الوصايا العشر – الكتاب الثالث – الوصية السادسة – لا تقتل

| الكتاب | الوصايا العشر – الكتاب الثالث – الوصية السادسة – لا تقتل |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1977م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 2586/ 1977م |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
تصدير
تصدير
لم تكن الوصايا العشر، وصايا خاصة بزمن موسى النبي، ولا بالعهد القديم فقط، إنما هي خاصة بكل جيل لأن السماء والأرض تزولان، وحرف واحد من وصايا الله لا يزول (مت5: 18).
إنما المسيحية أعطت الوصايا العشر مفهومًا خاصًا، يتفق مع السمو الذي فهمه المؤمنون في العهد الجديد. وبقيت الوصايا ثابتة، ولكن مفهومها يتسع، حبّ يمنح الله بنعمته مجالاً للتأمل. وما أصدق قول داود النبي: "لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا" (مز119: 96).
وقد ألقيت هذه المحاضرات سنة 1967م، ونشرناها أكثر من مرة، وها نحن نُعيد طبعها كما ألقيت وقتذاك.
شنوده الثالث
1 يوليو 1980م (24 بؤونة)
عيد القديس موسى الأسود
مقـــــدمة
مقـــــدمة
لعل البعض منكم يسأل متعجبًا: وما شأننا نحن بوصية "لا تقتل"؟ وهو في ذلك يظن أن هذه الوصية خاصة بالمجرمين أو السفاحين أو سافكي الدماء، وليست خاصة به هو! ونحن نريد الآن بمعونة الله أن نعرف أهمية هذه الوصية بالنسبة لكل منا شخصيًا.
نريد أن نعرف أيها الأخ الحبيب ما دخل هذه الوصية في حياتك؟ وهل أنت حقًا لم تكسر هذه الوصية في يوم ما؟ أليس من الجائز أن تكون قد كسرتها وأنت لا تدري؟!
ولكن قبل أن نفحص هذه النقطة نريد أن نتعرض لمسألة أخرى وهي: هل أمر الله بالنهي عن القتل بصفة مطلقة. أم هناك أنواع من القتل قد صرح بها الرب ولا تدخل في نطاق الخطيئة؟
الفصل الأول القتل المُباح
إن الله الذي أعطانا هذه الوصية قائلًا: "لاَ تَقْتُلْ"، قد صرح بنفسه بالقتل في حالات معينة. بل نقول أكثر من هذا إنه لم يصرح فقط بل أمر أمرًا.
إذ قيل جعل القتل عقوبة واجبة التنفيذ على من يقترف بعض الذنوب. ولا نبالغ إذا قلنا إن جميع الوصايا السبع الأولى، كل من يكسر واحدة منها كانت عقوبته القتل.
القتل عقوبة كسر الوصايا...
القتل عقوبة كسر الوصايا
مثال ذلك كسر الوصية السابعة التي تقول: "لاَ تَزْنِ" فإن الشريعة كانت تأمر بأن "يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ" (لا20: 10- 16). وعن مثل هذه الوصية تكلم الكتبة والفريسيون مع السيد المسيح عن المرأة الزانية قائلين له: "وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ" (يو8: 5).
وكسر الوصية السادسة: "لاَ تَقْتُلْ" كانت عقوبته القتل أيضًا، سواء كان قتلًا بغدر (خر21: 14)، أو كان ضربًا أفضى إلى الموت (خر21: 12)، أو كان قتلًا غير مباشر: كأن يترك إنسان ثوره النطاح طليقًا فيقتل إنسانًا "فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ وَصَاحِبُهُ أَيْضًا يُقْتَلُ" (خر21: 29).
ومن يكسر الوصية الخامسة كانت عقوبته القتل أيضًا. وهكذا قالت الشريعة: "مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً... وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً" (خر21: 15، 17).
وكسر الوصية الرابعة الخاصة بحفظ السبت كانت عقوبته القتل أيضًا. وفي ذلك تقول الشريعة: "كُلُّ مَنْ صَنَعَ عَمَلاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ يُقْتَلُ قَتْلاً" (خر31: 15).
وكسر الوصية الثالثة بالتجديف على اسم الرب كانت عقوبته القتل أيضًا. وفي ذلك تقول الشريعة: "وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ"... يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْمًا. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ" (لا24: 16). وقد حُكم على نابوت اليزرعيلي بالموت نتيجة لهذه التهمة التي اتهم بها ظلمًا (1مل21: 13). وبهذه التهمة حكم قيافا على السيد المسيح ظلمًا بالموت وشقّ ثيابه قائلًا: "قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟" (مت26: 65).
وكسر الوصيتين الأولى والثانية الخاصتين بعبادة الله وحده، كانت عقوبته الموت.
فكان الله يأمر بقتل الوثنيين وإبادتهم. وكان يأمر بقتل من يذبح لآلهة غير الرب وحده (خر22: 20). وقد قتل إيليا النبي جميع أنبياء البعل (1مل18: 40). وكل من كان يزيغ إنسانًا عن عبادة الله كان يُقتل (تث13: 5، 9، 15). حتى إن كانت مدينة كانت تقتل بأثرها وفي ذلك يقول الكتاب: "فَضَرْبًا تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُلَّ أَمْتِعَتِهَا إِلَى وَسَطِ سَاحَتِهَا، وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ الْمَدِينَةَ وَكُلَّ أَمْتِعَتِهَا كَامِلَةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ، فَتَكُونُ تَلاًّ إِلَى الأَبَدِ لاَ تُبْنَى بَعْدُ" (تث13: 15، 16).
وكما كانت تباد الوثنية في القديم، كان يباد أيضًا ناشروها ومشعوذوها كالسحرة والعرافين. ومن أمثلة ذلك يقول الرب: "لاَ تَدَعْ سَاحِرَةً تَعِيشُ" (خر22: 18) ويقول أيضًا: "إِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ" (لا20: 27).
ومن أحكام القتل أيضًا، كان يحكم بالقتل على من يسرق إنسانًا ويبيعه. (خر21: 16).
