الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي (4) – أهمية المعمودية

شروط الخلاص بدم المسيح
أهمية المعمودية للخلاص.
شرح “أهمية المعمودية” لاهوتيًا.
ما هو جوهر التعليم المسيحي عن المعمودية كوسيلة للخلاص. لماذا هي لازمة للخلاص؟
ولماذا لا يمكن لأحد أن يخلص بدونها؟ المسألة واضحة جدًا، نشرحها فيما يلى:
يقول الكتاب “أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو6: 23) إذًا لابد من الموت، ولابد أن طريق الخلاص يبدأ بالموت…
ويستمر الخلاص بالموت… وآخر مرحلة للخلاص تأتي بالموت. يبدأ الخلاص بالموت،
وينتهي بالموت، ويستمر بالموت، لأن أجرة الخطيئة هي موت. فما معنى هذا الكلام.
(أ) بدأ الخلاص بالموت:
بدأ الخلاص بموت المسيح على الصليب، حيث دفع ثمن الخطيئة، واشترانا بدمه. وكيف يصل إليك الخلاص؟ يصل إليك بالموت. وكيف ذلك؟
المسيح بموته أعطى الخلاص. ولكي يكون لك أنت نصيب في هذا الخلاص، لابد أن تشترك مع المسيح في موته:
تموت مع المسيح، وتقوم معه، لكي تتمجد معه. ولذلك يقول بولس الرسول “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ” (في3: 10).
إن لم تدخل في هذا الموت، يلحقك الموت الثاني الذي هو العذاب الأبدي في بحيرة النار (رؤ20: 14).
وكيف تدخل في هذا الموت؟ كيف تشترك مع المسيح في موته؟ إن ذلك يتم بالمعمودية.
ولهذا يقول بولس الرسول “أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ” (رو6: 3، 4).
وموتنا مع المسيح، ودفننا معه، هو الذي يجعلنا نشترك معه في أمجاد قيامته. ولذلك يقول بولس الرسول
“لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ… فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ” (رو6: 5، 8).
نلخص الموضوع إذن في الكلمات الآتية:
أجرة الخطيئة هي موت. فلابد أن يموت الإنسان ويدفن… ولكن المسيح قد مات عنا.
وعلينا أن نشترك معه في موته، حتى لا نكون بعيدين عن استحقاقات موت المسيح.
لا يجوز أبدًا أن نترك المسيح يموت وحده عنا، دون أن نشترك معه في موته، أو على الأقل نتشبه بموته، ندخل في “شركة آلامة متشبهين بموته”
وهكذا قال الرسول “متنا معه… دفنا معه… قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ… إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ…
فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ” (رو6: 5- 8).
نلخص الموضوع إذن في الكلمات الآتية:
أجرة الخطية هي موت. فلابد أن يموت الإنسان ويدفن.. ولكن المسيح قد مات عنا.
وعلينا أن نشترك معه في موته، حتى لا نكون بعيدين عن استحقاقات موت المسيح.
لا يجوز أبدًا أن نترك المسيح يموت وحده عنا، دون أن نشترك معه في موته، أو علي القل نتشبه بموته،
ندخل في “شركة آلامه متشبهين بموته ” وهكذا قال الرسول ” متنا معه.. دفنا معه.. قد صرنا متحدين معه بشبه موته..
إنساننا العتيق قد صلب معه.. فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه”(رو3:6-8).
وهذا الموت شرحه الكتاب أنه يتم بالمعمودية. نغطس فيها تمامًا كأننا ندفن في جرن المعمودية.
كما قال بولس: “دُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ” (رو6: 4). ثم نقوم من هذا الماء “في جدة الحياة” “عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة”.
المعمودية إذن لازمة للخلاص، لأنها شركة في موت المسيح، لأنها إيمان بالموت كوسيلة للحياة، واعتراف بأن أجرة الخطيئة هي موت.
إن الذين يقولون أن الخلاص يتم بمجرد الإيمان وحده، بدون معمودية، لم يفهموا بعد ما هو الإيمان. فلنحاول أن نناقش الأمر معًا لنفهمه:
ما هو الإيمان؟ … هو أن تؤمن أن الخطيئة أجرتها الموت، وتؤمن أن المسيح قد مات عنك.
وتؤمن أنك يجب أن تموت معه لتحيا أيضًا معه… وهكذا يقودك الإيمان إلى ما قلناه:
قلنا إن الخلاص قد بدأ بالموت. موت المسيح. هذا هو الخلاص الذي قد دفع ثمنه،
وقلنا إننا بدأنا أن نحصل على هذا الخلاص بالموت، إذ متنا مع المسيح ودفنا معه بالمعمودية. هذا هو الخلاص الذي نلناه.
