التداريب الروحية

في مناسبة بدء صوم الميلاد الجديد، نريد أن نستفيد روحيًا من هذا الصوم، بأن ندرب أنفسنا على فضائل،
وعلى ترك نقائص تتعب نفوسنا. لذلك أود أن أكلمكم اليوم عن التداريب الروحية:
نلاحظ أن كثيرين دخلوا الكنيسة وعاشوا فيها، يعترفون ويتناولون ويخدمون أيضًا،
وما زالت لهم ضعفات ثابتة تكاد تصل إلى مستوى الطباع، مستمرة معهم على مدى سنوات!
ولعل السبب في ذلك، أنهم لم يضعوا هذه الضعفات موضع الاهتمام الخاص، وإنما ذابت وسط انشغالاتهم أو نظرتهم العامة غير التفصيلية إلى حياتهم..
ما الذي يجب علينا فعله إذن؟
يجب أن يجلس الإنسان إلى نفسه، ويحاسبها عن كل ضعفاتها، وبخاصة الضعفات الثابتة والخطايا المتكررة.
ويدرب نفسه على تركها. ويركز عليها كل صلواته وكل جهاده.
ومسألة التدريبات هذه موجودة في الكتاب المقدس. وقد قال بولس الرسول عن نفسه “تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ”.( فيلبي 4 : 12 ) .
وقال: “صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً” ( العبرانيين 5 : 14 )… والله كثيرًا ما درب قديسيه.
موسى النبى بدأ حياتة شديدًا عنيفًا، حينما قتل المصري. ثم أخذه الله الى البرية، وفي عمل الرعي تدرب على اللطف والهدوء، والوداعة،
حتى قال عنه الكتاب: “وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ”. ( العدد 12 : 3 ).
يوحنا الحبيب، وأخوه يعقوب، كانا شديدين، لقبوهما بإبني الرعد. ولما رفضت السامرة قبول الرب،
قالا له: “هل تشاء يا رب أن تنزل نارًا من السماء فتحرق هذه المدينة”. وظل الرب يدربهما حتى صارا مثالًا للحب..
لا تظنوا أن القديسين وصلوا إلى درجاتهم العالية دفعة واحدة.
إنما تدربوا على الفضائل في مدى طويل جدًا، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، بجهاد وتعب. فلا يجوز أن نأخذ قممهم الروحية كنقط بدء في حياتنا، بل نتدرب مثلهم ….
أرسانيوس العظيم، في بدء رهبنته، ما كان يعرف طريقة تنقية الفول التي يعرفها ذلك المصري الأمي،
حتى أخذ درسًا وقال لنفسه: “هذا القلم على خدك يا أرسانى” وبالتدريب والمدى الزمني، وصل إلى ما وصل إليه من قداسة.
موسى الأسود أخذ أيضًا فترة تدريب طويلة، حتى انتقل من حياة العنف والقسوة، إلى المحبة والخدمة وإضافة الغرباء.
وحتى في مجال الخدمة، درب الرب تلاميذه أيضًا …
أرسلهم في تدريب عملي، ورجعوا فعرضوا عليه نتائج خدمتهم وكانوا فرحين لأن الشياطين تخضع لهم باسمه.
فصحح لهم هذا الخطأ وقال لهم: “لا تفرحوا بهذا، بل افرحوا أن أسماءكم قد كتبت في ملكوت الله”. ومن هنا نفهم بعض القواعد …
أولًا : إكتشاف الأخطاء، ثم التدريب على تصحيح الأخطاء.
لابد أن تكتشف أخطاءك، أو يكشفها لك غيرك. لأنه بدون اكتشاف الأخطاء، لا يمكن أن تدرب نفسك على تركها ..”لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى”
لذلك فإن الذي يبرر نفسه باستمرار، ويرى أنه على حق، لا يمكن أن يصلح نفسه ويتدرب على ترك الأخطاء.
ويحتاج الأمر أيضًا إلى جدية وحزم وشعور بالإلتزام.
يجب أن تقتنع بأهمية إصلاح نفسك، وبلزوم التدريب لك، وإذ تقتنع تسلك مع نفسك بحزم، بلا تردد ولا تراجع، وبلا تراخ وتكاسل.
وإنما بقوة، كتلك التي قصدها بولس الرسول، حينما وبخ العبرانيين قائلًا: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ, مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” ( العبرانيين 12 : 4 ) .
يحتاج الإنسان في تداريبه، أن يجاهد نفسه، ويجاهد طبعه، ويجاهد عاداته وأخطاءه التي تحاول أن تثبت فيه …
لا تسمح لليأس أن ينتصر عليك، وتقول: “لا فائدة، فهكذا هي طبيعتي” …بل إعلم أن طبيعتك خَيرَة، وقد خلقها الله على صورته. فكن حازمًا، وأطرد الشر الدخيل عليك.
إن الثبات في الفضائل أهم بكثير من مجرد إقتنائها.
والفضيلة التي لا تثبت فيها مدة طويلة، كأنك لم تحصل عليها بعد. لأن الزمن هو المحك العملي لمعرفة عمق الفضيلة فيك.
