تركت محبتك الأولى

كان موضوع تأملنا في العدد الماضي عن قول الرب
” عندي عليك، أنك تركت محبتك الأولى” ( الرؤيا 2 : 5 )
وذكرنا السبب الأول لترك المحبة الأولى، وهو التساهل مع الخطية، بعدم الاحتراس والتدقيق. نتابع حديثنا عن نفس الموضوع:
تركت محبتك الأولى
كثير من الناس تركوا محبتهم الأولى، وضلوا الطريق، لأنهم تركوا الاتضاع، فتركتهم النعمة، فسقطوا…
إن الإنسان الروحي يبدأ حياته مع الله بالاتضاع والانسحاق. يدخل إلى الكنيسة وله صورة العشار الذي وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، قارعًا صدره وهو يقول
“ارحمني يارب فأني خاطئ”…
ولكن ما أن يسير مع الرب خطوات، تحفظه فيها النعمة من السقوط، حتى ينسى خطيته… وما أن يأخذ قوة من الروح القدس، يعمل بها عملًا في الخدمة، حتى يحاربه الشيطان بالانتفاخ، ويحوله من صورة العشار إلى صورة الفريسي الذي قال: “أشكرك يارب أني لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة”.
وإذا ما أنتفخ الإنسان. أو فقد اتضاعه وانسحاقه، تتخلى عنه النعمة، حتى إذا ما سقط يشعر بضعفه، ويعود إلى اتضاعه.
أحتفظ يا أخي باتضاعك باستمرار، لأنك إن كبرت في عيني نفسك، أو كبرت في أعين الناس، أو ظننت أنك إجتزت مراحل التوبة، تصير حينئذ في خطر مما يأتي عليك.
الذي يسير في الطريق الروحي سيراً سليماً، هو الشخص الذي يشعر دائماً بضعفه. قلبه دائم الانسحاق، ودموعه على الدوام في عينيه، يطلب من الرب المغفرة، ويطلب منه المعونة. ولا ينسى ضعفاته مطلقاً.
الإنسان الذي ينسى ضعفاته، معرض للسقوط، والذي يظن أنه أقوى من الخطية، ما أسهل أن يقع فيها، لإن الكتاب يقول عن الخطية أنها ” طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء”.
أن الذي يتوب، ويقضي فترة في التوبة، فيظن أن الخطية لم يعد لها في حياته وجود، ولم يعد لها عليه قوة ولا سيطرة. هذا الشخص لا يعرف بعد ما هي حروب الشياطين، ولا يتذكر كيف أن جبابرة قد سقطوا، بعد إختيارهم حياة الشركة مع الروح القدس…
داود النبي والملك، الذي حل عليه روح الرب، وصار مسيحًا للرب، وصار مختارًا لله، وعملت قوة الرب فيه ومعه، سقط في وقت من الأوقات، وهو رجل الصلاة والمزامير…
لم يسقط داود هذا السقوط، حينما كان مذلولًا من شاول…
ضعيفاً ومسكيناً وعاجزاً عن حماية نفسه. وإنما سقط وهو قوي، يسكن القصور، يرسل الجيش للقتال، ويقف هو ليتفرج على السطوح!! لما تركه إتضاعه ولو قليلًا، أتته الخطية فوجدته غير محصن وغير مستعد.
إن شعرت بضعفك، تحل عليك قوة الله. أما إن شعرت بقوتك، فإن قوة الله تتركك إلى قوتك، لكي ما تتضع.
إذن، من أسباب السقوط، بعد الإنسان عن الإتضاع، بعده عن المسكنة الروحية، وعن حياة الدموع، وعن حياة التوبة…
يظن هذا المسكين أنه أجتاز مرحلة التوبة، ودخل في النقاوة والقداسة والبر، وسار في طريق الكمال، وبدأ في درجات الثيئوريا والدهش والإستعلانات الإلهية، ولم يعد محتاجًا إلى التوبة، بل هو يقود إليها الآخرين من الخطاة…
لا ياحبيبي، أن حياة التوية ينبغي أن تصاحبك طول عمرك. وأن حسبت أنك أكبر من الخطية، تكون ساقطاً في خطية الغرور.
والذي يعجب بذاته، يكون سقوطه سهلاً، والشياطين تقدر عليه، وأحياناً يأتي هذا الإعجاب بالذات من حياة الخدمة في الكنيسة.
