الكنعانيون في الأرض

إن سفر القضاة يحكي لنا قصة فساد موعب ساد تلك الفترة.
فمن أين جاء ذلك الفساد، وكيف دخلت الوثنية إلى شعب الله؟
الجواب هو أن الكنعانيين كانوا ما يزالون في الأرض، كما يروى الكتاب.
الكنعانيون في الأرض
لم يتخلص بشوع من كل الوثنية الموجودة في أيامه، بل استقي بعض الكنعانيين.
فكأنت النتيجة أن تأثيرهم طغي وزاد، حتى ملأ البلاد من الفساد، ووصل الوضع إلى الحالة السيئة في زمن القضاة لأن الكنعانيين كانوا ما يزالون في الأرض.
وأنت حينما ابتدأت تعرف طريق الرب، ودخلت أرض الموعد، على ازلت الأصنام، أم استبقيت الكنعانيين في الأرض؟
سؤال تدعونا إليه حالة الردة التي يقع فيها البعض بعد سيره في طريق الرب، إذ يعود فيرتد إلى خلف! وللأسف نري بعض خدام الكنيسة،
وربما بعض البارزين أو المكرسين، ما تزال لهم طباع تشبه طباع أهل العالم تمامًا.!
+ مثال ذلك إنسان كان غضوبا قبل معرفته للمسيح.
كان يحتد، ويعلو صوته، وبفقد أعصابه، وربما يشتم.. ثم عرف الرب، ولكنه استبقي بعض الغضب داخل نفسه،
وأصبح يغضب لأسباب دينيه، ولكن بأسلوب يشبه أهل العالم. وفي غضبه لا يفرق بينه وبين صورته القديمة في شيء!
لقد استبقي بعضًا من الكنعانيين في أرضه المقدسة.
وقد تناقشه في غضبه، فيدعي أنه غضب مقدس، من أجل الله!! ولكن الغضب المقدس لا يكون بهذا الأسلوب الخاطئ.
إن الكتاب يقول “لينزع منكم كل غضب وكل سخط”.
ويقول “إن غضب الإنسان لا يصنع بر الله”. فالمفروض على التائب أن يترك كل غضبه القديم، كله، لأي سبب.
وإذا سر الله أن يجعله يغضب لأجل الحق غضبه مقدسة، فحينئذ سيمنحه غضبًا من نوع آخر.
الغضب المقدس هو الغضب العتيق، ليس رقعة قديمة على ثوب جديد.
بل غضب جديد يختلف عن القديم في طبيعته وفي جوهره وفي أسلوب وفي روحه وأدائه.
أما الذي استبقي الكنعانيين في الأرض، فإنه يغضب كأهل العالم، لا يصنع بر الله..
بأعصاب متعبة ومظهر غير مشرف، بل معثر، إذ يصدر من خدام في موضع القدوة!
ساروا في طريق الرب، ولكن ما يزالون محتفظين ببعض القديم، مثلما سارت راحيل مع يعقوب، وهي محتفظة ببعض أصنام لأبان!
المشكلة الكبرى، أن البعض بقسمون الخطايا إلى كبيره وصغيرة:
وإذ يتخلصون من هذه الكبيرة، من الخمر والنساء والتدخين والقمار والسرقة والنوادي الليلية، يظنون أنهم قد خلصوا وتجددوا وتقدسوا وتبرروا وصاروا أبناء الله.
وربما يكونون قد تركوا بعض الكنعانيين في الأرض، كخطية الغضب مثلًا، أو الإدانة أو الشتيمة، وما أشبه..
ويشتمون وهم في الكنيسة! يشتمون الأشرار، كالفريسيين الذين أرادوا رجم المرأة الخاطئة،
أو كالفريسي الذي قال: أشكرك يا رب أني لست مثل سائر الناس.. ولا مثل هذا العشار!
إنه إنسان يصوم ويصلي ويعشر كل أمواله، ولكنه متكبر في قلبه، يدين العشار، ويظن غيره من الناس خطأة!
