ما مدى تأثر القراءة والسمع والحواس؟

ما مدى تأثر القراءة والسمع والحواس؟[1]
فكر الإنسان أمر هام في حياته الروحية، والفكر ينبع من مصادر، ويصب في أخرى.
وحواس الإنسان هي منابع الفكر.
وما يقرأه أو يسمعه يولد له أفكارًا. وما يراه أيضًا ينشغل به العقل والفكر… الحواس توصل للعقل أفكارًا. وما يفكر فيه العقل، يوصله إلى القلب كمشاعر وأحاسيس. وما أسهل أن مشاعر القلب تصل إلى الإرادة، ومنها إلى العمل…
الحواس لا تؤثر على العقل الواعي فقط، إنما على العقل الباطن أيضًا.
ما تجمعه العين والأذن، من مناظر وسماعات وقراءات، كثيرًا ما تنطبق – حسب عمقها – في العقل الباطن. وتظهر فيما بعد كأحلام أو ظنون أو أفكار أخرى. لأن الفكر يلد فكرًا، أو أفكارًا كثيرة.
والعقل دائم العمل، لا يتوقف…
حسب الغذاء الذي تقدمه للعقل، تكون أفكاره…
قد تجلب له الحواس أفكارًا خيرة، وقد تجلب له أفكارًا شريرة… وحسب نوعية الوقود، تكون النار… فاحرص على حواسك، لتضمن سلامة فكرك. واسأل نفسك أي نوع من الفكر يدور في عقلك؟ أهو فكر روحي، أم فكر خطية، أم فكر تافه، من أمور العالم الزائلة؟؟
والكنيسة تستخدم الحواس كواسطة روحية:
فتجد في الكنيسة الأيقونات مثلًا. تقف أمام الأيقونة وتتأملها، فتأتيك أفكار عن حياة صاحبها، وقداسته وجهاده وآلامه… نسمع عن المهاتما غاندي أكبر زعيم روحي في الهند: أنه عندما زار فرنسا، وقف أمام أيقونة السيد المسيح المصلوب وبكى…
الكنيسة أيضًا تقدم للحواس الألحان والموسيقى، ولها تأثيرها في القلب والفكر. وتقدم البخور، وهو صاعد إلى فوق برائحة زكية. وتقدم للعين أيضًا الملابس الكهنوتية البيضاء، والشموع المضاءة، وتحركات الكهنة والشمامسة، ومناظر الوقوف والركوع والسجود… وكل ذلك يجلب للعقل أفكارًا، وللقلب مشاعر وأحاسيس… وهكذا مع باقي الطقوس الكنسية…
وبالاضافة إلى هذا القراءات، وتأثيرها:
الـقراءات
القراءات تؤثر كثيرًا في حياتك وشخصيتك.
* يمكن أن تغرس في النفس مبادئ وقيمًا، حسب نوعية القراءة. فالشاب الذي يقرأ كثيرًا عن الحرية، تُغرس فيه أفكار غير الذي يقرأ عن الواجبات والالتزام والتضحية. والذي يقرأ عن النسك والزهد والموت عن العالم، تكون أفكاره غير الذي يقرأ عن الغيرة والعمل والحماس والجهاد… إن القراءة يمكنها أن تشكل شخصية الإنسان.
*كذلك القراءة توسع الفكر، وتعمق مفاهيم معينة، وتزيد المعارف. وما أصدق الشاعر الذي قال عن القراءة في التاريخ:
ومن وعى التاريخ في صدره .:. أضاف أعمارًا إلى عمره
*القراءة تستطيع أن تبعد الفكر عن التوافه.
فالمرأة التي لا تقرأ، ربما لا تعرف سوى الحديث عن الطبيخ والملابس والحفلات وأخبار الناس، بعكس المرأة المثقفة التي تجيد الكلام في موضوعات لها عمق… وبالمثل الرجل الذي لا يعرف سوى المقهى والنادي ودور اللهو، تكون شخصيته سطحية، وأحاديثه بلا نفع أو قد تضر، وعلى عكسه الرجل الذي يقرأ ويدرس ويثقف نفسه…
ولهذا نحن نفرح بتعليم المرأة، ونحث الناس على القراءة، حتى الأطفال… ونشجع على تكوين المكتبات. ونطلب من الآباء والمرشدين أن يوجهوا أبناءهم في نوعية القراءة التي تفيدهم والتي تناسبهم.
