حياة التسليم

حياة التسليم، هي أن تضع حياتك في يدي الله، وتنساها هناك، ولا تذكر إلا هاتين اليدين الحانيتين…
أكبر شيء يتعب الإنسان، هو أن يستقل عن الله، ويعتمد على نفسه في تسيير أموره، يقوده عقله، أو تقوده شهواته، أو يقوده غيره. أو أن يكون إعتماده على الله جزئيًا، أو في غير عمق، وفي غير ثقة…
كيف تترك أمورك لله بالكلية، دون إقحام إرادتك وأساليبك الخاصة؟ يحتاج منك هذا الأمر إلى ثقة في الله، وإيمان بعنايته وحسن تدبيره. ويحتاج أيضًا إلى حب الله، وخبرة معه. وإيقان داخلي، بأنك مادمت قد تركت أمرًا له، فلا بد أنه سيعمل، وسيحل الاشكال…
الذين مشوا في البحر الأحمر، والمياه تحيطهم من الجانبين، لابد قد سلموا حياتهم للرب، ووثقوا به حتى المنتهى.
كذلك الذين مشوا تحت السحابة، وهم لا يعلمون إلى أين هم ذاهبون. كذلك بطرس وقد مشى على الماء، واثقًا باليد التي تمسكه. ونوح الذي ركب الفلك مع الوحوش، وترك قيادة هذا الفلك فوق الطوفان لله نفسه…
آدم لم يسلك في حياة التسليم، حينما تبع رغبته، أو تبع امرأته، أو تبع الحية، مستقلًا عن الله ووصيته… ترك شجرة المعرفة تقوده، فقادته إلى الجهل، وإلى الموت… ويونان لم يسلك في حياة التسليم، حينما هرب من الله، واغتاظ من مشيئته الإلهية حتى الموت، وطلب الموت لنفسه…
شاول الملك كان سبب ضياعه أنه استقل عن الله، تابعًا فكره ونزعاته، وملتجئًا إلى مشورة العرافة…
حياة التسليم، هي حياة أولئك الذين قال عنهم الرب “نقشتكم على كفي” يشعر كل منهم أنه في كف الرب وكفى. حيثما يسيره يسير، وكيفما يصيره يصير…
كالحملان مع الراعي، حيثما يقودها تمشي، وهي مطمئنة، وواثقة برعايته، بدون تفكير، كما تقول الترتيلة “حيث قادني أسير”.
حياة التسليم لا تقبل الجدل ولا المناقشة.
حقًا، من كان للرب مشيرًا؟! أتسلم حياتك للرب، ثم تزوده بإقتراحاتك، وبنصائح من ذكائك ومن خبراتك؟!… يكفي أن تثق
عندي مشكلة، قدمتها لك يا رب. صمت من أجلها وصليت. سلمتها لك، وأنا واثق أنك ستعمل. كيف ستعمل؟ ومتى؟ أنا لا أعرف. كل ما أعرفه أنك ستعمل خيرًا… وسأرى عملك الآن أو بعد حين. هذا أمر أراه بالإيمان، وبالحب، وبالثقة، وبالعشرة معك، وبخبراتي الطويلة في رعايتك…
ابراهيم أبو الآباء، حسب أمر الرب، خرج من وطنه، من أهله وعشيرته، إلى الجبل الذي سيريه الرب إياه وكما قال بولس: لم يكن يعلم إلى أين يذهب… وإنما سار وراء الله بالإيمان. وبنفس الطريقة ترك متى مكان الجباية، وسار وراء الرب. تبعه، وهو لا يعلم إلى أين. وبنفس الطريقة، ترك بطرس وإندراوس المركب والشباك والأهل والصيد.
كل أولئك ما كانوا يعرفون إلى أين سيذهبون. ولكنهم سلموا حياتهم لقيادة الرب، بعيون مغمضة، وقلوب مفتوحة…
أبونا ابراهيم وقع في الشك ذات يوم، وأخذ هاجر لتلد له ابنا. ظن أنه لا يمكن أن ينجب من سارة وقد شاخت لكن الله أصر قائلًا “بسارة يدعى لك نسل” مهما شاخت.
وفي حياة التسليم، لابد أن نثق بالرب، مهما كانت الظروف الخارجية، ومهما كانت العوائق. الله هو الله… ووعوده هي هي. أما كيف يعمل فليس من إختصاصنا.
حياة التسليم، لا تقلق مطلقًا من جهة المواعيد…
مادمت قد طلبت الرب، ثق أنه في اللحظة التي سمعك فيها، قد إستجاب. وسيتخير الوقت المناسب.
حياة التسليم لاتسأل كثيرًا، ولا تتمسك بالوسائط…
آبائنا الرسل ذهبوا للكرازة في بلاد لايعرفونها، ولا يعرفون لغاتها ولا أهلها ولا تقاليدها… ولم تكن لديهم إمكانيات ولا وسائط، ولا شيء للطريق. ولكنهم وثقوا بمن أرسلهم…
قصص الكرازة، كانت قصص إيمان عجيبة، وحياة تسليم…
كذلك قصص آبائنا السواح في البرية.
