بعض شخصيات الكتاب الجزء الأول

| الكتاب | بعض شخصيات الكتاب الجزء الأول – Some Biblical personalities |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | أغسطس 2005م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 14202/ 2005م |
| الترقيم الدولي | 977-5345-87-1 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة الكتاب
مقدمة الكتاب
أصدرنا لك من قبل بعض الكُتب عن شخصيات من الكتاب، مثل:
آدم وحواء... قايين وهابيل.
يعقوب ويوسف.
موسى وفرعون.
يونان النبي.
أيوب الصِدِّيق وتجربته.
واليوم نكتب لك في هذا الكتاب، بإيجاز عن شخصيات كتابية أُخرى، هي:
إبراهيم أبو الآباء والأنبياء.
لوط (مع عمه إبراهيم).
صموئيل النبي، وعلاقته بشاول.
نحميا وعزرا.
إنها مجرد محاضرات تحوي تأملات عن كل هؤلاء.
خشينا عليها من الضياع أو الفَقْد، لذلك رأينا أن نصدرها في هذا الكتاب.
وإلى اللقاء مع شخصيات أخرى بمشيئة الرب.
أغسطس 2005م البابا شنوده الثالث
إبراهيم أبو الآباء والأنبياء
إبراهيم أبو الآباء والأنبياء
أهمية أبينا إبراهيم
حينما نتحدث عن أبينا إبراهيم، نذكر أهمية شخصيته:
1- إنه الشخص الذي تجتمع حوله ثلاث ديانات: اليهودية والمسيحية والإسلام.
2- وكان اليهود يفتخرون باستمرار أنهم أبناء إبراهيم، حتى وَبَخَهُم القديس يوحنا المعمدان قائلًا: "لاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إبراهيم أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لِإبراهيم" (مت3: 9).
3- نقول أيضًا إن الأبرار بعد موتهم يذهبون إلى أحضان إبراهيم. وقد ذكر الكتاب أن لعازر المسكين لما مات "حَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إبراهيم" والغني "رَأَى إبراهيم مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ" (لو 16: 22، 23).
4- وإبراهيم هو أول شخص غَيَّرَ الله اسمه في مباركته. كان اسمه أَبْرَامَ فدعاه "إبراهيم" وقال له: "لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ" (تك17: 5).
5- ومن أجمل ما يُقال عن إبراهيم: قول الله عن نفسه لموسى النبي: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إبراهيم وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر3: 6). وقد ذكر السيد المسيح هذه الصفة "إِلَهُ إبراهيم..." في حواره مع الصدوقيين (مت22: 32).
6- ولا ننسى إطلاقًا أن ربنا يسوع المسيح قد جاء من نسل إبراهيم. كما ورد عنه في سلسلة الأنساب أنه "ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إبراهيم" (مت1:1).
7- وقد بارك الله إبراهيم وقال له بالأكثر: "تَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأرض" (تك12: 3) "وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأرض" (تك22: 18).
8- ولما قَبِلَ الرب توبة زكا العشار، ودخل بيته، تَذَمَرَ اليهود، فقال: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إبراهيم" (لو19: 9).
9- وفي بنوة المؤمنين جميعًا لإبراهيم، قال القديس بولس الرسول: "الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إبراهيم" (غلا3: 7).
10- ومن عظمة إبراهيم، لَقَبهُ أبو الآباء والأنبياء.
دعوَته
دعوَته
في يوم لا يعرفه، دعاه الله. وقال له: "اذْهَبْ مِنْ أرضكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأرض الَّتِي أُرِيكَ..." (تك12: 1).
إن الله يختار من يشاء، ويدعو من يشاء، للهدف الذي يريده.
وكان إبراهيم وقتذاك في أور الكلدانيين ما بين النهرين.
كان "ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً" حين دعاه الله (تك12: 4).
كل حياته قبل دعوة الله له لا نعرف عنها شيئًا.
إنها أيام مجهولة، أو غير مهمة في التاريخ. فنحن لا نعرف ماذا كانت حياته في أور. إنما حياته الحقيقية في الكتاب تبدأ بدعوته، وأصبحت بهذه الدعوة جديرة بالتسجيل...
أول شيء كان في دعوته، هو ترك البيئة الشريرة.
كانت أور ذات حضارة كبيرة، ولكنها كانت وثنية. وكان من صالح إبراهيم أن يترك تلك البيئة، لكي يحيا في جو طاهر مع الله. ليس فقط المكان، إنما كل العشيرة، كل عواطف القرابة الجسدية أيضًا.
وترك البيئة الخاطئة، تَحَدَث عنه داود النبي في المزمور الأول عن الإنسان البار الذي: "الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1: 1). وقال أيضًا القديس بولس الرسول: "إِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
وفي الشريعة أَمَرَ الرب بالبُعد عن الخُلطة الوثنية والنساء الغريبات. وقَدَمَ لنا الرب خبرة في حياة سليمان وشمشون. فقيل: "وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ" (1مل11: 4). وهكذا أضاع شمشون نذره وأذله الأعداء نتيجة لخُلطته الخاطئة مع النساء الغريبات. (قض 16).
وحَسَبْ أمر الله، ترك أَبْرَامَ أرضه وبيت أبيه.
أول هجرة
أول هجرة
وكان خروج إبراهيم من أرضه، أول هجرة مقدسة.
كانت هجرة بأمر الله. لم يَسعَ إليها أبونا إبراهيم. ولم تكن تُحقق إحدى شهواته أو مَصالِحَهُ. بل لم يكن يعرف إلى أين يذهب. (عب11: 8). بل كان الغرض أن يلتقي بالله في مكان يمكن أن يعبده فيه.
مثلها هجرات أخرى ذكرها الكتاب وكانت للخير:
كهجرة رفقة التي تَرَكَت بيت أبيها لتذهب إلى إسحاق زوجةً له. وككُل عروس تطيع قول الكتاب: "اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَانْظُرِي، وَأَمِيلِي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ..." (مز45: 10). ونفس هذه العبارة من المزمور استخدمها القديس جيروم في مجال رهباني. فكل الرهبان أطاعوا نفس العبارة التي قيلت لأبينا إبراهيم: "اذْهَبْ مِنْ أرضكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأرض الَّتِي أُرِيكَ" (تك12: 1).
ونفس هذه الهجرة رمز للكنيسة التي هجرت أمور العالم لتتحد بالرب. ورمز أيضًا لحياة الغُربة وحياة التكريس، والدعوة الإلهية، وتنفيذ مشيئة الله. كما قيل عنه: "لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ" (عب11: 8).
وكانت دعوة مصحوبة بوعد، أي ببركة، وبركة شاملة:
البرَكة
البرَكة
قال له الرب: "فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأرض" (تك12: 2، 3).
منذ أن خلق الله الإنسان، منحه البركة. هكذا بارك آدم وحواء ببركة السُلطة والكثرة (تك1: 28). ونفس البركة منحها لنوح وأولاده (تك9: 1، 2). وهذه هي البركة الثالثة منحها لإبراهيم وبنيه.
جعله الرب مباركًا. وأيضًا يكون بركة.
جميل أن يكون أبناء الله بركة للزمان الذي يعيشون فيه، وأيضًا للمكان الذي يحلون فيه. مثلما كان إيليا بركة في بيت أرملة صرفة صيدا. وإذا: "كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ" طول مدة المجاعة (1مل17: 14). كما أقام ابنها من الموت.
كذلك كان أليشع بركة في بيت الشونمية (2مل 4).
وكان يوسف الصديق بركة في بيت فوطيفار. ويقول الكتاب: "أَنَّ الرَّبَّ بَارَكَ بَيْتَ الْمِصْرِيِّ بِسَبَبِ يُوسُفَ. وَكَانَتْ بَرَكَةُ الرَّبِّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ فِي الْبَيْتِ وَفِي الْحَقْلِ" (تك39: 5). بل كان يوسف أيضًا بركة لكل أرض مصر، فَنَجَتْ من المجاعة، وأشبعت الشعوب المحيطة...
وفوق الكل كانت العائلة المقدسة بركة في أرض مصر. وقال الرب: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (إش 19: 25). وصار "مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أرض مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا" وصار الرب يُعرف في أرض مصر، "وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ" (إش19: 19، 21).
جميل أن الرب يبارك أولاده، ويبارك الناس بهم.
هكذا كان الآباء يباركون أبناءهم. وكان الأبناء يتهافتون على بركة آبائهم، كما تنافس يعقوب وعيسو على نوال بركة أبيهما إسحاق (تك27). وكما قدم يوسف الصديق ابنيه أفرايم ومنسى لأبيه يعقوب لكي يباركهما. واهتم بوضع يد أبيه اليُمنى على أكبرهما (تك48: 8- 19).
بالإضافة إلى بركة الآباء، كانت بركة الأنبياء والكهنة.
وأمثلتها كثيرة جدًا في الكتاب المقدس. وقد لَقَّن الرب موسى وهارون بركة يباركون بها الشعب. وأنتم تعرفون أن كل اجتماع في الكنيسة إنما يُختم بالبركة. فيقول الكاهن للشعب: "محبة الله الآب، ونعمة ابنه الوحيد، وشركة وموهبة وعطية الروح القدس، تكون مع جميعكم" (2كو13: 14).
المكان
المكان
على أن الله بارك أبانا إبراهيم في المكان الذي اختاره الرب.
كانت بركة الرب له نتيجة لهجرته التي أَمَرَه الرب بها، وفي الموضع الذي عَيَنَهُ الرب. يُذكرنا هذا بتلك العبارة التي قيلت في سفر النشيد: "... هُنَالِكَ أُعْطِيكَ حُبِّي" (نش7: 12). وبقول الرب للمريمتين بعد القيامة: "قُولاَ لِإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت28: 10).
إن الله يحدد المكان الذي نراه فيه، والذي يعطينا فيه حب. فليس كل مكان يمجد الله. وليس كل مكان نرى فيه الله.
يذكرنا هذا أيضًا بأن بعض الكهنة يختارون مكانًا يخدمون الله فيه. وقد يصرون على مكان مُعين، ويرفضون مكانًا آخر!!
إن إبراهيم مثال للشخص الذي لا يختار لنفسه مكانًا. لا من جهة البقاء في أور، ولا من جهة المكان الذي هاجر إليه، ولا المكان الذي يعيش فيه عندما حدث خلاف بين رعاته ورعاة لوط، بل ترك الأمر لحرية اختيار لوط (تك13: 8، 9).
المكان الذي يختاره الرب لنا، هو المكان الأصلح، إن كانت لنا حياة التسليم. وهكذا حدث حينما اختار الله لبولس الرسول أن يخدم في مقدونية (أع16: 6-10).
قال الرب لأَبْرَامَ: "اذْهَبْ... إِلَى الأرض الَّتِي أُرِيكَ" (تك12: 1). ولم يُرِهِ الأرض وقتذاك. وتركه يذهب وراءه إلى المجهول.
يكفي دعوة الرب أن نذهب وراءه. وليس لنا أن نتأكد من المكان. المكان الذي يكون الرب فيه، ويرعانا فيه، هو المكان الصالح.
قال الرب لسمعان وأندراوس: "هَلُمَّ وَرَائِي..." (مت4: 19). ولم يَقُلْ لهما إلى أين. ولا هما سألاه إلى أين؟! وإنما تَرَكا شباكهما وتبعاه. وقال لمتى- وهو في مكان الجباية - "اتْبَعْنِي" (مت9: 9). ولم يَقُل له إلى أين يتبعه، ولا سأله متى عن ذلك. وإنما: "قَامَ وَتَبِعَهُ"...
وهكذا فعل أبونا إبراهيم، وكأنه يقول للرب: أنا لا أسألك يا رب عن المكان الذي تقودني إليه. يكفي أنك تكون معي فيه...
قد يحدد الرب مكانًا يختلي فيه مع من يحبه. كما اختار جبل سيناء حيث التقى مع موسى النبي، وسَلَّمه الشريعة، وحيث لمع وجه موسى بالنور، حتى احتاج إلى بُرقع ليستطيع الناس أن ينظروا إليه (خر34: 29- 35).
لقد اختار لوط لنفسه الأرض المُعْشِبَة، وكان اختيارًا رديئًا.
وقال عنه الكتاب: "كَانَ الْبَارُّ بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ" (2بط2: 8). ثم حدثت له هناك تجربتان: الأولى سبي سادوم، حيث وقع مع أهلها في السبي، ونجاه أَبْرَامَ الذي لم يختر لنفسه مكانًا (تك14: 11- 16). والثانية حرق سادوم ونجاته بأعجوبة بشفاعة إبراهيم.
نلاحظ في دعوة إبراهيم مشكلة رفقائه. إذ أمره الرب ليس فقط أن يترك أرضه، وإنما أيضًا "بيت أبيه". ولكنه سلك في ذلك بالتدرج. إذ أنه ترك أرضه. ولكنه كان معه أبوه تارح، ولوط ابن أخيه هارون (تك11: 31). (تك12: 5) ... ولذلك لم يسترح إلا بعد أن انفصل عن هذين: عن أبيه تارح الذي مات في حاران (تك11: 32)، وعن لوط ابن أخيه الذي تركه وسكن في سادوم (تك13: 12).
ترك مِن أجله
ترك مِن أجله
المهم أن أبانا إبراهيم بدأ حياته مع الله بترك أرضه وعشيرته.
ونفس الوضع كان بالنسبة إلى الآباء الرسل: لم يكتفوا بأن تركوا الشِباك وتركوا السفينة كصيادين وتبعوا الرب (مت3: 20، 22). وإنما قال القديس بطرس أيضًا للرب: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت19: 27).
وأنت ماذا تترك من أجل الرب؟ تترك حياتك الخاطئة بالتوبة، وتترك من مالك العشور والبكور وما يطلبه منك المحتاجون، وتترك شهوة الطعام بالصوم. وتترك من وقتك يومًا للرب، وأجزاء من وقتك للصلاة والعبادة. وتترك أصدقاء السوء كما يأمر المزمور (مز1). بل تترك أهل بيتك إن انطبق عليهم قول الرب: "أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ" (مت10: 36). أو إن انطبق عليهم قول الرب أيضًا: "مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37).
على أن أبانا إبراهيم لم تقتصر حياته على عُنصر التَرْك من أجل الرب، إنما كانت له فضائل كثيرة.
فضائل إبراهيم
فضائل إبراهيم
أول ما نذكره في فضائله: حياة الطاعة والتسليم. فلما دعاه الرب إلى ترك أرضه وعشيرته، "أَطَاعَ... وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ (يذهب) يَأْتِي" (عب11: 8). ولما أمره الرب أن يقدم ابنه وحيده إسحاق محرقة، لم يتوان، بل أخذه معه، وأخذ الحطب والسكين، ورفع يده ليذبحه (تك22: 9، 10).
يتميز إبراهيم بفضيلة أخرى هي الكرم: فلما جاءه ثلاثة ضيوف، اختار عجلًا رخصًا وسَلَّمه للغلام ليطبخه. بينما كان يكفي الثلاثة أن يذبحوا لهما ديكًا أو على الأكثر ماعزًا أو خروفًا. كما أمر بتقديم ثلاث كَيلات دقيقًا لتُصنع لهم خبزًا. بالإضافة إلى ما قدمه من لبن وزُبد (تك18: 6- 8). كل ذلك ليأكل الضيوف، ويأكل أيضًا الرعاة والخَدَمْ فرحًا بقدوم الضيوف.
يتميز إبراهيم أيضًا بالتواضع: فلما أتاه الضيوف، سجد لهم إلى الأرض وغسل أرجلهم، وقال لهم: "آخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ" (تك18: 5). كذلك سجد لبني حث (تك23: 7). في مناسبة شرائه أرضا منهم لتكون مقبرة.
تميز إبراهيم أيضًا بالنخوة والشجاعة: وظهر ذلك واضحًا في قصة سبي لوط مع أهل سادوم. إذ يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامَ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ... وَاسْتَرْجَعَ كُلَّ الأَمْلاَكِ، وَاسْتَرْجَعَ لُوطًا أَخَاهُ أَيْضًا" (تك14: 14، 16).
وفي ذلك الحادث تميز بعفة اليد أيضًا. فلما عرض عليه ملك سادوم أن يأخذ الأملاك التي استردها، رفض قائلًا: "لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطًا وَلاَ شِرَاكَ نَعْل... فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ" (تك14: 23).
وتميز أيضًا باحترام الكهنوت (مع أنه كان كاهنًا لأسرته). فسمح لملكي صادق كاهن الله العَلِيّ أن يباركه. وقدم له إبراهيم العشور (تك14: 18- 20).