كان قتل أولئك الخطاة جميعًا ليس شرًا على الإطلاق، ولا يدخل في نطاق الوصية السادسة. بل كانت مخالفة الأوامر في إبادة هؤلاء الأشرار هي الخطيئة التي تغضب الله.
ونقول هذا بالنسبة إلى العهد القديم حينما كانت الوثنية والشر خطرًا يهدد الإيمان بالفناء. أما في المسيحية فلم يعد أحد من كل هؤلاء يُقتل أو يُرجم. ما عدا القاتل الذي ما يزال يطارده قول السيد المسيح نفسه: "الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت26: 52).
حق الله في القتل...
حق الله في القتل
إذًا وصية لا تقتل لا تعني أن الله قد حرّم القتل عمومًا. فبالإضافة إلى أمره بقتل الخطاة الذين ذكرناهم، كان يأمر أيضًا بإبادة الشعوب الوثنية لئلا تؤثر على الدين ذاته. كما كان يسمح بالحروب لإبادة هؤلاء الوثنيين. وكان يصرح بالقتل في تلك الحروب على شرط أن تكون بأمر من الله نفسه. فإذا دخلوا في حرب بمشيئتهم الخاصة دون أمر من الله ودون توجيه منه، فإن تلك الحروب لا تكون حسب مشيئة الله.
والحكمة في ذلك أن الله هو صاحب الأرواح جميعًا، ومن حقه أن ينهي حياة الناس في أي وقت يشاء، وبأي طريقة يشاء. فإذا شاء أن تنتهي حياتهم بموت طبيعي، أو بمرض، أو بنار ينزلها من السماء، أو بطوفان، أو بأن يُقتلوا بأيدي أعدائهم، فهو حرّ ينهي حياة الناس كيفما شاء بالطريقة التي يريدها هو.
حقّ الدولة في القتل...
حقّ الدولة في القتل...
إذًا وصية "لاَ تَقْتُلْ" كانت وصية للمعاملات الفردية، ولكن جماعة المؤمنين عمومًا وقت ذاك، أو الدولة حاليًا كدولة، لها الحق أن تقتل في نطاق القانون. فإذا وجد شخص مجرم، من حق الدولة أن تحكم عليه بالإعدام وتقتله، ولا تكون بفعلها هذا قد كسرت الوصية السادسة. لأن الله يأمر بقتل القاتل إذ قال: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 6). وقد قال السيد المسيح لبطرس "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت26: 52). فعندما يُقتل أمثال هؤلاء السفاحون لا يكون هذا القتل منافيًا للوصية السادسة بل هو تنفيذ لأمر الله فيهم. وفي ذلك صرح بولس الرسول بأن السلطان: "لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا" (رو13: 4). "إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ".
هذا نقوله عن حق الدولة أو حق السلطان. ولكن هذا الكلام لا يصلح للمعاملات الفردية.
قتل الحيوانات والحشرات...
قتل الحيوانات والحشرات...
إن بعضًا من الحساسين جدًا كانوا ينفذون وصية "لاَ تَقْتُلْ" حتى بالنسبة للحشرات والحيوانات!! وحتى الآن نجد أن كثيرًا من البراهميين في الهند يتأذى ضميرهم إذا داسوا على حشرة في الطريق فماتت.
لكن وصية "لاَ تَقْتُلْ" لا تعني الحشرات. لأن هناك حشرات ضارة يمكن أن تقتل الإنسان كالحيات والعقارب التي أعطانا الرب سلطانًا أن ندوسها. وهناك حشرات يمكن أن تقتل ما يعتمد عليه الإنسان في معيشته مثل دودة القطن مثلًا. وحياة الإنسان أهم عند الله والناس من حياة الحشرات. لذلك ليس حقًا فقط بل هو واجب أن نقتل الحشرات إنقاذًا لحياة الإنسان الذي هو صورة الله.
لا يصح أن يتأذى أحد إذا قتل حشرة من الحشرات بل إنه في بعض المؤسسات الصحية لافتات يُكتب فيها اقتلوا الذباب قبل أن يقتلكم. فالحشرات ليست حياتها أهم من حياة الإنسان الذي خُلق على صورة الله والذي مات السيد المسيح عنه.
يمكننا إذًا أن نقتل الحشرات والحيوانات المفترسة، ليس فقط بسبب أذيتها، وإنما أيضًا في محيط التجارب العلمية. وفي كليات الطب والصيدلة والعلوم يقومون بتشريح الضفادع والأرانب وغيرها من الكائنات الحية لأسباب علمية نافعة للبشرية، ولا يكون في ذلك شيء من الخطأ.
وبالإضافة إلى اتقاء أذية الحيوان، وإلى الانتفاع به علميًا، يمكننا ذبح الحيوانات لأجل أكلها. وقد صرح الرب بهذا بعد الطوفان فقال: "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ..." (تك9: 3).
الرفق بالحيوان...
الرفق بالحيوان...
ولكني أحب أن أضع أمامكم تحذيرًا خاصًا فعلى الرغم من أن الله أعطانا سلطانًا على الحيوانات، وعلى الرغم من أنه صرح لنا بقتلها لاتقاء أذيتها وللأسباب العلمية وللطعام، إلا أنه من الخطأ طبعًا أن نستخدم هذا السلطان بطريقة منحرفة، فلا يصح أن نقتل الحيوانات بدون داعٍ لذلك، وبخاصة إن كانت من الحيوانات الأليفة الهادئة، كإنسان يعذب حيوانًا بدون داعٍ، ويدل بهذا على قساوة قلبه وعدم رحمته، أو كولد صغير يمسك بقطة أليفة ويلهو بها بطريقة فيها شيء من التعذيب. كل هذا خطأ لأنه بدون مبرر يريح الضمير. وبدون داعٍ ملزم.
لذلك وجدت جمعيات الرفق بالحيوان التي تدعو إلى الشفقة على الحيوانات وإلى العناية بها في مرضها وتعبها. بل وجدت كلية خاصة بالطب البيطري في جامعاتنا لمعالجة الحيوانات وإنقاذها من المرض والموت والعناية بها من كل ناحية.
