عيد الصليب – لقداسة البابا شنوده الثالث

| الكتاب | عيد الصليب |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الأنبا رويس الأوفست – العباسية. |
| الطبعة | 1997م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 10664/ 1997م |
| الترقيم الدولي | 977-5345-44-8 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
عيد الصليب
عيد الصليب
بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
نحدثك في هذه النبذة:
- أهمية الصليب ومعناه الروحي.
- الصليب في حياة المسيح.
- الصليب في حياة الرسل وسائر القديسين وفي حياة الآباء الرهبان.
- أمجاد الصليب.
- المعاني الروحية للصليب.
- والمعاني اللاهوتية والعقيدية.
- وكيف تحمل صليبًا في الحياة العملية؟
- القديسة هيلانة التي اكتشفت الصليب.
البابا شنوده الثالث
السيد المسيح والصليب
تعيد الكنيسة بعيد الصليب في 17 توت (27 سبتمبر) يوم ظهوره للملك قسطنطين، وفي يوم 10 برمهات (19 مارس) يوم عثور الملكة هيلانة على خشبة الصليب المقدس.
ونحن نريد اليوم أن نتكلم عن الصليب بمعناه الروحي، وعن أهمية الصليب وبركته في حياتنا.
الصليب هو مشقة نتحملها من أجل محبتنا لله أو محبتنا للناس، لأجل الملكوت عمومًا.
السيد المسيح والصليب
لقد دعا السيد المسيح إلى حمل الصليب، فقال: "إنإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت 16: 24) (مر 8: 34). وقال للشاب الغني: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ... وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ" (مر 10: 21).
† † †
وقد جعل حمل الصليب شرطًا للتلمذة عليه.
فقال: "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 27).
وهو نفسه - طوال فترة تجسده على الأرض - عاش حاملًا للصليب، فمنذ ولادته أراد هيرودس أن يقتله، فهرب مع أمه إلى مصر. ولما بدأ رسالته، احتمل تعب الخدمة، ولم يكن له أين يسند رأسه (لو 9: 58). وعاش حياة ألم، حتى قال عنه إشعياء النبي إنه "رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إش 53: 3) ونال اضطهادات مرة من اليهود. ففي إحدى المرات تناولوا حجارة ليرجموه (يو 10: 31). وفي مرة أخرى أرادوا أن يلقوه من على الجبل (لو 4: 29). أما شتائمهم واتهاماتهم له، فهي كثيرة جدًا. وكل هذه صلبان غير الصليب الذي صُلب عليه...
الصليب في حَياة القديسين
تلاميذ المسيح أيضًا وضعوا الصليب أمام أعينهم.
كرزوا باستمرار.. وقالوا في ذلك: "وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا" مع أنه "لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!" (1كو 1: 23). وقال بولس الرسول: "لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1 كو 2: 2). بل افتخر بالصليب قائلًا: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا 6: 14).
حتى الملاك الذي بشر بالقيامة، استخدم هذا التعبير "يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ" (مت 28: 5). فقال للمريمتين: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ!" وهكذا سماه "يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ" مع أنه كان قد قام. وظل لقب "المصلوب" لاصقًا به، وقد استخدمه آباؤنا الرسل وركزوا عليه في كرازتهم. كما قال القديس بطرس لليهود: "يَسُوعَ... الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا" (أع 2: 36).
† † †
الصليب هو الباب الضيق الذي دعانا الرب إلى الدخول منه (مت 7: 13).
وقال لنا: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو 16: 33). "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (مت 10: 22). "بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو 16: 2) "لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ" (يو 15: 19). وهكذا كان القديس بولس الرسول يعلم "وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع 14: 22)..
† † †
وحياة الصليب واضحة في سير الشهداء والرعاة والنساك:
في سبيل الإيمان احتمل الشهداء والمعترفون عذابات وآلامًا لا تطاق. وغالبية الرسل والأساقفة الأول ساروا في طريق الاستشهاد.
