الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي (2) – شروط الخلاص بدم المسيح

شروط الخلاص بدم المسيح
أريد من جهة هذه الشروط أن أضع أمامكم أربعة أمور جوهرية جدًا وهي:
1- الإيمان 2- المعمودية
3- الأسرار الكنسية اللازمة للخلاص
4- الأعمال الصالحة
الإيمان
1- شروط الإيمان:
الإيمان شرط أساسي لاستحقاق دم المسيح. وهكذا قال السيد المسيح عن نفسه: “لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” ( يوحنا 3 : 16 ).
وتظهر أهمية هذا الشرط لاستحقاق دم المسيح، من قول الكتاب في نفس الأصحاح من فم السيد المسيح نفسه:
“اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” ( يوحنا 3 : 18 ).
ويظهر هذا الشرط أيضًا من قول يوحنا الرسول في خاتمة إنجيله: “وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ،
وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” ( يوحنا 20 : 31 ). هناك شرط إذن وهو أن الخلاص يكون لكم إذًا آمنتم.
وبهذا وعظ بولس الرسول في إنطاكيا قائلًا: “أَنَّهُ بِهذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا. وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ” ( أعمال الرسل 13 : 38-39 ).
وقد وضح ربنا يسوع المسيح أنه بدون شرط الإيمان هذا لا يمكن أن يكون خلاص بقوله لليهود: “إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ” ( يوحنا 8 : 24 ).
ما أخطر هذه العبادة “تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ”! دم المسيح موجود، قادر أن يخلص. لكنه لا يمكن أن يخلصك بدونك.
يجب أن تقدم شرط الإيمان، لكي تخلص بدم المسيح. إنه الشرط الأول، ولكنه ليس الشرط الوحيد. أنه الخطوة التي تؤهلك للمعمودية.
شرط الإيمان هذا ورد في قول بولس وسيلا لحافظ السجن “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” ( أعمال الرسل 16 : 31 ).
2- ما هو الإيمان؟ …
إن كلمة الإيمان كلمة واسعة جدًا جدًا. تدخل فيها أمور كثيرة. وأن كان بولس الرسول قد قال إننا “قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ” ( رومية 5 : 11 )،
فماذا يقصد بهذا الإيمان فماذا يقصد بهذا الإيمان الذي قد تبررنا به؟
لذلك يضع بولس الرسول أمامنا سؤالًا خطيرًا جدًا في موضوع الإيمان. إذ يقول: “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟
امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ” ( كورنثوس الثانية 13 : 5 ) إذن لابد أن نختبر أنفسنا ونرى هل نحن حقًا في الإيمان أم لا. ما هو هذا الإيمان؟ …
إيمان حي…
إن الإيمان اللازم للخلاص لابد أن يكون إيمانًا حيًا. وهذا الأمر وضحه على أكمل وجه معلمنا يعقوب الرسول إذ قال:
“أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ” ( يعقوب 2 : 20 ). وكرر هذا المعنى قائلًا:
“لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ، هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ” ( يعقوب 2 : 26 ).
ومثل هذا الإيمان الميت، أي الخالي من الأعمال، لا يقدر أن يخلص أحدًا. وهكذا يقول معلمنا يعقوب الرسول:
” مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟!” ( يعقوب 2 : 14 ).
حقًا إن الرسول قد قال إننا قد تبررنا بالإيمان. ولكن هذا الإيمان له صفتان هامتان. إيمان حى وإيمان عامل. وفي هاتين الصفتين كلتيهما نرى الأعمال الصالحة.
ولا نظن أن أحدًا من البروتستانت- مهما أنكر الأعمال- يستطيع في أمر الخلاص أن يعلم بالإيمان غير العامل.
فالرسول يقول: إن “الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ” ( يعقوب 2 : 19 ).
فهل تقصد بالإيمان أيها الأخ إيمانًا من نوع إيمان الشياطين الذين ليست لهم أعمال. فالرسول يقول: “أن الشياطين يؤمنون ويقشعرون” ( يعقوب 2 : 19 ).
فهل تقصد بالإيمان أيها أخ إيمانًا من نوع إيمان الشياطين الذين ليست لهم أعمال صالحة، وإنما هم يؤمنون، ويقشعرون من هول شرورهم وفسادهم؟!!.
إن عبارة الإيمان الحي العامل قد تتسع في مداها حتى تشمل الحياة الروحية كلها.
كيف يمكن أن تشمل الحياة الروحية كلها؟ أميلوا آذانكم أيها الأخوة الأحباء إلى قول الرسول.
الإيمان العامل بالمحبة…
قال بولس الرسول: “لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ،
بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” ( غلاطية 5 : 6 ) فماذا تعني صفة “الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” ما هي هذه المحبة، وكيف تكون؟ …
إن هذه المحبة شرحها بولس الرسول مستدلًا عليها بجمهرة من الأعمال الصالحة، إذ قال: “الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ.
الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ،
وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” ( كورنثوس الأولى 13 : 4-7 ).
فإذا كان الإيمان هو هذا الإيمان العامل بالمحبة، فإنه سيشمل ولا شك هذه الصفات كلها، وكلها أعمال.
هنا تبدو المسيحية في جوهرها، أنها ليست مجرد آية، وإنما هي روح وحياة ( يوحنا 6 : 63 ).
حقًا كما قال الكتاب إن الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي” ( كورنثوس الثانية 3 : 6 ) …
الحرف يقول لك أن هناك شيئًا اسمه الإيمان، وأما الروح فيشرح لك كنه الإيمان وأنه يشمل الأعمال الصالحة كلها.
