صلاة اليوم الثالث علي الميت (2)

سؤال:
كنا قد تعرضنا لسؤال عن صلاة الثالث جاء فيه:
هل حقًا الصلاة في اليوم الثالث هي لطرد الأرواح الشريرة المتلكئة المتمردة التي ترفض الذهاب إلى مستقرها، فيخرجها الكاهن كما يطرد الأرواح النجسة؟ وهل حقًا أن هذه الأرواح تتقمص أشباحًا وتزعج الناس في الظلام؟ ومن أجل هذا يوقد الناس مصباحًا أو شمعة في غرفة المتوفي حتى لا تزعجهم روحه؟
الجواب:
يحسن الرجوع إلى الجزء الأول من إجابتنا على هذا السؤال، الصادر في العدد الأول من يناير (7 / 1 / 1977)، فقد رددنا فيه على هذه الأفكار من الناحية اللاهوتية. ومما قلناه إن هذه الأفكار ليس لها أي سند من الكتاب المقدس، بل لعلها متأثرة بما ورد في الديانات الوثنية القديمة، وفي الكتب الخاصة بمذهب تحضير الأرواح… وشرحنا بطلانها لاهوتيًا.
أما في هذا الجزء الثاني من الاجابة، فسيكون مرجعنا هو طقس الكنيسة. وسنرى كيف لأن صلوات الكنيسة في اليوم الثالث لا تؤيد هذه الأفكار إطلاقًا، بل تنفيها.
واضح من صلوات سر المعمودية، انتهار كل الأرواح الشريرة، أرواح الشياطين، وإبعادها بقوة الرب وصليبه عن ماء المعمودية. والصلاة إلى الله لكي ينعم على ماء المعمودية، حتى لا ينزل فيه مع المتعمدين أي روح رديء أو روح نجس. ويقول الكاهن للرب عن هذه الأرواح الشريرة ” بل إنتهرهم بقوتك العظيمة، وليصيروا مشدوخين أمام علامة صليبك واسمك القدوس”.
ويقول أيضًا ” سبّق وهيء هذا الجسد… فليعتق من كافة الشياطين ومن سائر الأدناس… ولتهرب من هذا الجسد كل ظلمة”.
ويأتي طقس جحد الشيطان. ثم ينفخ الكاهن في وجه المتعمد،
ويقول ” أخرج أيها الروح النجس ” أي روح الشيطان…
وفي طقس الميرون يقول للممسوح به: اقبل الروح القدس …اقبل روح الله… اقبل الروح المعزي.
اما في طقس صلاة الثالث، فلا يوجد إطلاقًا أي انتهار لروح شرير متلكئ متمرد، ولا توجد أية صلاة طالبة إخراج الروح او طرده. كل الصلوات والقراءات لا تذكر شيئًا من هذا.
نحن نعلم أن السيد المسيح قام في اليوم الثالث. وفي اليوم الثالث نذكر القيامة، قيامة الجسد: لكي يتعزى اهل الميت أنه سيقوم.
وقد ورد في قوانين الآباء الرسل:
وأذكروا الميت في اليوم الثالث، لأنه في اليوم الثالث قام المسيح من الأموات.
ولهذا نجد قراءة الإنجيل في صلاة الثالث قد اختير لها فصل إقامة لعازر حبيب المسيح (يوحنا 11).
ويسمع اهل الميت عبارة (لعازر هلم خارجًا) فيتعزون ويسمعون قول السيد المسيح لمرثا ” الم اقل لكِ إن آمنتِ. ترين مجد الله “، فبأيمانهم بالقيامة يتعزون، ولا يكونون كالباقين الذين لا رجاء لهم.
كذلك يتعزون حينما يسمعون في أوشية الإنجيل ” الذين سبقوا فرقدوا، يا رب نيحهم”، وعندما يصلّون مع الحاضرين في الثلاثة تقديسات ” آباؤنا وأخواتنا الذين رقدوا، يا رب نيح نفوسهم”.
كذلك يسمعون صلوات، كما لو كانت على لسان الميت، طالبة الرحمة مثل قِطع المزامير، ومزمور الإنجيل:
” إحيّنى يا رب.. أعط مجازاة لعبدك فأحيا… اكشف عن عيني لأتأمل عجائبك. غريب أنا على الأرض فلا تُخفِ عني وصاياك…استجب لي بحق خلاصك ونجني… لا تتركني يا ربى وإلهي، ولا تبعد عني”.
وهذه الصلوات لا يمكن إطلاقًا ان تصدر عن نفس متلكئة متمردة شريرة ترفض الذهاب إلى مستقرّها!!
ولكن قد يُحارَب اهل الميت بشك من جهة مصيره الأبدي فربما كان خاطئًا مثلًا، لا يستحق الملكوت.
والكنيسة تعزي هؤلاء بفصل من رسالة بولس ( رومية 5 : 6–16 ) بأن المسيح ” إذ كنا بعد ضعفاء، مات عن الفجار” وصالحنا مع الله”.
وتُسمّعهم أيضًا – لتعزيهم – قول الرسول عن أن الله ” حقق محبته لنا. لأننا إذ كنا خطاه، مات المسيح عنا. فكم بالحري ونحن قد تزكينا بدمه، وبه ننجو من السخط. وإذ كنا أعداء، اصطلحنا مع الله بموت ابنه. فكم بالحري ونحن مصطلحون نخلص بحياته”.
كلها عبارات معزية مطمئنة يسمعها أهل الميت في دخول الكاهن بيتهم. شتّان بينها وبين القول ان روح الميت متمردة ومتلكئة، لذلك يأتي الكاهن لإخراجها بالقوة، كما تُطرَد الأرواح النجسة!!
كذلك فإن الإبصالية التي تقال ” هذه النفس التي اجتمعنا بسببها اليوم”، وكذلك الصلاة الخيرة، كلها طلبات من الكاهن لأجل نفس الميت أن ” يفتح الرب لها باب الفردوس، ويقبلها إليه كعظيم رحمته” وايضًا ” نسألك يا ملكنا، أن تحفظ وديعة عبدك ( فلان )، وأعطه أجرًا سمائيًا، ونصيبًا صالحًا في ملكوتك، والذين خَلفهم عُلهم وعزهم”.
فمن غير المعقول أن يطلب الكاهن الفردوس، ونصيبًا صالحًا في الملكوت، وأجرًا سمائيًا، لنفس متمردة متلكئة…!!
صلوات الثالث إذن تشمل تذكارًا للقيامة، وطلبات لأجل المتوفي أن يفتح له أبواب الفردوس، وعزاء لأهل الميت، وطلبًا من الله ان يعولهم.
وإن كان بعض اقارب المتوفي – في حزنهم – جلسوا في بيوتهم، ولم يذهبوا إلى الكنيسة. فإن الكنيسة تذهب إليهم وتعزيهم.
وتصلي في البيت، وترفع فيه بخورًا، وترش فيه ماءًا مصلى عليه. بل يبدأ الكاهن بصلاة الشكر، لكي يعلّمهم حياة التسليم. ويصرف عنهم الحزن بأن يقرأ لهم عن القيامة.
هذا هو تعليم الكنيسة وتعزيتها، وليس تعليمها ان تُخيفهم من ارواح تتقمص اشباحًا، وتزعج الناس في الظلام…!!
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السادس) 11-2-1977م



