هذه الفترة المقدسة

هذه الفترة المقدسة
بالصوم الكبير، ندخل في فترة روحية مقدسة، ينبغي أن نستعد لها.
إن أيام الصوم الكبير من أقدس أيام السنة، والذي لا يستطيع أن يقوي حياته الروحية خلالها، يكون قد فقد أعمق أيام السنة، ويدل على قسوة قلب، وعدم استجابة لعمل الله.
فلنتأمل إذن في هذه الفترة المقدسة…
هذه الفترة المقدسة
أيام مقدسة للرب:
حقًا ان كل يوم في حياتنا، هو يوم مقدس…
ونحن نصلي صلاة الشكر كل يوم ونقول “أمنحنا أن نكمل هذا اليوم المقدس، وكل أيام حياتنا، بكل سلام مع مخافتك”. وحقًا إن حياتنا كلها مقدسة للرب، فنحن لسنا ملكًا لأنفسنا، بل ملك للرب الذي أوجدنا وخلصنا…
إلا ان الرب-على الرغم من كل هذا- قد قدس أيامًا معينة:
وجعل لها تقييمًا خاصًا، أعمق من باقي الأيام..
أول هذه الأيام” يوم الرب”، اليوم السابع.
فيقول الكتاب “وبارك الله اليوم السابع وقدسه”( تكوين 2 : 3 ). ويقول الرب في الوصايا العشر”احفظ يوم السبت لتقدسه”(ت التثنية 5 : 12 ). لا شك أن يوم الرب هذا، له ميزة على باقي الأيام.
وكان التقديس لغة، وفي العهد القديم، يحمل معنى التخصيص:
فعبارة” تقدس يوم الرب” معناها” تخصص هذا اليوم للرب”. ولذلك قال بعدها “لا تعمل فيه عملا”. إنه يوم تستريح فيه من هموم العالم، ويستريح الرب فيك…
وهناك أيام أخرى مقدسة للرب: مواسم الرب وأعياده وأصوامه:
وعن هذا يقول الكتاب “هذه مواسم الرب، المحافل المقدسة، التي تنادون بها في أوقاتها ( اللاويين 23 : 4 ). وبعد أن ذكر تلك الأيام، وكيف أنه “عملا ما من الشغل، لا تعملوا فيها”، قال عنها لتقريب وقود للرب، محرقة، وتقدمة، وذبيحة، وسكيبًا… عدا سبوت الرب، وعدا عطاياكم. وجميع نذوركم، وجميع نوافلكم”( اللاويين 23 : 37–38 ).
ومن هذه الأيام المقدسة، أيام الصوم، مقدسة ومخصصة للرب، لها نشاطها الروحي، والصلة العميقة بالله، وفيها حياة التوبة وحياة الانسحاق، وهي فترة لضبط النفس وتدريبها.
لها وضع يفوق الأيام الأخرى، في ذكرياتها المقدسة، وفي صلواتها وتأملاتها، وفي قهرها للجسد، وفي نسكها وزهدها. لهذا لابد لها من استعداد روحي يناسب قداستها…
والذي يخطئ في أيام الصوم، تكون خطيته أشد دنسًا…
ذلك لأنه لم يهتم بقدسية الصوم ولا بروحياته. وكما قال الكتاب “إذا كان النور الذي فيكم ظلامًا، فالظلام كم يكون”. إن كانت أيام الزهد هكذا، فماذا عن باقي الأيام؟!
والصوم الكبير اعتبرته الكنيسة من أقدس أيام السنة، وسمته الكبير، هو أكبر الأصوام في مدته، وفي قدسيته، وفي ذكرياته.
هو صوم سيدي، إذ صام الرب الأربعين المقدسة. وكانت الكنيسة تملؤه عظات وتأملات. كثير من كتب القديسين أوغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كانت عظات في الصوم الكبير.