*الكتب النافعة تؤثر على الروح، وتقودها إلى الله.
ولا ننسى مطلقًا كيف تأثر أوغسطينوس بقراءته لحياة القديس الأنبا أنطونيوس، وقادته إلى التوبة. كذلك تأثر الناس بعظات القديس يوحنا ذهبي الفم، وأشعار مار افرام السرياني. والروحيون إذ قرأوا كتبًا روحية، يرتفع مستواهم ويزداد عمقهم بما يقرأون.
المهم أن الناس يتخيروا ما يصلح للقراءة وما ينفع.
*والقراءة تمنح العقل لونًا من النمو والنضوج.
فهي تشرح للعقل موضوعات ما كان يعرفها، وتناقش معه أفكار ربما كان يتقبلها بالتسليم، فأصبح يدخلها في نطاق الحوار.
وما كنا نقوله منذ سنوات عن مراحل السن عند الأطفال، تغير حاليًا من ذي قبل تغيرًا كبيرًا جدًا، بقدر ما يقدمه المجتمع للطفل والشاب من معلومات، وما يقدمه أيضًا لرجل الشارع. وبازدياد المطبوعات سواء في الكتب أو الجرائد أو المجلات، تغير الفكر عن ذي قبل، بحسب نوعية القراءة ونوعية الثقافة…
مستوى المعرفة قد ازداد. ولكن أية معرفة؟
حسب قراءاتك تكون معرفتك، وحسب معارفك تتأثر حياتك…
فما هو نوع قراءاتك؟ أقصد القراءة الأكثر والأعمق؟ هل هي القراءة العلمية والمعارف العامة؟ أم القراءة في السياسة والاقتصاد والأخبار؟ أم القراءة عن الجرائم والأحداث والانحرافات؟ أم القراءة في العقيدة والإيمان؟ أم قراءة في الروحيات؟ أو في النسك أو في سير القديسين…؟
ما تقرأه سيؤثر فيك، ويدفع حياتك في اتجاه معين.
لا تقل أنا لا أتأثر، فقد تأثرت عقليات جبارة جدًا.
مثال ذلك أوريجانوس، أعظم عالم لاهوتي في القرن الثالث، وعلى مدى قرون كثيرة، تأثر بقراءاته الفلسفة، وتأثر بالأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة. وظهر ذلك واضحًا في كتابته عن الأرواح، وعن الوجود السابق لها. وتأثره في كلامه حتى عن الملائكة، وعن الخلاص، والحياة الأخرى.. وحرمته الكنيسة، وحرمته مجامع..!!
وكثيرون ممن قرأوا كتبًا غربية أو غريبة، تأثروا بها.
وظهر هذا التأثير واضحًا في أفكارهم… سواء الذين انحرفوا نحو طوائف أخرى، أو الذين تأثروا بالقراءات الفلسفية، أو كتب الشيوعية والالحاد، أو بكتب أخرى تغرس الشكوك، كالذين قرأوا كتب شهود يهوه، أو كتب السبتيين وأمثالهم…
ومن هذا النوع كثيرون، اذكرهم وأنا باكٍ كما قال الرسول. ولعل في مقدمتهم شخص كان الأول في كلية اللاهوت، ثم وضع كتابًا عنوانه “الإنسان هو الذي خلق الله على صورته”!!
لهذا كله كانت الكنيسة تحرم كتب الهراطقة:
لا تحرم الهراطقة فقط، وإنما كتبهم أيضًا، لأن قراءتها تضر.. فليس كل إنسان له القدرة على معرفة الأخطاء والرد عليها.
كذلك كانت تفعل مع كتب السحر، وتأمر بحرقها. وهكذا قيل في سفر أعمال الرسل “وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ” أعمال الرسل 19 : 19 .
لهذا كله ينبغي تنقية المكتبات في الكنائس، حرصًا على أفكار القراء وعلى إيمانهم. وتكون القراءة تحت إرشاد.
