حياة الشكر

| الكتاب | حياة الشكر |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1988م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 5203/ 1988م |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
قصة هذا الكتاب
قصة هذا الكتاب
1- كنت قد ألقيت محاضرة عن حياة الشكر في مؤتمر للتربية الكنسية سنة 1965م، أقيم في كنيسة مار مينا بالمندرة بالإسكندرية. ونشرت هذه المحاضرة مع باقي محاضراتي الأخرى في كتاب أسموه (لك يا بني) نفذت طبعته، وتوزعت مقالاته في كتب أخرى...
2- ثم ألقيت محاضرة أخرى في الكاتدرائية المرقسية بدير الأنبا رويس بالقاهرة مساء الجمعة 16 مايو سنة 1980م موضوعها "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (أف5: 20). وهذه المحاضرة لم يسبق نشرها.
3- ثم محاضرة ثالثة لم يسبق نشرها أيضًا، ألقيت كذلك في نفس الكاتدرائية بمناسبة عيد رأس السنة في 31 ديسمبر 1980م غالبيتها عن حياة الشكر، والجزء الباقي منها عن حياة التسليم، وعن الرجاء.
وقد منحني الله وقتًا أثناء رحلتي إلى روسيا في هذا الشهر فقمت بدمج هذه المحاضرات الثلاث، وأضفت إليها إضافات كثيرة، في كتاب واحد عن حياة الشكر، هو هذا الذي بين يديك، وهو يختلف كثيرًا عما سبق نشره من قبل...
ذلك أننا كنا قد نشرنا المحاضرة الأولى سنة 1965م في كتاب مع تأملات عن صلاة الشكر ألقيت سنة 1964م في القاعة المرقسية بدير الأنبا رويس، أعيد طبعهما مرارًا. كما نشرتهما وأعادت طبعهما مرارًا كنيسة العذراء بمحرم بك بالإسكندرية.
ونرجو إذا شاء الرب وعشنا أن ننشر التأملات الخاصة بصلاة الشكر، ضمن كتاب عن الصلوات المشتركة في الأجبية، مثل المزمور الخمسين والثلاثة تقديسات، وارحمنا يا الله ثم ارحمنا...
موسكو في يونيو 1988 البابا شنوده الثالث
الفصل الأول حياة الشكر
الفصل الأول حياة الشكر
حياة الشكر.
الشكر كل حين.
وعلى كل شيء.
درجات الشكر.
الشكر على القليل.
الشكر على الضيقة.
حياة الشكر
حياة الشكر
الذي يحيا حياة الشكر، هو إنسان نبيل، يشكر الجميل ولا ينساه... لا ينسى مطلقًا أي خير قُدَّم إليه، ويعبَّر عن ذلك بعبارات من الشكر. فالشكر في قلبه، وعلى لسانه، لله وللناس.
ولقد طوَّب السيد المسيح الرجل السامري – وكان واحدًا من عشرة شفاهم من البرص. ولكنه كان الوحيد الذي رجع إلى الرب "وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا". فأجاب الرب وقال: "أَلَيْسَ الْعَشَرَةُ قَدْ طَهَرُوا؟ فَأَيْنَ التِّسْعَةُ؟ أَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَرْجِعُ لِيُعْطِيَ مَجْدًا ِللهِ غَيْرُ هذَا الْغَرِيبِ الْجِنْسِ؟!" (لو17: 16– 18).
إذًا فأنت حينما تشكر، إنما تعطي مجدًا لله، معترفًا بإحساناته إليك...
فإن كان الله قد صنع معك الخير عن طريق أحد من الناس. فأنت تشكر الله، وأيضًا تشكر هذا الإنسان، لأنه كان واسطة طيبة في وصول خير الله إليك...
غالبية الناس يشكرون الله في صباح كل يوم، وفي آخره، وفي مناسبات مثل رأس السنة، والأعياد، وعلى أسباب هامة في حياتهم، ولكن حياة الشكر لها خواص تميزها، لعل في مقدمتها قول الرسول:
الشكر كل حين
الشكر كل حين
"شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (أف5: 20).
