نقط بيضاء مضيئة

نقط بيضاء مضيئة
بمناسبة صوم يونان، أود أن كلمكم عن صفة جميلة من صفات الله، الذي لم ييأس مطلقًا من مدينة خاطئة كنينوى، ولا من بحارة أمميين كأهل السفينة، ولا من نبي هارب ومتمسك برأيه مثل يونان، وإنما صبر على الكل حتى خلصهم. كما وجد في كل من هؤلاء نقطًا بيضاء مضيئة..
كان أهل السفينة أمميين، يعبدون آلهة متنوعة. وقد صرخ كل واحد منهم إلى إلهه. ولكن الله لم ينظر إلى وثنيتهم. وإنما إلى إيمانهم بالصلاة، وبوجود قوة معينة غير منظورة. واستجاب لصلواتهم التي كانت نقطة بيضاء قادهم بها إلى الإيمان.
ومدينة نينوى، كانت مدينة أممية ووثنية، وكانت شريرة صعد شرها أمام الله، وكانت تضم شعبًا جاهلًا لا يعرفون يمينهم من شمالهم. ومع ذلك رأى الله فيها نقطة مضيئة.
العجيب أن نينوى الأممية الشريرة الجاهلة، سماها الرب المدينة العظيمة”.
لقد رأى فيها قابلية للاستجابة، وإمكانية للتوبة، في صوم وصلاة وانسحاق ومسوح ورماد. إنها نقطة بيضاء استغلها الرب لخلاص نينوى ويونان النبي الهارب، الذي اهتم بكرامته ونفاذ كلمته أكثر من كل شيء، رأى الله فيه على الرغم من ذلك، إناءً صالحًا للخدمة. وظل وراءه حتى اقتنع أخيرًا، ونفذ المشيئة الإلهية، وخلصت نفسه. في قصة توبة نينوى، نلمح أمرين هامين في معاملات الله:
1– إن الله لا ييأس إطلاقًا من أي إنسان، مهما كان شريرًا، ومهما كان هذا الإنسان يائسًا من نفسه.
2– إن كل إنسان شرير، ما أسهل أن يرى فيه الله نقطة بيضاء، يمتدحها، ويتخذها سببًا لخلاصه.
- الشاب الغني الذي مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة، رأى فيه الرب نقطة بيضاء “وأحبه”، إذ كان يحفظ الوصايا..
- والمرأة الخاطئة وجد الرب فيها نقطة بيضاء، أنها منسحقة وباكية…
- وزكا العشار المشغول بالمال والظلم، وجد فيه المسيح نقطة بيضاء، إنه رجل بسيط يصعد على الشجرة، ويحب أن يري المسيح، ومن السهل أن يقبل الدعوة الإلهية ويرجع عن ظلمه.
- العالم الشرير الذي أغرق بالطوفان، وجد الله فيه نقطة مضيئة هي نوح وأسرته. ومن أجلهم أبقى على البشرية..
إن الإنسان له العين النقادة التي تبحث عن النقط المظلمة، لكي تنقدها أو تدينها أو تشهر بها. أما الله فإنه ينظر إلى النقط المضيئة في حياة الإنسان، فيمتدحها ويشجعها.
بهذه العين نظر الرب إلى أهل نينوى، وإلى يونان، وإلى ركاب السفينة. ورأي أنه على الرغم من أخطائهم، يوجد فيهم خير…
إن كان الله لا ينسى تعب المحبة، ولا ينسى كأس الماء البارد، فإنه لا ينسى أية نقطة بيضاء في إنسان.
ربما تعمل أنت خيرًا وتنساه، ولكن الرب لا ينساه لك.
وإن فعلت شرًا، ويئست من نفسك، فإن الله لا ييأس منك.
- شاول الطرسوسي كان سبب تعب واضطهاد للكنيسة كلها، وكان يجر رجالا ونساءً إلى السجن، وكان متداخلًا في موضوع رجم القديس إسطفانوس. ولكن الرب على الرغم من ذلك، وجد فيه نقطة مضيئة، وهي الغيرة، وإن كانت غيرة جاهلة…
- وداود النبي كانت له أخطاء كثيرة: زنى، وقتل، وهدد نابال الكرملي بالموت، وتخضبت يداه بدماء كثيرة، وكان مزواجًا (له حوالي8 زوجات).
وعلى الرغم من أخطاء داود، وجد الله فيه نقطة بيضاء، وهي أنه سريع التوبة، سريع الدموع، يصلي كثيرًا. وقال الرب عنه “فحصت قلب داود فوجدته حسب قلبي”…
الله لم ينظر إلى أخطاء داود، بقدر ما نظر إلى فضائله. لم ينظر إلى زناه وقتله، بل نظر إلى دموعه وتوبته. إنها المحبة التي تركز على النقط البيضاء وتنسى ما عداها.
- شمشون الجبار: كانت له أخطاؤه. أسلم نفسه للنساء، وبخاصة لدليلة. ونقض نذره، وكشف سره. ومع ذلك وضعه الكتاب ضمن رجال الإيمان المعدودين (عب 11). لأنه وجد فيه محبة للرب ولمجده، وتوبة.
- المرأة السامرية: كانت حياتها مملوءة بالخطية: عرفت أكثر من خمسة رجال. ولكن السيد المسيح رأى فيها نقطًا بيضاء، جعلته يقول لها “حسنًا قلت… هذا قلت بالصدق”. وسمح أن تكون مبشرة لبلدها. إنه الرب الذي يهتم بالنقط المضيئة في حياة البشرية الضعيفة.