وفيه كانت الكنيسة، بالوعظ، تعد المؤمنين الجدد للعماد. ولعله من هذا أخذ يوم أحد التناصير أصله التاريخي…
وكثير من الرهبان، كانوا يتوحدون خلال الصوم الكبير، يتركون الدير الى البرية، ليختلوا مع الرب…
فلندخل إذن الى هذه الفترة، بعزيمة قوية، وتصميم أكيد على التوبة والنقاوة. ندخلها بضمير صالح، لنحيا حياة خاصة…
لا تقولوا: نحن مقبلون على الصوم، وإنما على أيام مقدسة. فيرتبط هذا التعبير بأذهانكم، ويرسخ في نياتكم من الداخل: إن أيام الصوم هذه ليست أيامًا عادية، بل مثالية…
تماما مثلما تعتبر يوم التناول، يومًا مقدسًا غير عادي، هكذا أيام الصوم – والقياس مع الفارق – أيام غير عادية… لها
كأيام التناول، اعتبار خاص، واستعداد خاص، وقدسية خاصة.
ينبغي أن يكون لأيام الصوم منهج روحي خاص. إنها أيام حصاد “تزرعون فيها بالدموع. وتحصدون بالابتهاج” (مز 125). لا تجعلها تمر عليك عادية، وإلا فستفقد فائدتها الروحية.
ولهذا فإن الكنيسة مهدت للأربعين المقدسة، بأسبوع في أولها.
كتعويض عن السبوت التي ليس فيها انقطاع، أو كتمهيد لتلك الفترة العميقة في حياتها، التي ربما تحتاج إلى تدرج خاص…
وكذلك وضعت قبل الصوم الكبير بأسبوعين، صوم يونان، يشبه الصوم الكبير في ألحانه وطقسه وانسحاقه… كتمهيد آخر…
والصوم الكبير له ذكرياته المقدسة. فيها نذكر صوم الرب عنا، وفي آخره نذكر آلام الرب في أسبوع البصخة.
فإن كنا لا نستطيع أن نطوي الأيام صوما كما فعل المسيح، فعلى الأقل نمارس الصوم بأكثر نسك ممكن… وان كنا لا نستطيع أن نهزم الشيطان تمامًا كما فعل الرب، فعلى الأقل نستعد للحرب الروحية، ونقاوم حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية” ( العبرانيين 12 : 4 ).
إن الذي يدرب نفسه – طوال 55 يومًا – على حياة النسك، والصوم، والعبادة، والتأمل، وضبط النفس، وجميع الممارسات الروحية، لا شك أنه سيخرج من هذه الفترة المقدسة، وقد تركت بصماتها الروحية على نفسه.
فلندخل إلى الصوم بتصميم من يريد أن يستفيد…
لا نعتبر الصوم ضغطًا علينا، وإنما منفعة روحية لا تعوض…
إنه ليس ضغطًا علينا في لون الطعام، أو نوع السلوك الروحي، إنما هو فترة مقدسة تقدمها لنا الكنيسة، بطقس خاص، وألحان خاصة، وقراءات منتقاة لنفعنا، وقداسات لها انقطاعها ولها بركاتها. كل ذلك لأجل فائدتنا، لكي تجد أرواحنا متعة خاصة، لا تستطيع أن تحصل على مثيل لها.
إن الذين يتمتعون بفائدة الصوم، يتشوقون اليه حينما ينتهي، وبخاصة في فترة الخماسين التي لا انقطاع فيها ولا مطانيات!
الذي يدرك فائدة الصوم، يرى أن أكبر ضغط عليه، هو الضغط في أن يفطر، وليس الضغط في أن يصوم.
في أيام الخمسين، يتعب المعترفون من الافطار، وعدم السماح بالصوم…
الروحيون يفرحون بأيام الصوم، ويرونه أعمق فترة تعمل فيها النعمة، ويقولون ليت السنة كلها كانت صومًا كبيرًا.
وأيام الصوم فترة حرب مع الشيطان، وفترة انتصار عليه.