والله نفسه يريدنا أن نهتم بالحيوانات ونرحمها. والشخص الذي يشفق على الحيوان فلا يؤذيه، بالحري جدًا يشفق على الإنسان فلا يؤذيه. إن الشخص الذي له حساسية ورأفة في قلبه، لا تسمح له عاطفته أن يؤذي إنسانًا أو حيوانًا. ما أجمل قول الكتاب: "الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ" (أم12: 10).
وهناك وصايا كثيرة من أجل العناية بالحيوانات...
ففي سفر التثنية (22: 10) قال الرب: "لاَ تَحْرُثْ عَلَى ثَوْرٍ وَحِمَارٍ مَعًا" وكان يقصد بهذا الرفق بالحمار الذي لا يحتمل أن يجاري قوة الثور. وفي وسط تمسك الفريسيين بحفظ السبت صرح بأنه إذا سقط لإنسان خروف فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ (مت12: 11). وظهر رفق أبينا يعقوب بغنمه وبقرة فأمر ألا يسْتَكَدُّوهَا في الطريق (تك33: 13). وقد قال الرب أيضًا: "لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا" (تث25: 4) (1تي5: 18) (1كو9: 9).
ومن أمثلة رفق ربنا يسوع المسيح بالحيوان سفره إلى أورشليم على أتان وجحش ابن أتان لكي يريح كلًا منهما فترة في الطريق أثناء ركوبه للحيوان الآخر.
هذا هو إلهنا الشفوق الذي يعطي طيور السماء طعامها دون أن تجمع ولا تحصد (مت6: 26). وأيضًا "الْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا ولِفِراخِ الغِرْبانِ الَّتي تَدْعوهُ" (مز147: 9) هذه الطيور التي لا يسقط واحد منها دون إذنه (مت10: 29).
ومن شفقة الله على الحيوانات أنه أمر بإراحتها في يوم السبت فقال: "لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلاً مَّا أَنْتَ... وَثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ وَكُلُّ بَهَائِمِكَ" (تث5: 14). وهكذا ينبغي أن تريح حيوانك حتى لا تقتله بكثرة العمل وعدم الراحة. فإذا قتلته، تخسر أنت، وتدل بهذا على إنك شخص بعيد عن الرحمة.
إذًا وصية "لاَ تَقْتُلْ" إذا طبقت من جهة الحيوانات والحشرات ينبغي أن يكون ذلك بحكمة.
الفصل الثاني أهمية هذه الوصية
الفصل الثاني أهمية هذه الوصية
كل خطية نخطئ بها إلى إنسان، إنما نسيء بها إليه في شيء معين منه. أما بالقتل فنقضي على الإنسان كله وننهي حياته الأرضية. إنها خطيئة تمس حياة الإنسان نفسه. وخطورتها أن حياة الإنسان ليست ملكه، وإنما ملك الله، وهو الذي بيده المصائر. ولا يستطيع إنسان أن يأخذ موضع الله ويتصرف في مصائر الناس. ويمسك بيده مفاتيح الحياة والموت.
وأيضًا خطيئة القتل لها خطورتها لأنها عمل لا يمكن أن يعالج ولا يمكن أن يرد. من الجائز أن تعوض إنسانًا عن خسائر سببتها له، ومن الجائز أن تعتذر إلى إنسان عن إهانة جرحته بها، ويمكنك أن ترد إليه كرامته واعتباره. أما قتل الإنسان فلا يمكن أن يعالج. ولا تستطيع أن ترد إليه الحياة التي سلبتها منه.
وتزداد الخطية خطورة إذا قتلت إنسانًا فأنهيت حياته قبل أن يتوب، ولم تعد له فرصة يستعد فيها لأبديته. فتكون قد قتلته روحًا وجسدًا، الآن وإلى الأبد، وألقيت به إلى الجحيم... أي شر هذا...؟!
يضاف إلى هذا أن القاتل في نفس الوقت يكون قد قتل نفسه شخصيًا لارتكاب خطية تؤدي إلى هلاكه هو.
هذا عن قتل الخطاة. أما قتل شخص بار فإنه خطر أيضًا جدًا، لأن معناه منع النفع الذي كان يأتي منه كعضو في المجتمع. لذلك كلما كان المقتول نافعًا، زادت المسئولية فيه. فقتل إنسان هو جريمة. وحرمان المجتمع من نفع عام يصدر عن شخص بار، هو جريمة أخرى غير جريمة القتل تتسع بقدر عدد المنتفعين منه، وبقدر عمق الفائدة التي تصدر عنه.
لذلك كان قتل الأنبياء والمرسلين هو جريمة كبيرة، وهكذا وبخ السيد المسيح أورشليم "قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا" "قائلًا لأهلها: "يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ" (مت 23: 37، 35). إن عبارة "كل دم ذكي" تظهر لنا خطورة سفك الدم الذكي.
عندما قُتل هابيل البار، قال الرب لقايين: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10). إن هابيل لم يشتك، ولكن العدل الإلهي وقف يطلب حقوقه. لأن الله لا يترك دمًا يسفك دون أن ينتقم له.
ما أعجب الرب الإله! لم ينتقم لدم هابيل البار، بل حتى لدم قايين الشرير القاتل.
فعندما قال له قايين: "إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي"، قال له الرب: "لِذلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ». وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (تك4: 14، 15).
نقول هذا لئلا يظن البعض أنه إذا قتل إنسان شريرًا فلا خطيئة عليه!!
كلا، فالقتل عمومًا خطيئة خطيرة سواء أكان المقتول بارًا أم شريرًا. ولكن قتل البار أفظع وأشنع إذ لا يوجد سبب لقتله وفيه تنضم إلى خطيئة القتل خطيئة الظلم، وخطيئة حرمان المجتمع من نفع هذا البار، وخطيئة عدم احترام القديسين وعدم الخوف من إلههم...
إن الله لا يترك الدم بدون نقمة. حتى الأبرار الذين قتلوا غيرهم، الرب انتقم منهم.
