ارجعوا إليّ، أرجع إليكم

في كل مرة تحيط بنا الضيقات من الغير، قد لا يكون السبب هو الغير. ربما يكون السبب هو خطايانا. وحينئذ يرن في آذاننا قول الرب.
“ارجعوا إليّ، أرجع إليكم” ( ملاخي 3 : 7 ).
في بعض الأوقات تكون المتاعب، لونًا من ألوان تخلي النعمة الإلهية..
إنسان يخطئ، تتخلى عنه النعمة، ويدفعه الله إلى أيدي أعدائه، فتصيبه المتاعب. مثل هذا، كيف يكون خلاصه؟ يكون بقول الرب: “ارجعوا إلي، أرجع إليكم”.
فإذا رجع هذا الإنسان إلى الله، وأحاطت به النعمة كما كانت في القديم، حينئذ لا يقدر عليه شر، ولا يقدر عليه إنسان.
فلنبصر أمثلة لهذه الأمور في سفر القضاة، في العهد القديم:
“عمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، وعبدوا البعليم.. تركوا الرب إلههم وساروا وراء آلهة أخرى”. فما الذي حدث؟
“حمي غضب الرب… فدفعهم بيد ناهبين نهبوهم. وباعهم بيد أعدائهم. حينما خرجوا، كانت يد الرب عليهم للشر” ( القضاة 2 : 11–15 ).
لم يقدروا على الوقوف أمام أعدائهم، لأن النعمة تخلت. لأن المعونة الإلهية امتنعت، يد الله ليست معهم..
الله الذي شق لهم البحر الأحمر، وفجر لهم من الصخرة ماءًا، وطرد أمامهم الأمم، ليس معهم الآن… إنه يقول: “من أجل أن هؤلاء الناس تعدوا عهدي…لا أعود أيضًا أطرد إنسانًا من أمامهم” ( القضاة 2 : 20–21 ).
لا تقل إذن: أعدائي أقوى مني، وقد قدروا علي. إنما قل: أنا بعدت عن الله، فبعد عني، وتخلت نعمته… ارجع إلى الله، فيرجع إليك، وتعود إليك القوة. وحينئذ تصير “مدينة حصينة، وعمود حديد، وأسوار نحاس.. يحاربونك ولا يقدرون عليك، لأن الرب معك” ( إرميا 1 : 14–16 ).
إذن الموضوع يتركز في كيف تدخل الله في المعركة، كيف ترجع إليه، فيرجع إليك، بمواعيده وجنوده وقوته، ويقودك في موكب نصرته.
أنظر أيضًا ماذا يقول الكتاب: “عملوا الشر في عيني الرب. فحمى غضب الرب عليهم، وباعهم بيد كوشان” وصرخوا إلى الرب، فأقام لهم مخلصًا فخلصهم.. فكان عليه روح الرب.. ودفع الرب بيده كوشان.. واستراحت الأرض 40سنة” (قض3) … “وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، فشدد الرب عجلون ملك موآب عليهم”، “وعادوا يعملون الشر في عيني الرب… فباعهم بيد يأبين ملك كنعان”.. والقصة طويلة على هذا المنوال.
هل الرب يبيع الناس بأيدي أعدائهم، يدفعهم لأيدي أعدائهم؟ نعم، كلون من التأديب لكي يرجعوا إليه.
تشتد عليهم الضيقة، فيصرخون إلى الرب، فيقول لهم: “ارجعوا إلى فأرجع إليكم”. نفس الوضع حدث عندما دفعهم الرب إلى سبي آشور، وإلى سبي بابل… فبكوا على أنهار بابل، وقالوا: “كيف نسبح الرب في أرض غريبة”. وعاش مع الرب في السبي دانيال والثلاثة فتية وحزقيال وزربابل… رجعوا إلى الرب، فرجع إليهم، ورد الرب سبي صهيون.
نفس الوضع نراه في سفري نحميا وعزرا..
أتى واحد من اليهودية إلى نحميا، وأخبره أن “الباقين من الشعب في شر عظيم وعار، وسور أورشليم متهدم، وأبوابها محروقة بالنار”. فعرف نحميا أن علاج هذا العار هو في قول الرب: “ارجعوا إلي، أرجع إليكم”.
يقول نحميا: ” فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أيامًا وصمت وصليت.. وقلت: “أيها الرب: لتكن أذنك مصغية، وعيناك مفتوحتين لصلاة عبدك. فإني أنا وبيت أبي قد أخطأنا، لقد أفسدنا أمامك..” ورجع نحميا إلى الرب، وأرجع الشعب، وبنى أسوار أورشليم، وصنع الرب معه خيرًا.
وحدث هذا مع عزرا، لما وجد الناس قد أخطأوا “واختلط الزرع المقدس بشعوب الأرض”، يقول: “فلما سمعت بهذا الأمر، مزقت ثيابي، ونتفت شعر رأسي، وجلست متحيرًا… وعند تقدمة المساء قمت من تذللي، وفي ثيابي الممزقة جثوت على ركبتي، وبسطت يدي إلى الرب إلهي وقلت: “اللهم إني أخجل وأخزى من أن أرفع وجهي نحوك. لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا…” وإذ رجع عزرا مع الشعب، رجع الرب إليهم. وصام عزرا وبكى، لم يأكل لحمًا ولم يشرب خمرًا، ولم يدهن، بل تذلل.. فرجع الرب وغفر..