ومن يعرض – على سبيل نشر المعرفة – فكرًا خاطئًا، ينبغي في نفس الوقت أن يقدم الرد عليه، ويكون الرد قويًا… كذلك من يتعرضون للنقد الكتابي Biblical Criticism لا بد أن يكونوا على مستوى القوة في مناقشة الأفكار.
هناك أمثلة كثيرة للمعرفة الخاطئة المضللة:
ولعله بسببها قال الحكيم في سفر الجامعة إن “الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا” الجامعة 1 : 18 . يقصد العلم بأشياء تضر أو تشكك أو تتعب الفكر. ولعله عن تلك المعرفة الضارة قال فستوس الوالي للقديس بولس الرسول “الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ” أعمال الرسل 26 : 24 . طبعًا كان يظلم القديس. فهذه العبارة ما كانت تنطبق عليه. ولكنها يمكن أن تنطبق على غيره.
الهدف من القراءة
*هناك من يقرأ لمجرد الرغبة في المعرفة.
*ومن يقرأ للدراسة، وللبحث عن الحقيقة.
*وهناك من يقرأ مقررات مفروضة عليه كالطلبة في الجامعات والمدارس، وذلك لكي ينجحوا ويحصلوا على شهادات.
*نوع آخر يقرأ للتسلية وللمتعة، كمن يقرأ قصصًا وحكايات.
*وآخر يقرأ للتدريب عن الذكاء، كمن يقرأ الألغاز لحلها.
*نوع آخر يقرأ لإشباع شهوة معينة في نفسه.
*وآخر يقرأ لمعالجة نفسه من شهوة أو من فكر ضاغط، وذلك باستبداله فكر بفكر، لعل قراءته تنقله إلى جو آخر من التفكير، وتخلصه من أفكاره التي تتعبه، أو من الشهوات التي تضغط عليه، أو تقيم توازنًا في فكره.
*وهناك من يقرأ للهروب من الفراغ أو لقتل الوقت.
*ومن يقرأ للتعمق في العقيدة والإيمان، أو لتدريس ما يقرأه للغير.
*ونوع آخر يقرأ لبناء نفسه، وللتفوق على غيره في المعرفة.
*والنوع الأسمى هو الذي يقرأ لفائدته الروحية، لكي تكون القراءة له روحيًا وحياة كما قال الرب عن كلامه يوحنا 6 : 63 .
فمن أي نوع أنت؟ وهل تستفيد روحيًا من قراءاتك؟
كيف تقرأ؟
* أولًا اقرأ بفهم، وبفحص. ولا تعتنق كل ما تقرأ.
فكثير من الناس يقبلون كل ما يقرأون باقتناع تلقائي، دون دراسة ودون تفكير، كما لو كان مكتوبًا بوحي!! أما أنت فضع أمامك قول القديس بولس الرسول: “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ” تسالونيكي الأولى 5 : 21 . وأيضًا قول القديس يوحنا الرسول: “لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟” يوحنا الأولى 4 : 1 . وأعرف أن “اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ” الجامعة 2 : 14 . لذلك لا تقبل كل شيء. وحبذا لو أنك وزنت كل ما تقرأه في ضوء كلمة الله التي “تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ” تيموثاوس الثانية 3 : 15 .
*ولا تنشر كل ما تقرأه…
لأن البعض لا يكتفون بتأثرهم بأفكار معينة، بل يتحمسون لها بالأكثر لدرجة أنهم ينشرونها في كل المحيط الذي يعيشون فيه. وربما يكونون بذلك عثرة لغيرهم من جهة الفكر.
*ولا تعجب بكل جديد مما تقرأ.