وتميز إبراهيم أيضًا بأنه رجل المذبح. ففي كل مكان ينتقل إليه، كان يبني مذبحًا للرب، ويُصعد له محرقات (تك12). وكان رجل الخيمة التي تُمثِل في سيرته حياة الغربة. إذ ليست لنا هنا مدينة باقية.
وكان يتميز أيضًا بالشفاعة في غيره، واللجاجة مع الله في ذلك.
وقد ظهر هذا بوضوح في شفاعته في أهل سادوم، بدالة كبيرة، حتى قال له الله أخيرًا: إن وُجد فيها عشرة، لا أُهلك المدينة لأجل العشرة (تك18: 23 - 32).
وتميز إبراهيم ببعده عن الخصومة. ويظهر ذلك في علاقته مع لوط (تك13). وفي علاقته الطيبة مع زوجته سارة.
حدثتكم عن كثير من فضائل أبينا إبراهيم.
وأحدثكم الآن عن بعض ضعفاته، هذا القديس العظيم الذي لا نستحق تراب قدميه... ولكن هكذا قدّم لنا الكتاب حياة القديسين.
ضعفاته
ضعفاته
لم يقدمهم لنا كبشر معصومين من الخطأ، وإنما كبشر مثلنا غير أن النعمة عملت في استعدادهم الشخصي فرفعتهم إلى مستوى عالٍ.
وكمثال فإن إيليا النبي العظيم الذي بصلاته أغلق السماء وفتحها، قال عنه الكتاب: "كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا" (يع5: 17). وبطرس الرسول مثلًا- مع كونه خاف وأنكر- لا يمنع ذلك من أنه كان قديسًا عظيمًا. ولكن له بعض ضعفات. وداود النبي أيضًا كنت له ضعفاته وخطاياه، ومع ذلك قيل إنه: كان "قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ" (1مل11: 4)..
وأبونا إبراهيم أبو الآباء، حدثت له تجربة أظهرت بعض ضعفاته:
يقول الكتاب: "وَحَدَثَ جُوعٌ فِي الأرض، فَانْحَدَرَ أَبْرَامَ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأَنَّ الْجُوعَ فِي الأرض كَانَ شَدِيدًا. وَحَدَثَ لَمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: «إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ. فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ" (تك12: 10- 13).
* أول خطأ هنا أن أَبْرَامَ خاف من الجوع، ولم يؤمن أن الله يمكن أن يرعاه في الأرض الي أراه إياها (تك12: 1). وثاني خطأ أنه اعتمد على الذراع البشري، ولجأ إلى مصر لتحميه من الجوع.
وكانت مصر مشهورة جدًا بخصوبة أرضها وبمحصولها الوفير من القمح. فكان يلجأ إليها سكان البلاد المجاورة في أيام المجاعات، كما حدث فيما بعد أن لجأ إليها أبناء يعقوب حفيد إبراهيم في وقت المجاعة أيام يوسف الصديق (تك42: 1- 3). وقيل أيضًا - بعد قرون طويلة - إن مصر كانت مخزن غلال للإمبراطورية الرومانية.
ولذلك فإن الله - في أيام إشعياء النبي - قد منع النزول إلى مصر طلبًا للمعونة... فلو أن أبانا إبراهيم قد انتظر الرب في وقت المجاعة، لكان الله قد عاله كما عال إيليا النبي (1مل17: 4، 9)، وكما عال أيضًا الشعب في برية سيناء أربعين عامًا بالمَنّ والسَلوَى ... لكنه خاف وتَعَجَّل الذهاب إلى مصر وقت المجاعة.
* ولم يذهب إلى هناك بأمر من الرب أو برضى منه.
فارق الأرض التي أمره الرب أن يذهب إليها، وانحدر ليتغرب... وكان في نزوله على عكس حفيده يعقوب الذي قال له الرب: "أَنَا اللهُ، إِلهُ أَبِيكَ. لاَ تَخَفْ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا" (تك46: 3، 4).
ولأن أَبْرَامَ نزل على عكس مشيئة الله، أصابته تجربة أخرى. والعجيب أنه كان يعرف بأمر هذه التجربة.
ولذلك قال لامرأته ساراي: "يَكُونَ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي...".
ما دمت يا أبانا أَبْرَامَ تعرف أنه ستُصيبك تجربة بسبب جمال امرأتك، فلماذا ذهبت إلى هناك بقدميك وأنت تعلم؟! ولماذا دخلت إلى مصر، وأنت خائف مما سوف يحدث؟!
* الخوف من المجاعة جعله يلجأ إلى الذراع البشري لإعانته.
والخوف من الموت، جعله يُنكر أن سارة امرأته ويقول إنها أختي.
حيلة بشرية بعيدة عن الصدق. والظاهر أنه اعتادها فكررها مرة أخرى حينما ذهب إلى جرار، وعرَّض امرأته أن يأخذها أبيمالك على اعتبار أنها أخت أَبْرَامَ وليست زوجته.
والدليل على أنها أصبحت عادة له، قوله لأبيمالك: "وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي" (تك20: 13).
وقد حاول أن يُغطي هذه الحيلة البشرية، حتى لا يُقال عنه إنه كذب. فقال في قصته مع أبيمالك: "وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً" (تك20: 12).
كان مثل هذا الزواج مسموحًا به في العصور الأولى للبشرية.
ولكنه أُلغِيَّ في شريعة موسى، كما أمر الرب في سفر اللاويين (لا18: 9).
* في قوله: "هي أختي"، وعدم قوله: "وهي امرأتي أيضًا" استخدم أسلوب أنصاف الحقائق الذي يُفْهَم على أنه كذب.
وهنا كان يقصد فعلًا أنهم لا يفهمون أنها زوجته...
ولمقاومة أنصاف الحقائق التي تُعتبر كذبًا، حسنًا أنه في ساحة القضاء يُقسِم الشاهد بأن يقول "الحقُّ كلّ الحقِّ ولا شيء غير الحق". فليس المهم فقط حرفية الألفاظ التي يقولها الشخص مُدعِيًا أنها صدق. بل الأهم هو ما يفهمه السامع من قول القائل.
والذي فهمه فرعون (تك12)، والذي فهمه أبيمالك (تك20) أن ساراي ليست امرأة أَبْرَامَ. لذلك أخذها كل منهما لتكون زوجة له.
* وبهذا الأسلوب سَبَّبَّ أَبْرَامَ عثرة لفرعون وعثرة لأبيمالك.
واستحق أن يوبخه كل منهما على تصرفه.
"فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ لِمَاذَا قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟" (تك12: 18، 19). وأيضًا نفس التوبيخ سمعه من أبيمالك: "دَعَا أَبِيمَالِكُ إبراهيم وَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟ وَبِمَاذَا أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟ أَعْمَالاً لاَ تُعْمَلُ عَمِلْتَ بِي" (تك20: 9).
حقًا إنه لأمر مخجل، أن رجلًا علمانيًا، وأُمميًا ليس من شعب الله يوبخ نبيّ الله العظيم، الذي قال له الرب: "وَتَكُونَ بَرَكَةً" (تك12: 2).
* أبونا إبراهيم لم يُسبب فقط عثرة لفرعون ولأبيمالك، إنما أيضًا عَرَّضهُما لغضب الله... على غير ذنب منهما.
وهكذا في حالة فرعون قرأنا أنه كُتب "فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ" (تك12: 17).
وفي قصة أبيمالك قيل: "فَجَاءَ اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمِ اللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا، فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْل"، وقال أبيمالك: "يَا سَيِّدُ، أَأُمَّةً بَارَّةً تَقْتُلُ؟ أَلَمْ يَقُلْ هُوَ لِي: إِنَّهَا أُخْتِي، وَهِيَ أَيْضًا نَفْسُهَا قَالَتْ: هُوَ أَخِي؟ بِسَلاَمَةِ قَلْبِي وَنَقَاوَةِ يَدَيَّ فَعَلْتُ هذَا. فَقَالَ لَهُ اللهُ فِي الْحُلْمِ: أَنَا أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذَا. وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا. فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ" (تك20: 3- 7).
* وأبونا إبراهيم لم يُسبِب فقط عثرة وغضبًا من الله لفرعون ولأبيمالك، إنما أيضًا سَبَبَ عثرة لزوجته وتجربة.
في قوله لها: "قولي إنك أختي". وفي طاعتها له وقولها: "هُوَ أَخِي". وفي تعرضها مرة أن يأخذها إلى بيت فرعون (تك12: 15).
ومرة أخرى "أَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَ سَارَةَ" (تك20: 2).
مسكينة هذه المرأة القديسة فيما تعرضت له من تجارب وعثرات بسبب خوف زوجها من القتل، وبسبب طاعتها له. لا شك أنها كانت في ألم وحرج شديدين، وفي خوف مما كان ممكنًا أن يحدث!!
والعجيب أن أَبْرَامَ في تضحيته بامرأته، التمس لنفسه عذرًا، فقال: "إِنِّي قُلْتُ: لَيْسَ فِي هذَا الْمَوْضِعِ خَوْفُ اللهِ الْبَتَّةَ، فَيَقْتُلُونَنِي لأَجْلِ امْرَأَتِي" (تك20: 11).
يا أبانا أَبْرَامَ، وما دُمت تعلم أن ذلك الموضع ليس فيه خوف الله، فلماذا ذهبت إليه؟! ولماذا تُعَرِّض نفسك للحِيَّل البشرية وللكذب؟ وكيف تُضحي بامرأتك لكي يستبقوك أنت؟! وماذا كان شعورك وهم يأخذون امرأتك أمامك، لتكون زوجة لرجل آخر؟!
* حقًا إن خطية تقود إلى خطية أخرى، بل إلى سلسلة من الخطايا
الذهاب إلى مكان ليس فيه خوف الله، يؤدي إلى الخوف من الموت. وهذا الخوف يؤدي إلى التحايُل البشري. والتحايُل يؤدي إلى الكذب، والكذب يؤدي إلى العثرة، والعثرة تؤدي إلى التضحية بالزوجة، من أجل حرصك على استبقائك...
* أَبْرَامَ تخلى عن زوجته لأجل نفسه. ولكن الله لم يتخلَّ عنها.
تولى قيادة الموقف، تدخل لحماية سارة، هذه التي سوف يأتي من نسلها المُخلص والفادي. حماها من ملكين اشتهيا هذه العجوز الجميلة، وأخذاها لتكون زوجة، في غير اكتفاء بما عندهما من زوجات! فضرب فرعون، وهدد أبيمالك بالموت، وأُعيدت ساره سالمة إلى بيت زوجها الخائف.
* عجيب قول أبينا إبراهيم لزوجته سارة: "قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ" (تك12: 13)
أية حياة هذه يا أبي، وأي خير يكون لك، حينما تؤخذ زوجتك منك إلى بيت رجل آخر؟! وهل تكون لك راحة في ضميرك؟! كان خيرًا لك لو اضطررت إلى الذهاب إلى بلد آخر ليس فيه خوف الله، أنك تذهب وحدك بدون زوجتك، ما دُمت غير قادر على حمايتها، وما دُمت خائفًا على نفسك!!
* إنها جرأة مني أنني كلمتك بهذه الصراحة، بينما الله في حنوه، العارف بضعف طبيعتنا، لم يتوجه إليك بأي لوم.
بل على العكس قال لأبيمالك عنك: "رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا" (تك20: 7).
حقًا، كما قال داود النبي: "أقع في يد الله، ولا أقع في يد إنسان، لأن مراحم الله كثيرة" (2صم24: 14).
وفي حنوه أيضًا، قام الرب - عوضًا عنك - بحماية سارة ما دُمت لم تستطع أن تحميها، بل فضلت ذاتك عليها.
سامحني يا أبي القديس، فإن لك فضائل كثيرة تُغطي على هذه الضعفات التي كشفها ذهابك إلى مصر، وإلى أرض جرار...
* نقطة أخرى أقولها في تجربة ساراي في مصر، وهي قول الكتاب: "فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ" (تك12: 15، 16).
عجيب أن أَبْرَامَ قبل كل هذا (الخير) من فرعون!! أكان هذا يُغني عن سارة زوجته؟! أما كان ثمنًا لسارة؟! وهل كل يوم كان أَبْرَامَ ينظر إلى هذا الغِنَى، كان يذكر سارة فيتألم؟! أم كان أَبْرَامَ يتضرع في صلواته أن ينجيه الرب من هذه التجربة. يقينًا إنه كان يصلي، وإن كان الكتاب لم يذكر.
على أن أَبْرَامَ في نضوجه الروحي، رفض مثل هذا الغِنَى من ملك سادوم بعد إنقاذه سبي سادوم. فقال له ملكها: "أَعْطِنِي النُّفُوسَ، وَأَمَّا الأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ". فَقَالَ أَبْرَامَ لِمَلِكِ سَدُومَ: رَفَعْتُ يَدِي إِلَى الرَّبِّ الإِلهِ الْعَلِيِّ مَالِكِ السَّمَاءِ وَالأرض، لاَ آخُذَنَّ لاَ خَيْطًا وَلاَ شِرَاكَ نَعْل وَلاَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ لَكَ، فَلاَ تَقُولُ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ" (تك14: 21- 23).
* ملاحظة أخرى أحب أن أقولها فيما تعرضت له ساره من تجربة:
وهي عمل الحاشية المحيطة بالملوك وتظن أنها مخلصةّ!
قيل في ذلك: "أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا الْمَرْأَةَ (سارة) أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. (أي جميلة جدًا) وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ (أي الرؤساء العاملين عند فرعون)، وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ" (تك 12: 14، 15) ... عجبًا على هؤلاء الرجال الذين يظنون أرضاء فرعون بأن يجلبوا له امرأة جميلة لتُضَم إلى بيته كزوجة، مع أنها امرأة غريبة...
وهنا أذكر أن سارة الجميلة كانت عجوزًا.
كان الفرق في العمر بينها وبين زوجها أَبْرَامَ عشر سنوات. ففي حبلها باسحاق، كان عمر أَبْرَامَ مائة سنة وعمرها تسعين (تك17: 17).
وحينما خرج أَبْرَامَ من أرضه وبيت أبيه كان عمره 75 سنة (تك 12: 4). إذًا كان عمرها وقتذاك 65 سنة. وغالبًا حينما ذهبت إلى مصر كان عمرها حوالي السبعين. أما حين ذهبت إلى جرار في (تك20: 2). بعد وعد الله لها بالنسل في (تك 17: 17)، وفي (تك18: 11-13) كانت في حوالي التسعين من عمرها ولذلك تَعَجَبَتْ من وعد الله لها وقالت: "أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ" (تك18: 13). ومع ذلك كانت جميلة جدًا، فأخذها أبيمالك لتكون له زوجة!
****
تجربة أخرى تَعَرَضَ لها أبونا إبراهيم. وهي مشكلته مع لوط.
نسل إبراهيم
نسل إبراهيم
على الرغم من محبة الرب لأبينا إبراهيم، إلا أنه مرت سنوات طويلة لم يُعْطِهِ فيها نسلًا. عندما خرج من بيت أبيه كان عمره 75 سنة ولم يكن له نسل. ووعده الله قائلًا: "أَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً" (تك12: 2). وأَبْرَامَ قال للرب: "إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلاً" (تك15: 3).
حقًا إن "الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (مز127: 3).
* وهذه حقيقة يوضحها لنا الكتاب. مثال ذلك راحيل زوجة يعقوب:
* يقول الكتاب: "فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ! فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟" (تك30: 1، 2). وفيما قال الكتاب: "وَذَكَرَ اللهُ رَاحِيلَ، وَسَمِعَ لَهَا اللهُ وَفَتَحَ رَحِمَهَا" (تك30: 22). وقبل ذلك قيل: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ لَيْئَةَ مَكْرُوهَةٌ فَفَتَحَ رَحِمَهَا" (تك29: 31).
* إذًا يأتي البنون حسب مشيئة الله: حنة امرأة ألقانه، التي صارت فيما بعد أم صموئيل، وكانت عاقرًا صلت إلى الله وهي مُرّة النفس، وقالت: "إِنْ... أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1صم1: 11).
* وداود قال له الرب: "أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ... هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي... إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ... وَلكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ" (2صم7: 12- 15).
* وهكذا وعد الله أَبْرَامَ أن يعطيه نسلًا، وكرر الوعد مرارًا. لكن أَبْرَامَ لما طالت عليه المدة، لجأ إلى العمل البشري، وليس المشيئة الإلهية.
قالت له ساراي: "هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ" (تك16: 2). فأخذ هاجر فعلًا. دخل عليها وللحال حبلت بابن.
العجيب أن الطرق البشرية تأتي بنتيجة سريعة أكثر من مشيئة الله.
نجحت السنة الأولى مع هاجر أكثر من عشرات السنوات مع ساراي. لكنها حبلت ليست بمشيئة الله، بل بالطرق البشرية. لذلك قال له الرب: "بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ" (تك17: 19).