داود النبي لم يعفه الرب من عقوبة جريمة القتل، فمنعه من بناء الهيكل. ولم يسمح له بذلك الشرف العظيم، لأن يديه تلوثتا بالدم من قبل. وقد ذكر داود هذا الأمر عندما قال: "فَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: قَدْ سَفَكْتَ دَمًا كَثِيرًا وَعَمِلْتَ حُرُوبًا عَظِيمَةً، فَلاَ تَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي لأَنَّكَ سَفَكْتَ دِمَاءً كَثِيرَةً عَلَى الأَرْضِ أَمَامِي" (1أخ22: 8).
هكذا فعل الرب مع داود الذي كان يحبه الرب والذي قال عنه: "وَجَدْتُ دَاوُدَ... رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي" (أع13: 22)، والذي كان يتشفع به سليمان قائلًا: "مِنْ أجْلِ داوُدَ عَبدِكَ، لا تَردَّ وَجْهكَ عَنْ مَسيحِكَ" (مز132: 10)، والذي من أجله كان يصنع الرب مراحم كثيرة قائلًا في كل منها: "من أجل داود عبدي". ولكنه بسبب الدم مُنع من بناء الهيكل، وبناه سليمان الذي كان عهده عهد سلام.
ولم يكتف الرب بهذا وإنما جعل الدم أيضًا في بيت داود، وقامت بينه وبين ابنه أبشالوم حرب كبيرة سفكت فيها دماء كثيرة.
إن الله ينتقم للمقتولين. لذلك فالذين ينتقمون لقتلاهم إنما هم يتعجلون الأمور ويضعون على أنفسهم ثقلًا لا داع له. "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 19). فالله لا يترك دم القتيل بدون انتقام. حتى الشهداء وعدهم الله بأنه سينتقم لدمائهم عندما يكمل إخوتهم الذين على الأرض جهادهم (رؤ6: 11)...
هناك أشخاص مساكين يحاولون أن يبرروا ذاتهم من الدم الذي يلاحقهم! مثل بيلاطس الذي ظل يغسل يديه دون أن يترك الدم يديه. مهما حاول تبرير ذاته قائلًا: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ" (مت27: 24) فإن دم ذلك البار ظل لاصقًا به إلى الأبد.
الفصل الثالث أنواع من القتل
الفصل الثالث أنواع من القتل
وصية "لاَ تَقْتُلْ" وصية لها تفصيلات كثيرة، فعندما يقول الله لا تقتل يقصد: لا تقتل غيرك، وأيضًا لا تقتل نفسك. فينطبق على النفس ما ينطبق على الغير. ويقصد أيضًا كل نوع من أنواع القتل.
فإن كانت كل خطية يمكن أن تكون خطيئة بالعمل، أو خطيئة بالفكر، أو بالحس، أو بالقول... فيمكن أن ينطبق هذا أيضًا على خطيئة القتل. فهناك قتل بالفكر، وهناك قتل بالنية، برغبة القلب من الداخل. وفي هذا نرى التشريع الإلهي أوسع بكثير من التشريعات المدنية، فالقانون الجنائي يعاقب على القتل بالفعل أو على الشروع الفعلي في القتل، ولكنه لا يمكن أن يعاقب على فكرة في العقل أو نية في القلب. مثل هذا الإنسان لا يمكن أن تحاكمه محكمة في العالم، لكن يحاكمه الله.
هناك أيضًا قتل جزئي وقتل كلي. وهناك قتل جسدي وقتل آخر للمعنويات، وقتل أدبي للسمعة... إلخ. وهناك قتل مباشر وقتل غير مباشر... وهناك قتل تقع فيه المسئولية على شخص واحد وقتل آخر بالاشتراك.
وهناك قتل للروح يقذف بالروح إلى جهنم، وإن بدا الجسد سليمًا لم ينله ضرر...
الحرب والقتل
الحرب والقتل
هل الحرب تدخل في نطاق الوصية السادسة التي تقول: "لاَ تَقْتُلْ"؟
نجيب على هذا بأنه إذا كان قتل الفرد أمرًا ينهي عنه الله، فمن باب أولى ينهي الله عن قتل المجموعات المتعددة...
وهكذا تكون الأسلحة المدمرة المخربة هي أسلحة ضد الوصية السادسة. إنه لمن المخجل حقًا أن يستخدم الإنسان مواهبه وعلمه وعقله وذكاءه في التخريب وفي القتل والإيذاء، بينما أن ملايين الملايين من الجنيهات التي تنفق على الحروب لو صرفت في نفع البشرية لأتت بخير كثير!
وإن كانت الحرب شرًا، ولا يوافق عليها الله إلا إن كانت بأمره أو بإذنه أو بإرشاده. فمن باب أولى الحرب العدوانية التي يظهر فيها جانب الاعتداء والظلم.
إن الله يسمح أن يدافع الإنسان عن نفسه. فالحرب إذا كانت دفاعًا عن النفس. أو حماية لصالح المجموعة، فإن الله يوافق عليها بالنسبة للمجموعة لحماية الأفراد. وإن كانت في حد ذاتها مكروهة عمومًا عند الله الذي يريد أن تنتشر المحبة والسلام بين الناس.
أما الحرب العدوانية فتدخل ولا شك في نطاق الوصية السادسة "لاَ تَقْتُلْ". ولذلك فإنه بعد الحرب العالمية الثانية أقيمت محاكم دولية لمحاكمة "مجرمي الحرب". لأنهم رأوا أن بعض القادة كانوا مجرمين في حقّ البشرية جميعًا. لمسئوليتهم عن تلك الحرب التي تسببوا بها في قتل وتشويه وتشريد عدد كبير من الناس بدون مبرر وبدون داع وقد قال الله: "لاَ تَقْتُلْ".
لذلك كله وضعت الدول قوانينًا للحرب للحد من خطورة قتل الأنفس فيها، وللتخفيف من الوحشية والبشاعة في الحروب. فهناك قوانين لمنع أسلحة معينة قاتلة أو مشوهة أو مدمرة، ولا يتفق استعمالها مع روح الإنسانية. وقوانين أخرى لمنع الاعتداء على المستشفيات وعلى المدنيين والمؤسسات الإنسانية وحفظ وتنظيم ما يتعلق بأسرى الحرب غير المقاتلين. وكذلك لا تبيح الإنسانية في الحروب التعرض للأطفال والنساء ودور العبادة والكهنة والرهبان والمرضى والكهول.
