المسيح للكل

المسيح للكل
جاء المسيح من أجل العالم كله، وحمل خطايا كل العالم. فتح قلبه للكل. وأشبع كل حي من رضاه. وهذا الحب الذي أظهره للكل، يبدو واضحًا جدًا في قصة الميلاد.
إذ وجدنا الجو محاطًا بمجموعة من القديسين من كل نوعية ومن كل لون…
رأينا في أحداث ميلاد المسيح، مجموعة كبيرة من القديسين والقديسات، من نوعيات متعددة، تدل على احتضان الرب للكل…
منهم الطفل الصغير كيوحنا المعمدان، والشابة في مقتبل العمر كمريم العذراء، والشيوخ الكبار في سنهم مثل زكريا الكاهن، ويوسف النجار. وأليصابات، حنة النبية. وفيهم الطاعن في السن قديم الأيام كسمعان الشيخ…
وكما اختلف هؤلاء في السن، تنوع أيضًا عملهم…
ففيهم الكهنة كزكريا، والعلمانيون كيوسف النجار وكالرعاة، والأنبياء كحنة، وعلماء الشريعة مثل سمعان، وعلماء الفلك كالمجوس.
فيهم البتول، والمتزوج والأرمل. لكي يشعر كل واحد من هذه الطوائف أن له نصيبًا في الرب…
فالعذراء مريم ويوحنا المعمدان كانا بتولين، وزكريا وأليصابات كان متزوجين، وحنة وسمعان الشيخ كانا أرملين. وكل من هؤلاء: بتولًا أو متزوجًا أو أرمل، كان له نصيب في المسيح…
وبين هؤلاء نجد الأغنياء مثل المجوس، والفقراء مثل يوسف النجار، ونجد أيضًا اليهود، كما نجد الأمم (المجوس).
ونجد أيضًا أن حياة العمل وحياة الوحدة قد اجتمعتا معًا في وقت ميلاد المسيح. فقد كانت مريم العذراء تمثل حياة الوحدة والتأمل إذ تربت في الهيكل. وكذلك كانت حنة النبية التي قضت عشرات السنوات في الهيكل عابدة بأصوام وصلوات. كما كان العمل ممثلًا في نجار كيوسف، وحياة الخدمة ممثلة في زكريا الكاهن.
وهكذا نري أن المسيح في ميلاده احتضن قديسين من حياة العمل وحياة الخدمة، كما من حياة الوحدة والتأمل.
في قصة الميلاد نجد أن الناس بكل طوائفهم قد دعاهم الرب لكي يشتركوا في أفراح ميلاده.
نجد الكاهن والعلماني، المتوحد المتعبد والخادم، اليهودي والأممي، الكبار والصغار، الرجل والمرأة، البتول والمتزوج والأرمل
الكل، على تنوعهم، قد دعاهم المسيح، لأنه جاء للكل…
الكل التقوا بالمسيح… منهم من التقى به في شبابه، ومنهم من التقى به في شيخوخته. وشخص مثل سمعان الشيخ، التقى به بعد أكثر من 200 سنة.
ولعل أعجبهم يوحنا المعمدان، الذي التقى بالمسيح، وهو بعد جنين في بطن أمه…
أن قصة الميلاد تعطينا رجاء أن كل إنسان – مهما كان وضعه – ممكن إن يكون له نصيب في المسيح.
هناك رجاء حتى للعاقر التي لم تلد، مثل أليصابات… إنها لقاءات عجيبة، من الأقارب والغرباء. أليس المسيح هو الداعي الكل إلى الخلاص؟ لقد فتح أبوابًا للكل.
لقد قدس الكل، وفتح أمام الجميع أبوابًا من الرجاء.
لقد قدس طبيعتنا البشرية… قدس هذا الجسد الإنساني.
البعض يظنون الجسد خطية، أو أنه السبب في كل خطية.
ولو كان الجسد خطية، ما أخذ المسيح جسدًا.
لقد قدس المسيح الجسد. حينما اِتحد بطبيعتنا البشرية، وقدس الجسد حينما حل الروح القدس في جسد العذراء وقدسه ليكون لائقًا بالحلول الإلهي.
وكما قدس أجسادنا، قدس أرواحنا أيضًا…
كذلك قدس كل مراحل العمر، عندما مر بها بمثاليته.
أعطانا النموذج الصالح للطفل عندما كان طفلًا، والنموذج الصالح للفتي والشاب والرجل، عندما مر بتلك الأعمار.
قدس الزواج، حينما حضر عرس قانا الجليل.
قدس الأرض التي لعنت من قبل…
قدس البحر عندما مشى عليه. وقدس الجبل حينما تجلى عليه، وحينما ألقى عليه عظته، وحينما كان يختلي هناك، ويقضي الليل كله في الصلاة. قدس الحقول التي كانت مجالًا لتأملاته، والبحيرة التي جلس على شاطئها…
قدس بلادنا مصر، حينما زارها، وصنع فيها معجزاته… لقد قدس الحياة البشرية كلها، حتى ما فيها من أكل وصوم.
قدس الصوم حينما صام عنا. وقدس الأكل إذ قيل “إن ابن الإنسان جاء يأكل ويشرب”. قدس العمل حينما اشتغل في بيت النجار. وقدس حتى النوم عندما نام. وقدس المال إذ بارك فلسي الأرملة، وإذ كان له صندوق…
بارك كل طوائف البشر، حتى المزدرى منهم…
بارك الأطفال، حينما قال “دعوا الأولاد يأتون إليًّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”، وأيضًا حينما قال “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السموات”.