عاشوا تائهين في البراري والقفار، مسلمين حياتهم للرب، هو وحده يعتني بهم. أنبا بولا كان يأتيه غراب بنصف خبزة كل يوم. وسواح كثيرون عاشوا بلا مورد…
إن الذي يسلم حياته للرب، لايهتم، لايحمل هما.
لاتهتموا بما تأكلون ولا بما تشربون. أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون الي هذه كلها… لاتهتموا بما للغد…
ما أعجب أن نسمع عن يوحنا المعمدان، أن ملاكًا خطفه في طفولته إلى البرية. أو أن فيلبس الذي عمد الخصي الحبشي، حمله روح الرب فوجد في أشدود. أو أن القديس مكاريوس الكبير لما تعب في الطريق وقال “أنت تعلم يارب ما بقيت في قوة” للحال وجد نفسه في الإسقيط…
روح الله الذي قاد اولاده قديما، هو قادر أن يقودك.
ما أجمل قول إرميا النبي “أخيرا عرفت يا رب، أنه ليس للإنسان طريقه، ليس لإنسان يمشي أن يهدي خطواته”…
الذين عاشوا في حياة التسليم! ذاقوا أيضًا حياة الاختبار.
اختبروا الرب وذاقوه، فتقوي إيمانهم بالأكثر، لكي يدخلوا في حياة التسليم أعمق. حياة الاختبار تثبتهم في حياة التسليم. وحياة التسليم تقودهم كل يوم إلى اختبار جديد.. وفي كل ذلك يزدادون في الإيمان والثقة والإيمان يزيدهم تسليمًا. وتبقى الدائرة مستمرة…
عجيب هو الرب في قيادته للبشر، وفي قوله عن نفسه “اسمي عجيب” حقًا كل من يختبره، يجده عجيبًا.
يقول ليعقوب أبي الآباء “أنا معك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض” وسار يعقوب معتمدًا على وعد الرب …؟
الذي يحيا حياة التسليم، لايسأل ماذا يحدث غدًا“.
“الغد يهتم بما لنفسه”. الله هو المهتم بالغد، أنه ليس لك، وإنما له. ليس لك إلا لحظتك الحاضرة، وأترك الباقي للرب، وثق في حياة التسليم أنه سيدبره بكل حب وحكمة…
ألله يقودك خطوة خطوة، فلا تحمل هم نهاية الطريق…
بالتسليم تحيا في سلام. أما كثرة الإهتمامات فتتعبك…
سلم للرب كل همومك، إلق عليه همك وهو يعولك. هو يعتني بك. إلى متى تظل حاملًا همومًا تكسر ظهرك؟ إلقها على الله. أليس هو القائل “تعالوا إلى يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”.
الله الذي حمل أثقال العالم كله، من آدم حتى الآن، وإلى آخر الدهور، أكثير عليه أن يحمل همومك؟!
هناك إنسان يعيش في الكنيسة مضطربا يحمل همومها. إنه بدلًا من أن يترك الله يحمل همه، يحمل هو هموم الله، إن صح هذا التعبير… لماذا يا ابني تتعب نفسك؟ إن الله سيحملك، ويحمل الكنيسة، وكل همومها، دون أن تقلق…
حسن أن تختبر الرب، حينئذ تحكي لابنائك وأحفادك…
ليس إله الكتب، إنما إله الخبرة والعشرة والمذاقة، إله كل يوم، وكل لحظة، وكل حادث… الله الذي لم يتخل عن أولاده مطلقًا “أبي وأمي قد تركاني، وأما الرب فيضمني”… إن الذين لم يذوقوا الرب مساكين…
طفل يسلم يده لأبيه، ليجتاز به في زحام المواصلات، إنه لايخاف مطلقًا، لأنه يثق باليد التي تمسكه. كذلك الطفل الذي يلتصق بكتف أمه، يثق بأنه فوق كتفها في عمق الأمن والراحة…
هذا الطفل يعيش حياة التسليم، ليتنا نحن أيضًا نرجع إلى حياة الطفولة الروحية، في بساطتها وثقتها وتسليمها…
“إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت الله” ولن تصلوا إلى السلام والهدوء والسعادة…
عيشوا في حياة التسليم، ولاتجادلوا، ولاتشكوا.
طالما نحن متمسكين بتدابيرنا وأفكارنا، فسوف نتعب.
أحد القديسين تأمل في قول الرسول “تركنا كل شيء وتبعناك“. فقال إن تركنا كل شيء، هو تركنا لأهويتنا وإرادتنا.
أنا يارب سهرت الليل كله ولم أصطد شيئًا، لكني في حياة التسليم، على إسمك أُلقي الشبكة. وأنا واثق أنها ستمتلىء سمكًا. إن إله البحر سيملؤها.
ليت الكنيسة تسلم حياتها، لهذا الذي يقودها في موكب نصرته. الذي له كل مجد وقوة وبركة، آمين.
<hr size=2 width=”100%” align=center>
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السابع والثلاثون) 16-9-1977م