فهل إخوتنا المعارضون يقصدون الإيمان بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الحياة الروحية كلها،
وهل يقصدون الإيمان بالمعنى الكبير الذي أشار إليه بولس الرسول الأصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين عند حديثه عن رجال الإيمان؟
أم هم يقصدون مجرد الإيمان خلوًا من صفاته السابق ذكرها؟!
إن كان الأمر هكذا فلنتناقش، لكي ما نرى هل يقدر هذا الإيمان أن يخلصهم حسبما تعجب يعقوب الرسول.
3- الإيمان والمحبة.
إن الذين يقولون إن الإيمان وحده هو الذي يبرر الإنسان، ويوقفون الإيمان كعنصر قائم بذاته، بعيدًا عن الأعمال، هؤلاء لا أوقفهم أنا،
بل يوقفهم بولس الرسول أمام آية جبارة هي قوله: “إِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ،
وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا” ( كورنثوس الأولى 13 : 2 ).. فهل تريدون إيمانًا أكثر من هذا؟ …
وأنت أيها الأخ، مهما ارتفعت في الإيمان، ما هي أقصى درجة ستصل إليها؟ هل ستصل إلى كل الإيمان الذي ينقل الجبال؟
صدقني، حتى لو وصلت إلى هذه الدرجة أيضًا، وليست لك محبة، فلست شيئًا! لا يستطيع هذا الإيمان أن يخلصك أنت!
إن كان بولس الرسول بكل إيمانه، ليس شيئًا بدون المحبة، فكم بالأولى أنت.
لهذا فإن الرسول وضع المحبة في درجة أعظم من الإيمان. إذ قال: “أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ: الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ” ( كورنثوس الأولى 13 : 13 ).
4- المؤمنون، والمختارون:
قلنا إن الإيمان ينبغي أن يكون إيمانًا حيًا وإيمانًا عاملًا بالمحبة ولكن البعض يبالغ أحيانًا في تعريف كلمة المؤمنين، حتى ترادف كلمة “المختارين”.
وهكذا ينادي أمثال هؤلاء بأن المؤمن لا يمكن أن يهلك، وإذا سمعوا أو قرأوا عن مؤمن قد هلك يقولون أن هذا لم يكن مؤمنًا حسب مفهومهم الخاص!!
لا شك أن المختارين لا يمكن أن يهلكوا. ولكن من قال إن المؤمنين هم المختارين؟
إن الكتاب المقدس أعطانا معاني كثيرة لكلمة الإيمان: فذكر مرة: الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ ( يعقوب 2 : 19 ).
وقال بولس الرسول في تعريفه للإيمان أنه “هُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” ( العبرانيين 11 : 1 ).
وقد شرح لنا الكتاب أن هناك نوعًا من الإيمان الميت. ومع أنه ميت إلا أن الرسول سماه إيمانًا.
كما أعطانا مثلًا عن الإيمان الخالي من الأعمال الذي لا يقدر أن يخلص أحدًا ().
ومع أنه لا يقدر أن يخلص أحدًا، إلا أن الرسول سماه إيمانًا.
وقد ذكر الكتاب أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله ( رومية 3 : 12 ) فهل الجميع لم يكونوا مؤمنين، وقد خلت الأرض من الإيمان؟!
أم أن الله أطلق لقب الإيمان حتى على الذين يخطئون وهم مؤمنون.
إن أمثال هؤلاء الخطاة لم يحرمهم الرب من لقب المؤمنين. فقد قال الرب على لسان إرميا النبي “شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ:
تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً. شَعْبِي قَدْ نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلاَ عَدَدٍ” ( إرميا 2 : 13-22 ) ومع كل هذا سماهم شعبه.
كما قال على لسان إشعياء النبي: “رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ” ( إشعياء 1 : 2 ).
فعلى الرغم من عصيانهم سماهم بنين. ويذكرنا هذا بما قاله عن الابن الضال ” ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ ” ( لوقا 15 : 24 ).
فعلى الرغم من ضلاله وموته الروحي سماه أبنًا.
وفي قول الرسول “وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا” ( كورنثوس الأولى 13 : 2 )،
دليل آخر على إطلاق حالة الإيمان على الإنسان الخالي من المحبة الذي هو ليس شيئًا.
بل أن الرب أطلق لقب المؤمنين على الذين يشبهون البذار التي سقطت على الصخر ولما نبتت جفت. فقال:
“وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ بِفَرَحٍ، وَهؤُلاَءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ يَرْتَدُّونَ” ( لوقا 8 : 6-13 ).
وطبعًا هؤلاء المرتدون لا يمكن أن نسميهم مختارين مع أن السيد المسيح له المجد لقبهم بأنهم كانوا مؤمنين إلى حين.
ويشبه هؤلاء طبعًا الذين قال عنهم الرسول: “وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ” ( تيموثاوس الأولى 4 : 1 ).
وطبعًا هؤلاء لا يمكن أن نسميهم مختارين مع أنهم عاشوا في الإيمان قبل أن يرتدوا.
لعله قد وضح الآن كثيرًا بأن هناك فرقًا كبيرًا بين الكلمتين.
أن كل المختارين مؤمنون ولكن ليس كل المؤمنين مختارين،
إذ قد يرتد بعضهم عن الإيمان تابعين أرواحًا مضلة وتعاليم شياطين.
على أن هذا النقطة أيها الأحباء لنا رجعة إليها بعد حين نتركها الآن قليلًا لكي نتحدث عن الشرط الثاني للخلاص والمدخل الأساسي له وهو المعمودية.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد السادس) 10-2-1978