المهم أن هذا الجديد لا يتعارض مع المسلمات القديمة الثابتة في الكنيسة التي تسلمناها من الآباء القديسين. والكتاب يأمرنا قائلًا: “لاَ تَنْقُلِ التُّخْمَ الْقَدِيمَ الَّذِي وَضَعَهُ آبَاؤُكَ” الأمثال 22 : 28 ، الأمثال 23 : 10 . وهنا تبدو الأصول القوية في الكنائس التقليدية التي تحافظ على الإيمان المسلم من القديسين (يه3) فلا تضيف إليه ما يتعارض معه…
*ولتكن قراءتك باتضاع…
لأنه أحيانًا “الْعِلْمُ يَنْفُخُ” كورنثوس الأولى 8 : 1 كما قال الرسول، وكثير من الناس يرتفع قلبهم بقراءاتهم، ويرون أنهم صاروا أعلى فكرًا وأوسع عقلًا من الآخرين. فينتفخون، ويتعالون على غيرهم، ويصفون الغير بالجهل. وتكون لهم المعرفة مجالًا للافتخار. ويفقدون اتضاعهم حتى في حديثهم مع من هم أكبر منهم.
السمـاعات
أنت تسمع كثيرًا: في الاجتماعات العامة والخاصة، وفي محيط الأقرباء والأصدقاء والمعارف. وتسمع من وسائل الاعلام: الراديو، والتلفزيون، والفيديو، والكاسيتات. ولكن المهم هو أمران:
أن تتخير ما تسمع، وتتحكم فيما تسمع:
الله وهب لك أذنين، لكي تسمع الرأي، والرأي الآخر. ولا تكون عبدًا لرأي واحد، أو لكل ما تسمع. فبين أذنيك وضع الله العفل ليزن ويحكم، ويفحص ويدقق، ويقبل ما يصلح، ويرفض ما يضر. فلا تجعل عقلك في أذنيك. ولا تكن سماعًا… ولا تصدق كل ما تسمعه. بل افحص كل شيء، وابحث عن الحقيقة.
تذكر أن أول خطية للبشرية جاءت نتيجة السماع.
حينما سمعت أمنا حواء كلامًا خاطئًا معثرًا من الحية، “وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ” تكوين 3 : 1 . وآخاب الملك أضاع نفسه نتيجة سماعًا خاطئًا ظالمًا من زوجته ايزابل (1مل21). ونحن نقول فى القداس عن المتآمرين الخاطئين “بدد مشورتهم يا الله الذي بدد مشورة أخيتوفل”. فلا يكن في حياتك أخيتوفل يضرك…
ولتكن أذنك مصغية إلى السماع المفيد.
إلى كلمة النصح، وكلمة المنفعة، وكلمة التوبيخ المخلص، وكلمة الإرشاد من الحكماء، وعمومًا إلى الكلمة التي تبني… تبنيك روحيًا وفكريًا، وتثبتك في الحياة مع الله.
واحترس من كلام المديح الضار، أو الملق، أو كلام الإغراء…
في السماع أيضًا لا ننسى تأثير الموسيقى.
وقد اهتمت الكنيسة بالألحان والموسيقى، لأن لها تأثيرها العميق في النفس. وقال الرسول عن ذلك: “مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ” أفسس 5 : 19 .
ليتك تجعل التسابيح والألحان من الوسائط الروحية التي تبنيك.
واهتم بالترتيل وتأثيره، على أن تكون ألحانه سليمة، وليست مأخوذة من الأغاني العالمية كما يفعل البعض.
واحترس مما يسميه البعض “غسيل المخ”.
وذلك بوقوع البعض تحت تأثير فكري معين، يضيع منه كل ما أخذه من قبل، وكل من آمن به واقتنع. ويزرع فيه شكوكًا لا تُحصى، ويُغرس فيه أفكارًا أخرى دون أن يعطيه فرصة لمعرفة الرد أو الاتصال بالرأي الآخر… إلى أن يخرج آخر الأمر شخصًا مختلفًا تمامًا عما كان، بفكر آخر غير فكره الأول في كل شيء…
وهذا ما كانت تفعله الشيوعية وغيرها من المذاهب.
ولذلك أيضًا تخير أصدقاءك الذين تسمع منهم وتسمع لهم.
وتخير مرشديك بحيث يكونون مرشدين صالحين يفصلون كلمة الحق باستقامة، ويكلمونك دائمًا بكلمة الله. لغاز لحلها.ب
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “ما مدى تأثير القراءة والسمع والحواس؟”، مجلة الكرازة 29 نوفمبر 1991م.




