تأملات فى رومية 12 ج1 اختبروا أرادة الله -لا ترتئى فوق ما ينبغى

الفكرة الرئيسية
يتناول القديس البابا شنوده الثالث قول القديس بولس الرسول: «لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة»، موضحًا أن الإنسان ينبغي أن يبحث عن إرادة الله في حياته، لا أن يسلك بحسب إرادته الشخصية أو بحسب إرادة الناس.
ويؤكد أن معرفة إرادة الله تحتاج إلى الهدوء والصبر والفحص، لأن الاندفاع الشديد والسرعة قد يكونان نتيجة رغبة الإنسان الخاصة، وليس نتيجة قيادة الله.
ويشرح أن إرادة الله تتميز بالهدوء والتأني، وقد يكون طريقها أطول لكنه أكثر أمانًا، ولذلك ينبغي للإنسان أن يقول لله: لتكن مشيئتك لا مشيئتي.
كما يوضح الفرق بين إرادة الله وسماح الله، فليس كل أمر يحدث في الحياة دليلًا على أنه إرادة الله، إذ يسمح الله بأمور لا يريدها، بينما إرادته هي الخير والصلاح والخلاص.
ويؤكد البابا أن تجديد الذهن هو الطريق إلى اختبار إرادة الله، وأن الإنسان الروحي الذي لا يشاكل العالم يستطيع أن ينال استنارة وإفرازًا داخليًا يساعدانه على معرفة مشيئة الله.
الرسالة الروحية
ينتقل التعليم إلى التحذير من أن «يرتئي الإنسان فوق ما ينبغي»، أي أن يتجاوز قامته الروحية وإمكانياته وحدوده، أو يطلب لنفسه أمورًا روحية أكبر من مستواه. ويضرب البابا أمثلة بأشخاص يطلبون الرؤى والأحلام والإعلانات والمواهب الروحية غير المناسبة لهم، مما قد يجعلهم عرضة للخداع الروحي.
ويستشهد بأمثلة آدم وحواء وبابل وبطرس الرسول وأيوب، موضحًا أن الإنسان عندما يتطلع إلى ما هو فوق مستواه قد يسقط في الغرور أو الخطأ.
كما يحذر من أن يتحول الإنسان إلى شخص يريد إصلاح الجميع، فيتدخل فيما لا يخصه وينصب نفسه قائدًا أو معلمًا للآخرين دون أن يصلح نفسه أولًا.
والإصلاح والنصح ليسا مرفوضين، لكن يجب أن يكونا في حدود التعقل والحكمة، دون أن يتجاوز الإنسان دوره أو قامته.
ويبرز البابا أهمية التواضع في الاعتراف، لأن الإنسان الذي يظن أنه يفهم أكثر من أب اعترافه قد يحول الاعتراف إلى جدال ومناظرة بدلًا من أن يكون وسيلة للنمو الروحي.
الدرس التعليمي
يعلمنا هذا الجزء أن الحياة الروحية لا تقوم على القفز المفاجئ إلى درجات أعلى، بل على السير الهادئ خطوة بعد خطوة، بحسب ما يسمح به الله وما يناسب قامة الإنسان الروحية.
فالإنسان لا ينبغي أن يتشبث بتصميماته الخاصة، بل يعرض رغباته على الله ويترك له أن يثبت ما هو منه ويزيل ما ليس منه.
كما يمكن للإنسان أن يستشير أشخاصًا روحيين أصحاب معرفة وإفراز، حتى يساعدوه على التمييز بين إرادة الله ورغبات النفس أو تأثير الآخرين.
والتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ فتجديد الذهن يؤدي إلى تغيير السلوك والحياة الخارجية، أما التغيير الشكلي دون تغيير القلب فلا يدوم.
التطبيق العملي
التطبيق العملي هو أن يهدأ الإنسان قبل اتخاذ القرارات، ويفحص دوافعه، ويسأل نفسه: هل هذا ما أريده أنا، أم ما يريده الناس، أم هو بالفعل إرادة الله؟
وعليه أن يصلي ويعبد الله ويرجع إلى نفسه بالتوبة، لأن التوبة والقداسة والنمو الروحي كلها وسائل يتغير بها الإنسان ويتجدد ذهنه.
كما ينبغي أن يتعلم القناعة بقامته الروحية الحالية، وأن ينمو فيها تدريجيًا بدلًا من السعي وراء أمور أكبر من قدرته.
وفي النهاية، يؤكد البابا أن التغيير الروحي عملية مستمرة: ينتقل الإنسان من الشر إلى الصلاح، ومن الصلاح إلى الأفضل، ثم إلى الكمال، في تجديد مستمر للذهن والحياة.