لذلك فإن القفز السريع من تدريب إلى آخر، لا يفيد روحيًا. وإنما يجب إطالة فترة التدريب …
يجب أيضًا أن يكون التدريب محددًا وواضحًا …
فالذي يضع أمامه أن يدرب ذاته على فضيلة كبرى تضم العشرات من البنود، أو تضم الحياة الروحية كلها، مثل المحبة مثلًا، يجد نفسه أمام معنى كبير مهم …
وكذلك من يدرب نفسه على التواضع أو الوداعة أو الإيمان …
إنما إذا أراد أن يدرب نفسه على المحبة، فليأخذ منها نقطة واحدة مثل عدم الحده، أو عدم ظن السوء ..
وليكن التدريب في حدود إمكانياتك، يمكن تنفيذه عمليًا …
البعض يضع لنفسه تدريبًا فوق مستوى إرادته، أو فوق مستوى ظروفه، أو يقفز فيه قفزه روحية عالية لا يستطيع أن يستمر فيها، وقد تصيبه بنكسة فيما بعد …
لا تأخذ تدريبًا في الصوم فوق إحتمال صحتك، ولا تدريبًا في الصمت لا يتفق مع عملك ومقابلاتك وظروف بيتك، ولا تدريبًا في الصلاة أو في الخدمة لا يسمح به وقتك ..
وفي محاسبة الإنسان لنفسه على التدريب، عليه أن يستفيد من الأخطاء التي فشل فيها في تدريبه …
يستفيد لونًا من الإتضاع، والشعور بالضعف …
وأيضًا يعرف من النقط التي فشل فيها في التدريب، كيف يكون أكثر جدية، أو كيف يكون التدريب عمليًا بالأكثر.
ولتكن التداريب من صميم حياتك العملية الواقعية.
ما يصلح لغيرك من تداريب، قد لا يصلح لك أنت .. إن تدريباتك مصدرها الأول هو خطاياك التي تريد التخلص منها،
والفضائل التي تنقصك. وتدريباتك يجب أن تناسب حياتك وظروفك، الداخلية والخارجية …
وفي كل تدريب إسند إرادتك ببعض آيات الكتاب التي تشجعك، وتحثك على هذا التدريب بالذات.
أكتب هذه الآيات في نوتة التدريبات، وأحفظها، ورددها باستمرار، لكي تكون حاضرة في ذهنك، تنقذك من الفشل. وتذكر أيضًا قصص القديسين التي تقويك في التدريب.
وإحترس من أن يكون التدريب، إعتمادًا على ذراعك البشرى.
قل لنفسك: إن نجاحي في هذا التدريب، لا يمكن أن يكون مصدره هو قوة إرادتي ونقاوة قلبي. وإنما يرجع النجاح إلى عمل الله معي، ومدى تدخل النعمة لمعاونتي.
وهكذا ستمتزج تدريباتك الروحية، بالصلاة وطلب المعونة.
قل له: أنا يا رب لن أعتمد على نفسي، وإنما على عمل روحك القدوس فيَّ. ولك يا رب أن تعتبر أن هذا التدريب هو نوع من الصلاة،
أتوجه به إليك، عارضًا ضعفاتي أمامك، طالبًا من نعمتك أن تسند ضعفي، لكي أتخلص من أخطائي. ولكي أشترك مع روحك القدوس في تخليص نفسي من أثقالها ..
ولتكن سقطاتك في التدريب موضوعًا لمطانياتك تذللًا أمام الله.
وهكذا تمتزج التدريبات بالصلوات وبالمطانيات وبروح الاتضاع، حينما توبخ نفسك على فشلها بمطانيات وانسحاق قلب .
وإذا نجح التدريب، تقدم شكرًا لله على معونته …
ولا شك أن فترة الصوم مناسبة للتدريبات الروحية:
وبهذا يأخذ صومك طابعًا روحيًا، لا تمتنع فيه فقط عن الطعام والدسم الحيواني، إنما تمتنع أيضًاعن الخطأ.
وفي عيد الميلاد إن شاء الله، سوف لا تفرح فقط بالعيد، وإنما أيضًا ستفرح بعمل الله فيك خلال هذه التدريبات ..
بعض تداريب روحية:
(أ) تداريب في الصلاة والتأمل والقراءة الروحية وباقي وسائط النعمة:
1-تدريب على حفظ صلوات الأجبية، وتكرارها أثناء النهار.
2- تدريب على الصلوات القصيرة المتكررة، مثل صلاة “يارب يسوع إرحمني” وتلاوتها مرات عديدة حتى أثناء وجودك مع الناس.
3- تدريب حفظ أجزاء من الكتاب المقدس، مثل العظة على الجبل، أو الإصحاح 12 من رومية، أو (1 كو 13) “عن المحبة”.
4- تدريب على حفظ 3 مزامير من كل صلاة من صلوات الأجبية السبع، مع حفظ إنجيل وتحليل كل صلاة.
5- التدريب على القراءة المنتظمة في الكتاب المقدس، بحيث تشمل كل يوم إصحاحًا من العهد الجديد، وإصحاحًا من العهد القديم ….
(ب)تداريب في العلاقات مع الناس:
1- التدريب على حسن التعامل، الكلمة الطيبة، الإبتسامة، عبارات المجاملة والمديح، البعد عن الألفاظ القاسية، والغضب والصوت العالي.
2- التدريب على خدمة الآخرين في كل مكان ومناسبة.
3- إحتمال الناس، وعدم رد الإساءة بمثلها.
4- تفادي إعثار الآخرين، سواء بالقول أو بالتصرف.
5- إحترام الكنيسة في مواعيدها، وفي هدوئها، وفي هيبتها.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه التاسعة (العدد الثامن والأربعون) 1 ديسمبر 1978