هاجر هذه كانت جارية ساراي، وفي حبلها يُسجل لنا الكتاب حقيقة مُرة وهي: "لَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا" (تك16: 4).
حقًا إن ساراي امرأة قديسة. لكن لما رأت أنها صغُرت في عيني جاريتها، عرفت كيف تؤدبها، فأذلتها. ليس سهلًا أن امرأة تقع في يد امرأة أخرى...! إنها لم تُذلها فقط، بل غضبت على زوجها أَبْرَامَ لأول مرة. وقالت له: "ظُلْمِي عَلَيْكَ... يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ" (تك16: 5). وأَبْرَامَ الرجل المُسالم، قال لها: "هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلِي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ. فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا" (تك16: 6)
عبارة "لَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا" قاسينا نحن من أمثالها في مجال الرعاية. يحدث أن أحد الآباء الكهنة يبدأ أن يكون له شعبًا، حينئذ يصغُر أسقفه في عينيه!! أو أي خادم يصيبه النجاح، يصغُر الكبار في عينيه.
هربت هاجر. ولم يتركها الله. ظهر لها ملاك الرب وسألها عن حالها، فقصت عليه قصتها. فقال لها: "يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ... ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا" (تك16: 8، 9).
أي أن الله ساند ساراي، وما أكثر المواقف التي ساندها فيها.
وقف معها ضد فرعون، وضد أبيمالك، وضد هاجر. كانت قديسة صامتة وهادئة. وحتى لما خرجت عن هدوئها وغضبت، ساندها أيضًا. وأرسل ملاكه يقول لهاجر: ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يديها. لا تنسي أنك جارية ساراي.
ومع ذلك سيكون لك ابن، ويدعى إسماعيل "يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ" (تك16: 11، 12).
المهم أن هذه التجربة البشرية- مع هاجر- لم تنجح. لأن مشيئة الله كانت أن يُرزق إبراهيم بنسل من سارة...
العجيب أن أبانا إبراهيم كان أحيانًا يخطئ ثم يعتاد الخطأ.
في تجربته مع فرعون، قال لسارة: "قولي إنك أختي"... ثم عاد وكرر نفس الأمر في تجربته مع أبيمالك. كأنها صارت له عادة.
وأيضًا في موضوع النسل، دخل تجربة النسل بطريقة بشرية مع هاجر... ومع أن الله رفض نسله من غير سارة، عاد فيما بعد، وأخذ قطورة زوجة له. لم يكن ذلك ليكون له نسل، لأنه قد صار له نسل بإسحاق. ولكن لأن النسل لم يكن بعد قد صار كعدد نجوم السماء وتراب الأرض، والرمل.
فبعد موت سارة بثلاث سنوات، وكان عمره 140 سنة أخذ قطورة. سارة ماتت وعمرها 127سنة (تك23: 1). وهو أكبر منها بعشر سنوات، أي كان عمره عند موت سارة 137سنة. بعد ذلك يقول الكتاب: "وَعَادَ إبراهيم فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا. وَوَلَدَ يَقْشَانُ: شَبَا وَدَدَانَ. وَكَانَ بَنُو دَدَانَ: أَشُّورِيمَ وَلَطُوشِيمَ وَلأُمِّيمَ. وَبَنُو مِدْيَانَ: عَيْفَةُ وَعِفْرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ. جَمِيعُ هؤُلاَءِ بَنُو قَطُورَةَ" (تك25: 1- 4).
حقًا إن الطرق البشرية قد تأتي بنتائج سريعة، ليس من الله!
ولكن كل هذه النتائج لم تكن حسب مشيئة الله. ولذلك يقول الكتاب: "وَأَعْطَى إبراهيم إِسْحَاقَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ. وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي كَانَتْ لإبراهيم فَأَعْطَاهُمْ إبراهيم عَطَايَا، وَصَرَفَهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِهِ... وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ" (تك25: 5، 6).
ممكن أن الطرق البشرية تأتي بأشوريم، ولطوشيم، ولأميم. ويمكن أن تأتي بيقشان وددان، ولكن لا تأتي بإسحاق. كله مجهود بشري ضائع لم يباركه الرب. ولم يكن له من كل هؤلاء نسل كنجوم السماء ورمل البحر.
إبراهيم كان مشكلته أن يكون له نسل. وكان النسل وقتذاك بركة عظيمة... حاليًا الناس يمنعون النسل (عكس أيام أبينا إبراهيم). أو يلجأون إلى النسل بطرق بشرية أخرى - ليس من الجواري والسراري - بل بالعمليات الجراحية، أو البويضات المُخصبة. وطبعًا البُويضة المُخصبة التي تأخذها امرأة من البنك وتضعها في رحمها هي خطية 100% فالبويضة ليست منها. إذًا ليست هي الأم الحقيقية. كما أنها مُخصبة من رجل غير زوجها، فلا يجوز أن تدخل في رحمها...
نعود إلى قصتنا فنقول: لما وعد الله إبراهيم بنسل من سارة "سَقَطَ إبراهيم عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟" (تك17: 17) لم يكن أمامه قول الإنجيل: "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27). "لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللَّهِ" (مر 10: 27).
وأيضًا لما قال الله لسارة: أنه سيكون لها نسل، فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟ فسأل الرب إبراهيم "لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ... هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟" (تك18: 12، 13). حينئذ "أَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: لَمْ أَضْحَكْ. لأَنَّهَا خَافَتْ. فَقَالَ: لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ".
عجيب أنها كذبت في حضرة الله. ولكن القديسين لهم أيضًا هفوات لم يحاسبهم عليها الله، كما قال داود: "إن كنتَ للآثامِ راصدًا يا رَبُّ، يا رَبُّ مَن يَثبُتُ. لأنّ مِن عِندِكَ المَغفرَةَ" (مز130: 3).
قالت: "أبعد فنائي يكون لي تَنَعُم، وسيدي قد شاخ؟!" بعد فنائها أي بعد أن كان جسمها لا يُنتِج بويضات. "يكون لي تَنَعُم" أي يكون لي ابن أفرح بولادته.
أما عبارة: "وسيدي قد شاخ" فقد رد عليها أَبْرَامَ عمليًا لما أخذ قطورة وأنجبت له مجموعة من الأبناء بعد ذلك بأربعين سنة.
وكأنه يقول: أنا لم أشخ بعد... وحتى إن كان إبراهيم قد شاخ، فبذرة الحياة كانت لا تزال موجودة فيه. عجيب أن البعض يستصعبون عمل الله ومعجزاته، ويضحكون في سرَّهم.
طبعًا المرأة العاقر، من المستحيل - حسب الطبيعة - أن تلد. ولكن الله قادر على أن يجعلها تلد. وسفر إشعياء يقول: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. أَشِيدِي بِالتَّرَنُّمِ أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَمْخَضْ، لأَنَّ بَنِي الْمُسْتَوْحِشَةِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي ذَاتِ الْبَعْلِ، قَالَ الرَّبُّ" (إش54: 1).
العجيب أن العواقر اللائي منحهن الرب أولادًا، صار أولادهن من أعظم الأبناء.
* أليصابات كانت عاقرًا وعجوزًا أيضًا. وقد منحها الله أن تلد يوحنا المعمدان الذي صار أعظم من ولدته النساء (مت11: 11).
* حنة امرأة ألقانه التي كانت عاقرًا، وكانت ضُرتها فننه تُغيظها، ولدت ابنًا من أعظم الأنبياء هو صموئيل الذي كان أول من مَسح الملوك بقنية الدهن التي معه.
* وراحيل التي كانت عاقرًا، أنجبت يوسف الذي صار مثالًا للطهارة (تك39)، والذي كان الله معه وكان إنسانًا ناجحًا، وصار أبًا لفرعون ومُتسلطًا على كل مصر.
لاحظوا في ذلك الزمان أن العُقم كان لاصقًا بامرأة.
حاليًا نسمع عن رجال مصابين بنفس العُقم.
تجربَة إسحاق
تجربَة إسحاق
منح الله ابنًا لإبراهيم هو إسحاق. ولما كبُر، قال له: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ... وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ" (تك22: 2).
كانت تجربة فوق الطبيعة، وأصعب تجربة تمُر بأَب انتظر هذا الابن، حتى وُلد له في شيخوخته! فكيف يذبحه بيده؟!
ولكن إبراهيم لم يكن يناقش الله، بل كان يُطيع في إيمان.
فَبَكَرَ إبراهيم صباحًا جدًا (قبل أن تصحو سارة من نومها).
وأخذ معه حطب المحرقة والنار والسكين. وذهب ليُنَفِذْ أمر الله في ابنه... وفي كل ذلك ما كان يشُك في محبة الله ورعايته له. وما كان يشُك أيضًا في عودة ابنه إسحاق إليه!!
ولم ينكسر قلبه حينما قال له إسحاق: "هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟". ولم تَتَفَتَتْ أحشاؤه وهو يربط ابنه وحيده ويضعه على المذبح فوق الحطب!
لقد نفذ وصية الله قبل أن يقولها الرب يسوع، وهي:
"مَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37).
لذلك منعه الرب من ذبح ابنه؛ تكفي نيته الصادقة.
ومنحه البركة أن يكون نسله كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر (تك22: 17). ومع بركات أخرى كثيرة.
لوُط (مَع عَمه إبراهيم)
لوُط (مَع عَمه إبراهيم)
الفرق بينهمَا
يقدم لنا الكتاب المقدس نوعين من الشخصيات:
* النوع الأول نوع مقصود بذاته، له أهميته، مثل أبينا إبراهيم أبي الآباء، الذي كان اسمه أولاً أَبْرَامَ، والذي ذكر الكتاب سيرته وما مرّ بحياته من أحداث إلى يوم وفاته ودفنه.
* أما النوع الثاني من الأشخاص، فقد ذُكرت حياته عرضًا على هامش حياة شخصية مهمة. ومن هذا النوع لوط ابن أخي إبراهيم.
* أَبْرَامَ دعاه الله أن يخرج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه إلى الأرض التي يريه الله إياها (تك12: 1). ولوط لم يتلقَ دعوة من الله. ولكن عمه أَبْرَامَ - لما خرج - أخذه معه (تك12: 5). ولعلني هنا أسأل: ما دام لوط كان من عشيرة أَبْرَامَ ومن بيت أبيه، فكيف أخذه؟ وقد كان ذلك ضد أمر الله له أن ينفصل عن كل عشيرته!
* نال أَبْرَامَ بركة من الله في دعوته. وقال له الله: "أباركك، وأبارك مباركيك... وتكون بركة" (تك12: 2، 3). ولم يذكر الكتاب أن لوطًا نال مثل هذه البركة.
* كان أَبْرَامَ في كل مكان يحل فيه يبني مذبحًا للرب، ويدعو باسم الرب (تك12: 8)، (تك13: 18). أما لوط فلم يقل الكتاب إنه بنى مذبحًا للرب، أو أنه دعا باسم الرب. لعله كان فقط ينتفع ببركة مذبح أَبْرَامَ عمه.
* ذكر الكتاب أكثر من مرة، أن الله ظهر لأَبْرَامَ وكلّمه، وأيضًا قَبِلَ شفاعته. ولم يذكر مرة واحدة أن الله ظهر للوط أو كلمه. وفي إنقاذه من سادوم كلمه ملاك (تك19). وكان ذلك بشفاعة إبراهيم (تك19: 29).
* لما كَثُرَت أغنامهما ومواشيهما وأملاكهما، ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معًا، واعتزلا... اختار لوط لنفسه، الأرض المُعْشِبَة (تك13: 11). أما أَبْرَامَ فأخذ الأرض التي اختارها له الرب (تك13: 14، 15).
* لم يذكر الكتاب لنا حياة لوط، ولا شيئًا عن بره، إنما ذَكَرَ عنه القديس بطرس الرسول إنه كان "بارًا"، وكانت نفسه تتعذب يومًا فيومًا بمناظر الناس الأشرار في سادوم (2بط2: 8). ولعله كان ضمن العشرة الأبرار الذين اتفق الرب مع إبراهيم إنهم - لو وجدوا في سادوم - لا يُهْلِكَها من أجلهم (تك18: 32)... على أنهم لم يوجدوا.
* في كل مرة كان يقع لوط في خطر (تك13: 12- 16) أو يتعرض لخطر (تك18، 19)، كان عمه إبراهيم هو الذي يُنقِذه.
* نسل إبراهيم باركه الرب، فصار عدده كنجوم السماء (تك15: 5). أما نسل لوط فلا نعرف عن أبناء أولاده شيئًا. أما الموآبيون والعمونيون أبناء ابنتيه، فلم يدخلا في عِداد شعب الله، كأولاد للخطيئة (تك 19: 36- 38).
لم تسعهمَا الأرض
لم تسعهمَا الأرض
تعرض أبونا إبراهيم لتجربة من فرعون في ذهابه إلى مصر (تك12: 10- 20). وتعرض لتجربة أخرى من أبيمالك ملك جِرار (تك20). وتعرض لتجربة ثالثة في حياة لوط معه. إذ لما اتسعت أملاكهما، يقول الكتاب: "لَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأرض أَنْ يَسْكُنَا مَعًا" (تك13: 6).
عجيب هذا الأمر أن الأرض لا تحتمل اثنين أن يسكنا معًا!!
* حدث هذا الأمر من أول البشرية مع قايين وهابيل (تك4). وكانا أخوين شقيقين. وكان السبب في ذلك، الغيرة التي اشتعلت في قلب قايين، لأن الله لم يقبل قربانه، وقَبِلَ ذبيحة هابيل.
* وأيضًا يعقوب وعيسو لم تحتملهما الأرض أن يسكنا معًا، وكانا شقيقين وتوأمين. وقال عيسو: "قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك27: 41). وكان السبب هو التنافس على البركة. وهرب يعقوب من وجه أخيه عيسو.
* ولم تحتمل الأرض يوسف الصديق وإخوته أن يسكنا معًا، فباعوا أخاهم عبدًا للإسماعيليين (تك27: 25). وكان السبب هو غيرتهم من أحلامه ومن إكرام أبيه له أكثر منهم.
* ولم تحتمل الأرض داود الملك وابنه أبشالوم أن يسكنا معًا، لأن أبشالوم اشتهى أن يكون له المُلك بدلًا من أبيه، فكَوَّن جيشًا وحاربه (2صم 15).
* ولم تحتمل الأرض شاول الملك وداود زوج ابنته أن يسكنا معًا، إذ كان شاول يغار من داود بعد انتصاره على جليات، وكان ينظر إليه كمنافس له في المُلك (1صم18: 7- 10).
*كذلك لم تحتمل الأرض أن يسكن الملك هيرودس والقديس يوحنا المعمدان معًا، لأن القديس يوحنا المعمدان كان يوبخ هيرودس قائلًا له: "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ" امرأة أخيك (مت14: 4).
* والأمثلة كثيرة. ومنها أَبْرَامَ ولوط، لم تحتملهما الأرض أن يسكنا معًا، بسبب الغنى والاتساع.
وكان الحل أن يعتزلا، بدلًا من استمرار الخصومة بسبب التنافس على أرض الرعي. وهكذا قال أَبْرَامَ للوط ابن أخيه: "لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. أَلَيْسَتْ كُلُّ الأرض أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالًا فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالًا" (تك13: 8).
كان اعتزالًا، مع الاحتفاظ بالمحبة. ولم تكن في ذلك خطيئة.
انفصلا عن السُكنى معًا، ولم ينفصل قلب أَبْرَامَ عن لوط، بدليل أنه لما وقع لوط في السبي، جمع أَبْرَامَ رجاله وذهب فأنقذه (تك14: 13- 16).
وكان نُبلًا من أَبْرَامَ، أنه في انفصال لوط عنه، ترك له الحرية في اختيار الأرض التي تُعجبه. فاختار لوط له أفضل الأرض للرعي!
"فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِه" (تك13: 11). ولم يكن اختياره سليمًا!!
اختار أرضًا "جميعها سقي" أرضا مُعشبة، قال عنها الكتاب إنها كانت "كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأرض مِصْرَ" (تك13: 10). اختار الأرض الصالحة لغنمه وبهائمه، ليست الأرض الصالحة لحياته الروحية ولمستقبله الأبدي!! اهتم بنوعية الأرض، وليس بسكانها! بينما ينصح المثل أن نختار الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. اختار لنفسه، ولم يطلب من الله أن يختار له...!
أما أَبْرَامَ فمن بدء القصة، كان قد اختار الأرض التي قال له الرب عنها: "الأرض الَّتِي أُرِيكَ إياها" (تك12: 1). وحتى في هذه المناسبة، صمت أَبْرَامَ منتظرًا مشيئة الرب. إلى أن قال له الله "بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ... لأَنَّ جَمِيعَ الأرض الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ..." (تك 13: 14، 15).