إذًا شكرنا لله ليس له مناسبات محددة، وإنما هو "في كل حين". وما دام هو كل حين، إذًا هو يشمل الحياة كلها، وتنطبق عليها عبارة "حياة الشكر".
ومثل هذا التعليم شرحه القديس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي. فقال: "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ" (1تس5: 16– 18).
من أجل هذا صلاة الشكر، تتقدم كل صلاة:
كل طقس من طقوس الكنيسة، وكل قداس، يبدأ بصلاة الشكر. وقد وضعت لنا الكنيسة المقدسة صلاة الشكر في بدء كل صلاة من الصلوات السبع (في الأجبية) سواء كانت بالنهار أم بالليل. وهكذا نشكر الرب كل حين. "عشية وباكر ووقت الظهر". وأيضًا نقول مع المرتل في المزمور: "في نِصفِ الليلِ نهَضتُ لأشْكرُكَ على أحْكامِ عَدلِكَ" (مز119: 62).
وبالإضافة إلى صلاة الشكر العامة، نقدم شكرًا في تحاليل الساعات:
ففي تحليل صلاة باكر نقول: "نشكرك يا ملك الدهور، لأنك أجزتنا هذا الليل بسلام. وأتيت بنا إلى مبدأ النهار" إننا نشكره على حفظه لنا سالمين خلال الليل، ومنحه لنا يومًا جديدًا في الحياة...
وفي تحليل الساعة الثالثة نقول: "نشكرك لأنك أقمتنا للصلاة في هذه الساعة المقدسة التي فيها أفضت نعمة روحك القدوس بغنى على التلاميذ، خواصك القديسين ورسلك المكرمين الطوباويين، مثل ألسنة نار". ونحن نشكره لأنه منحنا أن نصلي في هذه الساعة. إنها نعمة منه ونعمة.
وهذا ما نقوله في تحليل الساعة السادسة: "نشكرك يا ملكنا ضابط الكل ونمجدك. لأنك جعلت آلام ابنك الوحيد أوقات عزاء وصلاة".
وفي تحليل الغروب نقول له: "نشكرك يا مليكنا المتحنن، لأنك منحتنا أن نعبر هذا اليوم بسلام، وأتيت بنا إلى المساء شاكرين. وجعلتنا مستحقين أن ننظر النور إلى المساء". إن كل ساعة تمر بنا بخير، نشكر الله عليها.
إذًا هو شكر باستمرار، سواء في مقدمة كل صلاة، أو في المناسبات.
الشكر على كل شيء
الشكر على كل شيء
بل إن الكنيسة تبدأ بصلاة الشكر حتى عندما تصلي في جناز على شخص انتقل من هذه الحياة، أيضًا تبدأ بالشكر. يقول الرسول:
"وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ" (كو3: 17) ... أي في كل عمل شاكرين الله. وفي صلاة الشكر نقول:
نشكرك على كل حال، ومن أجل كل حال، وفي كل حال.
إذًا ليس هو فقط كل حين، وإنما أيضًا على كل شيء. ذلك لأن الله يعمل معنا الخير باستمرار وقد قال الرسول: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28) ... سواء في ذلك الخير الواضح، أو الأمور التي تبدو وكأنها ليست الخير. ولكنها خير ونحن لا ندري!
لذلك وُصف الله بأنه "صانع الخيرات"...
إنه لا يصنع إلا خيرًا، ولذلك فالإنسان المؤمن بصفة الله هذه، يقبل كل ما يأتي من عند الله بفرح، ويقول في إيمان "كله للخير" ويشكر الله. وتظهر له الأيام فيما بعد، أن هذا الأمر الذي يشك البعض في خيريته، كان للخير فعلًا...
ولكن قد يسأل البعض ويقول: نحن نؤمن بلا شك أن كل ما يأتي من عند الله هو خير. ولكن ماذا عن الأمور التي تأتينا من عند الناس، وقد لا تكون كلها خيرًا؟! ... نقول له: إن تصرفات الناس حيالنا: إن كانت خيرًا، ستصل إلينا خيرًا. ولكن...
