الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي (1) – لا خلاص إلا بدم المسيح وحده

لا إيمان ولا أعمال بدون هذا الدم. إن الإيمان هو إيمان بدم المسيح، والأعمال هي أعمال مؤسسة على استحقاقات دم المسيح.
وكما يقول الرسول بولس: “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” ( العبرانيين 9 : 22 ).
فما هو إذن مركز دم المسيح في قضية الخلاص؟ وما هو مركز الإيمان؟ … وما هر مركز الأعمال؟ …
الأعمال بدون دم المسيح:
لا يوجد خلاص إلا بدم المسيح. جميع الأعمال الصالحة مهما سمت، مهما علت، مهما كملت، لا يمكن أن تخلص الإنسان بدون دم المسيح.
لذلك فإن الأبرار الذين أرضوا الرب بأعمالهم الصالحة في العهد القديم ، انتظروا هم أيضًا في الجحيم إلى أن أخرجهم منه السيد المسيح بعد صلبه.
إن الأعمال الصالحة وحدها لا يمكن أن تخلص الإنسان بدون الإيمان بدم المسيح. وإلا كان الوثنيون ذو الأعمال الصالحة يخلصون بأعمالهم!! حاشا.
وكقاعدة عامة أقولها لكم:
جميع الآيات التي وردت في الكتاب المقدس تهاجم الأعمال، هي عن الأعمال وحدها بدون دم المسيح، أو عن أعمال الناموس (الخاصة بشريعة العهد القديم).
لأنه بدون دم المسيح لا يمكن للأعمال أن تفيد شيئًا..
لذلك عندما يقول الرسول: “لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا” ( تيطس 3 : 5 )،
أو عندما يقول: “لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” ( أفسس 2 : 9 )،
إنما يقصد الأعمال وحدها بدون دم المسيح. وهكذا إن وجد إنسان يعمل أعمالًا صالحة، وهو غير مؤمن،
فإن بر الناموس هذا لا يفيده شيئًا، وأعماله الصالحة وحدها لا تخلصه بدون الإيمان.
مثل هذا الشخص غير المؤمن، تقول له: إن أعمالك كلها لا تكفي. آمن بالرب يسوع فتخلص.
هناك فرق جوهري أساسي بين الكلام الذي يقال للمؤمن، والكلام الذي يقال لغير المؤمن.
في حديثك مع غير المؤمن، يجب أن تحطم جميع الأعمال. كلها بدون دم المسيح لا تفيد شيئًا.
مثل هذا تقول له: أن أعمالك لا تخلصك… الذي يخلصك هو دم المسيح. أن دم المسيح هو نقطة البدء في موضوع الخلاص.
ولكن بعد أن يؤمن، ينبغي أن تحدثه عن الأعمال الصالحة التي تليق بإيمانه، لأن الإيمان بدون أعمال ميت ( يعقوب 2 : 20 ).
لماذا لا يكون الخلاص إلا بدم المسيح؟
1- الخطية هي عصيان لله، وتعد على حقوقه، وعدم محبة له… والله غير محدود، إذن فالخطية غير محدودة لأنها موجهة ضد الله غير المحدود.
ومهما عمل الإنسان فإن أعماله محدودة. لذلك لا تغفر الخطية إلا كفارة غير محدودة…
ولا يوجد غير محدود إلا الله. لذلك لم يكن هناك حل لمغفرة الخطية سوى أن يتجسد الله ذاته ويموت.
ويكون موته كفارة غير محدودة، توفي عدل الله غير المحدود، في الاقتصاص من الخطية غير المحدودة. الموجهة ضد الله غير المحدود.
2- هذا الكلام ينطبق على خطيئة آدم كما ينطبق على خطية أي إنسان،
لأن الخطية هي الخطية، وعدل الله هو هو، وعقاب الخطية الذي هو الموت هو هو، كما في العهد القديم
كذلك في العهد الجديد ومعروف أن “الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” ( رومية 3 : 12 ).
وهكذا وقع حكم الموت على الجميع.لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ.( رومية 3 : 19 ).
ولم تعد هناك وسيلة للخلاص غير نعمة الله تفتقدنا، وقد افتقدتنا فعلًا وخلصتنا بدم المسيح الذي به وحده الخلاص.
3- من أجل هذا قال معلمنا بولس الرسول:
مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. ( رومية 3 : 25 )
وقال أيضًا: “الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لَا بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ ” ( تيموثاوس الثانية 1 : 9 .
وقال أيضًا: “لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ ” ( تيطس 3 : 5 ).
وقال أيضًا: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” ( أفسس 2 : 8 )
وقال أيضًا: ” فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً. وَإِنْ كَانَ بِالأَعْمَالِ فَلَيْسَ بَعْدُ نِعْمَةً، وَإِلاَّ فَالْعَمَلُ لَا يَكُونُ بَعْدُ عَمَلًا.” ( رومية 11 : 6 ).
أننا نورد هذه الآيات التي يستخدمها البروتستانت، ولا نخبئها، لأننا لا ننكر نعمة الله علينا،
ولا ننكر خلاص الله المجاني الذي أعطاه لنا، ولا ننكر أننا كنا كلنا “أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” ( أفسس 2 : 1 )، ولولا دمه الأقدس لهلكنا جميعًا.
ولكننا نضع هذه الآيات في موضعها الحقيقي. ونعترف أننا خلصنا بدم المسيح.
4- ولكننا نقول إن دم المسيح شيء، واستحقاق دم المسيح شيء آخر.
إن دم المسيح كاف لمغفرة خطايا العالم كله، فهل حظي العالم كله بالغفران؟!
لقد “أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ” ( يوحنا 3 : 16 ) فهل خلص العالم كله بهذا البذل” أم خلص فقط (كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)؟
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الخامس) 3-2-1978