كل ذلك لمجرد التخفيف من ويلات الحرب التي هي عملية قتل جماعية يتفق الجميع على الرغبة في التخلص منها.
ويمكن أن ندخل في نطاق الحروب ما يدخل في بعض البلاد تحت عنوان المبارزة، وقد كانت منتشرة في العصور الوسطي وإلى عهد قريب في بعض البلاد، إذ يقف اثنان متنافسان للمبارزة بالسيف أو المسدسات. وغالبًا ما يموت أحد المتبارزين، يقتله زميله الآخر، بشهادة حكم بينهما. والعجيب أن هذا القاتل ينظر إليه المجتمع كرجل شريف قوي محترم ومهاب من الجميع!! وهو في حقيقة الأمر مجرم سافك لدم أخيه، قد كسر علانية وبشهادة شهود الوصية السادسة.
القتل بالتعقيم...
القتل بالتعقيم...
إن التعقيم هو عملية يقصد بها إصابة الإنسان بالعقم ليُمنع من الإنجاب في المستقبل وتحمل ضمنًا إنهاء لتناسله. وقد استخدمت في بعض الأوقات ضد الزنوج والعبيد في بعض البلاد لإبادتهم. ولا شك أن ذلك كان في صميمه عملية قتل جماعية لإبادة جنس معين.
وأحيانًا يستخدم الإخصاء بدلًا من التعقيم ويؤدي إلى نفس النتيجة.
وهذه ناحية من نواحي استبداد الشعوب المتمدنة بالأجناس غير المتمدنة. والعمل على إفناء تلك الأجناس بالحروب أو بالقتل أو بالتعقيم أو بالإخصاء. وكل ذلك يدخل في نطاق الوصية السادسة. ونحن نعلم أن الجنس الأسترالي الأصلي مثلًا قد أُبيد تمامًا من العالم في أواخر القرن الماضي.
الإجهَـــاض
الإجهَـــاض
إن الإجهاض هو عملية قتل لجنين، لمخلوق حيّ وإن كان لم يولد بعد، ولكنه نفس لا نملك حقّ التصرف فيها.
والإجهاض على نوعين: نوع مقصود، ونوع غير مقصود.
أما النوع المقصود فهو أن تتعمد امرأة أو يتعمد أهلها أو أصحابها إسقاط الجنين من بطنها. وقد يكون ذلك بطرق طبية يتحمل فيها الطبيب جزءًا من المسئولية، ويعتبر شريكًا أساسيًا في هذا القتل. أو قد يكون الإجهاض بطرق أخرى خاصة تعرفها النساء. وفي هذا النوع تكون المسئولية على المرأة واضحة.
على أن الهدف من إسقاط الجنين قد يحدد مقدار المسئولية فربما يكون الإجهاض خطية لستر خطية أخرى. وقد يظن المشتركون فيه أنهم فعلوا خيرًا لمنع فضيحة، ولكنهم في الحقيقة قد اشتركوا في جريمة قتل. وقد يكون سبب الإجهاض هو عدم رغبة المرأة في النسل وهذا لا يعفيها من وزر القتل.
أو قد يكون سبب الإجهاض هو الخوف على صحة الأم إذا كانت الولادة تهدد حياتها بالموت. ويرى الأطباء أن إنقاذ الأم يستلزم تضحية معينة يفتديها فيها هذا الجنين ولذلك يبررون هذا الإجهاض بأنه نفس تموت عن نفس. والمسألة موضع بحث في توضيح مدى المسئولية.
أما النوع غير المقصود فهو أن الأم تهمل إهمالًا يؤدي إلى قتل الجنين. إذ قد تجهد نفسها فوق طاقتها ويؤدي الإجهاد إلى إجهاض فتسقط ما في بطنها.
وقد يشترك في مسئولية هذا النوع من الإجهاض أو من الإسقاط صاحب العمل الذي يرهق موظفة أو عاملة حامل غير مراع ما تستلزمه صحتها في شهور الحمل. فإذا أدى هذا الإرهاق المفروض عليها من صاحب العمل إلى إسقاط جنينها، فإنه لا ينجو من مسئولية عمله، ويدخل في نطاق الوصية السادسة.
وقد تقع هذه المسئولية في الإسقاط على الزوج إذا لم يبال بصحة زوجته الحامل وتسبب في إسقاطها.
القتل بالنيّة والفكر
القتل بالنيّة والفكر
قد لا يقتل شخص إنسانًا آخر قتلًا فعليًا، ولكنه يقتله بالفكر، فيجلس ليفكر كيف يمكنه أن يميت هذا الإنسان ويتخيل موته على يديه، أو تحريضه لأناس آخرين ليقتلوه. وينتهي بتفكيره إلى أن يراه بالخيال مقتولًا أمامه، فيستريح لذلك ويبتهج. هذا قتل بالفكر له مسئوليته الروحية، كالزنى بالفكر والسرقة بالفكر إلخ...
والإنسان يحاسب على هذا النوع من القتل بالفكر، حتى لو كان صاحبه لا يعزم إطلاقًا بأية صورة أن يقتل هذا الشخص بالفعل. وإنما على الأقل هذا الأمر يتنافى مع المحبة ومع المغفرة ومع طلب الخير للآخرين. وقد لا يفكر إنسان في قتل أخيه الإنسان، ولكنه مع ذلك يتمنى موته أو يفرح عند موته. فهو يشتهي له الموت سواء بواسطته أو بواسطة غيره، أو أن يطلب أن يقوم له الرب بهذا العمل. وفي هذا كله يكون قد أخطأ بالنية وبالقلب.
ويدخل في هذا النوع من القتل البغضة. وفي ذلك يقول معلمنا يوحنا الرسول: "كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ" (1يو3: 15). أنجرؤ بعد هذا أن نقول إن الوصية السادسة بعيدة عن مجالنا، وأنها خاصة فقط بالسفاحين وبالقتلة؟!
ونرى أن السيد الرب ادخل الغضب في مجال هذه الخطية فقال في عظته على الجبل: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (مت5: 21، 22).