كنت قديماً تدخل إلى الكنيسة، وأنت شاعر بأنك غير مستحق، تقف وأنت خجلان من نفسك، يخيل إليك أن كل الناس يتطلعون إليك بإستعجاب وهم يقولون “من أدخل هذا الغريب ههنا؟!”
أما الآن، فأنت خادم مرموق، تدخل الكنيسة في ثقة، كأحد قادتها، يخيل إليك أن الأنظار متجهة إليك، أنت الذي تتكلم، النعمة على شفتيك، ويعمل روح الله في قلبك وفي كلماتك! وكثيرون يعرفون الله عن طريقك! ولك في الكنيسة خدمة ومسئوليات!
ضاع إنسحاقك القديم، وأصبحت رجلًا كبيرًا من المسئولين، وجفت دموعك، وأصبحت ترفع صوتك، وتنتهر هذا وذاك، وتدبر وتدبر!
ولا مانع الآن من أن تدين هذا وذاك، وتحكم على هؤلاء وأولئك باسم الغيرة المقدسة على مصلحة الكنيسة، وفي وسط التدبير الحسن والإرادة والتعليم، لم تعد تتذكر خطاياك الأولى!
كنت قديماً مهتماً بخلاص نفسك، أما الأن فكل أهتمامك منحصر في الآخرين، وقد نسيت هذه النفس حتى جفت وبردت:…
كنت قديماً تجاهد لكي تتوب، أما الأن فتجاهد لكي تصير قدوة للآخرين ومثالًا.. كنت تنظر إلى الآخرين فتشتهي ما في حياتهم من الفضائل أما الآن فأنك تريد أن تكون درسًا، لكي يرى الناس أعمالك الصالحة، لكي يمجدوا أباهم الذي في السموات…
أهدافك الأن قد تغيرت، وصورتك أيضاً قد تغيرت. ليتك تضع أمامك قول الرب “طوبى للمساكين بالروح…” أتراك تعيش الأن في هذه الطوبى، أم تطلب تطويبات أخرى؟!
الذي يسلك في المسكنة بالروح، لا ينسى إحتراسه وتدقيقه، ولا ينسى ضعفاته ونقائصه، بل يضع خطيته أمامه كل حين، ويتذكر كيف سقط سليمان وهو أحكم أهل زمانه، وكيف سقط شمشون وقد حل عليه روح الرب قبلًا، وكيف ضعف أبونا إبراهيم وذكر عن سارة أنها أخته
لذلك أن جاءك شعور أنك قد تخلصت من خطاياك، قل أنا مازال في الموازين إلى فوق، وأحتاج إلى إحتراس المبتدئين.
هذا الشعور يملؤك بالحرارة الروحية، ويجعلك تسلك في حياة التدقيق، ويجعلك تصلي باستمرار لكي تنال معونة، ولكي يظلل الرب عليك بجناحيه وبهذا تحتفظ بحرارتك ومحبتك.
وإن عشت في حياة الإنسحاق، سوف لا تدين غيرك أبدًا، إذ أنك مشغول بخطاياك وليس بخطايا الناس، أذكر دائمًا أن إدانة الآخرين تبرد الحرارة الروحية.
إذا بدأت تدين غيرك، ظاناً أنه يسقط فيما تنزهت عنه نفسك، فأن نعمة الله تبعد عنك لكي تشعر بضعفك، وتتأكد أنه من الممكن جدًا أن تسقط في كل ما يسقط فيه غيرك، ذاتك لست أفضل من الساقطين. كل ما في الأمر أن الرب قد أبعد عنك بعض الحروب، بسبب ضعفك، أو أعطاك نصرة حتى لا تقع في اليأس وتضيع.
بدلاً من أن تقع في إدانة الأخرين، صلِ من أعماق قلبك، وقل أنقذني يارب وأنقذهم. فما أسهل أن أسقط في ما يسقطون فيه أن تخلت عني نعمتك أو أشتدت الحرب على.
وبهذا تحتفظ بحرارتك الروحية، وتنجو من الإدانة، وتنجو من الكبرياء ومن الزهو الداخلي، ولا تترك محبتك لهم : ولا محبتك لله. وفي شعورك بضعفك، تعينك النعمة الإلهية.
وفيما أنت تبني للملكوت، لا تنسى ذاتك، لا تظن أن الفضائل أمور تدرب عليها الآخرين من تلاميذك، وليس نفسك؟!