وقد لا يظن مثل هذا الإنسان أن الشتيمة أو الإدانة تهلكه، بينما الكتاب يقول: “لا شتامون يرثون ملكوت الله” “ومن قال لأخيه يا أحمق يكون مستحقًا نار جهنم”.
العجيب أن بعض هؤلاء يستترون وراء الآيات والنصوص!
يحتجون بقول بولس “عظ وبخ انتهر” ويأخذون لأنفسهم وضع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله لتوبيخ الشعب.
ثم ينسون أيضًا كيف كان أولئك القديسون يوبخون وينذرون،
وكيف قال بولس الرسول “لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل أحد” فهل هم ينذرون كذلك، أم يتشامخ قلب وبقسوة وكبرياء؟!
حقًا، إن الكنعانيين ما يزالون في الأرض.. فالمفروض في التائب أن ينسحق، ولا يوبخ أحدًا إلا نفسه.
وإذا سر الله أن يأتمنه على مهمة التوبيخ، فسيعلمه الروح كيف يوبخ، وكيف ينذر بدموع وبحب واتضاع، دون أن يفقد روحياته.
فلا يوبخ بأسلوب ما قبل التوبة، وإنما بأسلوب جديد..
لا يصح لإنسان روحي أن يغطي على أخطائه بالآيات والنصوص، فطريق الله واضح.
وكما يقول الرسول “أولاد الله ظاهرون، وأولاد الشيطان ظاهرون” وكما يقول الكتاب “لغتك تظهرك”.
فلا نرفع صوتك إذن بعصبيه وحدة، وبغضب وكبرياء، وتقول إن الروح القدس يبكت الناس بفمي!!
ليس هذا هو تبكيت الروح القدس، إنما هذه بعض بقايا الكنعانيين في الأرض.
وقد يسير إنسان في طريق الله، ويظن أنه قد نال الحياة الجديدة في المسيح يسوع! ومع ذلك تراه يضطرب لأقل الأسباب،
وتملكه الكآبة، وينهار، ويقول “لقد تعقدت من هذا الأمر”! ويفقد سلامه وييأس.
وكل هذه بقايا الكنعانيين، لأن من ثمار الروح فرح وسلام.
إن أولاد الله لا يفشلون، ولا يفقدون سلامهم، ولا يفقدون فضيلة الرجاء، مهما أحاطت بهم المصاعب وأحزان العالم،
بل يسرون بالضيقات، وفي عمقها يقولون “كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ” ( كورنثوس الثانية 6 : 10 ).
أما مشاعر الكآبة واليأس، فندل على أن الكنعانيين ما يزالون في الأرض.
فليفتش كل منًا نفسه، هل ما يزال شيء من العالم في قلبه؟
لقد قال الرسول فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ:
أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا، بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. ( أفسس 4 : 1-2 ) فهل أنت هكذا؟
ربما يكون لديك شيء من عدم الصبر أو من ضيق الصدر أو عدم الاحتمال، من بقايا الكنعانيين في الأرض.
قد يكلمك أحد كلمة فلا تحتملها وتضيق. قد تخدم خدمة فلا تأتي بثمرها سريعًا فتتعب ولا تحتمل.
قد يوبخك بعضهم، فلا يتسع صدرك للتوبيخ. وفي نفس الوقت أنت تصوم وتصلي وتعشر أموالك، وتمتنع عن الخمر والتدخين.. ولكن الكنعانيين ما يزالون في الأرض!!
لا تفتخر إذن باطلًا، وتقول أنا دخلت أرض الموعد. أنا تبررت وتجددت وتقدست وتطهرت ونلت الخلاص..!
ما أسهل أن تسبي بعد ذلك وتبكي عند أنهار بابل. أنظر هل يوجد شيء من الكنعانيين في الأرض؟
هل عزلت الخبيث من وسطك؟ ما سر انهزامك؟ ولا تظن أن السقوط كل السقوط هو في الخطايا الكبيرة فحسب.
ربما تخلص من خطايا كثيرة، ولكنك استبقيت العناد.
