درجة السياحة

درجة السياحة[1]
درجَة السياحَة
سؤال
إني أثق بأبي الروحي ثقة كاملة، لأني أعرف أنه قد وصل إلى درجة السياحة. لذلك أحب أن أطيعه في كل شيء. غير أن بعض نصائحه في بعض الأحيان لا تريح ضميري. فماذا أفعل؟
الجواب
أود أولًا أن أمتدح ثقتك في أب اعترافك، ومحبتك لطاعته. غير أني سأشرح لك درجة السياحة لكي تعرفها.
درجة السياحة تُطلق على الرهبان المتوحدين الذين يسكنون في البرية الجوانية. وقد تمر عشرات السنوات دون أن يرى أحدهم وجه إنسان…
وواضح من قصة رحلة القديس الأنبا ببنوده التي رأى فيها القديس أبا نفر السائح، والقديس تيموثاؤس السائح، وسواحًا آخرين. أن الرحلة استغرقت حوالي الشهر. فلو عرفنا أن الراهب يستطيع أن يمشي ستة كيلومترات في الساعة، فلو أنه مشى ما بين ستة أو سبع ساعات في اليوم يكون قد مشى مائة كيلومترًا يوميًا. فلو أنه سار نصف أو ثلث هذه المسافة، تكون رحلة القديس ببنوده حوالي ألف كيلومترًا أو ألف ونصف الألف، في عمق الصحراء… وهذا لا ينطبق بلا شك على أب اعترافك…
النقطة الثانية أن كثيرًا من السواح أو كلهم لا يعرفون أين هم… وينطبق عليهم قول الكتاب: “تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ” العبرانيين 11 : 38 .
وبالتالي لا يكون مكان السائح معروفًا للناس. وهكذا كانت تمر عشرات السنوات لا يرون أحدًا، ولا يراهم أحد… إلى أن يرسل الرب لهم من يكتشفهم في أواخر أيامهم ويكتب تاريخهم للناس. كما كتب الأنبا ببنوده تاريخ آبا نفر، وكما كتب الأنبا أنطونيوس تاريخ الأنبا بولا، وكما كتب القس زوسيما تاريخ القديسة مريم القبطية السائحة.
القديس الأنبا بولا قضى ثمانين عامًا لا يرى وجه إنسان. والقديس الأنبا كاراس قضى ستين عامًا لا يرى وجه إنسان…
وهكذا عاش السواح مجهولين تمامًا خلال حياتهم…
وما كانوا آباء اعتراف لأحد، وما كانوا يقابلون أحدًا.
عاش السواح حياة وحدة كاملة، لا يتحادثون مع أحد، بل كانوا في صمت كامل، لا يكلمون إلا الله وحده، في حياة الصلاة والتأمل. ولو فرض عن طريق الصدفة – عرف راهب موضع أحد منهم، لا شك كانوا يغيرون هذا الموضع، ويذهبون إلى مكان آخر في البرية غير معروف… لذلك يسمونهم سواحًا أي يسيحون في البراري والجبال…
وهكذا فإن الرهبان المتوحدين إلى جوار الأديرة المعروفة، لا يمكن اعتبارهم من السواح…
ذلك لأن مكانهم معروف لرهبان الأديرة، ويمكن أن يزورهم البعض. كما أنهم ينزلون إلى الأديرة للصلاة وللتناول، ويختلطون بغيرهم خلال ذلك كله. ويأخذون احتياجاتهم من الطعام والشرب والملابس من الأديرة. أما السواح فيعيشون في نسك شديد. وبعضهم كان يتغذى على أعشاب الجبل، أو على نخلة في البرية… وطبعًا كل هذا لا ينطبق على أب اعترافك…
وتبدو بعض صفات السواح من الأبيات الآتية:
| أنا في البيداء وحدي لي جُحرٌ في شقوق التل وسأمضي منه يومًا تائهًا اجتاز البيداء ليس لي دير فكل لا ولا سور فلن يرتاح |
ليس لي شأن بغيري قد أخفيت جُحري ساكنًا ما لست أدري من قفرٍ لقفرِ البيد والآكام ديري في الأسوار فكري |
(إلى باقي تلك القصيدة التي نشرت في كتاب انطلاق الروح).
ننتقل إلى النقطة التالية، وهي بعض نصائح أب اعترافك التي لا تريح ضميرك… نصيحتي لك هي:
أ- لا تفعل شيئًا ضد ضميرك.
ب- يمكن أن تناقش أب اعترافك في تلك الأمور.
قل له في صراحة كاملة: هذا الأمر يتعب ضميري في كذا وكذا، وتناقش معه في حرية: إما أن يقنعك، أو يقبل رأيك ويعفيك من النصائح التي تتعب ضميرك.
وليس من المعقول أن أبًا روحيًا يصل إلى درجة عالية، ويسمح أن يقدم لأحد المعترفين عليه نصيحة تتعب ضميره!!
ولا يوجد خطأ في أن تناقش أب اعترافك. فهناك قديسون ناقشوا الله نفسه.
فإرميا النبي قال للرب: ” أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ” إرميا 12 : 1 . وأبونا إبراهيم ناقش الرب في موضع سادوم تكوين 18 : 25 . وموسى ناقشه لما أراد إفناء الشعب الخروج 32 : 7-14 .
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “سؤال وجواب – درجة السياحة”، نُشر في مجلة الكرازة 4 أكتوبر 1991م.