إن لم تكن خيرًا، يحولها الله إلى خير، وتصل إلينا خيرًا في النهاية...
إخوة يوسف الصديق باعوه كعبد. وكان تصرفهم شرًا في ذاته، وخيانة، وعدم محبة، وقسوة، وحسدًا. ولكن الله حوَّل ذلك الشر إلى خير، فصار يوسف "أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته" والثاني في المملكة... وكان بقاؤه في مصر "لاستبقاء حياة" وهو نفسه قال لإخوته: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا" (تك50: 20).
أولاد الله دائمًا فرحون، يشكرون على كل شيء.
وحينما يشكرونه، لا يفعلون ذلك كمجرد طاعة لوصية "اشكروا"... كأمر مفروض عليهم!! كلا، فليس هذا هو الشكر الحقيقي. وليس الشكر هو مجرد ألفاظ تقال بدون اقتناع، كأداء لواجب...
بل يشكرون الله من كل القلب، وبكل الثقة.
فهم واثقون تمامًا وبكل تأكيد، أن الله لا يسمح بأن يحدث لهم سوى الخير. وأنه كضابط للكل يرقب كل الأمور الحادثة لهم، ويأخذ منها موقفًا لصالحهم. لذلك هم يشكرونه على كل ما يحدث – أيًا كان – واثقين أنه لخيرهم. ولهذا ترتبط حياة الشكر بحياة الإيمان، كما سنرى عند حديثنا عن الفضائل المتعلقة بالشكر.
والإنسان قد يشكر الله بالكلام، وقد يقدم له ذبائح الشكر، وذبائح سلامة (لا3) أو يقدم له نذورًا...
وكما قال داود النبي "كأْسُ الخَلاصِ آخُذُ وباسْمِ الرَّبِّ أدْعو. أُوفي نُذوري للَّرِّب قُدّامَ كُلِّ شَعْبِهِ" (مز116: 13، 14).
درجات من الشكر
درجات من الشكر
والشكر في حياة أبناء الله على درجات:
أقلها هو الشكر على المعجزات والمواهب الفائقة والنعم العظيمة، وعلى الخيرات الوافرة والواضحة، التي لا يشك أحد في خيريتها وفي عظم نفعها. وربما في غير ذلك قد لا يشكر البعض! وقد تمر عليهم النعم (البسيطة) مرورًا عابرًا. وخيرات أخرى قد يرونها طبيعية وعادية ولا تحتاج إلى شكر!
وهناك شكر أعلى قيمة، وهو الشكر على القليل:
قد يكون مستوى عاديًا في حياة الشكر، أن يشكر إنسان على شفاء مريض من داء خطير كالسرطان مثلًا. ولكن إن شكر على الشفاء من دور زكام أو برد، فإنه يدل على أنه متعود في حياته على الشكر، سواء على الكثير أو القليل.
إننا إن شكرنا على القليل، يقيمنا الله على الكثير.
ولعله من فوائد الشكر، استمرار النعم وزيادتها. وفي هذا قال أحد الآباء:
"ليست موهبة بلا زيادة، إلا التي بلا شكر".
هناك أيضًا شكر على الخفيات، على ما لا يُرى...
شكر من أجل الحروب والمتاعب، التي كان ممكنًا أن تصل إلينا، ولم تصل. وذلك بسبب حفظ الله وعنايته. وشكر على عمل الله في رعايتنا والعناية بنا، وإن كنا لا نرى ذلك، ولكننا نؤمن به تمامًا. لا شك أن الشيطان يبذل قصارى جهده من أجل ضررنا وإسقاطنا. فإن كنا الآن بخير، فذلك لأن الله قد منع الضرر عنا، الضرر الذي لا نعرفه... ونحن نشكر الله على هذا الحفظ.
طبيعي أننا نشكر الله على الضيقات التي أنقذنا منها. ولكن هناك ضيقات أوقفها في الطريق قبل أن تصل إلينا. إننا لا نعرفها، ولكن نشكر الله على حفظه لنا منها...
شكرنا على إنقاذه لنا من الضيقة، هذا أمر نراه.
