القديس الأنبا ميصائيل السائح

عاش في عهد الأنبا إسحق، الذي روى سيرته.. هو إذن معاصر للأنبا غاليون السائح.
إنما الأنبا غاليون كان شيخاً متقدماً في الأيام، بينما الأنبا ميصائيل صار سائحاً وهو شاب صغير، مما يدل على أن السياحة لا علاقة لها بالسن.
وصل الأنبا ميصائيل الدير وهو في الثانية عشر من عمره. ولم يقم في الدير سوى سنوات قليلة وخرج إلى السياحة، أي أنه صار سائحاً في حوالي السابعة عشر من عمره.
كان أبواه في بدء حياتهما بعيدين عن الله. وكانا غنيين جداً، ولم يكن لهما نسل. وقد شكيا لأحد القديسين حالهما،
فنصحهما أن يتوبا ويمنحهما الله نسلاً، فتابا ووزعا صدقات كثيرة على الفقراء. وأعطاهما الله ابنا فسمياه ميصائيل، وربياه أحسن تربية.
وتيتم الطفل ميصائيل في صغره. مات أبوه وهو في الخامسة من عمره، ثم ماتت والدته وهو في السادسة.
فكفله الأب الأسقف، وحفظ له ماله. ولما بلغ الثانية عشر، شعر بفناء الدنيا وزوالها، فذهب إلى الأب إسحق رئيس دير الأنبا صموئيل ليترهب.
كان ميصائيل ذكياً، وكان ذا بصيرة روحية.
تعجب الأب إسحق حينما تعرف عليه ميصائيل دون أن يراه قبلاً، فسأله كيف عرفتني فأجابه “رأيت عليك سلطاناً لطاعة الرهبان، فعرفت أنك المسلط على هذا الدير ومن فيه”.
فأختار له الأب إسحق قلاية، وعين له أباً شيخاً قديساً ليعلمه آداب الرهبنة، وكتب البيعة وحفظ مزامير داود.
فلم تمض سنة حتى تعلم كل شيء، مما أدهش معلمه الشيخ، وكذلك رئيس الدير. وقد ألبسه الأب إسحق الإسكيم، بعد أن أختبره ووجده مستحقاً.
وبدأ الرهبنة بحياة جادة، في صومه وصلاته ووحدته.
عاش منفرداً في قلايته، ناسكاً، يبكت نفسه كثيراً أمام الله، ويضبط جسده. زاره أبوه إسحق بعد فترة،
فوجد جسده مثل الحطب اليابس، ورجليه قد صارتا مثل جريد النخل، وقد زالت عنه نضارة الشباب، فبكى عليه،
وقال له “قد دخلت الدير يا أبني طفلاً حسن الصورة كأولاد الملوك، وهوذا قد صرت كالميت”…
وبعد قليل خرج الأنبا ميصائيل إلى السياحة. أتى السواح وأخذوه معهم. وظهر لأبيه في العام التالي.
وكانت له روح النبوءة، وقد تنبأ بأشياء كثيرة… تنبأ عن خروجه من الدير، وعن قحط سيصيب الأرض، فأستعد له الأنبا إسحق، وخزن أقوات الرهبان.
ولما سمع الوالي بما خزن في الدير، أرسل جند للإساءة إليه، أتى الأنبا ميصائيل مع رجاله الروحيين وخلّص الدير وصرف الجنود،
ثم طلب إلى الأنبا إسحق أن يذهب إلى أسقف بلده، ويأخذ أمواله منه، ويبنى له كنيسة في الدير.
وأخذ الأنبا إسحق مال الأنبا ميصائيل من أسقفه، وبنى على اسمه كنيسة جميلة في الدير.
ثم ذهب إلى كل المدن المحيطة يبشر بيوم تكريسها، فأجتمع بعض الآباء الأساقفة على رأسهم أسقف فاو.
وكان يوم تكريسها في سنة 390 لتولى دقلديانوس، أي سنة 674م، وفى هذا اليوم حضر التكريس الأنبا ميصائيل ورجاله الروحيون…
وتنبأ لأبيه إسحق بأنه سيفارق العالم في العام التالي.
وقال له “أصنع لك مدفناً في هذه البيعة.. وأبشر وقرعيناً”. يقول الأب إسحق “ومضى، ولم أعد أنظره.
فمضيت وصنعت لي مكاناً لجسدي في الجهة البحرية من هذه البيعة”.
“أنا إسحق، نظرت إلى هذا الرجل الراهب، وما خصه به الله، لأجل إيمانه ووحدته..
إذ رفض العالم والدنيا وما فيها، وصار مثل الملائكة الذين لا شيء لهم سوى التسبيح والتهليل”.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الحادي والخمسون) 23-12-1977م