على أية الحالات إن الغضب والبغضة هما من النواحي السلبية. وتتمادى وصية لا تقتل في الناحية الإيجابية، حتى تصل بك إلى المحبة. وإذا أحببت أخاك، لا يمكن أن تقتله أو تفكر في قتله. أو حتى في إيذائه والإضرار به...
القتل المعنوي
القتل المعنوي
ليس القتل قاصرًا فقط على الجسد، بل هناك قتل معنوي ينصب على شخصية الإنسان، وهو على أنواع:
فمثلًا عمليات التشهير، وإضاعة سمعة الإنسان وقيمته الأدبية ومركزه الاجتماعي وسط الناس، كل هذه يمكن أن نسميها بالقتل الأدبي.
فإذا تناولت شخصية إنسان، وشرحته تشريحًا بطريقة علنية، بحيث يسقط من عيون الناس، تكون ولا شك قد قتلته أدبيًا، وحتى في التعبير الدارج يستخدم هذا المعنى، فيقال عن شخص ما: "ده انتهى خلاص، فلان حطمه، مسحه، لا يمكن أن تقوم له قائمة بعد الآن"... ويمكن أن يدخل في هذا النطاق النقد الجارح القاسي...
نقطة أخرى، هي قتل الشخصية: يمكن لأب قاس أن يلغي شخصية ابنه، أو يحطم شخصيته بحيث ينشأ معدوم الشخصية لا يستطيع أن يتصرف في شيء. ومثل هذا التصرف قد يفعله زوج مستبد مع امرأته، أو رئيس عمل مع مرؤوسيه.
يحدث ذلك عن طريق سوء المعاملة، أو تثبيط الهمة باستمرار، أو إشعار الإنسان في كل مجال أنه عاجز وفاشل ولا يصلح لشيء، وعدم إعطائه فرصة لإنماء شخصيته وتحطيم معنوياته حتى يفشل ويخور. كل هذا قتل معنوي...
القتل الجزئي
القتل الجزئي
في هذا النطاق يدخل الاعتداء الجسدي، والضرب، والإيذاء، والتعذيب، والتشويه.
فمن الجائز أن إنسانًا يعتدي على آخر فيحدث به عاهة مستديمة: يفقده عينًا، أو يكسر له رجلًا، أو يشوه وجهه... إلخ. كل هذا يدخل في نطاق القتل الجزئي، لأن جزءًا من الإنسان قد تم قتله فعلًا.
والضرب عمومًا يدخل في نطاق الوصية السادسة. وفي الصعيد نجد عبارة: "فلان قتلني" معناها (ضربني). وحتى في اللغة العربية نقول: "تقاتل فلان وفلان" بمعنى تضاربا أو تحاربا... فالضرب يدخل في هذه الوصية، سواء أكان ضربًا شديدًا أفضى إلى قتل، أو إلى عاهة، أو مجرد ضرب... والكتاب المقدس يمنع أمثال هذا الضرب...
وإن تدرجنا بهذه الوصية تدرجًا طبيعيًا في هذا المجال، نصل إلى أن كل اعتداء وكل إيذاء يدخل في نطاق الوصية السادسة. حتى لو كان مجرد جرح لشعور... ولعله من أجل هذا نجد أن السيد المسيح في العظة على الجبل، عندما عرض لوصية "لاَ تَقْتُلْ"، ادخل في أحكامها "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا"، "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ" (مت5: 22).
وعمليًا إن من يعكر دم إنسان بإهانة، يحدث فيه قتلًا جزئيًا عن طريق عمليات هدم خلايا وكرات دموية داخل جسده...
الفصل الرابع القتل غير المباشر - قتل الأعصاب
الفصل الرابع القتل غير المباشر
قتل الأعصاب
يوجد قتل غير مباشر، مثل قتل الأعصاب، أو الإغاظة، كأن تتعب شخصًا مثلًا وتثيره، حتى لا تقوى أعصابه على الاحتمال فيثور، أو يغلي في داخل نفسه، وتظل الأفكار تتعبه من الداخل، والحزن والألم والغيظ يعكر دمه. وربما يمرض. ومن الجائز ضغطه يرتفع، أو يصاب بذبحة صدرية أو أي مرض آخر، وربما يلازم الفراش ويموت. نتيجة لما فعلته أنت فيه. وقد تصلي أنت عليه! أو تمشي في جنازته. وتعزي فيه! وتكون أنت قاتله بالحقيقة، ولا تكون مطلقًا بريئًا من دمه...
هل تظن القتل يا أخي معناه أن تطعن إنسانًا بسكين أو تضربه بالرصاص أو ما شاكل ذلك؟! كلا، ما أسهل أن تقول له كلمة موجعة، أو تحطم نفسه بتصرف ما فيه احتقار أو امتهان، أو بعمل فيه إهانة أو إذلال... وبعد ذلك يرجع إلى بيته بنفسية منزعجة، ويكون تصرفك كسم قاتل داخل نفسه... قد لا يقتله في حينه، إنما بعد حين. هذا قتل تدريجي بطيء، غير ظاهر. ولكنه ظاهر أمام الله. وهذا أيضًا يدخل في الوصية السادسة. لأن الكلمة الموجعة أو عبارة التحقير أو الإغاظة، تعمل من الناحية العلمية البحتة عملية هدم في الجسد، قتل جزئي.
ابحث أيها الأخ في داخل نفسك، كم شخصًا قتلته جزئيًا من هذا النوع! كم إنسانًا تناولته بالإغاظة أو الاستهزاء أو التهكم، أو جعلته مجالًا لضحكك، ومجالًا لتندرك وفكاهاتك؟ كم شخصًا تعكر دمه من تصرفك؟ أو تغير لونه أثناء الحديث معك. كل هؤلاء تطاردك بسببهم الوصية السادسة...
ومن الآيات الواضحة التي تدل على أن الكلام الجارح يدخل في نطاق الوصية السادسة، قول الكتاب: "لِسَانُهُمْ سَهْمٌ قَتَّالٌ" (إر9: 8) وأيضًا قوله: "أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ" (مز55: 21).
