الحرية والطاعة والتسليم

سؤال يخطر على قلوب الكثيرين- وبخاصة من الشباب- ألم يخلقنا الله أحرارًا؟ فلماذا لا نعيش في حرية كاملة؟
لذلك سأحدثكم في هذه الليلة بمشيئة الرب عن الحرية، وعلاقة الحرية بالطاعة، وبحياة التسليم.
حقًا، إن الله خلقنا أحرارًا. ولكن حريتنا كثيرًا ما تكون حرية مخربة، مؤذية، نؤذي بها الآخرين، ونؤذي أنفسنا، ونحطم المثاليات، وتتعدى حدود الغير… أفهذه هي الحرية؟!
لذلك لا توجد حرية مطلقة، إلا لله وحده، أما حرية الإنسان فهي حرية مقيدة،
يشترط فيها ألا يتعدى فيها على حريات الآخرين، وألا يضر نفسه، منغمسًا في الشر والخطيئة.
قبل أن يسقط الشيطان، كان ملاكًا خلقه الله بحرية الإرادة وحرية الفكر. وبحريته سقط وضيع نفسه.
ومازال في حريته يؤذي البشر ويضيعهم. إنها حرية مخربة…
وهكذا الإنسان الأول خلق حرًا، وبحريته اختار لنفسه الموت، وسقط، وطرد من الجنة. وما زال في هذه الحرية يسقط ويقوم.
لذلك من عطف الله على الإنسان، ألا يتركه إلى حريته.
وقد أوجد الله للإنسان ضوابط، ترشد هذه الحرية، وتبكتها أو تعاقبها إذا انحرفت. ومن هذه الضوابط الضمير:
الذي كلما شاء الإنسان أن ينحرف حسب هواه يقف الضمير ضد حريته.
وإذا كان الضمير ينحرف أيضًا أو يضعف، أوجد الله الرعاة والمرشدين، والآباء والناصحين، يقفون أمام هذه الحرية.
ولتوعية هذه الحرية، وضع الله الوصايا من الناحية الدينية، ووضعت الدول القوانين واللوائح،
لكيما لا يترك الإنسان إلى حريته لئلا يسيء استخدامها فيضر نفسه والمجتمع…
ولما كان الإنسان في حريته يستطيع أن يكسر الوصية، ويكسر القانون، لذلك أوجد الله السلطة وأعطاها حقوقًا:
أوجد السلطة في محيط الأسرة، سلطة الوالدين مثلًا على أبنائهما: وقالت الوصية: “أدب ابنك بقضيب من حديد”.
وأوجد السلطة في محيط الدولة، وقال: “إن الملك لا يحمل السيف عبثًا”.
وأوجد الله السلطة أيضًا في محيط الكنيسة:
فقال ما حللتموه يكون محلولًا، وما ربطتموه يكون مربوطًا (متى18).
وقال: “من غفرتم له خطاياه غفرت له، ومن أمسكتموها عليه أمسكت” (يو20).
وبولس الرسول استخدم هذا السلطان بالنسبة إلى خاطئ كورنثوس، واستخدم آية (أعزلوا الخبيث من وسطكم).
هل يسلك كل إنسان كما يشاء، بحريته، ولا تتدخل الكنيسة في تصرفاته؟!
إذن تتلف الكنيسة، وتمتليء بالبدع والهرطقات، ويفسد المنحرفون ضمير الشعب!!
كذلك هل يسلك الإنسان بحريته متجاهلًا سلطة الدولة؟ كلا. فقد قيل عن فساد عصر القضاة ”
ولم يكن هناك ملك في ذلك الزمان، وكان كل واحد يفعل ما يحسن في عينيه ( القضاة 17 : 6 ).
هل السلطة ضد الحرية؟ وهل يثور عليها الإنسان؟
كلا، السلطة لازمة لحماية المجتمع من حرية المنحرفين، وأيضًا من حرية الإنسان التي يستخدمها ضد نفسه.