نقول أيضًا هذا الخلاص يستمر بالموت.
(ب) يستمر الخلاص بالموت:
وهكذا يقول بولس الرسول: “كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ…
إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ” (رو6: 11، 12).
هذا الكلام جميل جدًا، يشرح لنا الإيمان الأرثوذكسي تمامًا. “لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ”.
لقد دخلنا الخلاص بالموت ولا بد أن يستمر جسدنا جسدًا مائتًا عن الشهوات العالمية. وطالما هو مائت، فإن الخلاص يسري فيه.
أما إن بدأت شهوات الجسد تقوم من هذا الموت وتتحرك. فإننا نكون حينئذ عرضة لأن نفقد الخلاص. لأن الخلاص لا يتم إلا بالموت.
لذلك فإننا نصلي إلى الله في قطع الساعة التاسعة ونقول: “أمت حواسنا الجسمانية أيها المسيح إلهنا ونجنا”.
ولعل هذا تنفيذ لقول الكتاب: “وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ” (رو8: 13) ألا يقول بولس الرسول: “إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا” (2كو4: 12).
وهكذا يقول بولس الرسول أيضًا: “لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ” (2كو4: 11).
ويقول أيضًا: “إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ” (رو8: 10) كما يقول أيضًا:
“إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ” (رو8: 36) وهكذا نعيش “حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا” (2كو4: 10).
إذن طالما نسير في طريق الخلاص لا بد أن يكون الجسد ميتًا عن الخطيئة! لا بد أن يعمل الموت فينا.
إنسان يقول إنه قد خلص “وهو يحب العالم أو الأشياء التي في العالم، هذا بالحقيقة واهم لأن “مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ” (يع4: 4).
إن الخلاص يستمر بالموت، موت أعمال الجسد، موت شهوات الجسد، موت عن العالم والمادة وطلباتها المحاربة للروح.
ما معني “نخلص بحياته”؟ …
هنا تقف أمامنا الآية التي تقول: “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ” (رو5: 10) ما معنى “نخلص بحياته”؟
إما أن يكون معناها أننا نخلص بحياته كشفيع، ككاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق “يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ،
إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب7: 25). فنحن نخلص بحياته كشفيع. لأننا باستمرار نخطئ. وإن أخطانا “فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ” (1يو2: 1).
ونلاحظ هنا أن استمرار شفاعة المسيح فينا، معناه استمرار احتياحنا إلى خلاص في كل حين، واستمرار عمل الخلاص فينا.
على أن هناك معنى جميلًا آخر لعبارة نخلص بحياته. وهو قول بولس الرسول “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غلا2: 20).
يقول: “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ”، هذا هو الموت، “صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ” كما يقول الرسول (غل5: 24).
بهذا نخلص، عندما يكون المسيح هو الذي يحيا فينا. وعبارة “أَحْيَا لاَ أَنَا” معناها تسليم الإرادة تسليمًا كاملًا للرب.
بحيث يقول الإنسان باستمرار: “لتكن لا إرادتي بل إرادتك”. يكون كأنه ميت، غير موجود، يحيا لا هو، بل المسيح هو الذي يحيا فيه.
يقول للمسيح: “أنني أخلص بموتك” وأخلص بحياتك في”. وهذه هي الفكرة السليمة عن الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي:
نحن قد خلصنا بموت المسيح عندما متنا معه في المعمودية.
ونخلص أيضًا بحياة المسيح فينا” بتسليمنا الكامل لمشيئته في حياتنا” قائلين مع الرسول: “أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ”.
ج-يتم الخلاص بالموت:
قلنا أن الخلاص يبدأ بالموت في المعمودية” ويستمر بالموت عن شهوات العالم. فإلى متى؟ …
يقول الكتاب: “كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ2: 10).
وهكذا: يستمر الموت يعمل فيك “حتى الجسد فعلًا. طالما أنت تميت أعمال الجسد،
فأنت ما تزال سائرًا في طريق الخلاص. ومتى تصل إلى نهاية الطريق؟
عندما تموت” وتنقل إلى العالم الآخر.
أنت إذًا ما تزال سائرًا في الطريق. فهل تقف في نصفه وتصيح قائلًا: “وقد خلصت”؟!
تواضع يا أخي، واستمع إلى قول الرسول: “انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ” (عب13: 7)
لا تفتخر باطلًا، فكثيرون قد بدأوا بالروح وكملوا بالجسد (غل3: 3).
على أننا سنعرض لهذا الموضوع بالتفصيل أن شاء الله عندما نتكلم عن اتمام الخلاص.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الثامن) 24- 2-1978