أننا ننظر إلى النقط السوداء في حياة الناس، ونركز عليها وندينهم. لذلك فقلوبنا ليست متكاملة في المحبة، مثل قلب الله الطيب الحنون الذي لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا…
إنه- كما قال يوحنا ذهبي الفم- يجول طالبًا سببًا لخلاصنا، ولو دمعة بسيطة نسكبها، يسرع الله فيأخذها سببًا، قبل أن يختطفها منا شيطان المجد الباطل.
ينسى الله شرنا، ويفتكر بكاءنا هذا وانسحاقنا…
الله دائمًا يشجع، دائمًا يعطي رجاءً، دائمًا يعزي صغيري النفوس، ويشدد الركب المخلعة. لا ينزع رجاء القصبة المرضوضة ولا الفتيلة المدخنة، ولا العاقر التي لم تلد…
لا يعاتب كثيرًا، بل يشجع كثيرًا. لا يرصد الأخطاء، وإنما يهتم بالتوبة. هكذا كان في العهد القديم، وفي الجديد أيضًا.
يعقوب أبو الآباء تحايل على أخيه، واستغل جوعه ويأسه لكي يأخذ منه الباكورية. ولم يقبل أن يعطي طعامًا لأخيه المشرف على الموت إلا بثمن مريع. كذلك خدع أباه وكذب عليه، تحايل بالغش، حتى سرق بركة أخيه. وبنفس الطريقة تحايل حتى أخذ أغنام خاله لابان. وكان إنسانًا ضعيفًا…
ومع كل ضعفات يعقوب هذه، يقول الرب “أحببت يعقوب”، ويظهر له في رؤى، ويكلمه فما لأذن، ويغدق عليه البركات والمواعيد ويريه سلما واصلا بين الأرض والسماء، ويعطيه اسما جديدا، ويبارك نسله، ويعضده بحنطة وخمر… فلماذا كل هذا؟!
لقد رأى في يعقوب نقطًا بيضاء غطت على ضعفاته!!
كانت في يعقوب وداعة وطيبة قلب، أحبها الرب.
لو وقع يعقوب في أيدينا، ما رحمناه. ولكنه وجد رحمة إذ وقع في يد الله. لذلك ما أصدق قول داود النبي:
“أقع في يد الله، ولا أقع في يد الناس، لأن مراحم الله واسعة”.
إن الله يبقي على العنقود، إن كانت ما تزال فيه حبة واحدة، لأن فيه بركة، فيه سلافًا (أش65: 8).
ما أعجب محبة الرب هذه، التي ترضى حتى بالقليل. حتى الزرع الذي أنتج ثلاثين فقط وليس مائة، قال الرب أنه زرع جيد. لقد نظر إلى هذ القليل كنقطة بيضاء…
يكفي أن هذا الزرع يعطي ثمرًا، مهما كان قليلًا. إن فيه بركة وأثمارًا. سينمو قليله هذا بعد حين.. وحتى إن لم تعط الشجرة ثمرًا، نتركها هذه السنة أيضًا ونضع حولها زبلًا. يكفي أن فيها حياة…
لهذا كان الرب يجلس مع العشارين والخطاة. الناس يرون شرهم. أما هو فيري فيهم استجابة للكلمة واستعدادًا للتوبة.
حتى المرأة الكنعانية التي من شعب ملعون، رأى الرب فيها ما يمتدحها عليه: انسحاقًا وإيمانا أكثر مما في إسرائيل كله. وبنفس النظرة التي تبصر النور، نظر الرب إلى قائد المائة الأممي، وقال لم أجد في إسرائيل كله إيمانًا مثل إيمان هذا الرجل…
إن الرب لا ييأس مطلقا من إنسان. وما أجمل كلمته عن سليمان بن داود “إن أخطأ أؤدبه، ولكن لا أنزع رحمتي منه”.. إنه الرب الذي لم ييأس من أوغسطينوس، ولا من موسى الأسود، ولا مريم القبطية… بل رأى فيهم نقطًا مضيئة…
إنه لا ييأس من الخطايا التي كالقرمز أو كالدودي (إش 1)، ولا من النفس المدوسة بدمها (حز16) بل يغسل كل هذا، فيبيض أكثر من الثلج…
ابنه الضال الذي أتاه شريدًا ضائعًا، أنفق ماله في عيش مسرف، واشتهي خرنوب الخنازير، فرح بلقائه.
لم ينظر إلى أنه كان ميتًا وكان ضالًا، بل إلى إنه عاش ووجد.. لذلك قال: ينبغي أن نفرح ونسر.
من أجل هذا تضايق الرب من الكتبة والفريسين الذين يحزمون أحمالا عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس. وبنفس الطريقة رأى تلاميذه ألا يثقلوا على الأمم الداخلين إلى الإيمان. وخاطئ كورنثوس الذي قال عنه بولس الرسول “أمر أن يسلم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد، لتخلص الروح في يوم الرب” لما رأى منه تذللًا وانكسارًا، طلب أن يمكنوا له المحبة، لئلا يبتلع من الحزن المفرط…
أننا نفرح لأننا نتعامل مع إله طيب، يفرح بأية نقطة بيضاء في حياتنا. ولا يعاملنا مثل البشر القساة في أحكامهم.
بهذا ربح الرب نفوسًا كثيرة: بتشجيعه الخير الذي فيهم، وليس بتحقيره ضعفاتهم ونقائصهم. له المجد في محبته وحنانه.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخامس) 4-2-1977م