وكما بارك الأطفال، بارك أيضًا النساء وخدمتهن..
قبل المسيح أن يخدمه نسوة كثيرات ويتبعنه من الجليل، ودخل بيت مريم ومرثا. ودعا مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين، وجعلها من تلاميذه، وبارك المرأة الخاطئة التي سكبت الطيب على قدميه، وقال إنها أحبت كثيرًا.
وأعطي السيد المسيح روحًا معنوية لكل إنسان مهما كان قدره وكان رجاءً وأملًا للكل.
متى العشار الجالس في مكان الجباية، صار له نصيب في المسيح، بل أصبح واحدًا من رسله، وكاتبًا لإنجيله. وزكا رئيس العشارين، مثال الظلم والنهب، قال له السيد “اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت”. وقائد المئة الأممي، قال عنه “لم أجد في إسرائيل كله إيمانًا مثل إيمان هذا الرجل”.
والمرأة التي سكبت الطيب على قدميه، وانتهرها الناس، دافع عنها، وقال لهم “لا تزعجوا المرأة إنها عملت بي عملا حسنًا”.
إن عبارة “لا تزعجوا المرأة، فيها عزاء لكل امرأة…
كانت للمسيح أيضًا جلسة هادئة مصيرية مع المرأة السامرية، تحولت بها إلى إنسانة أخرى. كذلك دافع عن المرأة الخاطئة التي ضبطت في ذات الفعل، وقال لها “وأنا أيضًا لا أدينك اذهبي بسلام”.
كذلك كان للضعفاء نفسيًا وروحيًا، نصيب في المسيح..
هذا الرجل العظيم الخائف، الذي لم يكن يجرؤ أن يتحدث معه علانية، خوفًا من اليهود، أعني نيقوديموس: هذا قابله المسيح ليلًا وفي الخفاء، تنازلًا مع خوفه، وعمل به حتى قاده إلى الإيمان.
وبطرس المندفع المتسرع، دعاه إلى الرسولية، وكذلك دعا توما الشكاك، ودعا مرقس الصغير الذي هرب عريانا…
حتى العشارين والخطاة، كان يجلس معهم، ويحضر ولائمهم، ويشعرهم أنه لهم أكثر من غيرهم، لأنه لم يأت ليدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة.
والمرأة نازفة الدم، التي يظن البعض أنها نجسة، سمح أن تلمس ملابسه، وتأخذ منه بركة وشفاءً.
والمريض الذي ليس له إنسان يلقيه في البركة، كان المسيح معينه الذي يلقاه فيشفيه.
كل إنسان كان يشعر أن له نصيبًا في المسيح.
لقد جاء يخلص الكل. ولم يشعر أحدًا أنه محروم منه…
بما في ذلك الفريسيين الذين كانوا يريدون أن يصيدوه، بكلمة.
لقد زار بيت الفريسي، واتكأ فيه، وأكل، تحدث إليه.
كان المسيح قلبًا كبيرًا، يجول يصنع خيرًا، ويشبع كل حي من رضاه. كان قلبًا مفتوحًا للكل. لكل إنسان، مهما كانت نوعيته، وأيًا كان سنه، أو حالته الاجتماعية، أو ثقافته أو جهله.
حتى شاول الطرسوسي مضطهد الكنيسة، كان له نصيب في الرعاية ليس للإيمان فقط، وإنما أيضًا للرسولية.
كذلك الجندي الروماني الذي طعنه بالحربة، أعطاه ليس فقط أن يؤمن، وإنما أيضًا أن يصير شهيدًا.
كل الذين تقابلوا معه، أعطاهم من نعمته ومن بركته. أنه أحب (العالم)، العالم كله وليست طائفة معينة منه.
اِختار جهال العالم، اِختار طبيبًا مثقفًا وفنانًا رائعًا مثل لوقا، واختار فيلسوفًا واسع الاطلاع مثل شاول.
المتعبون والثقيلو الأحمال وجدوا فيه راحتهم. والمرضى كان فيه شفاؤهم. والذين عليهم شياطين، كان لهم أيضًا نصيب فيه… فاخرج منهم الشياطين.
لم يحتقر أحدًا، ولم يهمل أحدًا. كان للكل، بما فيهم المزدرى وغير الموجود… والمطرود أيضًا من المجمع، كالرجل المولود أعمي، وجد في المسيح القلب الذي يقبله ويشفق عليه…
الذين يشتغلون بالنجوم، لم يطرحهم من أمام وجهه، بل قبلهم إليه. وأظهر لهم قوة سمائية في نجم عجيب، قادتهم إلى المذود، وإلى الإيمان.
إنه المسيح الذي فيه تباركت كل قبائل الأرض. إنه الحب الذي جاء إلى العالم، ليكن في كل قلب. الذي بتواضعه، وسماحته، ومحبته، وحنانه، ومعرفته للطبيعة البشرية، استطاع أن يبارك جميع الطبائع، ويربح الكل، ويصلي حتى لأجل صالبيه…
صار خلاصًا للجميع، ورجاءً لمن ليس له رجاء، ومعينًا لمن ليس له معين، عزاءً لصغيري القلوب، وميناء الذين في العاصف. له كل مجد وكل حب، إلى الأبد أمين.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثالث) 21-1-1977م