وهكذا نجد أن القانون يحرم الإنتحار، وفي نفس الوقت يحرم تعاطي المخدرات، لأن الإنسان هنا يضر نفسه،
فيجب على السلطة أن توقفه عند حده، وتسحب منه السكين التي يقتل بها نفسه.
إن الإنسان لا يملك نفسه تمامًا، أمام الله والقانون
لذلك لا يجوز أن ينحرف إنسان في استخدام حريته، ويقول: “أنا حر بالنسبة إلى نفسي”.
كلا، إنه لا يملك نفسه وحده. إنه أيضًا ملك لله، وللمجتمع وللأسرة، وللخير…
إنك لا تملك نفسك، بل أنت ملك لمن اشتراك بدمه، وخلصك وفداك فأصبحت له.
كذلك أنت ملك للمجتمع الذي تعيش فيه، للوطن، للكنيسة، للأسرة. أنت لا تعيش في عزلة مطلقة،
بل تحيا في مجتمع، لك عليه حقوق، وله عليك حقوق. لذلك أنت لا تملك نفسك.
أنت طاقة يملكها المجتمع، وخسارتك هي خسارة له…
فلا تقل أنا حر في نفسي، وتبدد صحتك بالتدخين أو بالسكر. فصحتك طاقة يملكها المجتمع وتملكها الكنيسة.
ولا تبدد مالك حيثما اتفق، قائلًا أنا حر في مالي. فمالك جزء من الثروة العامة، وأنت مجرد أمين عليها.
لذلك قد يحكم المجتمع بالحجر على شخص إذا ساءت تصرفاته، وأصبحت تؤول إلى ضياع قد يضر غيره.
ويكون من حق المجتمع أن يفعل هذا، لأن ذلك الإنسان لم يحسن استخدام حريته، وأصبحت تؤول إلى ضرر.
لذلك علينا أن نفهم ما هو المفهوم السليم للحرية:
إننا لا نستطيع أن نترك سكينًا في يد طفل، ونقول له أنت حر تطعن بها نفسك كما تشاء…
لهذا ينبغي أن توقف حرية الإنسان إذا استخدمها ضد نفسه. ولا نسمي هذا قيدًا للحرية، وإنما نسميه حفظًا للحرية.
مثل النهر له شاطئان، ليسا هما قيودًا له، وإنما حفظ لمياهه بدونهما تنسكب مياهه وتتحول إلى مستنقعات.
أترانا نحارب الشاطئين، أم نشعر بلزومهما وفائدتهما؟
إن الحرية يتلفها الجهل، لذلك أوجد الله الضمير، والوصية، والنصح والإرشاد والقوانين.
كذلك الحرية تتلفها الشهوة، كما حدث للابن الضال، الذي تركه أبوه في حريته يفعل ما يشاء،
إلى أن شعر بأن هذه الحرية قد ضيعته، ففضل عليها الطاعة، ورجع إلى كنف أبيه نادمًا.
إن الحرية تحتاج إلى نضوج، نضوج فكري وروحي… وغير الناضجين قد يسيئون استخدام الحرية.
إن الحرية الحقيقية، هي تحرر الإنسان من الداخل…
فالذي يسلك في الخطية، باسم الحرية، هو عبد للخطية وليس حرًا. والذي يخضع لعادة معينة، هو عبد لهذه العادة وليس حرًا. أمثال هؤلاء لم ينالوا الحرية بعد…
هؤلاء ليسوا أحرارًا، إنما يستبدلون سيدًا بسيد.
يظنون أنهم أحرار في انحرافاتهم وفي فسادهم بينما هم عبيد لهذا الانحراف، وتحت سلطانه أما الحرية الحقيقية فهي التي قال عنها الكتاب:
“إن حرركم الابن، فبالحقيقة أنتم أحرار”.
الحرية هي أن يتحرر الإنسان من سلطان العادات والرغبات، ومن سلطان الخطية والشيطان.
