معرفة الخطية

يلزمنا في الصوم حياة النقاوة. وقد خلق الله آدم وحواء، على صورته، في نقاوة كاملة، لم نصل إليها نحن، ولن نصل إليها في هذا العالم.
كان آدم وحواء لا يعرفان الخطية إطلاقًا، لا يعرفان إلا الخير. ثم بدءا يعرفان الخطية…
كانا قبل الأكل من شجرة معرفة الخير والشر ــ نقيين لا يعرفان إلا الخير… وما كانا يعرفان ما هو الشر…
فكانا بسيطين، لم يدخلا بعد في هذه الثنائية المرعبة، التي هي الخير والشر…
وهكذا كانت أول مشكلة عكرت نقاوة الإنسان، هي معرفة الشر.
الله كان يدرك أن معرفة الشر تؤذي الإنسان، فأبعدها عنه. ولكن الحية التي كانت تدرك مدى خطر معرفة الشر على الإنسان،
دعتهما إلى شجرة المعرفة، وقالت لهما:
يوم تأكلان، تنفتح أعينكما… وتصيران عارفين الخير والشر.
وقد إنفتحت عينا الإنسان، وعرف الشر، فأتعبته المعرفة..
بدأت نظرته تتغير، وشعر بالخجل، فغطى نفسه. وإذا بفكره النقي تدخله أفكار ما كانت فيه من قبل…
(وعرف) آدم حواء، معرفة جنسية، ما كانت في فكره إطلاقًا من قبل…
معرفة الشر، هي التي قال عنها الحكيم “الذي يزداد علمًا يزداد غمًا”.
حقًا هناك أشياء: بعد أن يعرفها الإنسان، يصرخ في ألم ومرارة “ليتني ما عرفت هذا”…
ليتني ما تفتحت عيناي، ليتني ما فهمت هذه الموضوعات… هذه المعرفة أدخلت إلى عقلي أفكارًا،
لست أستطيع التخلص منها، وطبعت في عقلي الباطن أمورًا كلما أذكرها أتعب…
لقد تفتحت عيناي على أمور، أضرتني معرفتها، وحطمتني صورها! ليتك تكون حكيمًا رزينًا،
لا تأبه لتعييرات الناس التي تقول عنك، هذا شخص(خام) و (مقفل)…
فالأجدر بك أن تبعد عن كل أنواع المعرفة التي تضرك… والتي تدخل في قلبك مشاعر وإحساسات وتثير فيك غرائز ورغبات.
هناك أشخاص يبحثون بكل قواهم عن معرفة الشر التي تضرهم، سواء عن طريق قراءات، أو مناظر، أو معلومات يسمعونها.
وفي كل ذلك يحفر عقلهم الباطن خطوطًا عميقة في داخله، عن معلومات،
تعود إليهم كأفكار، أو كظنون، أو شكوك، أو أحلام، أو تظهر في قلوبهم كشهوات ورغبات…
هذا الخزين في عقلهم الباطن، تخرج منه صور ومشاعر… ما أكثر ما يخرجه العقل الباطن،
جددًا وعتقاء، مما اختزن فيه. لذلك إن أردت حياة النقاوة، فإبعد عن معرفة الشر.
وإن كنت قد عرفت من قبل أشياء تضرك، فلا تكمل المسيرة. لا تضف شيئًا جديدًا، وحاول أن تنسى ما عرفته، بعدم استعماله.
لا تفكر في تلك المعلومات، ولا تستعملها. وإن تذكرتها، حاول أن تستبدلها بمعلومات أخرى، فتُمحى بعدم الاستعمال…
لهذا يقول الكتاب إن “المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” لماذا؟ لأنها تُدخل إليها معارف ضارة، ومعها مشاعر وإحساسات.
ولنفس السبب يأمرك أنك “في مجلس المستهزئين لا تجلس”. ومجلس المستهزئين لا يعني الناس فقط، إنما أيضًا الصور والقراءات.
وبمعرفة الشر، تجد الإنسان قد تغير، دخلته أشياء جديدة!
هذه المعرفة قد تكون سطحية عند البعض، وقد تكون عند آخرين عميقة جدًا، وتدخلهم أحيانًا في معرفة أخرى، اختبارية.
وهنا يتطور الإنسان من معرفة الخطية إلى اختبارها… هنا لا يقتصر على المعرفة العقلية، إنما يتلامس مع الخطية،
يدخل إلى مذاقتها واختبارها. فإما أن يقبلها، أو يتصارع معها. وقد ينجح في ذلك، وقد يفشل.
ومن هنا كان الهروب من الخطية أفضل من مصارعتها.
لما هرب يوسف الصديق، أنقذ نفسه ولم يسقط. لهذا، عندما تهرب، يحاول الشيطان أن يرجعك إلى مجاله، فيعيرك بالخوف، ويصف هروبك بالجبن.
