يعمل من الداخل

يعمل من الداخل[1]
رجل الدين يختلف عن سواه من باقي الناس العاملين، في أنه يعمل من داخل النفس…
أما الموظفون في العالم، فيتعاملون مع الأوراق، مع القوانين، مع الرسميات، مع الأوضاع الخارجية التي لا تدخل إلى أعماق الإنسان، ولا تفحصه فحصًا حقيقيًا من جهة مشاعره وأفكاره.
من هنا كان لا بد لرجل الدين أن يكون خبيرًا بالنفوس،
خبيرًا أيضًا بالحروب الروحية وبمهاجمات الشياطين وتجاربهم.
“مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا” العبرانيين 4 : 15 ، لكيما يعين المجربين.
لا يكلم الناس من فوق، أو من مثاليات خيالية، إنما يكون على علم بالواقع العملي الذي يعيش فيه الناس، وما يصادفهم من مشاكل خارجية، في العمل، مع الناس في البيت، في محيط الأسرة… كل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والعملية. ونوعية وقعها على النفس.
يستحسن أن يكون رجلًا يختلط بالناس ويعرف مشاكلهم.
وكما قيل عن داود النبي أنه: “كان يدخل بينهم ويخرج” صموئيل الأول 18 : 16 . لا تكفي مجرد الدراسات اللاهوتية النظرية، إنما يلزم أيضًا دراسة الحياة، ودراسة النفس البشرية، بكل ما فيها من ضعف، وخوف، وتردد، وشهوة، واستهانة، بكل تقلباتها، تارة تحب الله وتزدري بكل شيء من أجله، وتارة تنهزم أمام شيء تافه…
لا يأتي الموضوع بمجرد دراسة لعلم النفس، فالحياة الروحية ليست هي مجرد نظريات..
لأنه يوجد كثيرون يدرسون علم النفس وعلوم التربية، ومع ذلك لا يكونون خبيرين بالحياة الروحية. لذلك يحتاج الدارسون إلى تداريب لسنوات في التربية العملية.
إن عالم الروح أوسع وأعمق من عالم النفس…
كما أن الدراسة العملية والممارسة العملية تُعطي عمقًا آخر في المعرفة.
ولهذا فإن أب الاعتراف، الذي يكون له أبناء كثيرون، ويجلسون معه جلسات في الاعتراف، تكون له خبرة أعمق بالنفس البشرية وبحروبها، وبطرق العلاج…
وهكذا أيضًا يكون الكاهن الكبير السن، القديم الأيام في الكهنوت، هو أيضًا يكون أكثر خبرة بالنفس وبالعمل الروحي، إن كانت أيامه في الكهنوت لها عمقها في العمل الرعوي…
والخبرة في الروحيات ليست كل شيء. هناك أيضًا الصلاة.
فالكاهن الذي يعالج النفوس، ويحل المشاكل الروحية، ويقود الناس في التوبة، لا يعتمد فقط على خبرته ومعرفته، وإنما يحتاج إلى معونة من الله الذي خلق هذه النفس ويعرف ما يناسبها، لذلك هو لا يكف عن الصلاة من أجل أولاده، لكي يعمل الله بروحه القدوس…
وهناك أيضًا الحكمة في التدبير وطول الأناه…
إن قيادة النفوس تحتاج إلى حكمة، وتحتاج إلى صبر، وإلى طول بال، حتى يمكن أن يصل المعترف إلى ما يريد له مرشده… أما الكاهن الذي يضجر بسرعة، ولا يحتمل عدم نمو المعترف، وعدم قدرته على التوبة، فإنه يضيع النفوس التي تلتمس إرشاده…
وقيادة النفوس تحتاج أيضًا إلى إشفاق وحنو…
وما أجمل قول القديس بولس الرسول: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” العبرانيين 13 : 3 .
إن النفوس الساقطة هي نفوس ضعيفة مسكينة تحتاج إلى عطف وليس إلى انتهار وتوبيخ…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “صفحة الآباء الكهنة – يعمل من الداخل”، الكرازة 17 يوليو 1981م