أما الشكر على حفظنا من الضيقة، فهو شكر على ما لا نراه.
صدقوني، لو كشف الله لنا المصائب التي كنا معرضين لها، وحمانا الله منها، وأبعدها عنا... لو كشف لنا ذلك، ما كانت حياتنا كلها تكفي للشكر.
إننا نشكر على الأمور الخفية، التي هي في علم الله، والتي قد يسمح الله فنعرفها بعد حين، في وقتها، أو قد لا نعرفها على الإطلاق...
في كل ذلك يكون الشكر ممزوجًا بالحب.
درجة أخرى وهي الشكر كل حين على كل شيء.
وفيها حياة الإنسان تكون كلها شكرًا، على كل حال يعيش فيه. وقد شرحنا هذا الأمر. والشكر الدائم لا يحتاج إلى سبب واضح محدد، وما أكثر الأسباب... ولكن يكفي أننا في رعاية الله، وأننا أبناء له، أيًا كانت حالتنا. ويرتبط هذا الشعور بحياة التسليم. ولا يتوقف شكرنا مطلقًا على نوعية الحال الذي نحن فيه...
الشكر على الضيق
الشكر على الضيق
أعلى درجة في الشكر هي الشكر على الضيقات.
إننا نشكر الله على الضيقات التي أنقذنا منها، وهذه أقل الأنواع. ولكن الأعظم من هذا أن نشكره أيضًا على الضيقات القائمة التي ما زلنا نعيش فيها ونحتملها. وبالإيمان نثق أنها لخيرنا، فنشكره عليها.
إن الصبر على الضيقة واحتمالها فضيلة. والرضى بالضيقة وقبولها فضيلة أكبر. وأعظم من كل هذا، الشكر على الضيقة... الشكر بفرح، وليس كمجرد واجب...
صدقوني، إننا إن شكرنا على النعم فقط، يكون حبنا هو للنعم، وليس لله معطيها!
أما إن شكرنا الله حتى على الضيقة، فإنما نبرهن على أننا نحب الله ذاته وليس عطاياه... أي لسنا نحب منه ما يهبه من سعة ورحابة ورفاهية وخيرات، أو ما يهبه من هدوء وسلام... إن الله وحده هو الهدف، سواء منحنا ضيقة أم خيرات... نشكره على كل حال، وفي كل حال...
إننا نشكره مهما حدث. ولا نسمح للأحداث المؤلمة، أن تقلل إيماننا بحفظ الله أو تقلل شكرنا له.
ولا نسمح لهذه الأحداث أن تنزع سلامنا منا، أو فرحنا بالرب. إننا نفرح في الرب كل حين، أيًا كانت الظروف الخارجية، ونعيش في سلام مع الله والناس، في كل الظروف...
وهذا الشكر وهذا الفرح، له تأثيره على الآخرين...
فحينما يرون شكرنا على الضيقة، وهدوءنا وفرحنا، يتعزون.
نعم، حينما يرون سلامنا القلبي وشكرنا، يتعزون بهذه المبادئ الروحية التي قدمها الإنجيل... بل نكون قدوة لهم بحياتنا وتصرفنا، إذ قال الروح إن من ثمر الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). فمن توجد فيه هذه الثمار، فليشكر الله...
الضيقات أيضًا تحتاج إلى الشكر، لأنها تقوي الروحيات.
إنها تمنح الإنسان عمقًا في الصلاة، وعمقًا في الصلة بالله، وعمقًا في الصوم، وفي الإيمان. وتعطي الكنيسة قوة ووحدة، وتلّم شملها، وترفع قلوب أبنائها إلى الله. وربما ضيقة شديدة تقود الإنسان إلى حياة التوبة، أكثر من مائة عظة، وأكثر من قراءة كتب روحية عديدة...
وفي الضيقات نرى يد الله تعمل.
إنها ترينا الله وعمله، وتدخله في حياتنا، وحمايته لنا. وترينا قوة الله، وحلول الله العجيبة، وتعطينا خبرات روحية ما كنا نصل إليها بدون الضيقة، كما أنها تغربل الكنيسة وتفصل الزوان عن الحنطة... لكل هذه الأسباب وغيرها نحن نشكر الله على الضيقة، ونرى فيها بركة...
