الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي(3) – المعمودية

أهمية المعمودية للخلاص
تظهر أهمية المعمودية من قول السيد المسيح لنيقوديموس “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” ( يوحنا 3 : 3 ).
وقد شرح معنى هذه الولادة، فأجاب على سؤال نيقوديموس بقوله “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” ( يوحنا 3 : 5 ).
وهذه أية صريحة تعني أنه بدون المعمودية لا يقدر الإنسان أن يدخل إلى الملكوت، ولا يقدر أن يعاينه. وبهذا يكون الخلاص عن طريق المعمودية التي يمهد لها الإيمان.
وهكذا قال السيد المسيح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” ( مرقس 16 : 16 ). عندما أرسل تلاميذه قال لهم
“فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” ( متى 28 : 19-20 ).
وهذه الآية تدل على أن الخلاص يلزمه الإيمان الذي يأتي بالتلمذة، والمعمودية التي هي الباب المباشر، والأعمال الصالحة بحفظ الوصايا.
فلو كانت المعمودية غير لازمة للخلاص، لكان يكفي أن يقول الرب لتلاميذه: “اذهبوا وبشروا بالإيمان” دون ذكر للمعمودية…
ومعلمنا بولس الرسول يشرح كيف أن الخلاص يكون بالمعمودية، وكيف أنها هي الميلاد الثاني،
بقوله “وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ، لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ،
بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( تيطس 3 : 4-5 ).
ممارسة المعمودية منذ البدء
هذا المبدأ الذي أسسه السيد المسيح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” اتبعته الكنيسة منذ البدء ففي يوم الخمسين بعد أن وقف بطرس الرسول رافعًا صوته بكلمة الإيمان،
ونخس السامعون في قلوبهم، “قَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا،
فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( أعمال الرسل 2 : 27-28 ).
وهذه الآية صريحة في أنه يكون بالمعمودية مغفرة الخطايا. وكيف يخلص الإنسان بدون مغفرة خطاياه؟!
إذن فالمعمودية لازمة لخلاص الإنسان، فيها تغفر خطاياه. وبها يمهد لقبول الروح القدس.
وعطية الروح القدس، ننالها في السر الثاني من أسرار الكنيسة، سر المسحة المقدسة، الميرون. والآية السابقة تدل على هذه المعاني كلها.
في يوم الخمسين بعد أن تكلم بطرس عن المعمودية “قَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ”.
فلو كان الإيمان وحده يخلص الإنسان ماذا كانت الحاجة إلى أن يعتمد في يوم واحد 3000 نفس؟!
ما كان أسهل أن يقول لهم الرسل: “ما دمتم قد آمنتم أيها الأخوة، فاذهبوا على بركة الله، لقد خلصتم هذا يكفي.
نرى أيضًا أن الخصي الحبشي بعد أن آمن على يد فيلبس، قاله له مباشرة ” مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟” ( أعمال الرسل 8 : 36 ) فنزل به إلى الماء فعمده.. وذهب في طريقة فرحًا.
وسجان فيلبي الذي آمن على يدي بولس وسيلا “اعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ” كرنيليوس أيضًا الذي ظهر له ملاك الله،
وقال له صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله، هو أيضًا بعد أن كلمة بطرس بكلمة الله،
وبعد أن حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة “أَجَابَ بُطْرُسُ: أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟
وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ” ( أعمال الرسل 10 : 47-48 )،( أعمال الرسل 16 : 33 ).
وليديا بائعة الأرجوان، لما آمنت على يد بولس الرسول “اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا” ( أعمال الرسل 16 : 15 ).
جميلة تلك العبارة التي قالها بولس الرسول عن العماد “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” ( غلاطية 3 : 27 ).
إذن في المعمودية يلبس الإنسان المسيح. أي أن المعمودية هي الباب الذي يدخل منه الإنسان إلى الخلاص، والإيمان تمهيد لها.
نقول هذا لأن كثيرًا من البروتستانت يظنون أن الإنسان يكفيه إيمانه ليخلصه…! أو يظنون أن الميلاد الثاني يأتي بالإيمان وليس بالمعمودية!
لا يرون أن المعمودية هي الميلاد الثاني، على الرغم من صراحة الآية “بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي” ( تيطس 3 : 5 )!!
وأيضًا على الرغم من قول الرسول عن الكنيسة، “لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا” ( أفسس 5 : 26-27 ).
“لكي يقدسها مطهرًا إياها بغسل الماء بالكلمة”.. البروتستانت ومن إليهم يدعون أن هذه العبارة معناها يقدسها بالكلمة! تاركين عبارة غسل الماء كأن لا معنى لها.
إن “الكلمة” هنا تعني التبشير، فماذا تعني عبارة “غسل الماء”؟ تعنى المعمودية التي يصل إليها الإنسان بالتبشير أي بالكلمة.
وهكذا تنطبق وصية السيد المسيح “تلمذوهم… وعمدوهم…” “تلمذوهم” بالكلمة. “وعمدوهم” بغسل الماء
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد السابع) 17-2-1978