ولما دعا الرب شاول الطرسوسي ليكون رسولًا للأمم، قال عنه: "لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (أع 9: 16). ومن أمثلة آلام الرعاة والصليب الذي حملوه، يمكن أن نذكر القديس أثناسيوس الرسولي، الذي نفي أربع مرات وتعرض لاتهامات رديئة، والقديس يوحنا ذهبي الفم الذي نفي أيضًا.. وما تعرض له الآباء من سجن وتشريد.
† † †
أما الآباء الرهبان فالكنيسة تلقبهم "لباس الصليب".
حملوا صليب الوحدة والبعد من كل عزاء بشري، وصليب النسك الذي تجردوا فيه من كل رغبة جسدية. وتحملوا آلام الجوع والعطش، والبرد والحر، والفقر والعوز، من أجل عظم محبتهم في الملك المسيح، كما تحملوا أيضًا متاعب ومحاربات الشياطين بأنواع وطرق شتى، كما في حياة القديس الأنبا أنطونيوس، وحياة السواح.
الصَليب يَسبق القيامة
الصَليب يَسبق القيامة
كان السيد المسيح في صلبه مرتفعًا عن مستوى الأرض.
وفي قيامته كان أيضًا مرتفعًا فوق مستوى القبر.
وفي صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب. كان مرتفعًا عن مستوى العالم كله، بل إنه ارتفع فوق مستوى هذه السماء أيضًا.
إنها درجات من الارتفاع بدأها كلها بالصليب.
بل قبل ذلك في ميلاده كان مرتفعًا فوق مستوى الاهتمام بالذات، فأخلى ذاته وأخذ شكل العبد (في 2: 7).
صليب السيد سبق قيامته.
وإخلاؤه لذاته سبق مجده.
† † †
والألم دائمًا يسبق الأكاليل. وهكذا قال القديس بولس الرسول.
"إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو 8: 17).
وهكذا أرانا قيمة الألم ونتائجه. بل أنه اعتبر الألم هبة من الله لنا في الحياة فقال:
"لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في 1: 29). والألم يعتبر هبة بسبب أكاليله.
السيد الرب وضع حمل الصليب شرطًا للتلمذة عليه. فقال: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت 16: 24). بل قال أكثر من هذا "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 27).
† † †
وكما أن حمل الصليب هو شرط للحياة مع الله، كذلك أيضًا هو اختبار للجدية والثبات في طريقه.
فالضيقات التي يتعرض لها المؤمن في حياته هي اختبار لمدى ثباته في الإيمان. وهكذا قال الرب: "في فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو 16: 33). وسمح لرسله الأطهار وهو في طريق الصليب، أن يتعرضوا لحمل الصليب، ويظهر مدى ثباتهم. وقال: "... هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" (لو 22: 31).
† † †
لهذا كله فإن الكنيسة المقدسة وضعت الشهداء في أعلى مراتب القديسين.
لأنهم كانوا أكثر الذين تحملوا الصليب لأجل ثباتهم في الإيمان. ومعهم أيضًا تضع (المعترفين) الذين اعترفوا بالإيمان وقاسوا عذابات كثيرة، وإن كانوا لم ينالوا إكليل الشهادة.
† † †
فإن حملت صليبًا، اقبل ذلك بفرح بسبب ما سوف تناله من أكاليل، إن كنت لا تشكو ولا تشك.
قيل في آلام السيد المسيح إنه: "مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ" (عب 12: 2). وهنا نرى الصليب ومعه السرور في احتماله، والمجد كنتيجة له...
† † †
أنواع كثيرة من الصلبان سوف تواجهك، منها الجهاد والاحتمال والصبر. ومنها التعب في الخدمة وفي التوبة. وأيضًا احتمال التأديب من الله ومن الآباء...