والذي يتحرر قلبه وفكره هكذا، يمكنه أن يستخدم حريته حسنًا…
ولا خوف على مثل هذا من الحرية. إنها لا تؤذيه. بل على العكس إنها نافعه له وللناس، ولا تتعارض مع الوصايا.
ومثل هذا الإنسان الحر، لا يمكن أن يشكو من وصية أو قانون، لأنه لا يضغط على نفسه من أجل الطاعة.
بل هو بطبيعته يطيع هذه القوانين، حتى إن لم تصدر.
لا يوجد تناقض إطلاقًا بين الطاعة والحرية. السيد المسيح كان حرًا في كامل الحرية.
وكان يطيع الآب بأكمل طاعة، وقد جمع بين الحرية والطاعة.
إن الله يريدنا أن نكون أحرارًا، وأن نكون أبرارًا!…
ويمكننا أن نجمع بين الحرية والبر، إن تحررنا من الداخل من الشهوات الخاطئة وأصبحت حريتنا الشخصية لا تميل إلى الخطية،
وأصبحت طاعتنا لا تجد صعوبة داخلية من شهوة تمنعها…
عندما خلقنا الله على صورته ومثاله، خلقنا أحرارًا لأنه حر.
وخلقنا أيضًا أبرارًا لأنه بار. وكنا نجمع بين الحرية والبر، ونجمع بين الحرية وطاعة الله، لأن الشهوة لم تكن بعد قد دخلت إلى قلوبنا.
بل إننا نستطيع أن ننمو من طاعة الرب إلى حياة التسليم، وفي نفس الوقت نبقى أحرارًا، ما دام لا يوجد فينا انحراف…
لقد أعطى الله للإنسان حرية، يستطيع بها إذا شاء أن يكسر وصية الله، بل يستطيع أن ينكر وجود الله.
ولكن الحرية، لابد أن تقابلها المسئولية…
الله يعطينا الحرية أن نفعل ما نشاء، وفي نفس الوقت يحاسبنا عما نفعله، ونكون متحملين نتائج أعمالنا…
أما الذي بحسب الوصية يحيا في الطاعة، فالمسئولية لا تقع عليه، وإنما على من يأمره أو يوجهه.
فالذي يحيا في طاعة أب اعتراف ويسلك حسب إرشاداته، فلا مسئولية عليه في ذلك وإنما المسئولية على المرشد، أب الاعتراف.
وكذلك الجندي لا مسئولية عليه في الحرب، إنما على القائد الذي يأمره.
لذلك فالمتواضعون الذين يطيعون ينجون من المسئولية.
وفي نفس الوقت للطاعة بركة، وللطاعة فوائد؟
ومن فوائد الطاعة الانتفاع بخبرة من تطيعه، وبعلمه ومعرفته، وبتحمله المسئولية نيابة عنك وتحتاج هذه الطاعة إلى ثقة وإلى اتضاع.
الابن الضال سلك حسب هواه، ولم يأخذ مشورة أبيه فيما انتوى فعله، لذلك فإنه تحمل مسئولية عمله، ودفع الثمن. وكان خيرًا له لو عاش في الطاعة.
والطاعة لا تضعف الشخصية، بل تقويها بما تضيفه إليها من معرفة الغير ومن خبراته، إن كانت طاعة في الرب…
وأجمل ما في الطاعة، ما تصل إليه من وحدة المشيئة.
إنها ليست لونًا من الاستشهاد كما يقول البعض. فطاعة الاستشهاد، إنما طاعة المبتدئين الذين يتغصبون ويطيعون، ويقضون بالطاعة على مشيئتهم التي لها اتجاه آخر.
أما الطاعة في كمالها، فهى طاعة مع اتحاد المشيئة. هي طاعة في فرح. مثل طاعة السيد المسيح للآب، ومشيئتة هي مشيئه الآب. وليس في طاعة تغصب…
والطاعة إذا امتزجت بالحب، يسلم فيها الإنسان مشيئته بكل فرح.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد التاسع والثلاثون) 29-9-1978



