الله والكنيسة

ما هي الكنيسة؟ وما علاقة الله بها؟
لو أدركنا هذه العلاقة، لعشنا في حياة الفرح والاطمئنان. هذا ما أود أن أحدثكم عنه اليوم…
الله والكنيسة
البعض يعرف الكنيسة بأنها جماعة المؤمنين. ولكن هذا التعبير ناقص. لأن جماعة المؤمنين هم الجسد، الذي له رأس هو المسيح.
ورأس الكنيسة هو الذي يقودها ويوجهها، ولا نستطيع أن نتصورها من غيره! لا نستطيع أن نتصور جسداً بدون رأسه.
رأس الكنيسة لم ينفصل عنها إطلاقاً. فحيثما توجد الكنيسة يوجد الله. وبدون الله لا تكون الكنيسة كنيسة.
الصورة الجميلة التى يقدمها لنا الكتاب هى هذه: الله وسط شعبه. هكذا كانت خيمة الإجتماع، وبداخلها تابوت العهد فى قدس الأقداس، أو يحمله الكهنة وعليه الكاروبان…
إذا قلت إن الكنيسة تخلى عنها الله، فكأنك تقول إن الرأس تركت الجسد. وهذا غير معقول منطقياً.
فى الكنيسة “الله وسط شعبه”، عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا…
+ الله هو الذي أسس الكنيسة، وهو حجر الزاوية فيها.
وكما يقول المزمور “إن لم يبن الرب البيت، فباطلاً تعب البناءون”. وقد بنى الرب الكنيسة من أحجار كريمة أختارها بنفسه، من الذين “سبق فعرفهم” فعينهم حجارة فى بنائه. والذين سبق فعرفهم، عينهم أيضاً أعمدة في الكنيسة، أعنى آباءنا الرسل.
+ وعبارة “الله وسط شعبه”، يثبتها أيضاً قول السيد المسيح “ها أنا معكم كل الأيام، وإلى انقضاء الدهر”. وأيضاً “حيثما إجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمى، فهناك أكون فى وسطهم”.، إذن إذا لم يكن معنا وفى وسطنا، لا نكون حينئذ كنيسة!
إذا ظنت الكنيسة أن الله لا يعمل، تبكتها الآيات “وسط شعبه” “فى وسطهم” “معكم كل الأيام”. وأيضاً قوله “نقشتكم على كفى” “لا يستطيع أحد أن يخطف من يد أبى شيئاً”. لقد صوره سفر الرؤيا وسط المناير السبع (أي الكنائس) وفى يده اليمنى سبعة كواكب، أى ملائكة الكنائس ورعاتها.
+ ما أجمل أن نرى المسيح يتمشى وسط الكنائس، وفى يمينه رعاتها، يحملهم فى كفه من مكان إلى مكان، يحركهم بمشيئته…
أكبر مشكلة تصادف الكنيسة هى عدم إحساسها بوجود الله فيها!
كجسم لا يحس برأسه، فيحيا فى ضياع… نحن لا نريد أكثر من الإحساس بأن المسيح رأس الكنيسة، وإنه ثابت فيها بإستمرار.
الله هو إذن مؤسس الكنيسة وبانيها، وقائدها، ومعلمها، وحارسها. هو أيضاً الراعى، وهو الكل فى الكل بالنسبة إليها…
+ والكنيسة أيضاً هي بيت الملائكة، حيثما توجد، توجد الملائكة. “ملائكة الرب حالة حول خائفيه وتنجيهم”. إنهم أرواح خادمة للكنيسة:
“أليسوا جميعهم أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص”( العبرانيين 1 : 8 ) … ونتحدث أيضاً عن ملاك المذبح، وملاك الذبيحة. إذن الكنيسة ليست مجرد جماعة من البشر، وإنما معهم الملائكة أيضاً.
إنها الكنيسة بمعناها الواسع: الله الرأس، ومعه البشر والملائكة.
أننا لا يمكن أن نعيش من غير الملائكة. ومن محبتنا للملائكة نسمى راعى الكنيسة “ملاك الكنيسة”. الكنيسة هي مجموعة ملائكة: ملائكة أرضيين أو بشر سمائيين، يحبهم الله…
+ ومن محبة الله للكنيسة، دعا نفسه عريسها…
وعندما تكلم الرسول عن أن “الإثنين يصيران واحداً” و “ليسا بعد إثنين”، قال “هذا السر عظيم، ولكنى أقول من نحو المسيح والكنيسة”( أفسس 5 : 32 ).
حقاً لا يوجد سر أعظم من هذا، سر الحب العظيم، والوحدة بين الرأس والجسد، بين المسيح والكنيسة…
هذا الحب بين الله والكنيسة، صوره لنا سفر نشيد الأناشيد. ينظر الملائكة إلى الكنيسة ويقولون “من هذه الطالعة من البرية، مستندة على حبيبها”( نشيد الأناشيد 8 : 5 ).
حقاً، إنى لا أستطيع أن أتصور الكنيسة بدون الله، ولا أن أتصور الله بدون الكنيسة… حتى فى الأزل.
كان الله موجوداً فى الأزل. ولكن الكنيسة كانت فى فكره وفى قلبه، خلق كل فرد فيها حسب صورته ومثاله.
- ●●
+ إذا عرفت الكنيسة مركزها عند الله، تعيش فى فرح دائم وفى سلام دائم. وإطمئنان…
إن ضعف إيمان الكنيسة، لا تضعف مواعيد الله… حتى إن فقدت الكنيسة إيمانها، فإن مواعيد الله تبقى فى قوتها.