فلا تتذمر كلما حملت صليبًا. ولا تظن أن الحياة الروحية لا بد أن تكون سهلة، وطريقها مفروش بالورود.
وإلا فعلى أي شيء سوف تكافأ في الأبدية؟ وأيضًا ما معنى كلام الرب عن الباب الضيق (مت 7: 13)؟
الحياة المسيحية هي صَليب
إن الحياة المسيحية بواقعها العملي، هي رحلة إلى الجلجثة والمسيحية بدون صليب، لا تكون مسيحية حقيقية.
والذين استوفوا خيراتهم على الأرض، لا يكون لهم نصيب في الملكوت، كما تشرح لنا قصة الغني ولعازر (لو 16: 25). نقول هذا عن الأفراد، كما نقوله عن الجماعات والكنائس أيضًا..
فالمسيحية هي شركة في آلام المسيح؟ كما قال القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في 3: 10). وقال عن شركة الآلام هذه:
"مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا 2: 20)
فإن أردت أن يحيا المسيح فيك، ينبغي أن تصلب مع المسيح، أو أن تصلب من أجله. أقول هذا بالمعنى الروحي. وتظهر محبتك لله، بأن تتحمل من أجله، وتتألم من أجله، ولو أدى الأمر أن تموت من أجله أيضًا.
الصَليب وأمجَاده
في المسيحية تتألم. وتجد في الألم لذة، وتنال عن ألمك أكاليل، ويتحول ألمك إلى مجد.
ليست المسيحية صليبًا تحمله وتضجر وتتذمر شاكيًا! كلا، بل هي محبة للصليب، محبة للألم والبذل والتعب من أجل الرب ومن أجل نشر ملكوته.. وقيل عن السيد المسيح: ".. الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ" (عب 12: 2).
† † †
وقال القديس بولس: "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ" (2كو 12: 10).. والآباء الرسل بعدما جلدوهم: "فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أع 5: 41).. أما عن أمجاد الآلام، فيقول الرسول:
"إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو 8: 17).
ولذلك قال بعدها: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو 8: 18). وهكذا قال القديس بطرس الرسول: "وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ" (1بط 3: 14).
† † †
إذًا فالألم معه الطوبى. وقد ذكرها السيد المسيح بقوله: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ... اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (مت 5: 11، 12).
وهنا نجد الآلام من أجل الرب، ترتبط بالفرح والتهليل وبالأجر السماوي.
† † †
حقًا: لأنه بعد الصليب توجد قيامة وصعود، وأيضًا جلوس عن يمين الآب.
لو كانت المسيحية صليبًا فقط، بدون أمجاد، لتعب الناس. وكما قال الرسول: "إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كو 15: 19). وإنما المسيحيون في حمل الصليب، إنما ينظرون إلى الأمجاد الأبدية "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو 4: 18).
† † †
لذلك مع التعب الخارجي. يوجد سلام وعزاء.
القديس اسطفانوس في ساعة رجمه، رأى السموات مفتوحة، "ورَأَى مَجْدَ اللهِ" (أع 7: 55، 56). أي فرح كان له في تلك الساعة.. وهناك فرح آخر كان يشعر به الشهداء، وهو أنهم قد أكملوا أيام غربتهم على الأرض بسلام واقتربت لحظة لقائهم بالرب.. وبعضهم كان يبصر الأكاليل والأمجاد.. وبعضهم كانت لهم رؤى مقدسة تعزيهم..
† † †
الصليب لا نفصله عن أفراحه وأمجاده: وأيضًا لا نفصله عن معونة الله ونعمته.
المسيحي قد يحمل صليبًا، ولكنه لا يحمله وحده، ولا يتركه الله وحده. هناك معونة إلهية تسند وتعين، هي التي وقفت مع الشهداء حتى احتملوا الآلام، وهي التي تقف مع المؤمن في كل ضيقة. هناك عبارة الرب المشجعة "لاَ تَخَفْ... لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع 18: 9، 10) "تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ" (يش 1: 9).
"فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 19).
إنه رمز "يتمسك به كل مسيحي لمعانيه الروحية والعقيدية".
نعلقه على الكنائس، وندخله في كل نقوشنا، ونعلقه على صدورنا، ونرشمه على أنفسنا، ونبدأ به صلواتنا. ونرشم به طعامنا، ونقدس به كل ما لنا. ويحمله رجال الكهنوت في أيديهم. ويباركون به الشعب. ويُستخدم في كل الأسرار الكنسية، وفي كل الروشومات والرسامات، مؤمنين أن كل بركات العهد الجديد جاءت نتيجة الصليب. ملابس الإكليروس أيضًا موشاة بالصليب، ليس لمجرد الزينة، إنما لبركته وقوته. ونحن نعيد للصليب عيدين، ونحمل الصليب في المواكب والحفلات.
† † †
ونرى في رشم الصليب قوة تخافها الشياطين.
فكل تعب الشيطان في إهلاك البشر. ضاع عن طريق الخلاص الذي تم على الصليب. لذلك يخاف الشيطان علامة الصليب.. على شرط أن يكون رشم الصليب بإيمان وبخشوع. قال القديس بولس الرسول: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كو 1: 18).
لذلك يحصن المسيحي نفسه برشم الصليب.
كيف تحمل صَليبك عمليًا؟
كيف تحمل صَليبك عمليًا؟
1- الصليب هو علامة حب وبذل وتضحية وفداء تحمله كلما تعبت لأجل ممارسة هذه الفضائل.
حاول أن تتعب من أجل إراحة غيرك، ومن أجل إنقاذه وخدمته وثق أن الله لا ينسى أبدًا تعب المحبة، بل "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو 3: 8).. تدرب أن تعطي: مهما بذلت وتحملت وضحيت.. وتدرب أن تعطي أيضًا من أعوازك، كما فعلت الأرملة المطوبة (لو 21: 4).. اتعب في خدمتك فبمقدار تعبك، يظهر حبك، وبذلك تظهر تضحيتك.
† † †
2- الصليب أيضًا علامة ألم واحتمال:
الآلام العظيمة التي احتملها السيد لأجلنا، سواء آلام الجسد، التي قال عنها: "ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي".. أو آلام العار التي احتملها من أجلنا في سرور، أي وهو مسرور بخلاصنا. لهذا قال عنه الرسول: "مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ" (عب 12: 2).
ما أعظم الاحتمال إن كان بسرور. إنه درس لنا.
وأنت تحمل صليبًا، إن كنت من أجل الرب تحتمل ضيقته، أو من أجل برك ينالك اضطهاد، أو من أجل ذلك تصاب بمرض أو ضعف.. كذلك إن كنت تحتمل متاعب الناس دون أن تنتقم لنفسك، بل تحول الخد الآخر، وتمشي الميل الثاني ولا تقاوم الشر (مت 5: 39 - 42) بل تصبر، والصبر صليب.. سواء كان احتمالك وصبرك في محيط الأسرة، أو في مجال الخدمة أو في نطاق العمل.
† † †
3- وتحمل صليبًا، إن كنت تصلب الجسد مع الأهواء (غلا 5: 24).
فتبذل كل جهدك لكي تصلب رغبة أو شهوة خاطئة، وتنتصر على نفسك. وتصلب فكرك كلما أراد أن يشرد بك، كما تضبط حواسك وتلجم لسانك وتقهر ذاتك. وتمنع جسدك عن الطعام محتملًا الجوع، مبتعدًا عن كل طعام شهي، وعن كل لذة جسدية، وعن محبة المال.
† † †
4- وتحمل صليبك في إنكار ذاتك بأخذ المتكأ الأخير.