يدخل في هذا النوع من القتل الظلم الذي يوقعه شخص بآخر، ناسيًا أن "الرب يحكم للمظلومين". ويدخل فيه أيضًا نواحي القسوة التي يعامل بها غيره...
على الأقل في الظلم والقسوة قتل لمعنويات الإنسان، بالإضافة إلى ما فيهما من قتل لنفسيته ومثالياته.
قتل الأُجراء
قتل الأُجراء
يدخل في الوصية السادسة أيضًا ذلك الشخص الغني الذي يستخدم عمالًا بأجر بخس زهيد لا يكفي لقوتهم الضروري. مثل هذا الشخص يقتل الذين يخدمونه، إذ يعرف أن الأجر لا يكفيهم. ويعرف أنهم بمثل هذا الأجر يموتون جوعًا أو يمرضون بالسل أو بالأنيميا، ومع ذلك فهو لا يحن ولا يشفق.
يقول الكتاب: "هُوَذَا أُجْرَةُ الْفَعَلَةِ الَّذِينَ حَصَدُوا حُقُولَكُمُ، الْمَبْخُوسَةُ مِنْكُمْ تَصْرُخُ، وَصِيَاحُ الْحَصَّادِينَ قَدْ دَخَلَ إِلَى أُذْنَيْ رَبِّ الْجُنُودِ" (يع5: 4).
إن العامل أو المرؤوس الذي ترفض أن تعطيه حقوقه، أو تؤخر أجرته، أو تلغي علاوته أو ترقيته، أو مكافأته، وبهذا تتركه في حالة من الفقر أو الاحتياج بالنسبة إلى ضروريات معيشته إنما بهذا تقتله قتلًا غير مباشر، والله يطالبك بدمه.
ولذلك فإن الكتاب المقدس ينحي باللائمة على من يؤخر أجرة الأجير قائلًا: "لاَ تَبِتْ أُجْرَةُ أَجِيرٍ عِنْدَكَ إِلَى الْغَدِ" (لا19: 13) وقال أيضًا: "لاَ تَظْلِمْ أَجِيرًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا مِنْ إِخْوَتِكَ أَوْ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ فِي أَرْضِكَ، فِي أَبْوَابِكَ. فِي يَوْمِهِ تُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ، وَلاَ تَغْرُبْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، لأَنَّهُ فَقِيرٌ وَإِلَيْهَا حَامِلٌ نَفْسَهُ، لِئَلاَّ يَصْرُخَ عَلَيْكَ إِلَى الرَّبِّ فَتَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ" (تث24: 14، 15).
وهكذا نرى أيضًا أن قطع رزق أي إنسان بدون سبب خطير ملزم، هو جريمة قتل غير مباشر، وكذلك منع الرزق عن أي إنسان لم يتوظف بعد، إنما هو سدّ لأبواب الحياة في وجهه. هذا أيضًا يدخل في نطاق الوصية السادسة. لأن الذي تحرمه الرزق إنما تمنع عنه العيش وهذا قتل لجسده، أو تدفعه إلى الجريمة وهذا قتل لروحه. أو إلى الموت وهذا قتل لجسده أيضًا.
القرض والربا والرهن
القرض والربا والرهن
هناك نوع آخر من القتل غير المباشر، وهو سلب ضروريات الإنسان التي لا غنى عنها لحياته. مثل هذه الأمور لم تجز الشريعة أن يأخذها الإنسان رهنًا لديه.
فبعد أن يحرّم الله أخذ ربا من فقير، يقول أيضًا: "إِنِ ارْتَهَنْتَ ثَوْبَ صَاحِبِكَ فَإِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ تَرُدُّهُ لَهُ، لأَنَّهُ وَحْدَهُ غِطَاؤُهُ، هُوَ ثَوْبُهُ لِجِلْدِهِ، فِي مَاذَا يَنَامُ؟ فَيَكُونُ إِذَا صَرَخَ إِلَيَّ أَنِّي أَسْمَعُ، لأَنِّي رَؤُوفٌ" (خر22: 25 - 27). وفي ذلك يقول أيضًا: "لاَ تَسْتَرْهِنْ ثَوْبَ الأَرْمَلَةِ" (تث24: 17).
ومن جهة هذه الضروريات يقول أيضًا: "لاَ يَسْتَرْهِنْ أَحَدٌ رَحًى أَوْ مِرْدَاتَهَا، لأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَرْهِنُ حَيَاةً" (تث24: 6)، وفي عبارة: "يَسْتَرْهِنُ حَيَاةً" دليل أكيد على أن هذا الأمر يدخل في نطاق الوصية السادسة.
لذلك لا يصح مطلقًا أن يرتهن شخص أدوات أو معدات لعامل، لأنه بهذا يقطع عنه مصدر رزقه ويسترهن حياة.
الامتناع عن الإغاثة
الامتناع عن الإغاثة
ليس القتل هو مجرد أن تقوم بنفسك بإنهاء حياة إنسان، وإنما إن تعرض إنسان للموت ولم تنقذه - حين كان بإمكانك إنقاذه - فأنت إذًا مشترك في موته وداخل نطاق الوصية السادسة. ما أجمل قول الكتاب عندما يقول في مثل هذا المجال: "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13).
عندما تسمع مثلًا عن دول غنية جدًا في العالم لها محاصيل من القمح فائضة بوفرة عن احتياجها، ومع ذلك تهمل دولة كالهند نقرأ في الجرائد أن بعضًا من أهلها يموتون جوعًا أو يأكلون أوراق الشجر، دون أن يتلقون غذاء من تلك الدول الغنية فلا شك أن تلك الدول الغنية قد اشتركت في قتل مجموعة بشرية من الناس بعدم إغاثتها في نكبتها. وفي ذلك يقول الكتاب: "مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17).
ما نقوله عن منع الغذاء عمن يحتاجون إليه لحياتهم، نقوله أيضًا عن منع الدواء والعلاج عمن يحتاجونه لحياتهم. كذلك إن إهمال الجوعى والمرضى حتى يموتوا بجوعهم أو بمرضهم هو جريمة قتل واضحة. وإهمال هؤلاء حتى تتسبب أمراض مستديمة أو خطرة هو نوع من القتل الجزئي.