وحينئذ "نَقَلَ أَبْرَامَ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ" (تك13: 18). وعند بلوطة ممرا ظهر له الله فيما بعد، وأعطاه وعدًا، وحاوره في موضوع سادوم (تك18: 1- 20).
ما أصعب أن يختار الإنسان لنفسه. وما أعظم البركة التي ينالها، حينما يحيا حياة التسليم ويترك الرب يختار له.
والآن لننظر ماذا حدث للوط لما اختار منطقة سادوم؟
في سَادوم
في سَادوم
يقول الكتاب: "لُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ. وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا" (تك13: 12، 13).
كانت مأساة ونقطة تحول: أن يترك لوط عمه القديس أَبْرَامَ.
بتركه أَبْرَامَ، ترك مذبح أَبْرَامَ، وترك قدوة أَبْرَامَ الصالح، وترك المكان الذي يدعو فيه أَبْرَامَ باسم الرب، بل ترك المكان الذي يظهر فيه الرب لأَبْرَامَ ويكلمه! ومنذ أن ترك أَبْرَامَ، بدأت متاعبه. ولم ينفعه الخير المادي الذي في أرض سادوم، ما دام قد ترك الخير الروحي.
حقًا إن مكان الخطية له إغراءاته! ولكنها إغراءات مادية!
أرض منظرها الخارجي "كجنة الله، كأرض مصر" إنها - كما قال الرب فيما بعد: "تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ" (مت23: 27).
لم يزن لوط الأمر بميزان جيد، ولم يضع في إحدى كَفَتَيّ ميزانه أن أهل لوط أشرار وخطاة جدًا. وفي ذلك ماذا يكون تأثيرهم عليه وعلى أولاده وبناته، بل أيضًا عليه شخصيًا!! لم يضع أمامه أن "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33).
ما أصدق داود النبي فيما بعد حينما قال: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ المُنَافَقينِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1: 1).
أما لوط فإنه عاش مع أولئك الأشرار والمستهزئين "وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ" (تك13: 12). وزَوَّجَ بناته من أولادهم. وصار له "أصهار" من شعب سادوم (تك19: 14).
ولم نسمع أن لوطًا بنى مذبحًا للرب في سادوم.
ولم نسمع أنه دعا باسم الرب هناك، كما كان يفعل عمه إبراهيم في كل مكان يحلّ فيه. لقد نُسِيَّ اسم الله والمذبح في سادوم. وبَعُدَ عن الطاقة الروحية!!
ولم تكن للوط رسالة روحية في سادوم.
كما لو كانت رسالته فقط هي رعي الغنم والمكسب المادي!
وماذا عن تأثيره الروحي في أهل سادوم؟ إنه لم يؤثر فيهم. بل هم الذين أثروا عليه. وكما قال عنه معلمنا القديس بطرس الرسول: "كَانَ الْبَارُّ بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ" (2بط2: 8). بل قال أكثر من هذا إنه كان "مَغْلُوبًا مِنْ سِيرَةِ الأَرْدِيَاءِ فِي الدَّعَارَةِ" (2بط2: 7).
كان بره سلبيًا. إنه لم يقع في مثل دعارتهم.
اكتفى بأن يُعَذِبْ نفسه بمناظرهم في الدعارة. أما إيجابيًا، فلم تكن له رسالة روحية بينهم. لم يُغَيِّر من طباعهم ومن فسادهم شيئًا.
ولماذا لم يخرج من بينهم حرصًا على روحياته؟! لماذا بقى مُعذبًا بالنظر والسمع؟ يبدو أن الشيطان يُقيم روابط في تلك الأماكن ليس من السهل الخروج منها. ربما كان من تلك الروابط المُصاهرة، وجاذبية الأرض السقي المُعشبة التي "كجنة الله"!
وسمح له أن يخرجه من أرض سادوم مسببًا في حرب (كدر لعومر).
سُبيّ أهل سادوم، ومن بينهم لوط. وفقد كل أملاكه في السبي. كان عاجزًا عن إنقاذ نفسه، فتدخل عمه أَبْرَامَ، وأنقذه وأعاد كل الأملاك التي أُخذت في السبي (تك14: 16).
كان درسًا للوط. ولكنه لم ينتفع به. وللأسف عاد إلى سادوم.
ولم يذكر الكتاب كلمة شكر واحدة قالها لوط لعمه أَبْرَامَ. كما لم يذكر أنه أبدى رغبة لعمه أن يعود إلى عشرته، أو أنه اشتاق إلى مذبحه. ولم يعترف بأنه أخطأ إذ اختار سادوم وسكن فيها.
بل عاد إلى سادوم. وازداد أهل سادوم شرًا. ولم يأخذوا درسًا من وقوعهم في السبي. ولم يرجعوا إلى الله.
وبعد عودة سادوم من السبي، يحكي لنا الكتاب أخبارًا سارة عن أَبْرَامَ: كيف أنه أخذ وعدًا آخر من الله. وكيف أنه آمن فحُسب له ذلك برًا (تك15: 6). وكيف أن الله أعطاه عهد الختان (تك17: 10). وأعطاه وعدًا أن يولد له ابن من سارة ويباركها ويكون منها أمم وملوك وشعوب (تك17: 16). وكذلك ظهر الرب لإبراهيم عند بلوطة ممرا مع ملاكين. ووعد سارة بابن (تك18: 1، 10).
ثم حَدَّثَ الرب إبراهيم عن سادوم، وأن خطيتهم قد عظُمت جدًا.
وكانت سادوم مُعَرَضَة كلها للإفناء، ولوط ساكن فيها.
أهل لوط لم يأتهم الإنقاذ ولا الشفاعة فيهم من لوط الساكن بينهم، بل أتت الشفاعة من الخارج، من إبراهيم. وليست شفاعة في الكل، بل إنقاذ الأبرار الذين في المدينة، أو إنقاذ المدينة كلها إن وُجد فيها عشرة فقط من الأبرار (تك18: 23). وللأسف لم يوجد في كل المدينة عشرة من الأبرار.
وهنا نسمع عبارة جميلة قالها الله لما أراد إهلاك سادوم:
قال: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إبراهيم مَا أَنَا فَاعِلُهُ؟!!" (تك18: 17).
لم يشأ الرب أن يخفي عن عبده إبراهيم ما سوف يفعله، بسبب الحب الذي كان له في قلبه، والدالة التي كانت له عنده... وماذا عن لوط الساكن هناك؟ لماذا لم تُخبره يا رب؟! لعله لم يكن مستحقًا، لأنه لم يشهد للرب هناك... إنه كان مجرد واحد من (العشرة) الذين يشفع فيهم إبراهيم، إن وجدوا...!
يكفي للوط أن يكلمه ملاك، مُرسل من الله إليه. ويكلمه كإنذار، مع بقاء الحكم بإهلاك المدينة.
يُضاف إلى ذلك أن لوط قد فقد هيبته وتأثيره في سادوم.
لم يستطع أن يَصُدّ أهل المدينة، لما أرادوا أن يُخطئوا إلى الملاكين، بل هزأوا به وقالوا: "جَاءَ هذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ، (عندنا) وَهُوَ يَحْكُمُ حُكْمًا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرًّا أَكْثَرَ مِنْهُمَا" (تك19: 9).
وتوسل إليهم لوط أن يرتكبوا خطية أقل بشاعة فقال لهم: "لاَ تَفْعَلُوا شَرًّا يَا إِخْوَتِي. هُوَذَا لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلاً. أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا كَمَا يَحْسُنُ فِي عُيُونِكُمْ. وَأَمَّا هذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تَفْعَلُوا بِهِمَا شَيْئًا، لأَنَّهُمَا قَدْ دَخَلاَ تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي" (تك19: 7، 8). فلم يسمعا له، وقالوا له: "ابْعُدْ إِلَى هُنَاكَ".
إلى هذا المستوى هبط لوط. ولم تكن له هيبة حتى مع أصهاره.
قال له الملاكان: أن يخرج من ذلك المكان، هو وبنوه وبناته وأصهاره وكل من هو له... "فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ الآخِذِينَ بَنَاتِهِ وَقَالَ: قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ مُهْلِكٌ الْمَدِينَةَ. فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ" (تك19: 14).
منذ متى تتكلم يا لوط عن الرب وعن عقابه للمدينة؟!
كلام جديد لم نسمعه منك منذ سنوات عشتها بيننا. لأول مرة تنطق باسم الرب!! وهكذا فقد لوط هيبته وتأثيره، ولم يسمع له أحد. كان كمازح في أعين أصهاره. لم يكن كارزًا أمامهم في يوم من الأيام، ولا مُعلمًا، ولا خادمًا. وما كان بينهم كشخصية قيادية يسمعون لها ويكون لكلمته وزن. لم يتمتع بذلك اللقب الذي أُطلق على غيره من الأبرار، لقب "رجل الله".
كان لا بد لكلمة الحق والإنذار من شخصية مُهابة تقولها.
حتى لوط نفسه كان يتباطأ في الخروج من المدينة، مع مناداته لأصهاره أن يخرجوا منها! فكان الملاكان يستعجلانه. "وَلَمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ امْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ابْنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ" (تك19: 16).
مباركٌ هو الرب، الذي يشفق على الإرادة الضعيفة المُترددة!
الذي يُشفق على الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ (عب12: 12). الذي يقول على فم رسوله: "أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ" (1تس5: 14). ومبارك هو عمل الملاكين الرحيمين اللذين أمسكا بأيدي هذه الأسرة، لينقذوها من الهلاك. ولولا ذلك لتعرض الجميع للهلاك. ومباركة هي شفاعة أبينا إبراهيم، إذ يقول الكتاب: "وَحَدَثَ لَمَّا أَخْرَبَ اللهُ مُدُنَ الدَّائِرَةِ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ إبراهيم، وَأَرْسَلَ لُوطًا مِنْ وَسَطِ الانْقِلاَبِ" (تك19: 29).
على أن امرأة لوط هلكت، هذه التي أمسك ملاك بيدها وأخرجها!
فلا بد للخلاص من تجاوب الإنسان مع عمل الله لأجله. وصدق القديس أغسطينوس في قوله: "إن الذي خلقك بدونك، لا يريد أن يخلصك بدونك". وهكذا فإن امرأة لوط لم تهلك داخل سادوم، بل خارجها. "وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ" (تك19: 26).
هلكت وهي وسط أسرتها، ولم ينفعها بر زوجها لوط. ولم يشفع فيها أحد الملاكين، ولا أبينا إبراهيم. وماتت دون أن تُندب أو تُدفن. ولم يجرؤ أحد من أسرتها أن ينظر إلى الوراء ليراها! وصارت درسًا للأجيال. لمن يكون خارج سادوم، ولكن قلبه بداخلها. لعلها كانت تفكر في كل أملاكها التي احترقت داخل سادوم.
وهكذا فقد لوط كل ما كان له في سادوم.
فقد كل أملاكه: الغنم والبقر والخيام، وفقد الأرض المُعشبة، وفقد امرأته التي صارت عمود ملح، وفقد كل عائلته وأصهاره، وروحيًا فقد ابنتيه اللتين أخطأتا (تك19: 31- 37). كما أن نسلهما لم يُحسب ضمن شعب الله.
ولما مات لوط، مات بلا نسل ولا أملاك وكان قد سكن - بعد خراب سادوم - في مدينة صغيرة تُسمى "صوغر" (تك10: 30-32).
إنه بانفصاله عن عمه إبراهيم، كان قد انفصل عن كل بركة.
أما سادوم التي كان قد أُعجب بها، التي ظن أنها "كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأرض مِصْرَ" (تك13: 10) فقد احترقت بكبريت ونار أمطره الرب من السماء (تك19: 24).
أما أبونا إبراهيم، فيقول عنه الكتاب: "وَبَكَّرَ إبراهيم فِي الْغَدِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، وَنَحْوَ كُلِّ أرض الدَّائِرَةِ، وَنَظَرَ وَإِذَا دُخَانُ الأرض يَصْعَدُ كَدُخَانِ الأَتُونِ" (تك19: 27، 28).
لقد أدى هذا القديس واجبه بأقصى ما يستطيع، بكل دالة وحب. لكنه نجح فقط في إنقاذ لوط وابنتيه من حريق سادوم.
ولم نسمع بعد ذلك أن لوطًا عاد إلى عمه أَبْرَامَ، أو أنه انضم مرة أخرى إلى تلك الأسرة المقدسة التي انفصل عنها بمحبة الأرض المُعشبة.
لقد تحققت أخيرًا كلمة الرب لأَبْرَامَ: "اذْهَبْ مِنْ أرضكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ" (تك12: 1). وكان لوط آخر هذه العشيرة.
صَموئيل النبي
صَموئيل النبي
من هو صموئيل؟
هو أعظم نبي بعد موسى. وهو آخر قضاة بني إسرائيل. وهو أول من مَسَحَ ملوكًا للشعب. مسح شاول ثم داود. وهو إنسان نذير، اختاره الرب نبيًا في طفولته، وكلَّمه.
فما قصة هذا النبي العظيم؟ إنه ابن امرأة قديسة عاقر.
وكثير من النساء العواقر، لما سمح الله أن يلدن، أنجبن أبناء عُظماء، أو على الأقل أبناء مميزين عن غيرهم.
أليصابات كانت عاقرًا، ثم ولدت يوحنا الذي قال عنه الرب إنه أفضل من نبي، وأنه ملاك، وأعظم من ولدته النساء (مت11: 9- 11).
وامرأة منوح كانت عاقرًا، ثم ولدت شمشون أقوى رجل.
وراحيل كانت عاقرًا. ولما فتح الرب رحمها، ولدت يوسف الذي صار أبًا لفرعون، ومُتسلطًا على كل مصر (تك45: 8) ومثالًا للعفة.
وهكذا كان إسحاق ابن سارة، وهكذا كان صموئيل ابن حنة.
هل بدأت علاقته مع الله وهو طفل؟
كلا، بل قبل أن يولد، بل قبل الحَبَل به...
بدأت العلاقة، حينما طلبته أمه العاقر من الله، ونذرته لله قبل أن يعطيها الله إياه...
كان صموئيل ابن الدموع وابن الصلاة والنذر. كيف ذلك؟
أمه القديسة العاقر
أمه القديسة العاقر
إنها حنة، التي كانت عاقرًا على الرغم من قداستها، كان الله "قَدْ أَغْلَقَ رَحِمَهَا" (1صم1: 5). وكانت ضرتها فننه تُغيظها، إذ كان لها أولاد... حتى في المكان المقدس في بيت الله في شيلوه، أغاظتها فننه حتى أنها بكت، ولم تشأ أن تأكل من الذبيحة.
واساها زوجها ألقانة الذي كان يحبها، وأعطاها نصيب اثنين، وقال لها: "لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ وَلِمَاذَا لاَ تَأْكُلِينَ؟ أَمَا أَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ عَشَرَةِ بَنِينَ؟" كلا يا ألقانة، إنك لم تفهم نفسية المرأة العاقر، ولا عمق غريزة الأمومة. إن محبتها لزوجها شيء، ومحبتها لابن تلده شيء آخر، أعمق من محبة الزوج.
لقد سمح الله لضرتها أن تُغيظها، لكي تلجأ إليه...
قامت حنة، وذهبت إلى بيت الرب، وهي مُرة النفس، وصَلَّت، وبكت بُكاءً... ونذرت نذرًا وقالت: "يَا رَبَّ... إِنْ نَظَرْتَ نَظَرًا إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ... بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1صم1: 11).
بكت أمام الله بمرارة نفس. ولم يحتمل الله بكاءها.
هذا البكاء هو الذي قال عنه الرب لعذراء النشيد: "حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" (نش6: 5).
إنها دموع حقيقية، من نفس مُرة. وليست من النوع الذي يصطنع البكاء ليُقال عنه إنه يصلي بدموع!
صلت حنة، وصلاتها لم تكن صلاة عادية. بل كانت مميزة جدًا.
كانت تصلي بعمق، وأَكْثَرَت الصلاة من قلبها، وشفتاها فقط تتحركان، دون أن يسمع صوتها. حتى ظنها عالي الكاهن سكرى، فقال لها: "حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ عَنْكِ" (1صم1: 14).
عجيب هذا الأمر من كاهن الله، أن يدين امرأة قديسة، ويتهمها ظلمًا، أثناء عمق صلتها بالله... بدلًا من كلمة دعاء طيبة.
إن جرح الشعور الذي يصدر من أب كاهن، أمر مؤلم جدًا، وبخاصة لما فيه من قسوة وسوء ظن، ضد امرأة قديسة تسكب نفسها أمام الله!
