حواء (1)

لكي نبدأ تاريخ المرأة من أوله، لابد أن نذكر أمنا حواء….
كانت ضرورة، خلقت لتكون معينة للرجل.
قال الرب الإله: ((ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معيناً نظيره)) ( تكوين 2 : 18 ).
وبهذا الخلق صار آدم المتوحد إنسانًا اجتماعيًا. وكان سبب خلق حواء لصالح آدم، لتكون معينة له، شريكة في الحياة، أنيسًا جليسًا.
وليس حقًا ما يظنه البعض أن المرأة فرضت على آدم، بدون رغبته!
فقصة خلق حواء، كما رواها سفر التكوين، يفهم منها أن آدم كان محتاجاً إلى مخلوق نظيره، كمعين له. واحتياج آدم، وشعوره بهذا النقص، صعدا إلى الرب، فاستجاب، وخلق حواء.
وفى هذا يقول الكتاب ( تكوين 2 : 20-22 )
((فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره. فأوقع الرب سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه…)).
إذن آدم شعر بالاحتياج إلى معين، فاستجاب الرب مباشرة. لم يكن الأمر إذن فرضاً،
وإنما كان علاجاً لحالة، واستجابة لشعور.
ولهذا أخطا أبونا آدم، حينما قال للرب، كما لو كان يعاتبه: “المرأة التي جعلتها معي، هي أعطتني” ( تكوين 3 : 12-22 ).
ألست أنت يا آدم الذي لم تجد لك معينًا، وبخاصة حينما نظرت إلى جميع الحيوانات والطيور، ووجدتها متآلفة في حياة اجتماعية، فشعرت بنقص…!
وعاشت حواء مع آدم كصديقة، كأخت….
لم تبدأ حياتها كزوجة، بل عاشت مجرد رفيقة في الحياة، في براءة تامة، بعيدة عن الجنس الذي لم يعرف إلا بعد الخطية…
ولا نعلم مقدار الزمن الذي عاشه هذان القديسان آدم وحواء كصديقين.
وعبارة (نظيره) تعنى مساواة المرأة له:
وقد أيد هذا خلقها من جنبه… ما أكثر تأملات المفسرين حول خلق حواء من ضلع من ضلوع آدم، من جنبه.
قيل: لم يخلقها الله من رأسه لكي لا تتسلط عليه، ولا من قدمه لكى لا يدوسها، وإنما من جنبه، لكى تكون مساوية له.
قيل: من تحت ذراعه، لكي تكون تحت رعايته وحفظه، ومن مكان قريب من قلبه، لكي تكون محبوبة منه…
وخلقها من ضلع الرجل، ثبت أنهما كانا جسداً واحداً، حتى قبل الزواج.
لأنه من نفس جسد آدم، خلقت حواء هي جزء منه، من هذا الجسد الواحد. وقد شعر آدم بهذا فقال عن حواء “هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمى” ( تكوين 2 : 23 ).
دليل آخر لمساواة المرأة الأولى بالرجل، أنها أخذت نفس السلطة والبركة التي أعطيت له، كما خلقت على صورة الله مثله.
وفى ذلك يقول الكتاب: ” فخلق الله الإنسان على صورته… ذكراً وأثنى خلقهم، وباركهم الله،
وقال لهم: اثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، واخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض ” ( تكوين 1 : 27-28 ).
إن المرأة اختلفت عن الرجل من جهة الجنس، ولكن ليس من جهة الطبيعة، ولا من جهة السلطة، ولا من جهة المواهب، ولا من جهة البركة.
إن حواء كانت مكملة لآدم:
كانت مكملة لجنس الرجل، لجنس الإنسان، أو للبشرية. بها أمكن أن يتحقق قول الرب:
“اثمروا وأكثروا واملأوا الأرض. وهي والرجل يكونان وحدة، ومخلوقاً متكاملاً….
وحواء أخذت اسمين: لكل منهما دلالة. والذي سماها هو آدم
الله لم يعطها اسماً. كانت تندمج تحت اسم (الإنسان) الذي كان يشملها هي وآدم.
وآدم سماها امرأة بعد خلقها مباشرة “لأنها من أمرئ أخذت” ( تكوين 2 : 23 ).
ودلالة هذا الاسم، هي صلتها بالرجل. فكأن آدم كان يقصد بقوله (هذه منى، من الرجل) تأكيداً لعلاقتها به…
وبعد الخطية “دعا آدم اسم امرأته حواء، لأنها أم كل حي” ( تكوين 4 : 20 ).
إذن فهذا الاسم يدل على أمومتها، وعلاقتها بالبشرية، وهو اسمها بعد الخطية.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السادس) 11-2-1977م