وطبيعي أن الذي يصل إلى الشكر على الضيقة، سيشكر على كل شيء آخر...
هكذا يعيش حياة الشكر الدائم، ولا يتذمر مطلقًا.
ضيقات تستحق الشكر
ضيقات تستحق الشكر
من أجلّ الأمثلة آباؤنا الرسل لما سجنوهم وجلدوهم:
يقول الكتاب إنهم بعد أن أطلقوهم "ذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أع5: 41). وهكذا إن آباءنا الرسل حسبوا كل تلك الآلام والإهانات بركة لا يستحقونها.
ذلك لأن الضيقات هي شركة في آلام المسيح:
يقول الكتاب في ذلك: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29). إذًا فالآلام هبة. وما دامت هبة، لماذا لا نفرح بها ونشكر عليها؟! قال القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). هذه هي شركة الآلام التي فرح الآباء الرسل بأن يكونوا مستأهلين لها...
إن الشخص الروحي، إذا وهبه الرب صليبًا ليحمله، يفرح بهذا الصليب ويشكر عليه، لأنه شركة في آلام المسيح.
وهو يشكر على الضيقة، تمامًا كما يشكر على النعمة، لأن الضيقة نعمة...
الكثيرون يركزون على ما في الضيقات من آلام وتعب، لذلك تضغطهم هذه الآلام وتتعبهم. أما الروحيون فإنهم يتأملون في شيء آخر، وهو: لماذا سمح الله المحب بهذه الضيقات؟ لا بد أن وراءها خيرًا، وبركة... إن كنا لا نرى هذا الخير الآن، فعدم رؤيتنا لا تمنع وجوده. بالإيمان نراه، وإن كنا بالعيان لا نراه...
لنأخذ درسًا من بعض أحزان وضيقات يونان النبي:
يونان بلعه الحوت. أكان يشكر على هذا؟ نعم، لأن هذه كانت الطريقة الوحيدة التي خلصته من الغرق في البحر، وأوصلته للقيام برسالته في المناداة لنينوى...
ويونان حزن لما ذبلت اليقطينة التي كانت تظلل عليه: ولو امتد بنظره الروحي إلى قدام، لرأى أن ذبولها كان المقدمة إلى صلحه مع الله. وهذا أمر يجب أن يشكر عليه...
وأنطونيوس الكبير مات والده. أكان هذا مدعاة للشكر؟!
أي ابن يمكن أن يشكر على موت أبيه؟! فإن كان أنطونيوس ليس مناسبًا له أن يشكر على ذلك، فنحن الذين نشكر... لأن موت هذا الأب جعل هذا الشاب القديس يتأمل في تفاهة الحياة الأرضية، وكانت هذه هي أول دافع له على الرهبنة، فأسس لنا هذا الطقس الملائكي... وذلك أنه نظر إلى جثمان أبيه، وقال له: "أين عظمتك وقوتك وغناك؟ لقد خرجت من هذا العالم على الرغم منك. ولكنني سأخرج منه بإرادتي، قبل أن يخرجونني كارهًا". وهكذا ترك العالم، وصار أبًا لجميع الرهبان...
يوحنا الحبيب كان منفيًا في جزيرة بطمس... أترانا نشكر الله على هذا؟
نعم بلا شك. لأن الضيقة رفعت روحه إلى الرب، فكان "فِي الرُّوحِ" (رؤ1: 10). وفي هذا المنفى، رأى السماء مفتوحة، ورأى عرش الله والقوات السمائية من حوله، ورأى ما لا بد أن يكون بعد حين، وكتب لنا سفر الرؤيا المملوء عمقًا.
لا شك أن منفى يوحنا، كان أسعد أيام حياته.
وكان أمرًا يستحق الشكر. المهم أننا لا يكون نظرنا قاصرًا على حدود الضيقة، بل نمتد إلى ما وراءها، لنرى الخير العظيم الذي يقصده الله منها... ولا بد أن وراءها خيرًا وبركة...