إن الناس ينتظرون من الأب الكاهن أن يكون رقيقًا حنونًا، يواسي الحزانى ويُطَيِبْ خاطرهم. لا أن يقسو ويظن فيهم السوء!
ومع ذلك فإن القديسة حنة لم تعاتبه على ذلك، بل في انسحاق قلب، قالت له: "لاَ يَا سَيِّدِي. إِنِّي امْرَأَةٌ حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ نَفْسِي أَمَامَ الرَّبِّ. لاَ تَحْسِبْ أَمَتَكَ ابْنَةَ بَلِيَّعَالَ" (1صم1: 15، 16). استخدمت عبارات: سيدي، وجاريتك، وأمتك.
انسحاقها أثّر في عالي الكاهن، فدعا لها أن يعطيها الرب سؤل قلبها الذي سألته منه. فتقبلت دعاه في إيمان، ونَسَت قسوته الأولى. ومضت، وأكلت. "وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا" (1صم1: 18).
لم تقل في قلبها: "كيف أقبل دعاء هذا الكاهن القاسي؟!
ورقتها استطاعت أن تغلب قسوته.
ودائمًا الرقة تغلب العنف. لأن الإنسان العنيف حينما يُجاب عليه برقة، يخجل من عنفه، ويخجل من رقة من يكلمه.
وذكر الرب حنة، واستجاب طلبتها، فحبلت وولدت ابنًا، ودعته صموئيل وانتظرت إلى أن فطمت الصبي، لتفي بنذرها وتُصعده إلى الرب.
أخذته إلى شيلوه، وألبسته جُبة صغيرة، وقدمته إلى عالي الكاهن. وقالت له: "حَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ يَا سَيِّدِي، أَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي وَقَفَتْ لَدَيْكَ هُنَا تُصَلِّي... فَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ سُؤْلِيَ الَّذِي سَأَلْتُهُ" (1صم1: 26، 27). وأصعدت معها ثلاث ثيران ذبيحة للرب. لأنها لا تستطيع أن تقف أمام الله فارغة (خر23: 15).
قدمت للرب ابنها الوحيد الذي طلبته منه بدموع، وفرحت بميلاده، وكأنها تقول للرب: "وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ" (1أي29: 14).
كانت جادة في نذرها، يكفيها أنها حبلت وأنجبت، ويكفيها أن الله قد استجاب صلاتها، وأنها لم تعُد عاقرًا. ولأنها وَفَت بنذرها، وهبها الله بعد ذلك ثلاث بنين وبنتين (1صم2: 21).
صموئيل نذير الرب
صموئيل نذير الرب
كان صموئيل نذير للرب، قبل أن يُولد، نذرته أمه حينما طلبته من الرب. وهناك أنواع من النذيرين: شخص ينذره الرب لنفسه. مثل شمشون، كما قال الملاك الذي بَشَرَ أمه بولادته: "لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا ِللهِ مِنَ الْبَطْنِ" (قض13: 5). وهناك من ينذر نفسه للرب. أما صموئيل فقد نذرته أُمه. والتزم هو بهذا النذر، مع أن النذر لم يخرج من فمه، بل من فم أمه.
وكنذير للرب عاش حياته كلها مكرسًا لله، وقَبِلَ الله تكريسه.
تربى في شيلوه "يَخْدِمُ أَمَامَ الرَّبِّ وَهُوَ صَبِيٌّ مُتَمَنْطِقٌ بِأَفُودٍ مِنْ كَتَّانٍ. وَعَمِلَتْ لَهُ أُمُّهُ جُبَّةً صَغِيرَةً وَأَصْعَدَتْهَا لَهُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ" (1صم2: 18، 19).
ولعل البعض يسأل ما هي شيلوه هذه؟
شيلوه هذه منطقة شمال بيت إيل، انتقلت إليها خيمة الاجتماع وتابوت العهد. وظلت الخيمة هناك 300 سنة، إلى أن رجع تابوت العهد إلى جبعون، ثم إلى أورشليم أيام داود النبي.
فكانت شيلوه هي المكان المقدس الذي يذهب إليه الناس، ويذبحون للرب، ويقدمون نذورهم، ويصلون هناك.
وفي شيلوه كان عالي الكاهن الذي خدم معه صموئيل.
عاش صموئيل في عصر فاسد، إذ كان عصر القُضاة من أفسد العصور. وقد قيل عنه: "فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ" (قض21: 25). كان الناس أشرارًا. وبسبب شرَّهم كثيرًا ما دفعهم الله إلى أيدي أعدائهم فأذلوهم.
حتى عالي الكاهن كان له ابنان: حفني وفينحاس، وكانا شريرين جدًا، يمارسان الشر حتى في خيمة الاجتماع.
ولكن الصبي صموئيل، كان يعيش في إيجابياته وروحياته، بعيدًا عن هذا الجو الرديء، لا شأن له به.
وكثيرًا من رجال الله عاشوا وسط أجواء رديئة، ولكنهم احتفظوا بقداستهم. فموسى النبي عاش في قصر فرعون، وسط عبادات غريبة لا تُحصى. ولكن الإيمان الذي في قلبه، كان أقوى من الوثنية المُحيطة به.
ويوسف الصديق عاش في بيت فوطيفار، تُحيط به عثرة تضغط عليه من سيدته. ولكن العفة التي كان يتمسك بها، كانت أقوى من الخطية التي تضغط عليه. لم يتأثر بالعثرة بل كان أقوى منها.
وهكذا عاش صموئيل في طفولته في جو فاسد... ولكن الخير الذي فيه، كان أقوى من الشر المُحيط به.
بلغ من فساد جيله، أن الله غضب عليهم، وسمح أن يُهزموا في الحرب، ويؤخذ منهم تابوت العهد (1صم4: 1- 11).
المهم أنه في وسط هذا الجو الفاسد، اختار الله هذا الطفل صموئيل ليكون نبيًا له. وهو بعد صبي صغير...
وكان هذا الصبي الصغير محبوبًا من الله، صارت إليه كلمة الرب في زمن كانت كلمة الله فيه عزيزة وكذلك الرؤى (1صم3: 1)
كَلَّم الله هذا الصبي الصغير، دون أن يُكلم عالي الكاهن الشيخ. بل أرسل الله رسالته إلى عالي، عن طريق هذا الطفل. ذلك لأن الله قد غَضِب على عالي الكاهن، لأنه لم يؤدب ابنيه الشريرين، ولم يردعهما. بل وبخهما في لين، لا في حزم. كان بإمكانه أن يعاقبهما، وأن يطردهما من الخدمة في خيمة الاجتماع. ولكنه لم يفعل. وقال لهما: "لأَنِّي أَسْمَعُ بِأُمُورِكُمُ الْخَبِيثَةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ. لاَ يَا بَنِيَّ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا الْخَبَرُ الَّذِي أَسْمَعُ... فَإِنْ أَخْطَأَ إِنْسَانٌ إِلَى الرَّبِّ فَمَنْ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِ؟" (1صم2: 23- 25)
وكلامه الليِن فقد هيبته، فلم يسمع أبناؤه له. وغضب الله.
لعل هذا الأمر درسًا لنا في التربية.
وأن هناك مواقفًا لا يصلح فيها اللين ولا الرقة، وإنما يجب فيها الحزم والقوة والتأديب "فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟" (عب12: 7).
كان صموئيل النبي يُمثل الطهارة في شيلوه. ولكنه في طفولته لم يكن قد وصل بعد إلى النضوج الذي يُميز فيه صوت الرب.
ناداه الرب، فظن الصوت صوت عالي الكاهن فذهب إليه. وتكرر الأمر. فقال له عالي الكاهن إن دعاك الصوت مرة أخرى فقُل: "تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ" (1صم3: 9). وفعل صموئيل هذا، فَبَلَغَهُ الرب رسالة صعبة ينقلها إلى عالي الكاهن، يقضي فيها على بيت عالي إلى الأبد، "مِنْ أَجْلِ الشَّرِّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ بَنِيهِ قَدْ أَوْجَبُوا بِهِ اللَّعْنَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَرْدَعْهُمْ" لذلك قال الرب: "أَقْسَمْتُ لِبَيْتِ عَالِي أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ عَنْ شَرِّ بَيْتِ عَالِي بِذَبِيحَةٍ أَوْ بِتَقْدِمَةٍ إِلَى الأَبَدِ" (1صم3: 11- 14).
وخاف صموئيل أن يُبلغ عالي الكاهن هذه الرسالة الصعبة.
حقًا ما أجمل أقدام المُبشرين بالخيرات (إش52: 7). أما أن يُبَلغ صموئيل الكاهن الشيخ برسالة من الله عن خراب بيته، فكان هذا الأمر صعبًا عليه. ولكن عالي طلبه وسأله عن رسالة الرب وقال له: "هكَذَا يَعْمَلُ لَكَ اللهُ وَهكَذَا يَزِيدُ إِنْ أَخْفَيْتَ عَنِّي كَلِمَةً مِنْ كُلِّ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمَكَ بِهِ" (1صم3: 17) فأخبره صموئيل بجميع الكلام.
ونَفَذَ الله إنذاره، وهُزم الشعب في الحرب، وقَتَلَ فيها حفني وفينحاس ابنا عالي، وأُخذ تابوت العهد. ولما سمع عالي بالخَبَر، وَقَعَ من على كرسيه ومات... لقد كان أخذ تابوت العهد منهم دليلًا على غضب الله عليهم وتخليه عنهم...
وخلا الجو تمامًا ليكون صموئيل هو سيد الموقف.
صموئيل النبي
صموئيل النبي
يقول الكتاب: "وَعَرَفَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ مِنْ دَانَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ أَنَّهُ قَدِ اؤْتُمِنَ صَمُوئِيلُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ" (1صم3: 20). واصطلح الرب مع الشعب، "وَعَادَ الرَّبُّ يَتَرَاءَى فِي شِيلُوهَ" (1صم3: 21).
بعد موت عالي الكاهن، كان صموئيل قد كَبُرَ، وصار قاضيًا للشعب. ولكن فترة قضائه لم تُذكُر لنا بالتفصيل. وكان لصموئيل أولاد، ولم يكونوا في مثل روحياته، بل كانت لهم أخطاء.
وبدأ الشعب أن يطلب له ملكًا يحكُمهم. وحزن صموئيل إذ شَعَرَ أنهم رفضوه. فقال له الرب: "أَنَّهُمْ لَمْ يَرْفُضُوكَ أَنْتَ بَلْ إِيَّايَ رَفَضُوا" (1صم8: 7). فما معنى هذه العبارة؟
كان الشعب في ذلك الزمان يحكمهم الله عن طريق أنبيائه.
كان حكمًا ثيئوقراطيًا. فطلبهم ملكًا، معناه رفض الله كملك.
العجيب أن الله مع قوله: "إِيَّايَ رَفَضُوا"، قال لصموئيل: "اسْمَعْ لِصَوْتِ الشَّعْبِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَ لَكَ" (1صم8: 7).
لم يرفضهم الرب إذ رفضوه، ولم يُعاقبهم عقابًا شديدًا على رفضهم إياه، بل استجاب لطلبتهم مع أنها كانت ضده، وكانت ضدهم أيضًا. وقد أنذرهم بهذا وبسيطرة الملك الذي يطلبونه واستبداده بهم (1صم3: 9- 18).
قال لصموئيل: "فَالآنَ اسْمَعْ لِصَوْتِهِمْ. وَلكِنْ أَشْهِدَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَخْبِرْهُمْ بِقَضَاءِ الْمَلِكِ الَّذِي يَمْلِكُ عَلَيْهِمْ... فَتَصْرُخُونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَجْهِ مَلِكِكُمُ الَّذِي اخْتَرْتُمُوهُ لأَنْفُسِكُمْ..." (1صم8: 9، 18). "فَأَبَى الشَّعْبُ أَنْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ صَمُوئِيلَ، وَقَالُوا: لاَ بَلْ يَكُونُ عَلَيْنَا مَلِكٌ، فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضًا مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ". وللمرة الثانية "فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: اسْمَعْ لِصَوْتِهِمْ وَمَلِّكْ عَلَيْهِمْ مَلِكًا" (1صم8: 19، 22).
ما أعجبك يا رب في طول أناتك! وفي احتمالك لرافضيك!
وما أعجب هذا الدرس الذي تُعلمهُ لصموئيل، لينفذه!
نفذَ الله طلبهم في رفضهم له، واختار لهم شاول ملكًا لهم "فَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ" (1صم10: 23). كل ذلك مع أن الله كان يعرف ماذا سيكون شاول! وكيف سيستقل عن الله!
أحيانًا يمنع الله الإنسان عن الشر قبل ارتكابه، وأحيانًا يتركه لحريته حتى يُقاسي نتيجة شره، فيرجع إلى نفسه.
فما لا يفعله الإنسان بالطاعة، يعود فيعرف حكمته بالخبرة.
إن الله لم يمنع سليمان من حياة الترف، إلى أن عاد أخيرًا وقال: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ... الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا1: 2، 14). ولم يمنعه من الزواج بعديد من النساء، إلى أن اختبر بنفسه، كيف "فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى" (1مل11: 4).
وهكذا لم يمنع شعب إسرائيل أن يكون لهم ملك غيره، وأن يكون من سبط بنيامين، مع أن مشيئة الله كانت تتجه إلى سبط يهوذا.
والعجيب أيضًا أن الله سمح أن ذلك الملك ينال من نبيه مسحة مقدسة، وأن يحل عليه روح الله، وأن يتنبأ!!
أخذ صموئيل قنينة الدهن، بما فيها من زيت المسحة المقدس، وصبَّ على رأس شاول وقبَلهُ وقال له: "لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَسَحَكَ عَلَى مِيرَاثِهِ رَئِيسًا؟" (1صم10: 1).
"اللهَ أَعْطَاهُ قَلْبًا آخَرَ". ولما تقابل مع الأنبياء، تنبأ مثلهم، حتى أندهش الناس قائلين: "أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟" (1صم10: 9، 11).
وهنا يُنفذ الرب وصيته التي قالها فيما بعد: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ... أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ" (مت5: 44).
وبمسح شاول ملكًا، صارت هناك سُلطتان: سلطة مدنية ممثلة في شاول الملك، وسلطة إلهية ممثلة في صموئيل النبي. وكانت سلطة النبي أعلى. وسلطة الملك في سيطرته أقوى. وعلى مدى الزمن، كان الملوك يمسحهم الأنبياء، ثم صار المُلك بالوراثة...!
وخالف شاول كلام الله في حروبه. ولم يعد الله يرضى عليه.
وأخبره صموئيل بأن الله سيُمزق مملكته عنه. وكان شاول يحترم صموئيل ويخافه، لأن أحكامه صادرة من الرب.
ومن رقة قلب صموئيل أنه: "نَاحَ عَلَى شَاوُلَ" (1صم15: 35).
"قَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ" (1صم16: 1). وأرسَله إلى بيت لحم، ليمسح ملكًا.
ذهب صموئيل إلى بيت لحم "فَارْتَعَدَ شُيُوخُ الْمَدِينَةِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ وَقَالُوا: أَسَلاَمٌ مَجِيئُكَ؟ فَقَالَ: سَلاَمٌ. قَدْ جِئْتُ لأَذْبَحَ لِلرَّبِّ. تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ" (1صم16: 4، 5). إنه لم يكذب. إنما أخبرهم بالخطوة الأولى فقط التي سيفعلها. وفعلًا قدم ذبيحة، وقَدَّسَ أبناء يسى ودعاهم إلى الذبيحة.
العجيب هنا، أن الله لم يكن قد كشف من سيختاره.
فلما رأى أليآب، قال: "إِنَّ أَمَامَ الرَّبِّ مَسِيحَهُ. فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ". كذلك لم يقع اختيار الرب على كل أبناء يسى السبعة الكبار. وبقى الصغير داود الذي كان مع الغُنيمات القليلات في البرية. فاستدعاه. وهنا قال الرب لصموئيل: "قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ" (1صم16: 6، 7، 12).
ومسح صموئيل داود ملكًا، فحلّ روح الرب على داود. ثم تركه صموئيل وذهب إلى الرامة (1صم16: 13).
وهكذا كان صموئيل أول من مسح الملوك. وبهذه المسحة كان روح الله يحل عليهم. فكأنه كان واسطة في حلول روح الرب على هؤلاء المُسحاء وفيما نالوه من مواهب.
بعد ذلك ترك الأمر للملوك، ويبدو أنه اختفى عن الساحة.
وكان صموئيل قد شاخ. ولكنه قبل موته دعا الشعب.