وبعدم السعي وراء الكرامة وبتنازلك عن حقوقك، وعدم أخذ حقك على الأرض، وبتفضيل غيرك على نفسك في كل شيء بالمحبة التي لا تطلب ما لنفسها (1كو 13: 5)، وبالتواضع والزهد. والبُعد عن المديح والكرامة.
† † †
5- وتحمل صليبك بأن تحمل خطايا الآخرين، فهكذا فعل السيد المسيح.
لا مانع أن تحتمل ذنب غيرك وتعاقب عنه بدلًا منه. أو أن تحتمل مسئوليات غيرك وتقوم بها عوضًا عنه. وكما قال القديس بولس لفليمون عن أنسيمس: "ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ... أَنَا أُوفِي" (فل 18، 19).. على قدر استطاعتك اشترك في آلام الآخرين، وارفعها عنهم. وكن قيروانيًا تحمل صليب غيرك.
معَاني لاهوتية للصَليب
معَاني لاهوتية للصَليب
حينما نرشم الصليب، نتذكر كثيرًا من المعاني اللاهوتية والروحية المتعلقة به:
1- نتذكر محبة الله لنا، الذي من أجل خلاصنا قبل الموت عنا "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 6). حينما نرشم الصليب نتذكر "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يو1: 29) (1يو 2: 2).
† † †
2- وفي الصليب نذكر خطايانا.
خطايانا التي حملها على الصليب، التي من أجلها تجسد وصُلب...
وبهذا التذكر نتضع، وتنسحق نفوسنا، ونشكر على الثمن الذي دفع لأجلنا "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1كو 6: 20).
† † †
3- وفي الصليب نذكر العدل الإلهي:
كيف أن المغفرة لم تكن على حساب العدل، بل استوفى العدل الإلهي حقه على الصليب فلا نستهن بالخطية التي ثمنها هكذا.
† † †
4- وفي رشمنا للصليب نعلن تبعيتنا لهذا المصلوب:
إن الذين يأخذون الصليب بمجرد معناه الروحي، داخل القلب، دون أية علامة ظاهرة لا يظهرون هذه التبعية علنًا، التي نعلنها برشم الصليب وبحمل الصليب على صدورنا. وبتقبيل الصليب أمام الكل، وبرشمة على أيدينا، وبرفعه على أماكن عبادتنا.
إننا بهذا كله، إنما نعلن إيماننا جهارًا، ولا نستحي بصليب المسيح أمام الناس، بل نفتخر به، ونتمسك به، ونعيد له أعيادًا ونتمسك به.. حتى دون أن نتكلم. مجرد مظهرنا يعلن إيماننا...
† † †
5- ونحن لا نرشم الصليب على أنفسنا في صمت، إنما نقول معه باسم الآب والابن والروح القدس.
وبهذا نعلن في كل مرة عقيدتنا بالثالوث القدوس الذي هو إله واحد إلى الأبد آمين. وهكذا يكون الثالوث في ذهننا باستمرار، الأمر الذي لا يتاح للذين لا يرشمون الصليب مثلنا.
† † †
6- وفي رشم الصليب أيضًا نعلن عقيدتي التجسد والفداء:
فنحن حين نرشم الصليب من فوق إلى تحت، ومن الشمال إلى اليمين، إنما نتذكر أن الله نزل من السماء إلى تحت إلى أرضنا، فنقل الناس من الشمال إلى اليمين، من الظلمة إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، وما أكثر التأملات التي تدور بقلوبنا وأفكارنا من رشم علامة الصليب.
† † †
7- في الصليب نذكر المغفرة:
كيف أن خطايانا غُفرت على الصليب؟ وكيف أن السيد خاطب الآب السماوي قائلًا (وهو على الصليب) "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ"...