فإن لم نشكر على الضيقة ذاتها، نشكر على الخير المقصود منها:
إن أهل العالم قد يفقدون مشاعر الشكر، عندما يقعون في أحزان ومتاعب متنوعة. وإن طلبت من أحدهم أن يشكر الله، يقول لك في تذمر وتعجب: "على أي شيء أشكر؟! ها أنت ترى الهمّ الذي أنا فيه..."، أما أولاد الله القديسون فلا تتعبهم كل هذه الأمور... فلماذا؟
لأنه لا يتعبهم سوى الانفصال عن الله. فما داموا ملتصقين به، يكفيهم هذا لحياة الشكر الدائم...
فهم يشكرونه في كل حال، في الفقر وفي الغنى، في الضيق وفي السعة، في المرض وفي الصحة، على الموت وعلى الحياة... إنهم دائمًا يشكرون، لأنهم في كل ذلك لم يفقدوا هدفهم الوحيد، وهو الالتصاق بالله... تراهم دائمًا فرحين ومتهللين، يقول كل منهم:
لو ضاع مني كل شيء، وبقي لي الله وحده، فهذا يكفيني، وأشكر الله عليه...
ذلك لأن الله هو لي الكل في الكل. فماذا يحزنني؟! يقول بولس الرسول "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ" (2كو12: 10). ولماذا يُسَرُّ؟ لأن الضيقات تجعله قريبًا من الله أكثر. وفيما هو في هذا الضعف تحل عليه قوة الله لتحميه فيقوى بالأكثر. لذلك قال بعدها مباشرة "لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ"...
كما أن الضيقات تسبب له الأكاليل، إن احتملها بشكر.
الإنسان الروحي إن أصابته ضيقة يقول: لولا أن وراءها خيرًا ما كان الله قد سمح بها، لذلك يجب أن أرضى بها.
الشكر بلا حدود
الشكر بلا حدود
لو عاش الإنسان حياة الشكر الحقيقية، لكان يشكر الله على كل نفس يتنفسه، وعلى كل خطوة يخطوها، وعلى كل عمل يعمله، وعلى كل ما يأتي عليه. ولا يرى أن هناك شيئًا إلا ويستحق الشكر، من تدابير الله معه. ويقول عن كل ما يحدث له "كله للخير...".
الفصل الثاني مجالات الشكر (1-5)
الفصل الثاني
مجالات الشكر
هناك أسباب كثيرة يجب أن نشكر الله عليها، أو هي مجال للشكر. ولكننا نادرًا ما نشكر! وبعضها يبدو لنا كأنه مجرد أمور عادية... وهناك أمور أخرى ربما كل تأثيرها علينا أننا نفرح بها. ولكننا نكتفي بالفرح ولا نشكر. وأمور ثالثة يكون واضحًا جدًا عمل الله فيها وكرمه وإحسانه. ولكننا نشكر إلى لحظة، ولا يستمر معنا الشكر أكثر من ذلك، أي أنها لم تستوفِ حقها من الشكر! وسنحاول في هذا الفصل أن نستعرض بعض مجالات الشكر، ونذكر لها أمثلة:
1- اشكر الله لأنه خلقك، وأنعم عليك بالوجود:
حقًا من منا يشكر الله على أنه خلقه، ومنحه هذا الوجود؟! كان ممكنًا يا أخي أنك لا تكون موجودًا. لم يكن الله مطالبًا أن يزيد العالم واحدًا...! اشكر الله أن والدتك لم تكن عاقرًا، بل منحها الله نعمة أن تلد بنين... إن مجرد ولادتك نعمة عظيمة من الله إذ يقال في المزمور "الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (مز127: 3). وكان ممكنًا أن لا يعطي والدك هذا الميراث! أو أن ينجبا إخوتك فقط، ولا ينجباك أنت بالذات...! فاشكر الله إذًا أنه خلقك وسمح بوجودك...
وفي هذا المعنى ما أجمل تلك القطعة التي وردت في القداس الغريغوري، والتي يقول فيها الأب الكاهن مناجيًا الرب في شكر "خلقتني إنسانًا كمحب للبشر. ولم تكن أنت محتاجًا إلى عبوديتي، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن...".