إن سلام الكنيسة لا يعتمد على إيمانها، وإنما على وعود الله وعلى محبة الله للكنيسة.
بطرس وهو يمشى على الماء: هل كان يعتمد على إيمانه، أم على اليد التى تمسك به؟! لقد ضعف إيمانه فسقط، ولكن اليد الممسكة به أقامته وحفظته حياً.
سلامة الطفل الصغير فى البيت، لا تعتمد على حسن تدبيره، إنما على الصدر الحنون الذي يحتضنه، واليد الحانية التى تمسكه… هكذا علاقة الكنيسة بالله…
بعض الروحيين يقولون إن سلام الكنيسة يتوقف على صلواتها وصلتها بالله. ولكننى أريد أن أصحح هذه العبارة، واسأل: هل إذا ضعفت الصلوات، تضيع الكنيسة؟!
إن سلام الكنيسة لا يعتمد على صلواتها، وإنما على حب الله لها، حتى إن لم تصلى…
تقرأ أحياناً فى الكتاب المقدس “نظر الله إلى مذلة شعبه، فأرسل لهم مخلصاً، فلاناً…”. لم يقل “لما سمع صلواتهم”، يكفي أنه نظر.
الله كضابط للكل، “رأى وسمع، وكتب أمامه سفر تذكرة”. إنه يرى ما يحدث للكنيسة، وينزل ليخلصها، حتى إن ضعف إيمانها، أو فترت صلواتها…
حتى إن نمنا نحن، ترعانا العين الساهرة التى لا تنام.
بطرس كان نائماً فى السجن، فلكزه الملاك وأيقظه وخلصه. هل كان بطرس يصلى وهو نائم؟ كلا طبعاً، ولكن الله الساهر هو الذي خلصه، ليس بالصلاة، وإنما بالحب…
لو كان خلاص الله يتوقف على سهرنا وصلاتنا، لضعنا منذ زمان. حتى إن نهتم نحن، هو يهتم بنا…
الله يحرس غنماته، من كل ذئب ومن كل دب، ولا تتوقف حراسته لها على صراخها أو استغاثتها، إنما على عنايته هو…
الرعاية لا تتوقف على طلب الإنسان، إنما على حب الله.
يكفينى فى حب الله، أن أذكر قول الكتاب “إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم حتى المنتهى”(يو13). وكلمة حتى المنتهى تعنى الكمال الذي بلا حدود…
ولم يقل الكتاب أنه أحب خاصته الذين فى العالم، أو الذين كملوا فى الإيمان وأنتقلوا، وإنما “الذين فى العالم”.
تستطيع إذن أن تنام، وأنت مطمئن إلى رعاية الله.
قد يطمئن من على بابه عسكرى أو ضابط، فكيف إذن من على بابه “ضابط الكل”. حقاً “إن لم يحرس الرب البيت، فباطلاً سهر الحارس”. إنه يطمئن لا إلى ذراع بشرية تحميه، إنما على ذراع الرب الحصينة.. وإلى يمينه التى صنعت قوة…
نطمئن إلى يمين الرب التى شقت فى البحر طريقاً، وفجرت من الصخرة ماءاً، وظللت بالسحاب على السائرين من القفر.
إنهم لم يطلبوا هذا، ولكن الله يعطى فوق ما نظن، وفوق ما نفتكر… يعطى بسخاء. يفتح كوى السماء، ويغدق علينا، حتى نقول “كفانا كفانا”. ليس بكيل يعطى الرب..
سعيدة هى الكنيسة التى تستند إلى ذراع حبيبها، وإلى مواعيده: يكفي قوله “إن أبواب الجحيم لن تقوى عليها”… وقوله أيضاً “كل آلة صورت ضدك لا تنجح”.
إن كانت آلة تود الإنتحار، فلتوجه ضد الكنيسة… التى يحرسها إله لا حدود لحبه، ولا حدود لقدرته…
- ●●
+ وكما أن الله يحرس الكنيسة، كذلك هو يطهرها ويقدسها، لكي تكون أهلاً لحلوله فيها، لحلول روحه القدوس فيها.
لقد قال “لا أترككم يتامى”، لذلك أرسل إلينا روحه يعمل فينا. إنه البار قليط المعزى، الذي يمكث معنا إلى الأبد.
+ الكنيسة هي الكائن الذي يدخل في شركة مع الروح القدس.
إنها تشترك فى العمل معه، وبهذا نصير “شركاء الطبيعة الإلهية”، وفى البركة نأخذ “شركة وموهبة الروح القدس”.
إنك إذا أعتمدت على قوتك، فقد تشك فى قوتك. أما إن كنت شريكاً للروح القدس، فلن تشك فى قوة الروح.
إن لم تعش الكنيسة فى شركة الروح، فلن تكون كنيسة.
+ الكنيسة تعيش بإستمرار فى معجزات عمل يد الله معها… إن حاولنا أن نحصي عمل الله معنا، لن نستطيع.
الكنيسة تتمتع بقول الكتاب “الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون”( الخروج 14 : 14 ).
إن صمتنا، يقاتل الله عنا. وإن تكلمنا، إنما نكلم الله. ما يحتاج إلى ساعات مع الناس، تكفيه لحظة مع الله.
لا مانع أن تؤدى الكنيسة واجبها فى كل المجالات، لأن الإيمان بدون أعمال ميت. لكن الإعتماد هو على الله.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السادس والثلاثون) 9-9-1977م