† † †
8- وفي رشمنا للصليب تعليم ديني لأولادنا ولغيرهم:
كل من يرشم الصليب، حينما يصلي، وحينما يدخل إلى الكنيسة، وحينما يأكل، وحينما ينام، وفي كل وقت، إنما يتذكر الصليب، وهذا التذكر مفيد روحيًا ومطلوب كتابيًا. وفيه أيضًا تعليم للناس، إن المسيح قد صلب، وتعليم بالذات لأولادنا الصغار الذين يشبون من صغرهم متعودين على الصليب.
† † †
9- وبرشمنا الصليب إنما نبشر بموت الرب عنا حسب وصيته.
وهذه وصية الرب لنا أن نبشر بموته "الذي لأجل فدائنا" "إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (1كو 11: 26).. ونحن برشم الصليب نتذكر موته كل حين، ونظل نتذكره الى أن يجيء.
ونحن نتذكره كذلك في سر الإفخارستيا. ولكن هذا السر لا يقام في كل وقت، بينما الصليب يمكن أن نرشمه في كل وقت متذكرين موت المسيح عنا.
† † †
10- وفي رشمنا للصليب، نتذكر أن عقوبة الخطية موت:
لأنه لولا ذلك ما مات المسيح. كنا نحن "أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا" (أف 2: 5) ولكن المسيح مات عنا على الصليب وأعطانا الحياة. وعلى الصليب إذ دفع الثمن قال للآب: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ" (لو 23: 34).
† † †
11- وفي رشمنا الصليب نتذكر محبة الله لنا:
نتذكر أن الصليب ذبيحة حب. لأنه "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 16).. ونتذكر أن "وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.. صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ" (رو 5: 8). في الصليب نتذكر محبة الله لنا، لأنه "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
† † †
12- ونحن نرشم الصليب لأنه يمنحنا القوة:
القديس بولس الرسول يشعر بقوة الصليب هذه فيقول: "بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا 6: 14). ويقول أيضًا: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كو 1: 18).
لاحظوا هنا أنه لم يقل إن عملية الصليب هي قوة الله. إنما قال إن مجرد كلمة الصليب هي قوة الله.
لذلك نحن حينما نرشم الصليب، وحينما نتذكر الصليب، نمتلئ قوة لأننا نتذكر أن الرب بالصليب داس الموت، ومنح الحياة لكل الناس، وقهر الشيطان وغلبه، ولذلك...
† † †
13- نحن نرشم الصليب لأن الشيطان يخافه:
كل تعب الشيطان منذ حارب آدم الى آخر الدهور. ضاع على الصليب، إذ دفع الرب الثمن، ومحا جميع خطايا الناس بدمه، لمن يؤمنون ويطيعون. لذلك فإن الشيطان كلما يرى الصليب، يرتعب متذكرًا هزيمته الكبرى وضياع تعبه، فيخزى ويهرب. وهكذا كان أولاد الله يستخدمون باستمرار علامة الصليب باعتبارها علامة الغلبة والانتصار، أو هي قوة الله. فمن جهتنا نمتلئ قوة من الداخل، أما عن العدو في الخارج فهو يرتعب.
وكما كانت تُرفع الحية النحاسية في القديم شفاء للناس وخلاصًا من الموت، هكذا رُفع رب المجد على الصليب (يو3: 14). وهكذا علامة الصليب في مفعولها.
† † †
14- ونحن نرشم علامة الصليب فنحن نأخذ بركته:
كان الصليب في العهود القديمة علامة اللعنة والموت بسبب الخطية... ولكن على الصليب حمل الرب كل لعناتنا، لكي يمنحنا بركة المصالحة مع الله (رو 5: 10). وبركة الحياة الجديدة، ولذلك فكل نعم العهد الجديدة مستمدة من الصليب.
لذلك استخدم رجال الإكليروس هذا الصليب في منح البركة، إشارة الى أن البركة لا تصدر منهم شخصيًا. إنما من صليب الرب الذي ائتمنهم على استخدامه في منح البركة، ولأنهم يستمدون كهنوتهم من كهنوت هذا المصلوب، وكل بركات العهد الجديد نابعة من صليب الرب وفاعليته.