وأشهدهم على نفسه قائلًا: "أَنَا فَقَدْ شِخْتُ وَشِبْتُ... فَاشْهَدُوا عَلَيَّ قُدَّامَ الرَّبِّ... ثَوْرَ مَنْ أَخَذْتُ؟ وَحِمَارَ مَنْ أَخَذْتُ؟ وَمَنْ ظَلَمْتُ؟ وَمَنْ سَحَقْتُ؟ ... فَقَالُوا: لَمْ تَظْلِمْنَا وَلاَ سَحَقْتَنَا وَلاَ أَخَذْتَ مِنْ يَدِ أَحَدٍ شَيْئًا" (1صم12: 2- 4). ثم كلمهم بصراحة عن طلبهم ملكًا. فقالوا: قد أخطأنا في ذلك، والآن "صَلِّ عَنْ عَبِيدِكَ"... فقال: "حَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى الرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ" (1صم12: 19، 23)
ومات صموئيل، وندبه جميع إسرائيل، ودُفن في بيته في الرامة. (1صم25: 1).
*****
صموئيل النبي مع شاول المَلك
صموئيل النبي مع شاول المَلك
تابوت العهد
لما ساد الفساد أيام عالي الكاهن، هجم الفلسطينيون على البلاد، وهزموا اليهود، وأخذوا تابوت العهد منهم، وقتلوا منهم ثلاثين ألفًا، مع أن تابوت العهد كان في وسطهم، ومات في الحرب ابنا عالي الكاهن حفني وفينحاس (1صم4: 10، 11). ولما سمع عالي الكاهن باستيلاء الفلسطينيين على تابوت عهد الرب، سَقَطَ عَنِ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْوَرَاءِ إِلَى جَانِبِ الْبَابِ، فَانْكَسَرَتْ رَقَبَتُهُ وَمَاتَ، لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً شَيْخًا (1صم4: 18).
كيف حدث هذا، أن تابوت العهد كان في وسطهم، وانهزموا؟!
لم يكونوا مُستحقين أن يكون التابوت وسطهم بسبب فسادهم.
ولم يكن لهم الإيمان الذي به يتدخل الرب لنصرتهم.
مثال ذلك إنسان يكون الإنجيل في جيبه، ولا تكون وصايا الإنجيل في قلبه! فلا ينال بركة الإنجيل.
هكذا شعب هذا العصر الفاسد، أخذوا التابوت معهم إلى الحرب لكي ينتصروا على الرغم من وجود الفساد في حياتهم!! كان تابوت الرب معهم، دون أن ينزعوا الآلهة الغريبة من وسطهم. وذهبوا بخطيتهم إلى الحرب فانهزموا. وسُبيَّ التابوت أيضًا وأخذه الفلسطينيون. وزال المجد من إسرائيل...!
إنهم كإنسان يقول صُمت وصليت، وأقمت قداديس من أجل موضوع مُعين، ولم يستجب الرب لي. ذلك لأنه صلى وصام وهو يستبقي الخطية في قلبه، فلم تُجْدِ صلاته شيئًا.
كذلك هؤلاء الناس كانوا يظنون أنهم يحاربون حربًا مقدسة وانهزموا!! بينما الحرب - حتى لو كانت مقدسة - ينبغي أن يتم النصر فيها على أيدي أشخاص طاهرين.
أما هم، فلم يقبل الرب أن يجعل النصر على أيديهم وهم خُطاة!
يُذكرونني بعصا أليشع النبي حينما كانت في يد جيحزي، لم تستطع أن تُقيم ابن الشونمية من الموت. بينما لما صارت في يد النبي أليشع، صنعت المُعجزة (2مل 4: 29- 32).
إن عصا موسى كانت تُعمل بها المعجزات، لأنها كانت في يد موسى. لم تكن القوة في العصا، إنما في اليد التي تُمسك العصا، أو كانت القوة في إيمان من يحمل هذه العصا في يده...
كذلك التابوت لم تظهر قوته، حينما حمله أولئك الخطاة. مع أن تابوت عهد الرب وقتذاك، كان رمز إلى حلول الله وسطهم...
على أن تابوت الرب لم يفقد قوته. فلما أدخله الفلسطينيون إلى أشدود، ووضعوه إلى جوار صنم داجون، سقط ذلك الصنم أمامه وانكسر (1صم5: 1-4) وأصابت الشعب ضربات. فلم يجدوا حلًا إلا أن يُرجِعوا التابوت إلى أصحابه (1صم6).
صَموئيل النبي
صَموئيل النبي
بعد موت عالي الكاهن، التابوت نُقِلَ إلى شيلوه، التي لم تعُد لها قيمة بعد، وخيمة الاجتماع مع التابوت نُقِلا إلى قرية يعاريم. وصموئيل ذهب إلى الرامة، القرية التي وُلِدَ فيها، وظل مُختفيًا حوالي عشرين عامًا لا نعرف عنها شيئًا، ثم ظهر وهو في سن الثلاثين تقريبًا. وصار قاضيًا للشعب، وقضى له كل أيام حياته (1صم7: 15). وكان قد تَزوج وأنجب...
ولعل العشرين سنة التي قضاها مُختفيًا كانت فترة امتلاء واستعداد.
بدأ يعمل من أجل الشعب ونَجَح، أصبح اسمه معروفًا، وصار أقوى شخصية في جيله.
كان أقوى وأسمَى من شمشون الجبار. شمشون كان هدفه أن يُخلص الشعب من الأعداء المُحيطين به بقوة عضلاته وقوة يده. أما صموئيل فدخل إلى الأعماق فدعا الناس أولًا إلى التوبة. وهكذا كلمهم قائلًا: "إِنْ كُنْتُمْ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ رَاجِعِينَ إِلَى الرَّبِّ، فَانْزِعُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ وَالْعَشْتَارُوثَ مِنْ وَسْطِكُمْ، وَأَعِدُّوا قُلُوبَكُمْ لِلرَّبِّ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، فَيُنْقِذَكُمْ" (1صم7: 3، 4). ففعلوا كذلك وعبدوا الرب وحده.
شمشون خلصهم من الأعداء الخارجيين، ولم يُنقذهم من الفساد الداخلي، بل هو نفسه وقع في الفساد. أما صموئيل فطَهرهُم من الداخل.
واجتمع الشعب، وسكبوا ماء أمام الرب وصاموا... وقالوا: "قَدْ أَخْطَأْنَا إِلَى الرَّبِّ" (1صم7: 6). وبعدها قَدَّم صموئيل عنهم محرقة للرب. وبعدها انتصروا على أعدائهم. وهكذا وضع صموئيل الوسيلة السليمة للانتصار. وهي الصُلح مع الله أولًا، وتنقية القلب قبل الخروج إلى الحرب...
كان صموئيل إنسانًا نقي القلب، ورجل صلاة.
حبلت به أمه، وهي في حالة قداسة، وولدته قديسًا مثلها. وعاش طفولته في هيكل الله، الذي يقول عنه الرب: "بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى" (إش56: 7). وكان يلجأ إلى الصلاة في كل مناسبة، ويحل مشاكل الشعب بالصلاة. ولذلك نقرأ كثيرًا في حياته هذه العبارة: "وَصَرَخَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّبِّ" (1صم7: 9)، "فَدَعَا صَمُوئِيلُ الرَّبَّ" (1صم12: 18).
والشعب نفسه كان يقول له: "لاَ تَكُفَّ عَنِ الصُّرَاخِ مِنْ أَجْلِنَا إِلَى الرَّبِّ إِلهِنَا فَيُخَلِّصَنَا..." (1صم7: 8). وهو نفسه قال عبارته الخالدة: "أَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى الرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ..." (1صم12: 23).
كان يعتبر الصلاة واجبًا من واجباته، وإذ كان شخصًا مقبولًا أمام الله، صارت صلاته مقبولة عن الشعب... وما أجمل هذه العبارة في حياته: "تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ" (1صم 3: 9، 10).
ليتنا نستفيد من هذه العبارة في حياتنا، ونقول للرب:
هي ذي الأُذن وقد أخليتُها من حديث الناس حتى أسمعك
لقد استحق صموئيل أن يُكلمه الله دون عالي الكاهن...
وما أجمل قول الكتاب عنه: "وَكَبِرَ صَمُوئِيلُ وَكَانَ الرَّبُّ مَعَهُ، وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ كَلاَمِهِ يَسْقُطُ إِلَى الأَرْضِ" (1صم3: 19).
إنه يُمَثِل وسطًا بين عهدين: بين عهد الفساد وعهد النعمة. بين عهد اختفت فيه الرؤى والإعلانات، وعهد عادت فيه العلاقة بين الله والناس. فكان سبب صُلح بين الله والناس.
كان سفيرًا لله يحمل رسالته إلى الناس.
لا يهم إن كانت رسالة بركة أم عقوبة. فالمُهم أن يُوصلها.
هكذا فَعَلَ مع عالي الكاهن، وهكذا فَعَلَ مع شاول الملك.
وصار قاضيًا يقضي بين الناس لمدة أربعين سنة. فكان رئيسًا للشعب، ووسيطًا بينهم وبين الله. وكانوا يدعونه الرائي (1صم9: 16). فكان الناس يستشيرونه في كل شيء، ويطلبون كلمة الله من فمه. ولما التقى في أول مرة مع شاول، قال له: "قِفِ الآنَ فَأُسْمِعَكَ كَلاَمَ اللهِ" (1صم9: 27).
وباعتباره الرائي، كان صموئيل رجلًا مفتوح العينين. وكثير من حوادث المستقبل كانت مكشوفة أمامه...
وكان مُهابًا جدًا من جميع الناس. يشعرون أن حُكمُه هو حُكم الله، وهو يُمثل الله على الأرض.
كان آخر القُضاة، وفي عهده ظهر شاول أول المُلوك.
وفي عهد هذا الملك، لم يكن صموئيل النبي يحكُم الشعب، إنما كان الملك يحكم، تحت سلطانه، يخافهُ ويحترمُه ويهابَهُ، ويمكن لصموئيل أن يُوبِخهُ...
شاول الملك وبداية طيبة
شاول الملك وبداية طيبة
* كان من سبط بنيامين، وهو أصغر الأسباط.
* وهو أول ملك مُسح لليهود، بعد عصر القُضاة.
* بدأ حياته بداية طيبة، وانتهت حياته بمأساة.
كان جميلًا في منظره، ويوحي شكله بالمهابة والجمال. قال عنه الكتاب: "شَابٌّ وَحَسَنٌ، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْسَنَ مِنْهُ. مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ" (1صم9: 2)، (1صم10: 23). ولما قدمه صموئيل للشعب، قال لهم: "أَرَأَيْتُمُ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّبُّ، أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الشَّعْبِ؟" (1صم10: 24).
وكان مطيعًا لوالده، لما أمَرهُ بالبحث عن الأُتُن الضائعة.
عبر الكثير من الأراضي للبحث عنها: في جبل أفرايم، وفي أرض شليشة، وفي أرض شَعَلِيمَ، وفي أرض بنيامين، وفي أرض صوف. ولما لم يجدها وتأخر اهتم بمشاعر أبيه، وقال لغلامه الذي معه: "تَعَالَ نَرْجعْ لِئَلاَّ يَتْرُكَ أَبِي الأُتُنَ وَيَهْتَمَّ بِنَا". ثم بناء على نصيحة الغلام ذهب إلى حيث كان يوجد صموئيل النبي الذي كانوا يُلقبونه بالرائي. فأخبره صموئيل بأنها قد وُجدت.
ولما تقابل مع صموئيل النبي خاطبه باتضاع:
قال له صموئيل: "وَلِمَنْ كُلُّ شَهِيِّ إِسْرَائِيلَ؟ أَلَيْسَ لَكَ وَلِكُلِّ بَيْتِ أَبِيكَ؟". فأجابه باتضاع وقال: "أَمَا أَنَا بَنْيَامِينِيٌّ مِنْ أَصْغَرِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ، وَعَشِيرَتِي أَصْغَرُ كُلِّ عَشَائِرِ أَسْبَاطِ بَنْيَامِينَ؟ فَلِمَاذَا تُكَلِّمُنِي بِمِثْلِ هذَا الْكَلاَمِ؟" (1صم9: 20، 21).
ولما طلب بنو إسرائيل أن يكون لهم ملك، اختاره الرب لهم.
مع أن هذا الأمر يُعتبر رفضًا للرب الذي كان يملُك عليهم عن طريق رجاله من القُضاة. ولما تضايق صموئيل النبي من طلب الشعب، قال له الرب: "اسْمَعْ لِصَوْتِ الشَّعْبِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَرْفُضُوكَ أَنْتَ بَلْ إِيَّايَ رَفَضُوا حَتَّى لاَ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ" (1صم8: 7). وهكذا نرى الرب الإله عجيبًا في لُطفه وفي معاملته لرافضيه، وفي سماعه لصوت الشعب مع أن ذلك كان ضد مشيئته الإلهية.
ومع ذلك اختار لهم الرب شخصًا كان من أفضل الموجودين بالنسبة لهم. وسمح أن نبيه صموئيل يمدحه ويقول عنه: "أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ الشَّعْبِ" (1صم10: 24).
وحل روح الرب على شاول بعد مسحه ملكًا، وتنبأ.
عجيب عمل الرب في شاول: أرسل صموئيل النبي بقنينة من الدهن المقدسة، فصبَّهُ على رأسه وقَبَلَهُ، وقال له: "أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَسَحَكَ عَلَى مِيرَاثِهِ رَئِيسًا" (1صم10: 1)، "وَكَانَ عِنْدَمَا أَدَارَ كَتِفَهُ لِكَيْ يَذْهَبَ مِنْ عِنْدِ صَمُوئِيلَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاهُ قَلْبًا آخَرَ" (1صم10: 9). وحدثت آيات في ذلك اليوم.
وحل روح الرب على شاول، فتنبأ شاول حتى تعجب الناس وقالوا: "أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟" (1صم10: 11).
أي كرم من الله كل هذا؟! على الرغم من أن الأمر كله ضد إرادته، ومع ذلك فإن الرب يختار الشخص، ويمتدحه، ويعطيه قلبًا آخر، ويحل عليه روح الرب، ويتنبأ...
حدث أيضًا أن يد الرب كانت معه حتى بعد خطيته الأولى:
واستطاع هو ويوناثان أن يهزموا جيشًا. وقال الكتاب عن شاول: "وَحَارَبَ جَمِيعَ أَعْدَائِهِ حَوَالَيْهِ: مُوآبَ وَبَنِي عَمُّونَ وَأَدُومَ وَمُلُوكَ صُوبَةَ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَ غَلَبَ. وَفَعَلَ بِبَأْسٍ وَضَرَبَ عَمَالِيقَ..." (1صم47:14، 48).
إذًا ما هو سِّر التحول في تاريخ شاول؟ أهو في شخصيته.
التحوّل وسببه
التحوّل وسببه
كيف تَحوَّلَ شاول من إنسان وديع متواضع، إلى إنسان مرفوض من الله، وقيل في ذلك: "وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ" (1صم15: 35). ولما ناح عليه صموئيل، قال له الرب: "حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ" (1صم16: 1).
كيف وَصَلَ شاول إلى هذا الوضع؟
قال داود في رثاء شاول بعد موته: "كَيْفَ سَقَطَ الْجَبَابِرَةُ وَبَادَتْ آلاَتُ الْحَرْبِ!" (2صم1: 19، 27). فلا تظنوا يا إخوتي أن كل الذين سقطوا كانوا ضعفاء! كلا، فقد قيل عن الخطية: "أَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
فكيف سقط هذا الجبار العجيب الذي كان من كتفه فما فوق أطول من جميع الشعب. هذا كان أول شخص في التاريخ يُمسَح ملكًا بالدهن المُقدس من نبيّ الله!... أول إنسان سُمِيَّ مسيح الرب كملك.
قصة سقوطه يرويها الأصحاح 13 من سفر صموئيل الأول.
ولكي أقُصها عليكم، أُحب أن أذكُر ملاحظة هامة. وهي أن الله حينما يختبر أي إنسان، لا يُفترض اختباره بطريقة صعبة. ربما بشيء بسيط تظهر به طاعته أو معصيتُه. كما اختبر آدم وحواء بمجرد نهيهما عن ثمر إحدى أشجار الجنة. فأكلا وسقطا ذلك السقوط العظيم الذي استلزم التجسد الإلهي والفداء.
تأخر عليه صموئيل في المجيء. وكان الشعب في ضنك أثناء الحرب. ففكر شاول (ولم يكن من رجال الكهنوت) أن يقدم محرقة للرب وبعد أن أصعد المحرقة، أتى صموئيل. فسأله عما فعل. فبرر موقفه بتأخر صموئيل، وتعب الشعب، وتجمع الأعداء. ولذلك قال: "فَتَجَلَّدْتُ وَأَصْعَدْتُ الْمُحْرَقَةَ" (1صم13: 12).