2- اشكر الله على الطبيعة التي حولك:
ألا يليق بنا جميعًا أن نشكر الله، لأنه خلق الإنسان في اليوم السادس، وأعدّ كل شيء لراحته قبل خلقه... فخلق قبل ذلك السماء، وزينها بالشمس والقمر والنجوم، وأوجد النور والضياء، وأعدَّ كل قوانين الفلك التي تربط علاقات الطبيعة في هذا الكون العجيب، ونظم الأمور الخاصة بالهواء والحرارة والأمطار. كما خلق النبات والحيوان، والكائنات الحية الأخرى سواء على الأرض، أو في الجو أو في البحر، وأوجد للإنسان طعامه قبل أن يخلقه. بل خلق له متعًا من جمال الطبيعة، من جمال الورود والأزهار، وتغريد البلابل والأطيار، وجمال الحدائق والأزهار...
وبعد أن أعدَّ الله كل سبل الراحة، خلق الإنسان.
فمَنْ من الناس يشكر الله على هذه الطبيعة، في كفايتها وفي تنوعها وفي جمالها؟! إن الكنيسة المقدسة تعطينا هذا التدريب الروحي، في الصلاة الشاكرة العارفة بالجميل، التي يقول فيها الأب الكاهن في القداس الغريغوري "أقمت السماء لي سقفًا، وثبت لي الأرض كي أمشي عليها... من أجلي ألجمت البحر. من أجلي أخضعت طبيعة الحيوان... لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك...".
3- اشكر الله على المواهب الطبيعية التي منحك إياها:
كثيرون لا يشكرون إلا على المواهب الفائقة للطبيعة، مثل شفاء المرضى وإقامة الموتى، والكشف الروحي والرؤى...! ولكن مَنْ مِن الناس يشكر على مواهب الحكمة والعلم والمعرفة، بينما وضعت هذه المواهب أولًا قبل مواهب الشفاء وعمل القوات والعجائب (1كو12: 8 –10).
هل تشكر الله مثلًا على ما وهبك من العقل أو الذكاء أو الخيال...؟
وهل تشكره أنه أعطاك مثلًا موهبة في الرسم، أو في الشعر، أو في الموسيقى؟ أو أنه أعطاك رخامة في الصوت، أو جمالًا في الوجه، أو قدرة على الإقناع، أو خفة في الروح تحبب الناس فيك؟ أو أنه وهبك قدرة على الاحتمال والصبر؟ كلها مواهب من الله تحتاج إلى شكر عليها...
4- هل تشكر الله على الإيمان الذي أنت فيه؟
هل تشكره على أنك ولدت مؤمنًا، ولم تبذل أي مجهود لكي تصل إلى هذا الإيمان؟! ذلك لأن كثيرين يشتهون هذا الإيمان ولا يجدونه... بل ويتعبون من أجله كثيرًا، ولا يستطيعون الوصول إليه، إذ تقف أمامهم كثير من المشاكل العقائدية، ومن المتاعب والمشاكل العائلية والاجتماعية وغير الاجتماعية... أما أنت فقد نلت هذا الإيمان مجانًا وسهلًا، إذ قد وُلدت فيه، وفي هذه العقيدة. ألا يستحق منك هذا الأمر شكرًا؟!
سمعت قصة عن فيلسوف ملحد، رأى فلاحًا أميًا يصلي
وتعجب كيف أن هذا الرجل البسيط راكع في حقله يخاطب من لا يراه... ويخاطبه من كل قلبه، وبكل مشاعره، وبكل ثقة وإيمان... فقال: إنني مستعد أن أتنازل عن كل فلسفتي وكل ما قد درسته من علم وكتب، مقابل أن أحظى بشيء من الإيمان الذي يتمتع به هذا الفلاح البسيط...
إن إيمانك نعمة، لم تحظ بها البلاد الملحدة.
