سؤال نود إلقاء الضوء على طفولة قداسة البابا؟
سؤال:
بيقول: نود إلقاء الضوء على طفولة قداسة البابا؟ [1]
الإجابة:
في الحقيقة بتسألوني سؤال صعب؛ لأني لا بد أن تكون ليَّ ذاكرة تسرح بعيدًا إلى سن الطفولة. أنا في الحقيقة طفولتي غريبة شوية؛ لأني بعد أن وُلدت تُوفيت والدتي مباشرةً بحُمّى النفاس، وفي قرى الريف ما كنش فيه علاج قوي لأمثال هذه الحُمّى. فلا أعرف معنى كلمة الأم إلا في القاموس، وفي القصص، وفيما أراه أمام عيني. لأن تُوفيت والدتي وأنا صغير، فكتير من نساء القرية تبرعنّ بإرضاعي، فرضعت من نساءٍ كثيرات من مختلف الأنواع والأشكال، وكانوا بيقولوا يعني: الولد اليتيم الصغير ده لازم نقوم بواجبنا. فكانت ليَّ أمهات كثيرات في الرضاعة، ونشأت ما كنش ليَّ أخ أصغر مني طبعًا؛ لأن مفيش، فبقيت أُحب الناس كلهم. يعني الحب الذي لم أخذه من الأم، أخدته من المجتمع كله، فبقى كل إنسان صديقي، وكل إنسان يعطيني جزءًا من قلبه، وأسكنه في جزءٍ من قلبي أو في كل قلبي.
لغاية سن خمس سنين كنت عيل صغير ما فهمش حاجة في الدنيا، وكان يجي والدي في آخر كل يوم يقول لي: حفظت «أ ب»؟ أقول له: لأ، ما حفظتهاش. يقول لي: طب نام. فضلت نايم على كده سنة، لغاية لما أخويا الكبير كان موظف في دمنهور أخدني عنده. أخدت الروضة دي كلها في سنة واحدة، كانوا يسموها “سنة تحضيري”، ما عرفش الكبار فيكوا في السن يتذكروا التحضيري ولا لأ. وبقيت لوحدي في البيت، ما لياش حد ألعب معاه، فكنت أستغل الوقت في القراءة. ربما تتعجبوا إن طفل كان في سنوات ابتدائي تالتة أو رابعة ابتدائي يقرأ كتاب «قادة الفكر» لطه حسين، وقصة «سارة» للعقاد، وكثير من كتب الاجتماع والطب، أي حاجة قصادي أقعد أقرأ أقرأ أقرأ. ولذلك لما دخلت في ثانوي كان مستواي الفكري أكبر من زملائي نتيجة القراءة الكبيرة دي. دي الطفولة اللي كنت فيها.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في ندوة الصالون الثقافي بنادي الصيد عن “الأسرة والمجتمع” بتاريخ 16 مايو 1996م