إنها أكثر فترة يتعب فيها الشيطان، إذ يستعد ضده المؤمنون بكل الأسلحة الروحية، ويكونون متيقظين جدًا لحروبه، ومهتمين جدًا بخلاص نفوسهم. “كلهم ممسكون سيوفًا ومتعلمون الحرب. كل واحد سيفه على فخذه من هول الليل” ( نشيد الأناشيد 3 : 8 ).
لو كان الشيطان يصلي، لصرخ إلى الله من أعماقه: أنقذني يارب من أيام الصوم الكبير…
ألم يقل السيد “إن هذا الجنس لا يخرج بشيء: إلا بالصلاة والصوم”. تصوروا الكنيسة كلها، بقلب واحد، بروح واحد، بعزيمة واحدة، بنعمة واحدة، تصلي خلال الصوم الكبير، ماذا يفعل الشيطان إذن؟!
لعل كبير الشياطين، قد جمع الآن شياطينه، ليعطيهم توعية: كيف يواجهون هذه الفترة العصيبة، فترة الصلاة والصوم…!
أدخلوا على أيام الصوم بكل قلوبكم، شاعرين أنها فترة امتلاء، وفترة نعمة، وجهاد روحي، فترة تختبرون فيها مذاقة روحيات الصوم بألحانه العميقة المؤثرة… وإن شاء الله سأقيم لكم قداسًا كل يوم جمعة بعد الظهر..
الصوم فترة مناسبة لحل المشاكل: إنسان يصوم يومين أو ثلاثة لحل مشكلة، فماذا لو صام 55 يومًا؟!
ما أعظمها بركة، أيام نصطلح فيها مع الله. وننفرد فيها معه، ونقدسها له. ولكن المهم أن نعرف كيف نصوم فيها… بحيث يكون صومًا حقيقيًا، بكل ما تحمل كلمة الصوم من معنى.
لا نكون في هذه الفترة مجرد نباتيين، وإنما صائمين…
نصوم بالمعنى الروحي للكلمة: فترة انقطاع وإذلال للجسد، وتأمل، وانفراد بالله، وتخصص له، بكل محبة، بكل انسحاق، بكل رجوع إلى الله، بعمق القلب، وعمق النية، وعمق التوبة… كما صام أهل نينوى، وصلوا، فرحمهم الرب، وغفر لهم.
اهتمت الكنيسة بهذا الصوم فجعلت له قطمارس خاصًا، وقراءات خاصة، وطقسًا خاصًا، وألحانًا خاصة، فلنجعل نحن له برنامجًا روحيًا خاصًا، ولنتجاوب مع الكنيسة بالانسحاق والتوبة.
استعدوا لهذه الفترة، ولا تخرجوا منها كما دخلتموها، بنفس الطباع، ونفس الأخطاء.. لتكن فترة تغيير، ومعرفة للرب.
اجلسوا إلى أنفسكم، وانظروا ماذا ينقصكم… اجلسوا إلى آباء اعترافكم، واظهروا ما خفي في قلوبكم. واجلسوا إلى الله، وجاهدوا معه، لكي يعطيكم صومًا مقدسًا، بقلب مملوء من النعمة…
أخشى أن يأتي عيد القيامة، وتجدوا أنفسكم كما أنتم، لم تأخذوا من النعمة شيئًا. لم تحصدوا بالابتهاج، لأنكم لم تزرعوا بالدموع. أخشى أن تمارسوا الصوم بمجرد معناه الجسدي!
تأكدوا أنكم بالصوم والصلاة يمكنكم التأثير على حياة الكنيسة كلها.
إن كان الرب في قصة سدوم قد قال لأبينا ابراهيم “إن وجد فيها عشرة أبرار، لا أهلك المدينة لأجل العشرة”، فكم بالأولى هذه الآلاف التي أمامي، إن تنقت قلوبها أمام الله…
اننا لا نعتمد اطلاقًا على ذراعنا البشري. لا في حياتنا الخاصة، ولا في حياتنا العامة: إنما نعتمد على تدخل الله بالصلاة والصوم. فلتكن أيامًا مباركة، عليكم وعلى الجميع.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السابع) 18-2-1977م



