خشوع الصلاة

على الرغم من أن الصلاة علاقة حب مع الله، إلا أنها ينبغي أن تكون مصحوبة بالخشوع. لان محبة الله لا تنسينا هيبته ووقاره. نحن نتحدث إلى الله في حب، وأيضًا في احترام، وفي خشية، وفي توقير.
ليس هو خوف العبيد، أنما هو توقير الابن لأبيه.
لذلك يقول مار إسحق “إذا ما وقفت لتصلي، كن كمن هو قائم أمام لهيب نار”. إبراهيم أبو الآباء الذي كان يدعي خليل الله أي صديقه، عندما كلم الرب قال له “عزمت أن أكلم المولى وأنا تراب ورماد”.
لهذا قف أمام الله منسحقاً، وثق أنك بالانسحاق تنال طلبتك.
لأنه قريب هو الرب من المنسحقي القلوب.
إذا وقفت أمام الله، فقل له: من أنا يا رب حتى أقف أمامك؟! من أنا حتى أحشر نفسي وسط صفوف الملائكة القائمين أمامك، ووسط الشاروبيم والسارافيم والأرباب والرؤساء والجمع غير المحصي الذي للقوات السمائية؟!
أنا يا رب لا أنسى طبيعتي التافهة كتراب ورماد … كما أنني لا أنسى خطاياي ونجاساتي، كشخص كسر وصاياك…
من جهة طبيعتي لا أستحق، ومن جهة خطيئتي لا أستحق ولكنه تواضع منك أن تستمع إلى صوتي، وتواضع منك أن تلتفت إلى حقارتي. إن محبتك هي التي تشجعني أن أقترب إليك وأتحدث، أنا الخاطئ الذي فعلت كذا وكذا…
أنا يا رب لا أنسى إحساناتك، أنا الخاطئ الناكر الجميل…
لقد عملت معي كثيراً، ولكني لم أقابل هذا الحب بمثله، بل أغضبت قلبك الحنون} وهنا يمكنك أن تذكر إحسانات الله إليك واحدة فواحدة، كما تذكر جحودك سقطة فسقطة، بشيء من المقارنة المخجلة لك. ثم تقول بعد ذلك {:
ولكن مع كثرة خطاياي، يشجعني طول أناتك، ويعزيني قلبك الواسع:
أنت الإله الطيب الحنون، الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، في أنا الخاطئ يظهر طول أناتك. وفي أنا النجس تظهر عظم مراحمك] وهنا تكلم الله بصراحة كاملة، عن نفسك الساقطة المحتاجة أن ينضح عليها بزوفاه فتطهر [ .
ولا تكن صلاتك كلمات إنشاء، بعبارات منمقة مختارة منتقاة، بل لتكن كلمات صريحة من قلبك، بلا تكلف ولا تصنع، بل بصراحة قلب مفتوح أمام الله …
وخشوعك في الصلاة، هو خشوع الروح، وخشوع الجسد أيضًا:
الجسد خاشع: لا يقف وقفة متراخية، ولا وقفة متكاسلة، ولا يتذكر التعب والمرض والإنهاك، أثناء الصلاة.
هناك أشخاص إذا وقفوا للصلاة، يشعرون بتعب الجسد! بينما يقفون بالساعات متحدثين مع أصدقائهم، دون شعور بالتعب!
لذلك احترس من التعب الموهوم، والتعب الذي هو من حروب الشياطين.
قال القديس باسيليوس الكبير: ولا تعتذر عن الصلاة بسبب المرض لأن الصلاة وسيلة لشفائك من المرض.
ما أسهل أن يجلب الشيطان عليك تعبًا ومرضًا، لكي يمنعك من الصلاة أو من الخشوع فيها.
قال مار إسحق:
إذا بدأت الصلاة الطاهرة، فأستعد لكل ما يأتي عليك…
إن الصلاة تتعب الشيطان، يشعر بها أنك بدأت تفلت من يده، وأنك ستأخذ قوة تهزمه بها. كما أنه يحسدك على صلاتك التي تذكره بأنه فقد هذه العشرة التي لك مع الله. لهذا كله يحاربك وقت الصلاة، لكي يمنعك عنها، أو ليشتت فكرك، أو ليفقدك خشوعك واتضاعك.
لذلك أصمد أمام الشيطان في صلاتك، وأحترس من حروبه، وتذكر قول الرسول: نحن لا نجهل حيله….
ربما يحاربك الشيطان بتعب الجسد، وربما يحارب بشرود الفكر، وربما يحاربك بالروحيات، فما هي هذه المحاربة الثالثة؟
من الجائز أن يأتيك أثناء الصلاة تأمل روحي جميل أو عميق، فتخشى على هذا التأمل من النسيان. وتحاول أن تسجله، لكي ما نتعزى به، أو لكي تستخدمه في الخدمة وتقول لغيرك. فتترك الصلاة، لتكتب وتنشغل بالمعرفة عن الصلاة، وهكذا تعقد الصلة التي كانت لك منذ حين مع الله… إنها محاربة..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني والأربعون) 21-10-1977م