† † †
15- لذلك فكل الأسرار المقدسة في المسيحية نستخدم فيها الصليب.
لأنها كلها نابعة من استحقاقات دم المسيح على الصليب.
فلولا الصليب ما كنا نستحق أن نقترب إلى الله كأبناء في المعمودية. وما كنا نستحق التناول من جسده ودمه في سر الإفخارستيا (1كو11: 26). وما كنا نستطيع التمتع ببركات أي سر من أسرار الكنيسة.
† † †
16- ونحن نهتم بالصليب، لنتذكر الشركة التي لنا فيه:
نتذكر قول القديس بولس الرسول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا 2: 20).
وقوله أيضًا: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في 3:10). وهنا نسأل أنفسنا متى ندخل في شركة آلام الرب ونصلب معه؟
وهنا نتذكر اللص الذي صُلب معه، فاستحق أن يكون في الفردوس معه، ولعله صار في الفردوس يغني بالأغنية التي قالها القديس بولس فيما بعد "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ"...
كل أمنياتنا أن نصعد على الصليب مع المسيح ونفتخر بهذا الصليب الذي نذكره الآن كلما تلامس مع حواسنا.
† † †
17- ونحن نكرم الصليب، لأنه موضع سرور الآب:
الآب الذي تقبل المسيح على الصليب بكل سرور كذبيحة خطية، وكمحرقة أيضًا "رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا 1: 9، 13، 17). وقال إشعياء النبي في ذلك "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش53: 10).
إن السيد المسيح أرضى الآب بكامل حياته على الأرض، ولكنه دخل ملء هذا الإرضاء على الصليب، حيث "وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8).
ففي كل مرة ننظر إلى الصليب نتذكر كمال الطاعة، وكمال الخضوع لكي نتمثل بالسيد المسيح في طاعته، حتى الموت.
وكما كان الصليب موضع سرور للآب، كان هكذا أيضًا بالنسبة إلى الابن المصلوب الذي قيل عنه:
"مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ" (عب 12: 2).
وهكذا كان ملء سرور المسيح في صلبه. ليتنا نكون هكذا.
† † †
18- وفي الصليب نخرج إليه خارج المحلة، حاملين عاره (عب 13: 12).
بنفس شعورنا في أسبوع الآلام ونذكر في ذلك ما قيل عن موسى النبي "حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ" (عب 11: 26). وعار المسيح هو صلبه وآلامه.
† † †
19- وعلى الصليب نذكر الخلاص الذي ناله اللص المصلوب مع الرب:
هذا الأمر يعطينا رجاءً عجيبًا. كيف أن إنسانًا أمكن أن يخلص في الساعات الأخيرة من حياته على الأرض، ويتلقى وعدًا بالدخول إلى الفردوس.
كيف أن الرب بتأثيره الروحي على هذا اللص، استطاع أن يجذبه إليه، ويذكر له ايمانه واعترافه، ولا يذكر له شيئًا من خطاياه السابقة.
ما أعظمه رجاء تمّ على الصليب.
† † †
20- نحمل صليب المسيح الذي يذكرنا بمجيئه الثاني:
كما ورد في الإنجيل عن نهاية العالم ومجيء الرب "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ (أي الصليب).. وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ..." (مت 24: 30).
فلنكرم علامة ابن الانسان على الأرض، ما دمنا نتوقع علامته هذه في السماء في مجيئه العظيم.
الملكَة البَارة القديسة هيلَانة نذكرها بمناسَبة عيد الصَليب
الملكَة البَارة القديسة هيلَانة نذكرها بمناسَبة عيد الصَليب
تعيد لها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في يوم 9 بشنس، يوم نياحتها سنة 327 م، كما تذكرها أيضا في يوم 17 توت (27 سبتمبر) في عيد الصليب.