لذلك فإن منع الإحسان والصدقة عمن هم في مسيس الحاجة إليها لأجل حياتهم يدخل أيضًا بلا شك في نطاق الوصية السادسة. وفي هذه الخطية قد وقع ذلك الغني الذي منع الرحمة عن لعازر المسكين (لو16: 19 - 21).
وبنفس الوضع نستطيع أن نحكم على الكاهن واللاوي اللذين ورد ذكرهما في قصة السامري الصالح، إذ مرَّ كل منهما على الرجل الجريح المطروح في الطريق، وجاز مقابله دون أن يقدم له أية معونة، تاركًا إياه للموت. ربما اعتذرا في داخلهما بأنه ليس لديهما وقت، وبأن خدمة الهيكل أهم والعبادة والذبائح أهم. ولكن السيد المسيح الذي قال: "أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (مت9: 13) أرانا أن هذا الكاهن وهذا اللاوي كانا مخطئين. لأنهما تركا إنسانًا للموت دون أن يهتما به...
ومع أن هذا الإنسان لم يمت في الواقع إذ أرسل له الله السامري الصالح فأنقذه. إلا أنهما مع ذلك ليسا مبررين من مطاردة الوصية السادسة لهما. ترى لو لم يأت السامري الصالح لإنقاذ ذلك الرجل، أما كان سيموت ويطلب الله دمه، ليس فقط ممن جرحوه، وإنما أيضًا من الكاهن واللاوي اللذان لم ينقذاه.
القتل بالمسئولية
القتل بالمسئولية
قد لا يقوم إنسان بنفسه بقتل شخص آخر، ولكنه يطالب بدم ذلك الشخص إن كان مسئولًا عن الشيء الذي تسبب في قتله، أو عن الشخص الذي تسبب في قتله.
وقد شرح الكتاب مثلًا لهذا في شريعة الثور النطاح. إذ قال: "وَإِذَا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً فَمَاتَ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ وَلاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَأَمَّا صَاحِبُ الثَّوْرِ فَيَكُونُ بَرِيئًا. وَلكِنْ إِنْ كَانَ ثَوْرًا نَطَّاحًا مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ أُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ، فَقَتَلَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، فَالثَّوْرُ يُرْجَمُ وَصَاحِبُهُ أَيْضًا يُقْتَلُ" (خر21: 28، 29).
ونفس الكلام يقال أيضًا من جهة من يملك كلبًا مسعورًا ويتركه طليقًا يؤذي الناس، دون أن يربطه بسلسلة أو يمنعه عن الإيذاء. هذا أيضًا مسئول عن أخطاء كلبه أو ما شاكل ذلك من الحيوانات.
وبنفس الوضع إذا حفر إنسان بئرًا، ولم يغطها: إن وقع فيها حيوان لإنسان فمات، يقوم صاحب البئر بدفع التعويض اللازم (خر21: 33، 34). أما إن سقط فيها إنسان فمات، فإن صاحب البئر تكون عليه مسئولية حياة هذا الإنسان.
وما نقوله عن البئر نقوله أيضًا عن الجدار وما يشبهه. وفي الكتاب المقدس نص على ذلك إذ يأمر بأنه: "إِذَا بَنَيْتَ بَيْتًا جَدِيدًا، فَاعْمَلْ حَائِطًا لِسَطْحِكَ لِئَلاَّ تَجْلِبَ دَمًا عَلَى بَيْتِكَ إِذَا سَقَطَ عَنْهُ سَاقِطٌ" (تث22: 8).
بهذا النص نفسه يقع في مسئولية الوصية السادسة ذلك المهندس الذي يصمم جهازًا تالفًا يؤدي إلى موت إنسان أو يخطئ في تقدير التسليح السليم لخرسانة بيت، فيسقط البيت ويموت بعض سكانه. وفي نفس المسئولية يقع المقاول الذي لا يضع الكميات المناسبة من الإسمنت في خلطة الخرسانة فيضعف البناء ويسقط على سكانه. على أن هذا الأمر الأخير لو كان بقصد وسوء نية فإن خطيئة أخرى تضاف إليه...
نفس هذا الكلام نقوله عمن يخرج بعربة تالفة لم يستوثق من سلامتها، كأن تكون فراملها تالفة فصدمت هذه العربة إنسانًا، يكون صاحبها مسئولًا عن حياته.
وقد تكون العربة سليمة ولكن صاحبها يستخدم لها سائقًا متهورًا، أو سكيرًا أو مختل العقل، أو ضعيف البصر، أو مرهقًا يسوقها وهو نصف نائم، أو غير متمكن من فن القيادة. فإن صدمت هذه العربة إنسانًا، وكان صاحبها على علم سابق بصفات السائق، فإنه بلا شك يدان بالوصية السادسة.
والكلام الذي يقال عن سائق متهور، يمكن أن نقوله بالمثل عن ابن لم يؤدبه أبوه فآذى الناس، وتركه أبوه يؤذيهم دون تربية أو عقاب. ونقول هذا أيضًا عن مدير أي عمل يستبقي موظفًا شرسًا يؤذي الناس أو يجرح شعورهم، أو يتسبب في قطع أرزاقهم، أو يجلب عليهم ضررًا بأي نوع. هذا المدير مسئول عن مرؤوسيه وعن أعمالهم إن كان لا يقوم بتوجيههم ولا بتأديبهم.
ويدخل في نطاق القتل بالمسئولية أيضًا إن كان في بيتك جهاز بوتاجاز تالف يمكن أن يتسبب في اختناق الآخرين، دون أن تنبه أنت إلى ذلك. أو إن كان هناك جهاز يمكن أن يتسبب في قتل أحد إذا لم يحسن استعماله، ولم يحدث تنبيه عن ذلك... المفروض فيك - إذا كان عندك أي شيء يمكن أن يسبب ضررًا بسوء استخدامه - أنك تشرح وتتولى تفهيم من هم حولك وحوله حتى لا يموت منهم أحد عن طريق الجهل... أو على الأقل تخفيه عن الأطفال وعن الذين يجهلون استخدامه.