وصرت خادمًا مشهورًا، ولكن لا يستطيع أحد أن يتفاهم معك، من أجل صلابة رأيك، وتشبثك بكلمتك!
والعجيب أنك في هذا العناد الذي يفض الناس من حولك، والذي مصدره الكبرياء،
مازلت تدافع عن نفسك وتبرر موقفك بأنه الدفاع عن الحق، وأنه الصلابة التي لا تنثني أمام الخطية!
وقد يكون هذا التبرير الذي تبرر به نفسك، قد أوحي به إليك الكنعانيين الذين ما يزالون في الأرض!
كيف يمكن أن يكون إنسان خادمًا في الكنيسة، ومن الصعب التفاهم معه؟!
كيف يمكن أن يدرس اللاهوتيات والروحيات ويملأ الدنيا معلومات، وهو صعب التفاهم؟ نعم عنده معلومات، وعنده أيضًا الكنعانيين في الأرض.
ومن الجائز أن يدعي إنسان أنه تاب، ويستبقى معه روح الانتقاء، ويغط ذلك بحبه للإصلاح! دون ان يصلح نفسه.
وكم من خطية تخطيء تحت اسم محبة الإصلاح!
وقد تجد خادمًا لا يستطيع أحد يملأ عينه! كل الناس في نظره خطأة وناقصون، وكل ما في الكنيسة يحتاج إلى اصلاح.
وكل من في الكنيسة يحتاج اصلاح. وكل من في الكنيسة فيه عيوب عرضة للانتقاد. لماذا؟
لأن هذا الإنسان حينما تاب، استبقي عنده الانتقاد، استبقي بعض الكنعانيين في الأرض.
من الجائزة الله يعرف إنسان طريق الله ويستبقي الكسل!
ولا يظن أن الكسل خطية تضيعه كباقي الخطايا. وبالكسل لا يؤدي شيئًا من واجبائه الروحية.
لا صلاة، لا تأمل، لا صوم، لا مطانيات.. وأن سألته، يجيبك في هدوء شديد وفي ثقة: يكفي أن محبة يسوع تملأ قلبي”.
ويستخدم كلمة (يسوع) في دلال عجيب، بينما نقول في الكنيسة “ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا يسوع المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين”
ولكنه يقول “يسوع” فقط بدالة أن “محبة يسوع تملأ قلبه”.
وكيف تملأ محبة الرب قلبه وهو يكسل عن الصلاة، ولا يتحمس للحديث مع هذا الذي يحبه؟!
كيف يحب الرب، والرب يقول “من يحبني يحفظ وصاياي”؟ وهل المحبة تدعو إلى الكسل، أم الكسل هو من بقايا الكنعانيين في الأرض؟!
وقد يكون الكسل في الخدمة، أو في العبادة، أو الاعتراف، أو الكسل في التدريب الروحي، أو في محاسبة النفس، أو في قراءة الكتاب المقدس والكتب الروحية.
وكل هذا يغطونه بعبارة “يكفي أن محبة المسيح تملأ قلبي، والرسول يرد على هؤلاء ويقول:
يَا أَوْلاَدِي، لَا نُحِبَّ بِالْكَلَامِ وَلَا بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ! ( يوحنا الأولى 3 : 18 ).
إن تبرير الذات كما قلت هي من بقايا الكنعانيين أيضًا. والخاطئ الذي يعرف خطيئته ويعترف بها، توبته سهله. أما الذي يبررها فطريقه صعب وطويل.
ما أكثر الخطايا التي تخدعنًا ونحن لا نشعر بها.
ما أكثر الكنعانيين الذين نتركهم في الأرض، ونعيش معهم في طريقنا الروحي مثل خطية التحايل، والاعتماد على الذراع البشري.
ليتنا نحترس من الثعالب، الثعالب الصغار المفسدة للكروم. “طوبى لمن يمسك أطفالك، ويدفنهم عند الصخرة” (مز137).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الثاني والأربعون) 20-10-1978