فلا تهتم، ولا تجعل تعبيرات الشيطان تثيرك. إن الهروب يدل على نقاوتك، وعلى رفضك للخطية.
قال الملاك للوط “لا تقف في كل الدائرة. اهرب لحياتك”.
وقال أحد القديسين: حينما تقترب من مادة الخطية، يحاربك شيطانان، أحدهما من الداخل، والآخر من الخارج.
أما في بعدك عن مادة الخطية، فيحاربك شيطان واحد، هو الرغبة.
لماذا تقترب إلى الخطية، وتدخل نفسك في صراع، ربما تضعف إرادتك فيه وتسقط؟!
لماذا تضيع حياتك صراعًا؟!
إذن أمامنا مراحل: معرفة الخطية، التلامس معها، الصراع معها.
قال الرب لقايين “عند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها، وأنت تسود عليها” ( تكوين 4 : 7 ).
ولكن قايين، بعد أن كان يسود عليها، سادت الخطية عليه… هُزم في الصراع.
في أول تلامسك مع الخطية، قد تكون إرادتك قوية. ولكن ببقائك في مجالها، قد تحاصرك الخطية، وتضعف إرادتك، وتخضع.
كإنسان في أول مراحل التدخين، يقول إنني أستطيع ترك (السجاير) في أي وقت. ولكنه إن استمر، لا يستطيع.
وكشخص انطلق عليه غاز سام، يستطيع أن يهرب. فإن بقي، وحاصره الغاز،
يحاول أن يهرب، أو يتحرك، فلا يستطيع… الأفضل إذن أن تبعد، لتظل إرادتك قوية، فلا تسقط.
وأصعب من السقوط في الخطية، أن تصل إلى محبة الخطية. قد يسقط الإنسان، ولكنه يثور على ضعفه، ويندم ويتوب.
لقد أخضعت الخطية إرادته، ولكن قلبه ما يزال سليمًا، يحب الله. لذلك تحاول الخطية أن تستولي على قلبه… فيحب الخطية.
والذي يحب الخطية، توبته صعبة. فهو لا يريد أن يتركها، لأنه يحبها.
وإن تركها، سرعان ما يعود إليها… وأصعب من محبة الخطية، أن يصل الإنسان إلى اشتهائها.
وحينئذ يسعى هو إليها، بعد أن كانت تسعى إليه. وقد تهرب منه الخطية، فيجري وراءها، ويطلبها بكل قلبه.
وقد يشتهي الخطية، ويطلبها فلا يجدها، فيتحول من الشهوة إلى التحرق.
ويتطور من الخضوع للخطية إلى العبودية لها. وتصير الخطية له كأنها عادة، كأنها طبع أو طبيعة!!
وهذه أسوأ الحالات، التي يتدرج إليها الإنسان من معرفة الخطية. وهنا لا يحاربه الشيطان،
إنما هو الذي يدمر نفسه. بل إنه يتوسل إلى الشيطان، أن يمنحه فرصة لكي يخطئ!
فما دام التطور يصل إلى هذا الحد، فلنهرب من الخطوة الأولى التي هي معرفة الخطية، ولنحاول أن ننسى ما عرفناه.
وعندما نصلي “اغسلني، فأبيض أكثر من الثلج”، لا نقصد فقط أن يغسلنا من الخطية ومحبتها، بل أيضًا من معرفتها.
نطلب أن ينسينا الله كل ما عرفناه عن الخطية، وأن ينقي أفكارنا،
ويطهر العقل الباطن والذاكرة من كل ما تسجل فيهما وترسب فيهما، وينقي القلب والحواس من بقايا خبراتها القديمة…
يخيل إلى أن هذه النقاوة الكاملة من معرفة الخطية. سننالها في الأبدية.
حينما نعود إلى بساطة آدم الأول، فلا نعرف سوى الخير فقط، وتنقطع كل صلتنا بالخطية…
تنقطع صلتنا بكل شهواتها وأفكارها ومحارباتها، وبكل معرفتها أيضا..
ولعل هذا، هو ما قصده بولس الرسول، حينما قال “… وأخيرًا وُضع لي إكليل البر، الذي يهبه لي في ذلك اليوم،
الرب الديان العادل، وليس لي فقط..” ( تيموثاوس الثانية 4 : 8 ).
وهنا تصير فترة خبراتنا مع الخطية في العالم، كأنها حلم مزعج، استيقظنا منه في الأبدية، وقد نسيناه تماما…
أما على الأرض، فليتنا ــ كلما يغسلنا الرب في التوبة ــ لا نعود مرة أخرى إلى حياة الخطية بخبراتها المؤلمة…
وإن لم نستطع أن ندرك (إكليل البر) في هذا الزمان الحاضر، فلننل ما نستطيع،
لا من برنا الذاتي الذي يتلوث، وإنما بر المسيح الذي يمنحنا إياه، بروحه القدوس.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الحادي عشر) 18-3-1977م