فقال له صموئيل: "قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ" (1صم13: 13).
لو أن شاول صَبَرَ قليلًا، لكان صموئيل قد حضر، وما أعوزه الأمر أن يُخطئ تلك الخطية الكبيرة! لو أنه آمن أن الرب لا بد سيعمل وسينصره في الحرب، لأن الحرب للرب، ما كان قد أخطأ. لكن كان سبب سقوطه هو عدم إيمانه بعمل الرب ولو تأخر، عدم ثقته في مجيء صموئيل النبي ولو تأخر. مع اعتماده على عقله وفكره وحُسن تدبيره...
وظنّ في حماقته أنه بتقديم الذبيحة يتضرع إلى الرب لكي يتدخل. ونسى في كل ذلك أن الطاعة أفضل من تقديم الذبائح.
لذلك استحق أن يسمع العقوبة من فم صموئيل النبي:
الذي قال له: "وَأَمَّا الآنَ فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ. قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ" (1صم13: 14). وقصد بذلك داود الذي سيختاره الرب فيما بعد، بحيث يكون "حسب قلبه" - أي "حسب مشيئة الله"، وليس حسب هواه الشخصي.
إن الرب حينما سمح بإقامة شاول ملكًا، أراده أن يكون ملكًا تحت إرشاده الإلهي. أما شاول فسلك حسب هواه مستقلًا عن الله.
وكانت هذه هي مشكلة شاول الكبرى... أو كانت بدء مشاكله.
صَموئيل النبي آخر عَصر القضاة
صَموئيل النبي آخر عَصر القضاة
عاش صموئيل النبي في عصر القضاة. وكان آخر قاضٍ لبني إسرائيل في ذلك الزمن. فماذا كانت صفات ذلك العصر الذي نشأ فيه الطفل صموئيل ونما؟ وهل تأثر به صموئيل، أم قد أُثر هو فيه؟
عصر القضاة
إنه يمثل حالة الشعب الفاسد الذي يُسلّمه الله إلى أيدي أعدائه فيذلونه. فيصرخ إلى الله فيُنقذه. فإن تمتع بالخلاص من أعدائه يعود إلى فساده مرة أخرى...
شعب مُتقَلب غير ثابت. ولكن الخط السائد فيه هو البعد عن الله. فقد اختلطوا بالأمم الوثنيين، وتزاوجوا معهم، وعبدوا آلهتهم وسجدوا لها (قض19:2)، (قض3: 6).
عبدوا البعل وعشتاروت والسواري، وعملوا الشر في عيني الرب. تركوا الرب فتركهم.
غريب أن يحدث ذلك منهم في أرض الموعد، وبعد كل المُعجزات التي عملها الرب معهم!
كان ذلك بعد أن انقرض الجيل الذي عاش في أيام يشوع بن نون، وانضمّ ذلك الجيل إلى آبائه. وقام بعدهم جيل آخر لم يعرف الرب ولا العمل الذي عمله... فحمى غضب الرب عليهم...
"وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَزِيزَةً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ" (1صم3: 1).
لا أنبياء يتكلم الله على ألسنتهم، ولا رؤى ولا استعلانات. لم تكن لدى الرب رغبة في الكلام معهم! ولا كان بينهم من يستحق أن يحدثه الرب، أو أن يستأمنه على رسالة يوصلها إلى الناس... ولم تكن هناك صلة بين الله والناس، الذين عاشوا في قَحط روحي.
وأسوأ ما وصل إليه عصر القُضاة، كان في أيام عالي الكاهن.
وكان عالي شيخًا متقدمًا في الأيام، وقد قضى للشعب أربعين سنة. وكان أولاده أشرارًا يرتكبون النجاسة مع النساء في باب خيمة الاجتماع (1صم2: 22). ويغتصبون لحم الذبائح لأنفسهم (1صم2: 12- 17)، واستهانوا بتقدمة الرب. وسمع عالي بما كان يفعله بنوه (1صم3: 22). ولكنه لم يردعهم (1صم3: 13). بل كان توبيخه لهم هينًا وليس بحزم...
وأخيرًا وجد الله مكانًا في أحشاء القديسة حنة زوجة ألقانة ليخرج منه نبيّ للرب:
القديسَة حَنة
القديسَة حَنة
كان الله يريد أن تلد حنة ابنًا تُنذره للرب ليخدمه.
ولكن كيف هذا، ونساء كثيرات يبخلن على الله بأولادهُن؟ لهذا شاءت الخطة الإلهية أن يغلق الرب رحم حنة فلم تلد (1صم1: 5). وكانت لها ضُرة ذات بنين فكانت تُغيظها، والله ساكت، لأن الوقت المُحدد لخطته الإلهية لم يكن قد أتى بعد... وظلت فنِنَّة تفتخر بأولادها وتغيظ حنة، قد بكت حنة ورفضت أن تأكل...
عجيب أن تفتخر فَنِنَّةَ بأمر لا فضل لها فيه!
وتغيظ حنة على أمر لا ذنب لها فيه!
حقًا، ما ذنب حنة في أنها كانت عاقرًا؟! ما ذنبها، والله هو الذي أغلق رحمها فلم تلد؟! لهذا حسنًا قال الكتاب: "الْمُسْتَهْزِئُ بِالْفَقِيرِ يُعَيِّرُ خَالِقَهُ" (أم17: 5). وكان استهزاء ضرتها بها في مكان مقدس، في شيلوه حيث توجد خيمة الاجتماع. واستمر إغاظة فَنِنَّةَ لحنة...
عجيب يا رب هذا. لماذا حنة البارة كئيبة، وضُرتها الشريرة فرحة ومُبتهجة ولها أولاد، وتبدو حالتها أفضل؟! وقد يجيب الله: أولاد فَنِنَّةَ سيكونون نكرات لا يشعر العالم بهم...! أما حنة العاقر فسيخرج من أحشائها نبيّ عظيم. إذًا انتظري الرب يا حنة. "لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ" (مز27: 14).
ولم تجد حنة أمامها، سوى أن تلجأ إلى الرب وتسكب نفسها أمامه بعمق، وهي مُرة النفس.
يقينًا إنه من أعمق الصلوات التي يصليها الإنسان، هذه التي يصليها وهو مُر النفس، وهو في ضيقة...
وهكذا كان موعد الخُطة الإلهية يقترب...
ما أعمق تلك الصلاة التي صلتها حنة، وهي في مذلتها...
صلت صلاة، وبكت بكاء، ونذرت نذرًا (1صم1: 10، 11). لقد سمح الله بإغاظة ضُرتها لها، وخدشها لمشاعرها حتى وقت الأكل من الذبيحة... كل ذلك لكي تصل إلى ذلك النذر، حيث قالت للرب: "إِنْ نَظَرْتَ نَظَرًا إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ، وَذَكَرْتَنِي وَلَمْ تَنْسَ أَمَتَكَ بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَعْلُو رَأْسَهُ مُوسَى" (1صم1: 11).
طلبت أن يعطيها الرب ابنًا، فالْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ (مز127: 3).
إن الله الذي أغلق رحمها، هو قادر أن يفتح رحمها لتلد. هو الذي: "يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ3: 7).
"كَانَتْ تَكَلَّمُ الله فِي قَلْبِهَا، وَشَفَتَاهَا فَقَطْ تَتَحَرَّكَانِ، وَصَوْتُهَا لَمْ يُسْمَعْ" (1صم1: 13). وسمع الله ما في ذلك القلب الحزين المُنسكب أمامه. كان اليهود يكلمون الله بشفاههم، وقلبهم مُبتعد عنه بعيدًا (إش29: 13). أما هذه فقد كانت شفتاها صامتتين، أما قلبها فكان يتكلم.
الله سمع قلبها، وسمع بكاءها، ونظر إلى مذلتها، واستجاب.
وكأنه يقول لها وهي تبكي: "حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" (نش6: 5). وفيما هي في عُمق الصلة بالله، فإن عالي الكاهن ظنها سكرى، وقال لها مُنتهرًا: "حَتَّى مَتَى تَسْكَرِينَ؟ انْزِعِي خَمْرَكِ عَنْكِ" (1صم1: 14). لم يُميز بينها وبين النساء الخاطئات، اللائي كان اِبناه يُنجسهن عند باب خيمة الاجتماع!! ولم يُبال أن يجرح شعورها، وهي في أقدس لحظات الصلاة...
حينما وبخها عالي الكاهن، لم يكن فيه روح الله.
ولا كانت له معرفة تمييز الأرواح (1يو4: 1). لم يستطع أن يُفرِّق بين المرأة القديسة التي تصلي بالروح والمرأة السكرى!
كما أنه تصرف بسوء ظن وبفكر رديء، دون أن يتحقق. ولم يكتف بسوء الظن، بل أضاف إليه أيضًا التوبيخ والانتهار، كما لو كانت له غيرة مُقدسة على بيت الله! ليته تصرف بغيرة كهذه أو أشد منها في الحُكم على خطايا اِبنيه...
كانت حنة مذلولة أمام ضُرتها فننة، وأمام الله في صلاتها، وأمام عالي الكاهن...
واستحقت أولى تطويبات الرب التي قالها على الجبل: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ" (مت5: 3). وأيضًا قوله في سفر إشعياء: "إِلَى هذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ..." (إش66: 2).
أما عالي الكاهن، فلم يرَّ قلب حنة وروحها. فحكم حكمًا ظالمًا قاسيًا! كان من واجبه أن يسألها عن سبب بكائها. كما كانت تنتظر منه كلمة عطف، وهو خادم الله. لكنه فعل العكس. ويعطينا فكرة عن تسرع الكاهن في الانتهار والتوبيخ...
على أن حنة كانت تحترم الكهنوت، فأجابته في وداعة.
شرحت له حالتها، وكانت تكلمه باتضاع، بعبارة: "يا سيدي... أمتك..". وداعة حنة ردت لعالي طقسه الكهنوتي. لذلك نالت بركته ودعاءه. فقال لها: "اذْهَبِي بِسَلاَمٍ، وَإِلهُ إِسْرَائِيلَ يُعْطِيكِ سُؤْلَكِ الَّذِي سَأَلْتِهِ..." (1صم1: 17).
كانت تريد بركة هذا الكاهن ودعاءه، متغاضية عن أسلوبه.
نحن أحيانًا لا نطلب البركة إلا من قديسين صانعي معجزات!!
أما حنة فكانت تطلب البركة من الكاهن مهما كان أسلوبه قاسيًا. فسمعت كلمته وفرحت بدعائه.
وفضَّت صومها، وحزنها وكآبة وجهها ومنحها الرب اِبنًا أسمته صموئيل، أي اِسم الله.
الطفل النذير
الطفل النذير
هناك أشخاص ينذرون أنفسهم للرب، كما يفعل الآباء الرهبان.
وهناك من ينذره الرب لنفسه كما فعل مع شمشون (قض13: 4).
* أما صموئيل فقد نذرته أمه للرب، ووفت نذرها.
وربته بالأسلوب وفي البيئة التي تساعد على وفاء النذر.
كان ابنها وحيدها. ومع ذلك كانت صادقة في كلامها مع الله. قالت له: "إِنْ... أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1صم1: 11). وقد كان. فما أن أرضعته، حتى أصعدته إلى الرب لم تتأخر إطلاقًا. ولم تستبقه معها لتتمتع به فترة أطول... ما أجمل قول الكتاب: "إِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا ِللهِ فَلاَ تَتَأَخَّرْ عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ" (جا5: 4).
لعل صموئيل هو أول طفل يخدم بيت الرب، منذ فطامه.
* وأمه لم تقدمه للرب فقط، بل قدّمت معه ذبيحة كبيرة وتَقْدِمَة: "ثَلاَثَةِ ثِيرَانٍ وَإِيفَةِ دَقِيق وَزِقِّ خَمْرٍ" (1صم1: 24)، شيئًا يصلح لغذاء قرية بأسرها... وهي في ذلك نفذت وصية الرب: "وَلاَ يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ" (خر34: 20).
* وقدمته إلى عالي الكاهن قائلة: "حَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ يَا سَيِّدِي، أَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي وَقَفَتْ لَدَيْكَ هُنَا تُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ. لأَجْلِ هذَا الصَّبِيِّ صَلَّيْتُ فَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ سُؤْلِيَ... وَأَنَا أَيْضًا قَدْ أَعَرْتُهُ لِلرَّبِّ. جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1صم1: 26- 28).
نلاحظ هنا أسلوب الاحترام، والعرفان بالجميل.
* فرحت حنة بتقديم اِبنها طفلها للرب وسبحت الرب.
لم تقدمه وهي متضايقة على ترك ابنها وهو طفل. كلا، إنه في رعاية الرب في شيلوه أفضل من بقائه في بيتها... وقالت في تسبحتها: "فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ... لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ" (1صم2: 1).
ما أشبهها بتسبحة القديسة العذراء: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ. وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 46).
وكما قدمت صموئيل لخدمة الرب، ألبسته ملابس الخدمة.
وهكذا قال الكتاب: "وَكَانَ صَمُوئِيلُ يَخْدِمُ أَمَامَ الرَّبِّ وَهُوَ صَبِيٌّ مُتَمَنْطِقٌ بِأَفُودٍ مِنْ كَتَّانٍ. وَعَمِلَتْ لَهُ أُمُّهُ جُبَّةً صَغِيرَةً وَأَصْعَدَتْهَا لَهُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ عِنْدَ صُعُودِهَا مَعَ رَجُلِهَا لِذَبْحِ الذَّبِيحَةِ السَّنَوِيَّةِ" (1صم2: 18، 19).
* لهذا نالت بركة ثانية، أن يكون لها بنون آخرون.
فأنجبت "وَلَدَتْ ثَلاَثَةَ بَنِينَ وَبِنْتَيْنِ" (1صم2: 21)، حسب دعاء عالي الكاهن الذي قال لزوجها ألقانة: "يَجْعَلْ لَكَ الرَّبُّ نَسْلاً مِنْ هذِهِ الْمَرْأَةِ بَدَلَ الْعَارِيَّةِ الَّتِي أَعَارَتْ لِلرَّبِّ". ولكن لم يكن أحد من الأبناء الثلاثة الآخرين في مثل عظمة صموئيل...
طفولة صموئيل
طفولة صموئيل
تربى في بيت الرب بجبته الصغيرة ومنطقته، وهو يخدم أمام عالي الكاهن، دون أن يتأثر بأخطاء حفني وفنحاس اِبنيّ عالي.
إن كان الهيكل في شيلوه قد دنسه اِبنا عالي، فإن الرب رأى له هيكلًا آخر في قلب صموئيل لم يتدنس قط.
حفظ صموئيل نفسه طاهرًا وسط البيئة الدَّنسة، يحيا في بيت الله ويخدمه... كان وردة وسط الشوك.
فلا يقُل أحد: صعبٌ عليَّ أن أعيش طاهرًا وسط عثرات لا تُحصى في الوسط الخارجي...!
كلا فقد حافظ موسى على إيمانه في قصر فرعون، وسط عبادات كثيرة غريبة. وحافظ يوسف الصديق على عفته، على الرغم من الضغوط الخارجية لإسقاطه. وكذلك دانيال النبي في أرض السبيّ: "جَعَلَ (وضع) فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ" (دا1: 8). وأيضًا أبونا نوحًا عاش كاملًا أمام الله، في بيئة زاد فسادها حتى أن الله أغرقها بالطوفان. وهكذا ممكن في أسوأ العصور وأفسدها، أن يوجد أشخاص روحيون وأبرار كان الخير الذي في داخلهم أقوى من الشر الخارجي الذي يحاربهم. والله: "لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ" (أع14: 17).
وأحيانًا يختار الله أطفالًا – كصموئيل - ليكونوا شهودًا لهم.
إرميا حينما اختاره الله "نبيًا للشعوب" كان طفلًا، لذلك قال للرب: "لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر1: 6). وداود أيضًا كان أصغر إخوته، لما صار مسيحًا للرب. ويوسف أيضًا كان أصغر إخوته...
وبنفس الوضع اختار الله صموئيل الصغير ليكون نبيًا له.
كان ابنًا لامرأة عاقر. وكم من عواقر ولدن أطفالًا عِظامًا.
يوسف الصديق، كانت أمه راحيل عاقرًا (تك30: 1، 2)
وشمشون الجبار كانت أمه عاقرًا (قض13: 2). ويوحنا المعمدان أعظم من ولدته النساء، كانت أمه أليصابات عاقرًا (لو1: 7). كذلك كان صموئيل... ولكن الله قادر أن يختار الأرض المجدبة ليُخرج منها ثمرًا صالحًا...