وتذكرها أيضًا في المجمع في صلوات الأبصلمودية، طالبة صلواتها هي وابنها الملك قسطنطين.. وإخوتنا اليونان الأرثوذكس يبنون الكنائس على اسمها، ويعيدون لها ولابنها يوم 21 آيار، وتذكرها الكنيسة اللاتينية يوم 18 آب.
وقد أكرمها ابنها الملك قسطنطين، بان منحها لقب ملكة Augusta، وأعطاها سلطان التصرف على الخزائن الملكية، فكانت تصرف بسخاء وكرم على بناء الكنائس، وتعطي للفقراء والمحتاجين، أفرادًا ومدنًا.
† † †
وقد قال عنها المؤرخ يوسابيوس القيصري، إنها أثناء تجولها في الأقطار الشرقية، قدمت براهين عديدة على سخائها كإمبراطورة، وكرمها الملكي على سكان المدن المختلفة كجماعات، وعلى الأفراد، كما قدمت للجنود المساعدات الكبيرة بمنتهى السخاء. أما عطاياها للعرايا والمشردين فكانت غزيرة جدًا. أعطت البعض نقودًا، والآخرين كميات وافرة من الملابس، وحررت البعض من السجون، أو من عبودية الخدمة في المناجم. وأنقذت الآخرين من عنف الاضطهاد، وأعادت غيرهم من النفي (ك 3 ف 44).
† † †
وكانت متدينة جدًا، تحضر الكنيسة وهي ملكة، بملابس بسيطة محتشمة، وتقف بكل خشوع مختلطة بالجماهير، وكانت تواظب على الصلوات، وتحضر الاحتفالات الدينية، وتحيا كعابدة، أكثر مما تحيا كملكة. وكانت تزور الأماكن المقدسة، متجشمة أتعاب الأسفار في كبر سنها.
† † †
وقد أوحى لها الرب في رؤيا أن تمضي إلى أورشليم، وتفحص بتدقيق عن موضع الصليب المجيد.
وذهب إلى هناك، وسألت وكشفت عن ثلاثة صلبان. وكان معها القديس مقاريوس أسقف أورشليم، وبمعجزة أظهر الله الصليب المقدس، كما يتضح من سنكسار 17 توت.
ووضعت الصليب في خزانة من ذهب، وسلمته للأب الأسقف، واحتفظت بجزء منه لابنها قسطنطين الذي وضع بعض المسامير المقدسة في خوذته.
† † †
وقد بنت القديسة هيلانة كنيسة في بيت لحم، عند المغارة التي وُلد فيها مخلصنا، وبنت كنيسة أخرى على جبل الزيتون، في مكان صعود المخلص.
وبدأت بناء كنيسة القيامة...
وكان ابنها الإمبراطور قسطنطين يقدم لها كل الإمكانيات، لتقوم بعملها المقدس، ويرسل الرسائل في ذلك للولاة والأساقفة.
كما أوقفت هذه القديسة أوقافًا عديدة على الكنائس والأديرة، وللإنفاق على الفقراء. أقامت حفلة في أورشليم للعذارى المكرسات، وكانت تخدمهن بنفسها. وبنت كنيسة للشهيد لوكيانوس في مدينة مولدها التي أسماها ابنها هيلانوبوليس على اسمها هيلانة إكرامًا لها.
وقد رقدت هذه القديسة في الرب سنة 327 م ولها من العمر 84 سنة. وكتبت وصيتها لابنها الملك وأحفادها القياصرة ليثبتوا في حياة الإيمان والبر.
آيات للحفظ عَن الصَليب
آيات للحفظ عَن الصَليب
"مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا 2: 20).
"وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ" (غلا5: 24).
"وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ" (غلا 6: 14).
"فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ" (1كو 1: 18).
"... عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ" (كو 1: 20).
"لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (1كو 2: 2).
"وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو 14: 27).
"عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ" (رو 6: 6).
"لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" (1كو 2: 8).
† † †



