت أمامه في كل حين (مز 50)، وبسببها كان يبلل فراشه بدموعه (مز 60)، ويمزج شرابه بالدموع...
وظل قايين يطارده الخوف، وترن في أذنيه كلمات الرب: "تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ".
وأصعب من طرده من وجه الأرض، أنه طُرد من وجه الله أيضًا، فمن وجه الله يختفي...
فالخطية هي انفصال عن الله...
والخاطئ ينفصل بخطيئته عن الله. يختفي الله من حياته، ويختفي هو من أمام وجه الله. يوجد حاجز كبير بينه وبين الله. ويشعر بهذا الفاصل، وبفقد الدالة ومشاعر الحب...
ولا ينكسر هذا الحاجز إلا بالتوبة، فيصرخ الإنسان قائلًا للرب: "إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي!" (مز12: 1)...
ولكن الكتاب لم يقل إن قايين قد تاب، ولم يقل إنه عاد فاصطلح مع الله. ولم يقل إن اللعنة زالت عنه، أو أن الرب عاد فرضيَّ عليه. لقد كان أول ابن لآدم وحواء بعد خطيئتهما، وللأسف كان ابنًا للهلاك. كان أول قاتل، وأول إنسان ملعون، وأول إنسان استحق العقوبة الأبدية، إلى جوار عقوبته على الأرض.
إنه لم يقتل هابيل، إنما في الواقع قد قتل نفسه... وهابيل لم يمت، بينما قايين هو أول إنسان مات، موتًا أبديًا.
هل تظنون أن هيرودس قد قتل يوحنا المعمدان؟ أم الواقع أن هيرودس قد قتل نفسه. قتل روحه وحياته وأبديته. أما يوحنا فهو حي في الفردوس يتنعم...
إن الإنسان الذي يخطئ إلى غيره، إنما يخطئ إلى نفسه.
وما أقل الخطاة، الذين يشعرون أنهم يحطمون أنفسهم...
فليعطنا الرب بركة هابيل البار، أول من ذكر له الكتاب أنه قدم محرقة للرب، وذبيحة مقبولة، نذكرها باستمرار في كل قداساتنا. فنقول في مقدمة أوشية بخور باكر "يا الله، الذي قبل إليه قرابين هابيل الصديق... اقبل إليك هذا البخور من أيدينا نحن الخطاة"...
وذبيحة هابيل الصديق تعطينا فكرة عن أهمية التقليد في الكنيسة. لأن هابيل في تقدمته لم ينفذ وصية مكتوبة، ولم تكن هناك شريعة مكتوبة في أيامه، ولا وصية مكتوبة تأمر بتقديم المحرقات... إنما أخذها هابيل عن أبيه، الذي أخذها من الله.
لم تكن هناك وصايا مكتوبة أيام هابيل. ولكن كان هناك التقليد أو التسليم. جيل يسلم جيلًا وصايا الرب. وظل الأمر هكذا في كل ذبائح نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وأيوب، إلى أن وصلت إلينا الشريعة المكتوبة على يد موسى النبي، بعد آلاف من السنين عاشتها البشرية بالتقليد والتسليم من الآباء...
وجميل جدًا هو قول الكتاب عن تقدمة هابيل البار: "وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (ع 4).
لقد قدم البار أفضل ما عنده للرب.
بل أنه نفذ وصية البكور، قبل أن يقول الرب على يد موسى النبي "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ... إِنَّهُ لِي" (خر13: 2).
أتراه قدم البكور، بروح النبوة، قبل الوصية المكتوبة؟ أم تراه فعل ذلك عن طريق التقليد والتسليم أيضًا؟ أم هو القلب البار الحساس الذي يدرك مشيئة الرب ورغبته، دون أن يتلقنها من معلم...؟
إنه هابيل الذي شهد له أنه بار، وشهد الله لقرابينه "وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" (عب11: 4).
ولقد ذكره بولس الرسول في مقدمة رجال الإيمان: فقال: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ" (عب11: 4). إذًا لم تكن هذه الذبيحة مجرد أمر تعوده هابيل، أو تسلمه بلا فهم. وإنما كان عملًا من أعمال الإيمان "به شُهِد له أنه بار"...
إن هابيل يمثل الإيمان وهو بكر، في بداية معرفته. إنه أول إنسان في العالم، وُصف بكلمة الإيمان.
ترى ماذا كان الإيمان في أيام هابيل؟
إنه على أية الحالات كان بداية لذلك المبدأ اللاهوتي القائل: "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
الخطية كشفت عُري الإنسان آدم، والذبيحة غطته، حينما صنع له الله أقمصه من جلد (تك3: 21)، ورفض أن يُغطى بورق التين، وبشيء من ثمار الأرض.
وعرف هابيل هذه الحقيقة: الله يريد الدم لا ثمار الأرض. فقدم الدم من أبكار غنمه ومن سمانها. بينما قدم قايين من ثمار الأرض. وكأنه لا يؤمن بما حدث لأبويه...
وكانت ذبيحة هابيل رمزًا لذبيحة السيد المسيح.
وكان هابيل في ذبيحته كاهنًا للرب ولم يكن قايين كذلك...
ولم يذكر الكتاب خطية ارتكبها هابيل، بل شهد له السيد المسيح نفسه أنه بار (مت23: 35).
ويذكرنا بالبر الذي يناله كل من يقدم ذبيحة للرب.
أنستطيع أيضًا أن نقول إن هابيل كان أول شهيد:
لقد قُتل لأجل بره، وبسبب ذبيحته التي قبلها الرب، ورضيّ عنها...
إنه أول دم بشري يتقبله الرب.
إنه باكورة الدماء الزكية المقدسة التي تقبلتها السماء، عبر الأجيال الطويلة...
إنه الباكورة التي قدمت بكورها للرب.
وحسنًا إنه انتقل إلى السماء بعد تقديمه الذبيحة.
انتقل وهو في حالة بر، مقدس بالذبيحة التي قدمها.
وعزيز عند الرب موت أتقيائه...