لا تكن مثل أيوب الصديق الذي قدم محروقات عن أبنائة، ولم يقدم عن نفسه، قائلاً “ربما أخطأ بني”. ولم يقل في قلبه : وربما أكون قد أخطأت أنا أيضًا، وأحتاج مثلهم إلى محرقة أو إلى محرقات!!
ما أكثر الذين ينسون أنفسهم، وسط إهتمامهم بالأخرين!
يظنون أن الخطية هي ما يرتكبه الناس، وليس ما يرتكبونه هم، وبهذا يفقدون حرارتهم وإنسحاقهم، وينسون خلاص أنفسهم، ويبعدون عن حياة الدموع، وعن الإهتمام بروحياتهم، وتبرد محبتهم الأولى فيسقطون..!
بل أحياناً فيما ينصب الإنسان نفسه قدوة للأخرين، يتحدث عن نفسه، وعن عمل الله فيه، ويقع في البر الذاتي، شعر أو لم يشعر!!
وبالحديث عن النفس يفقد الاتضاع والانسحاق، ويرتفع قلبه. يا أخي إن أردت أن تتحدث عن عمل الله، تحدث عن عمله مع الناس، ولا داعي أن تتكلم عن نفسك… إن بولس الرسول عندما شرح خبرته الروحية، “أعرف أنسانًا في المسيح يسوع…” ولم يقل أنا…
ما أخطر أن تتحدث عن نفسك، هذا الحديث يضرك، ويبرد روحياتك، وغالبية الذين تحدثوا عن أنفسهم سقطوا.
إن عبارة : أذهب حدث بكم صنع الرب بك، لم يقلها الرب عن الخبرات الروحية، وأنما في معجزات أو حوادث شفاء.
والحديث عن معجزة شفاء، لا يرفع القلب، لأنه عمل الله، أما الحديث عن الروحيات الخاصة والتوبة والإختبارات الروحية، فتظهر فيه الذات واضحة، مهما غلفت بكلام عن عمل النعمة… إنه أمر يبعد الإنسحاق والإتضاع، ويدخل الإنسان في دائرة البر مهما حاول الفريسي أن يبدأ حديثه عن فضائله بقوله “أشكرك يا الله، …” .
أحترس من حيل الشيطان لإسقاطك، ولا تظن أن حيله مكشوفة، لقد قيل عن الحية إنها كانت أحيل حيوانات البرية .
إن الخطية لا تأتيك كخطية، وإلا رفضتها، وإنما لا مانع أن تأتيك في شكل فضيلة، في ثياب الحملان، لكي تخدع بها..! يأتيك الأفتخار في صورة تمجيد الله، وبحجة تشجيع الناس، وبالتحدث عن النعمة!
لهذا إذا سرت في طريق الله، فلا تظن أنك وصلت إلى درجات فيه، بل أنكر ذاتك، وأنسى كل ما عملته…
إن بولس الرسول يقول ” لست أحسب أنى قد أدركت، أو نلت شيئاً… إنما أسعي لكي أدرك”..
فأن كان بولس الرسول ما يزال يسعي، فماذا عنك أنت… أعتقد أنك لم تبدأ بعد، ولم تسلك في الطريق بعد، فهذا الشعور يعطيك حماسًا للبدء وحماسًا للعمل .
كثير من القديسين كانوا يقولون أنهم لم يبدأوا بعد، كالقديس أرسانيوس الذي كان يصلي ويقول “أعطني يارب ابدأ” .
أحياناً نسمع إنسان يقول ” عندما بدأت طريقي مع الله منذ 10 سنين..”! لا يا أخي، من الأفضل أن تقول أنك تريد أن تبدأ… من قال أن تلك البداية التي تزعمها كانت بداية حقيقية..
وأن أردت أن تتحدث عن نفسك، تحدث عن خطاياك، فهذا أفضل من الحديث عن خبرتك الروحية.
لا تجعل حديثك مركز حول ذاتك، ففي حديثك عنها، تنسى محبتك لله ما بلغته ذاتك؟ لا شيء. ومن الأسباب التي تبرد روحياتك أيضاً، تغيير الصورة الروحية.
كان إهتمامك قديمًا، أن تجلس مع الله، تحبه وتصادقه وتعيش معه، وتسكن فيه وهو فيك، أما الآن فأصبحت تذكر كيف تريح ضميرك؟ ما معنى إراحة الضمير؟
هل هي مسألة ضمير، أم مسألة حب؟ هل أنت خائف من تبكيت الضمير، أم أنت مشتاق إلى محبة الله؟!.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخامس والأربعون) 11-11-1977م



