ومرة أخرى رعاية الشباب

ومرة أخرى رعاية الشباب[1]
نسأل أولاً: ما نطاق الشباب الذي تلزم رعايته؟
هو كل الشباب: بدءًا من الشباب في التعليم الثانوي، إلى شباب الجامعات المصرية وكل كلياتها، والمعاهد العليا، وشباب الجامعات الأجنبية: الأمريكية، والإنجليزية والألمانية والفرنسية. وشباب الخريجين سواء في الوظائف أو في البطالة.
وشباب العمال في كل الهيئات العمالية، وشباب الريف، وباقي الشباب الحر والمستقطب. وكذلك العاملة في محيط الشباب، مثل جمعية الشبان المسلمين، وجمعية الشبان المسيحية، وأسقفية الشباب في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وهكذا نرى الدائرة قد اتسعت أمام المجلس الأهلي لرعاية الشباب في مصر.
الأمر يحتاج إلى لقاء مع الشباب على أوسع نطاق:
لا أن نكلِّمه وهو يسمع بل أن يتكلم هو أيضًا ونحن نسمع. وندخل معه في حوار واضح، وأخذ ورد، قاعدته هي الصراحة الكاملة، ووسيلته هي الاقتناع.
نحن نريد أن نعرف ما في داخل الشباب من مشاعر ومن أفكار ونناقشها معه، ونخرج بحلول يرضى عنها الكل…
وكما يلزم اللقاء مع الشباب، يلزم اللقاء مع كل قادة الشباب أولئك الذين لهم تأثير عليه، والذين يغرسون في نفسه أفكارًا معينة، ويحفزونه إلى عمل شيء، ويثق الشباب بهم ويخضع لتوجيههم.
سواء كانوا قادة في معاهد العلم كمعيدين أو مدرسين أو أساتذة في الكليات، أو كانوا موجهين على المستوى الاجتماعي، في الجمعيات أو الهيئات.. فاللقاء مع القياديين أمر مهم.
لأنه لا يكفي أن نناقش فكر الشباب، دون أن نناقش مصادره وقد تكون هذه المصادر شخصيات أو كتابات أو مصادر أخرى سمعية. المهم هو معرفة الأجواء التي تحيط بالشباب وتؤثر عليه فكريًا وإراديًا، مما لا يجوز تجاهله وكما يقول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه.. إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟!
هنا، ونسأل في صراحة: ما مركز الشباب حاليًا في اهتمامنا؟
ما مركز الشباب في وسائل الإعلام؟ هل له برنامج خاص يتحدث فيه ويحاور ويناقش؟ ما مركز الشباب في الصحافة؟ وهل له صفحة معينة؟ أم يُعطى مجالًا للتعبير عن نفسه؟ ما مدى اهتمام الكبار به؟
بل أيضًا ما مركز الشباب عمليًا في الأحزاب السياسية؟ هل له لجان فيها فروع تمثله في جميع المحافظات والمدن؟
أم نقول: “لا علاقة للشباب بالسياسة”!! سواء أردنا أو لم نرد، لهم علاقة رضينا عنها أو لم نرضَ. فإن كنا لا نقوم نحن بتوجيههم في هذه الناحية، سيقوم بدون توجيهنا أو بتوجيه غيرنا، ويجتمعون ويتظاهرون ويهتفون ونحصد النتيجة..
هل نترك الشباب بدون توجيه؟ ثم نعهد إلى السُلطات الأمنية بضبط الأمور: وتصطدم بالشبان ويصطدم الشباب بها!! ويبدو أنه لا يوجد تنسيق بين جميع الأجهزة، التي من المفروض أن تسير كلها في اتجاه واحد.
ليس المفروض فقط الاهتمام بالشباب، بل الأكثر العمل على إعادة قادة من الشباب لهم فاعلية..
فكما يوجد لكل مهنة نقاباتها، وكما يوجد لكل هيئة قادتها، كذلك ينبغي أن توجد قيادات للشباب. ولكي توجد هذه، ينبغي أولًا إنشاء لجان للشباب تحت قيادة من الكبار، وتدريب أعضاء هذه اللجان حتى يتولى أمرها من يقودها من بين أعضائها..
ويكون لكل هؤلاء فكر واحد، واتجاه واحد يسعى كله لخدمة الشباب وحل مشاكله ولخدمة الوطن بوجه عام.
نتدرج الآن إلى عمل مراكز الشباب:
أولاً: هل توجد مراكز كافية لاستيعاب هذا العدد الكبير من الشباب؟ وهل لها إمكانيات كافية لتشمل كل طاقات الشباب وأنشطته؟
وهل لها الدعم المالي الذي يساهم في حل ولو بعض مشكلات الشباب؟
وهل أمام هذه المراكز خطة معينة عملية في النهوض بالشباب؟
أمامها أولاً تجميع الشباب، ثم تثقيف الشباب وتوجيهه، وإن أمكن استخدام طاقات الشباب وتشغيله فيما يفيد.
نريد أن نسمع عن ندوات للشباب ذات فاعلية:
ندوات عامة، في قاعات كبيرة، يحضر فيها الآلاف من الشباب، للاشتراك في بحث موضوعات مُنتقاة تهمهم وتهم الوطن كله، لا يكونون فيها مجرد مستمعين، إنما يتكلمون أيضًا ويناقشون، ويخرجون بتوصيات نافعة قابلة للتنفيذ.
ويشترك في هذه الندوات محاضرون لهم جاذبية عند الشباب، ويكون لهم توجيه وتأثير.
ونريد أيضًا مناهج تثقيفية للشباب:
كان يجب أن تبدأ من المرحلة الدراسية وتشترك فيها بطريقة عملية وزارة التربية والتعليم ثم تكمِّل في وزارة الشباب وفي هذه المناهج يعرف الشباب حقوقهم وواجباتهم وتُغرس فيهم مبادئ وقيَم يتصرفون بها داخل المجتمع، ويدرسون أيضًا ما يحتاج إليه وطنهم منهم بأسلوب حكيم غير مندفع.
والشباب يحتاج أيضًا إلى مجالات لتشغيله..
من المجالات الناجحة المفيدة، فِرق الكشافة والجوالة، وما تتصف به هذه الفِرَق من صفات نبيلة، وما تقوم به من خدمات متعددة.. هناك مَن يشتركون في فِرَق الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وفي أنواع أخرى من فِرق الإنقاذ المتعددة.
وبعض المحافظين قاموا بتشغيل الشباب أثناء العطلة الصيفية في الاهتمام بنظافة المدينة، وفي الاشتراك في حفظ انضباط حركة المرور.. وكانوا يعطونهم مقابل ذلك أجرًا رمزيًا. المهم أنهم شغلوا طاقاتهم والبعض شغلهم في حماية بعض المنشآت بعد تدريبهم على ذلك، ويمكن تشغيل الشباب في العمل الاجتماعي أيضًا.. وهناك أساليب كثيرة يمكن ابتكارها لينشغل بها الشباب، فنحميه من الفراغ الذي يدمر نفسه، ويدمر به غيره.
والأكثر أهمية هو فكر الشباب وتوجهاته..
وهذا ما ينبغي أن تُعنى به مراكز الشباب وكل الهيئات المهتمة بالشباب بحيث يكون فكرًا صالحًا بناءً، يبعد عن الانحراف وعن الانفعال الطائش، ولا يخضع لأي توجيه رديء.
وهذا موضوع طويل، لا أظن أن هذا المقال يتسع له.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “ومرة أخرى رعاية الشباب”، نُشر في جريدة أخبار اليوم 29 أبريل 2006م.