لا تظن أن الضيق، سببه باستمرار من الخارج. ربما يكون السبب من الداخل، لأنه لو ارتفع القلب إلى الله في توبة وانسحاق، لفعل ذلك عجبًا، وحول الهزيمة إلى نصر.
أهل نينوى لما رجعوا إلى الله، رفع غضبه عنهم. وفي سفر التثنية نرى الهزيمة كعقوبة من الله لمن يخالف وصاياه، فيقول له: “يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك. في طريق واحدة تخرج عليهم، وفي سبع طرق تهرب أمامهم.. ولا تكون إلا مظلومًا مغصوبًا كل الأيام، وليس مخلص..” ( التثنية 28 : 13–23 ).
إذن هناك متاعب تأتي بسبب الخطايا، وتزول بالرجوع إلى الله. فإن كنت في ضيقة، فكر أولًا كيف ترجع إلى الله، قبل أن تفكر فيما يسببه لك المتعبون من حولك.
قل: إذا صلحت علاقتي مع الله، ستصلح كل الأمور من خارج. إن أقسى الأعداء لا يحتملون قلبًا نقيًا مرفوعًا إلى الله، ويدين مبسوطتين أمامه. إن موسى لما رفع يديه، انتصر الشعب على عماليق..
لما غرق الشعب الخاطئ بالطوفان، ورجع نوح إلى صورة الله، رجع الله إليه، وأرجع له البركة التي أعطيت لآدم في السلطة على الطبيعة، فعاش مع الوحوش ولم تؤذه.
إذا اصطلح الإنسان مع الله، اصطلحت معه السماء والأرض، ويمشي على الماء كما فعل بطرس لما أمسك الرب بيده.
بوسائل كثيرة يحاول الله أن يصطلح معك، ومنها هذه المتاعب التي تصيبك. ليس سببها قوة الناس، إنما سببها هو أن الله يريدك أن ترجع إليه..
أهم سؤال تسأله لنفسك في الضيقات هو:
هل أنا في النعمة أم لا؟ هل معي معونة الله كما كانت في القديم، أم قد تخلت عني؟ هل قلبي في نقاوته؟ وهل أنا مصطلح مع الله أم محتاج أن أرجع إليه؟
إن نقطة التحول في حياتك لرجوع النعمة إليك بكل قوتها، هي قول الرب: “ارجعوا إلي فأرجع إليكم”.
علاقتنا هي مع الله أولًا وأخيرًا، أما علاقتنا مع الناس فكلها علاقات جانبية متوقفة على علاقتنا بالله.
إن كان أولاد الله حاليًا كأولاد الناس في نفس شكلهم وأسلوبهم وسقطاتهم. فلنحتمل كل ما يأتي علينا..
إن الكنيسة نور للعالم، وقدوة في كل فضيلة، وشهادة لأسم المسيح..
وإذا رجعنا إلى الله.. ماذا سيحدث؟
سيرعانا في مراع خضراء، يرد نفوسنا، يهدينا إلى سبل البر… سنرتل له قائلين: “إن يحاربني جيش، فلن يخاف قلبي، وإن قام على قتال، ففي هذا أنا مطمئن. نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين.. الفخ انكسر ونحن نجونا. عوننا من عند الرب الذي صنع السماء والأرض.
إن رجعت إلى الله، تشعر بالنعمة تملأ قلبك، تشعر بقوة فيك، وترى كلمة الله فيك قوية وحية وفعالة، ومثل سيف ذي حدين، وحينئذ يجدد الله مثل النسر شبابك، وترجع إليك صورة الله.
إنها دعوة للتوبة، ودعوة للرجوع إلى الله، ليس من أجل نفسك فقط، وإنما من أجل الكنيسة كلها.
يونان لما أخطأ، هاج البحر، واضطربت السفينة كلها. وعاخان ابن كرمي كان سببًا في هزيمة الشعب كله… قل لنفسك إذن: هل خطيتي سببت غضب الله على الكل؟ الحل إذن هو عبارة “ارجعوا إلي، أرجع إليكم”
ما معنى قول الرب: (أرجع إليكم)؟
معناها أن يرجع بكل حبه وحنانه، بكل القوة والبركة، بكل مواعيده، بالعشرة والصداقة القديمة، يتمشى وسط شعبه، يمسك بدفة السفينة ويديرها، بيمينه التي صنعت قوة.
معناها أصطلح معكم. لا أترككم وحدكم كحملان في وسط ذئاب، بل أرجع إليكم كراعي نفوسكم.
“ياليتك يا رب ترجع إلينا، لكي تنصلح أحوالنا” أنا مستعد، ولكن عليكم دور”إرجعوا إلي، فأرجع إليكم”.
أنا لا أرغمكم على محبتي. وأيضًا لا أستطيع أن أسكن في المحلة وداخلها خطية. ارجعوا إلي بالتوبة، سلموني قلوبكم، لكي أغسلها فتبيض أكثر من الثلج. وحينئذ تصلح لسكناي. فأنفخ في الفتيلة المدخنة، وأعصب القصبة المرضوضة، وأعطيكم قوتي، وتصيرون شيئًا آخر.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع والثلاثون) 26-8-1977م