وكانت الخطوة التالية، أن يبدأ الله مع هذا الطفل رسالة شَعَرَ بها الناس جميعًا أنه: "قَدِ اؤْتُمِنَ صَمُوئِيلُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ" (1صم3: 20). فكيف كان ذلك؟ مع أن كلمة الله كانت عزيزة في تلك الأيام، إلا أنها لم تكن عزيزة على صموئيل.
أراد الله أن يبلغ رسالة إلى عالي الكاهن، فاختار صموئيل لتبليغها. اختار هذا الطفل الصغير ليبلغ رسالته إلى ذلك الشيخ الطاعن في السن، الذي لم يكن مستحقًا أن يُكلمه الله مباشرةً...!
فنادى على صموئيل ثلاث مرات. وكانت خبرة جديدة على هذا الطفل الصغير، فظن الصوت صوت عالي الكاهن يناديه. وتَنَبَه الشيخ إلى أنه صوت الله. فنصحه أن يرد بعبارة: "تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ" (1صم3: 9).
وتكلم الرب. وكانت نبوءة عما سيلحق بيت عالي من عقوبة الرب من خراب البيت وانتهاء كهنوته.
كانت رسالة صعبة خاف الطفل صموئيل أن يوصلها لذلك الشيخ الكبير. ولكن لما ألحَّ عالي، صارحه بها، فقال: "هُوَ الرَّبُّ. مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ يَعْمَلُ" (1صم3: 18). لم يُلقِ نفسه أمام الله طالبًا الرحمة والمغفرة، إنما اكتفى بتلك العبارة.
كيف إذًا تمت عقوبة الله على عالي الكاهن وأهل بيته؟
نحميَا وعزرا في العمل الروحي والبناء الروحي
نحميَا وعزرا
في العمل الروحي والبناء الروحي
استطاع نحميا أن يبني أسوار أورشليم، ولا يكون الشعب عارًا واستطاع بعزيمته التي لا تعرف اليأس أن يحوِّل الظلمة إلى نور، وأن يحوِّل الحزن إلى فرح. ولكنه لم يكتف بهذا.
كانت هناك نفوس مثل أورشليم: أسوارها مُهدمة، وأبوابها محروقة بالنار، وهي مدوسة أيضًا من الأعداء، وبلا كرامة.
فلما انتهى نحميا من ترميم المدينة، التفت إلى ترميم النفوس...
ولم يُرد أن تكون أورشليم في أسوارها الجديدة، مثل "قُبُورًا مُبَيَّضَةً... مِنْ خَارِجٍ وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ" (مت23: 27).
وحقًا إن الذين عادوا من السبي، استقروا كل واحد في مدينته (نح7: 6). ولكن كان لا بد للجميع أن يأخذوا من السبي درسًا، وأن يعرفوا لماذا سمح الله بسبيهم وأسلمهم إلى أيدي أعدائهم.
كان لا بد أن يتلافوا الأسباب التي دعت إلى سبيهم، حتى لا يعود الله فيغضب عليهم ويسلمهم إلى سبي جديد.
كان لا بد أن يتخلصوا من سبي الخطية لقلوبهم، هذا السبي الداخلي الذي أدى إلى سبيهم في بابل وأشور وأرض فارس.
من هنا بدأ العمل الروحي... كان لا بد أن يرجعوا إلى الله، كما رجعوا من أرض السبي إلى أورشليم. ولكن كيف تم ذلك؟
"اجْتَمَعَ كُلُّ الشَّعْبِ كَرَجُل وَاحِدٍ إِلَى السَّاحَةِ... وَقَالُوا لِعَزْرَا الْكَاتِبِ أَنْ يَأْتِيَ بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسَى الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ" (نح8: 1).
أتى عزرا بسفر الشريعة أمام الرجال والنساء. وقرأ فيها من الصباح إلى نصف النهار. وكان لما فتح السفر أمام كل الشعب، وقف كل الشعب. وبارك عزرا الرب، وقال الشعب: "آمِينَ، آمِينَ!". "وَخَرُّوا وَسَجَدُوا لِلرَّبِّ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأرض"، "وَكَانَتْ آذَانُ كُلِّ الشَّعْبِ نَحْوَ سِفْرِ الشَّرِيعَةِ" (نح8: 6، 3).
إذًا لم يكن الحدث التاريخي الهام، هو عودة الشعب من السبي، إنما عودة الشعب إلى الله. ولم يكن بناء بيت الرب سوى مجرد وسيلة للبناء الروحي الذي أشرف عليه نحميا وعزرا.
لقد قرأوا عليهم سفر الشريعة، "وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ" (نح8: 8).
ولما سمع الشعب كلام الله، تأثروا وبكوا. فقال نحميا وعزرا والكهنة للشعب: "الْيَوْمُ مُقَدَّسٌ... لاَ تَنُوحُوا وَلاَ تَبْكُوا... لاَ تَحْزَنُوا، لأَنَّ فَرَحَ الرَّبِّ هُوَ قُوَّتُكُمْ" (نح8: 9، 10).. ففرح الشعب فرحًا عظيمًا، وأكلوا وشربوا. حقًا، إنه للبكاء وقت، وللفرح وقت، كما يقول الكتاب (جا3: 4).
ولكن أهم من الفرح بكلام الله، الفرح بالعمل به.
وهكذا اجتمعوا "بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِمْ مُسُوحٌ وَتُرَابٌ..." وصلوا إلى الله (نح9: 1، 6 - 38).
لم تكن مجرد صلاة عادية روتينية، إنما صلاة من قلوب منسحقة في التراب، في صوم، ومسوح. وشملت صلواتهم عناصر متعددة أساسية:
بدأوا بصلاة التسبيح "أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَكَ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَسَمَاءَ السَّمَاوَاتِ". ثم باركوا الرب على اختياره أَبْرَامَ، وذَّكروا الرب بعهده مع أبينا إبراهيم، ثم عجائب الله معهم، وشريعته التي قدمها لهم على يد موسى النبي.
ثم اعترفوا بخطاياهم أمام الله: "آبَاؤُنَا، صَلَّبُوا رِقَابَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِوَصَايَاكَ" (نح9: 16). وأطالوا الاعتراف بخطايا الشعب والآباء أمام الله: "وَصَلَّبُوا رِقَابَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعُوا. فَاحْتَمَلْتَهُمْ سِنِينَ كَثِيرَةً... فَلَمْ يُصْغُوا، فَدَفَعْتَهُمْ لِيَدِ شُعُوبِ الأَرَاضِي. وَلكِنْ لأَجْلِ مَرَاحِمِكَ الْكَثِيرَةِ لَمْ تُفْنِهِمْ وَلَمْ تَتْرُكْهُمْ" (نح9: 29- 31). وختموا اعترافاتهم بقولهم للرب: "وَأَنْتَ بَارٌّ فِي كُلِّ مَا أَتَى عَلَيْنَا لأَنَّكَ عَمِلْتَ بِالْحَقِّ، وَنَحْنُ أَذْنَبْنَا" (نح9: 33).
وختموا اعترافاتهم وتذللهم، بأن عقدوا ميثاقًا مع الرب.
شرحوا للرب الذُل الذي يعيشون فيه. ثم قالوا له: "وَمِنْ أَجْلِ كُلِّ ذلِكَ نَحْنُ نَقْطَعُ مِيثَاقًا وَنَكْتُبُهُ. وَرُؤَسَاؤُنَا وَلاَوِيُّونَا وَكَهَنَتُنَا يَخْتِمُونَ" (نح9: 38). وكان أول الذين ختموا نحميا الترشاثا، ثم عدد كبير من الكهنة وقادة الشعب.
"وَدَخَلُوا فِي قَسَمٍ وَحِلْفٍ أَنْ يَسِيرُوا فِي شَرِيعَةِ اللهِ... وَأَنْ يَحْفَظُوا وَيَعْمَلُوا جَمِيعَ وَصَايَا الرَّبِّ..." (نح10: 29).
تعهدوا بالانفصال عن الزيجات الخاطئة، وأن يحفظوا مواسم الرب وسبوته، وأن يقدموا الباكورات والعشور، وما يخُصّ المحرقة الدائمة وذبائح الخطية، وترك السنة السابعة والديون... (نح10: 30- 39).
ونظموا عمل الكهنوت واللاويين وخدمتهم (نح12).
وكذلك عمل المغنين والحراس والبوابين... وبدا أن كل شيء قد ترتب، ووُضِعَتْ جميع التنظيمات... لهذا سافر نحميا، لكي يقدم تقريرًا للملك عن كل ما عمله (نح13: 6).
ولكنه لما عاد إلى أورشليم، وجد أمورًا خطيرة قد حدثت تحتاج إلى إصلاح.
وهذا يرينا أن كل إصلاح يتم، لا بد يحتاج إلى متابعة.
كان ألياشيب الكاهن المقام، قد هيأ مخدعًا عظيمًا لطوبيا عدو نحميا الأكبر الذي كان له دور خطير في مقاومة بناء سور أورشليم. وقد هيأ ألياشيب هذا المخدع لطوبيا في المكان الذي كانوا من قبل يضعون فيه التقدمات والبخور والآنية والخمر والزيت... (نح13: 4، 5).
ثم حضر نحميا، وعرف الشر الذي عمله ألياشيب لأجل طوبيا.
وهنا نرى نحميا في حزمه وقوته وغيرته لقدسية بيت الرب.
لقد ساءه الأمر جدًا، فطرد طوبيا من المكان. وطرح جميع آنية بيت طوبيا خارج المكان. وأمر فطهروا المخادع، وردّ إليها آنية بيت الله مع التقدمة والبخور (نح13: 7- 9).
كما قام بإصلاح أمور أخرى، إذ وجد أنه في غيابه لم تُعط للاويين أنصبتهم، فهرب اللاويون والمغنون كل واحد إلى حقله... فأعادهم إلى خدمتهم، وأمر بمنحهم أنصبتهم. وأقام خَّزَنَة على الخزائن.
هناك مواقف في الخدمة تحتاج إلى حزم. وإلى يد شديدة مُدبرة.
نحميا هنا لم يُجامل ألياشيب الكاهن، لأنه كان مخطئًا في موقفه من طوبيا ومن قدسية بيت الرب. كذلك لم يُجامل الذين منعوا عن اللاويين أنصبتهم، بل خاصمهم ووبخهم (نح13: 11).
ولم يكتف بقوله: "سَاءَنِي الأَمْرُ جِدًّا" (نح13: 8). بل أخذ موقفًا حازمًا. وهذا الحزم جاء من نحميا الذي رأيناه في وقت آخر باكيًا ومُنسحقًا (نح1: 4).
أمر آخر خطير جدًا وقف أمام نحميا وعزرا، وهو الزيجات الخاطئة.
كان كثير من الشعب، بل ومن الكهنة أيضًا واللاويين لم ينفصلوا عن "شُعُوبِ الأَرَاضِي حَسَبَ رَجَاسَاتِهِمْ".. وتزوجوا من الكنعانيين والحثيين والعمونيين والموآبيين وغيرهم "اتَّخَذُوا مِنْ بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ وَلِبَنِيهِمْ، وَاخْتَلَطَ الزَّرْعُ الْمُقَدَّسُ..." (عز9: 1، 2).
وهؤلاء الشعوب لهم آلهة غريبة، وكثيرًا ما كان لهؤلاء الزوجات تأثيرهن، حتى في أيام سليمان الحكيم الذي قال عنه الكتاب: "أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ" (1مل11: 4).
فلما سمع عزرا بتلك الزيجات الخاطئة، اعتبرها خيانة (عز9: 2، 4).
ومزق عزرا ثيابه ورداءه، ونتف شعر رأسه وذقنه، وجلس متحيرًا فاجتمع إليه كل من ارتعد من كلام الله (عز9: 3، 4).
كان كلام الله واضحًا في رفض تلك الزيجات (خر34: 15، 16). وهذا هو ما تذكره عزرا أيضًا (عز9: 122)، خوفًا من انتقال الوثنية إلى شعب الله...
صلى عزرا أمام الله وقال في ذلك: "وَعِنْدَ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ قُمْتُ مِنْ تَذَلُّلِي، وَفِي ثِيَابِي وَرِدَائِي الْمُمَزَّقَةِ جَثَوْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَبَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى الرَّبِّ إِلهِي، وَقُلْتُ: اللّهُمَّ، إِنِّي أَخْجَلُ وَأَخْزَى مِنْ أَنْ أَرْفَعَ يَا إِلهِي وَجْهِي نَحْوَكَ، لأَنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ كَثُرَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا... وَلأَجْلِ ذُنُوبِنَا قَدْ دُفِعْنَا نَحْنُ وَمُلُوكُنَا وَكَهَنَتُنَا لِيَدِ مُلُوكِ الأَرَاضِي لِلسَّيْفِ وَالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَخِزْيِ الْوُجُوهِ كَهذَا الْيَوْمِ...". ثم قال عبارة مؤثرة:
"قَدْ جَازَيْتَنَا يَا إِلهَنَا أَقَلَّ مِنْ آثَامِنَا" (عز9: 5-7، 13).
إنها أعمق من عبارة اللص اليمين: "أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ" جوزينا (لو23: 42). نعم، في كل عقوبات الله لنا، يُجازينا بأقل مما نستحق... وهكذا ختم عزرا صلاته بقوله للرب: "أَنْتَ بَارٌّ لأَنَّنَا بَقِينَا نَاجِينَ كَهذَا الْيَوْمِ. هَا نَحْنُ أَمَامَكَ فِي آثَامِنَا".
وكانت صلاة عزرا الباكية والمنسحقة، لها تأثيرها الكبير على كل الناس. وهكذا يقول الكتاب: "فَلَمَّا صَلَّى عَزْرَا وَاعْتَرَفَ وَهُوَ بَاكٍ وَسَاقِطٌ أَمَامَ بَيْتِ اللهِ، اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ إِسْرَائِيلَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا... لأَنَّ الشَّعْبَ بَكَى بُكَاءً عَظِيمًا" (عز10: 1).
ما أعظم تأثير بكاء الرجل، وبكاء الكاهن.
المرأة كثيرًا ما تبكي. والرجل نادرًا ما يبكي، بل يضبط نفسه.
لهذا فإن بكى الرجل، يكون بكاؤه مؤثرًا. قد يحتمل الابن أمه، ولكنه لا يستطيع أن يحتمل بكاء أبيه... فإن كان الرجل مؤثرًا في بكائه، فكم بالأولى إن كان كاهنًا. وكم بالأولى إن كان بكاؤه أمام الله، بانسحاق قلب، وثيابه ممزقة، وقد نتف شعره، وركع يعترف بالخطايا أمام الله...
وهكذا قطع الشعب عهدًا أمام الله بترك تلك الزيجات الخاطئة (عز10: 3).
وانطلق عزرا "وَهُوَ لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً، لأَنَّهُ كَانَ يَنُوحُ بِسَبَبِ خِيَانَةِ أَهْلِ السَّبْيِ". وأطلقوا نداء لكي يجتمع الشعب "وَجَلَسَ جَمِيعُ الشَّعْبِ فِي سَاحَةِ بَيْتِ اللهِ مُرْتَعِدِينَ". وشرح لهم عزرا خيانتهم للرب باتخاذهم نساء غريبة "غير مؤمنة". وأمرهم بالانفصال عنهن. "وَقَالُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: كَمَا كَلَّمْتَنَا كَذلِكَ نَعْمَلُ". (عز10: 6- 12).
ولم يجامل أحدًا من الكهنة ولا من الرؤساء الذين وقعوا في تلك الخطية (عز10: 18).
وكذلك لم يُجامل أحدًا من اللاويين (عز10: 23)، ولا من الرؤساء (عز10: 14). وجلس لفحص كل الحالات "وَانْتَهَوْا مِنْ كُلِّ الرِّجَالِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا نِسَاءً غَرِيبَةً".
وبنفس الأسلوب تصرف نحميا أيضًا:
فعل ذلك مع اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات (نح13: 23). فجمعهم ووبخهم بشدة وعنف، وضرب لهم مثلًا بسليمان الملك، الذي جعلته النساء الوثنيات يخطئ... ولم يُجامل الكهنة في ذلك، بل قال: "اذْكُرْهُمْ يَا إِلهِي، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا الْكَهَنُوتَ وَعَهْدَ الْكَهَنُوتِ وَاللاَّوِيِّينَ. فَطَهَّرْتُهُمْ مِنْ كُلِّ غَرِيبٍ، وَأَقَمْتُ حِرَاسَاتِ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ، كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى عَمَلِهِ" (نح13: 29، 30).
وهكذا قام نحميا وعزرا بعملية تطهير وتنقية للشعب، وبناء روحي.