ولم يحظ بها الملحدون في البلاد المؤمنة... أولئك الذين أتعبتهم أفكار قرأوها في الكتب أو سمعوها من آخرين... جاءتهم من بعض الكتب الفلسفية، أو بعض كتب العلم، أو بعض كتب الملحدين، أو من حروب الشياطين، وغرست فيهم شكوكًا دخلت إلى أذهانهم، ولم يستطيعوا أن يتخلصوا منها، أو لم يجدوا من يرد عليهم، ردودًا تقنعهم... طبعًا لكل هذه الشكوك ردود، ولكنهم لم يصلوا إليها... أما أنت ففي إيمانك لا يوجد ما يتعبك. أليس هذا أمرًا يحتاج إلى شكر؟!
تشكر الله أيضًا ليس فقط على إيمانك، بل بالأكثر على أن إيمانك سليم...
ذلك لأن كثيرين انحرف إيمانهم بسبب اختلاطهم بأفكار مذاهب أخرى، سواء بسبب اجتماعاتهم أو كتبهم أو نبذاتهم... وأصبح إيمان هؤلاء ليس كما كان من قبل، بل تغير في معتقداته...! ودخل فيهم روح الجدل لإثبات أفكارهم الجديدة...! أما أنت فاشكر الله أنك تحيا في إيمان سليم، بعيد عن الشكوك العقائدية...
5- اشكر الله على أنك ما زلت حيًّا:
وهذا يوافق ما ورد في صلاة الشكر، إننا نشكر الله لأنه "أتى بنا إلى هذه الساعة" إن حياتك يا أخي منحة من الله، بيده أن يبقيها أو أن ينهيها في أي وقت. وهو يجددها لك يومًا بيوم وساعة بساعة. فلتشكره على هذا اليوم الذي تحياه، وهذه الفرصة التي منحك إياها، لتحسن فيها مستواك الروحي، وتفعل خيرًا تجده هناك في العالم الآخر...
اشكره لأنه أعطاك بهذه الحياة فرصة للتوبة:
قال أحد الكتاب إن "ملايين الملايين من الذين في الجحيم، يشتهون ساعة واحدة من الحياة على الأرض" أو حتى دقيقة واحدة، ليقدموا فيها توبة لله، ولا يجدون...
يريدون وقتًا – مهما كان قصيرًا – يقدمون لله فيه اعترافًا كاملًا بخطاياهم، وانسحاق قلب طالبين مغفرته وصفحه... دقيقة واحدة يقولون فيها عبارة العشار: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13) أو عبارة اللص اليمين: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ..." (لو23: 42).
لو أن الله قرر أن يأخذ روحك الآن، ألا تشتهي بعض دقائق من هذا العمر الذي لك؟!
تقول له بعض دقائق يا رب أوزع فيها كل ما أملك على الفقراء وكل مقتنياتي وترفي، لأكنز بها كنزًا في السماء (مت6: 19، 20) ... بعض دقائق يا رب أتصالح فيها مع جميع الذين أخاصمهم، وأعتذر لهم، وأقدم لهم مطانيات عند أرجلهم، مهما كانوا هم المخطئين... نعم بعض دقائق أعترف فيها بجميع خطاياي بالتفصيل، حتى بما أخجل منه، حتى بما يقف على لساني ولا أستطيع أن أنطق به... أقوله بدون حرج، وآخذ عنه حلًا، قبل أن يغلق الباب وأقف خارجًا، قارعًا مثل الخمس العذارى الجاهلات (مت25: 10– 12).
نعم لماذا لا تشكر الله على هذه الحياة التي لك؟
لماذا لا تشكره على هذه الأيام التي ما زالت لك من العمر، وتستطيع أن تعمل فيها الكثير مما يرضي الرب، ومما يسعد الناس، وتكسب بذلك ملكوت السماوات، إذ تتوب وتحيا حياة روحية...!
ألا تشكر الله إلا إذا وجدت كنزًا من المال، أو حصلت على منصب كبير؟! وما أدراك، ربما هذا الكنز، أو هذا المنصب الكبير، يكون في هلاكك، وتفقد الملكوت بسببه!!
10-6) اشكر الله أيضًا، لأنه هيأ لك بيئة دينية:
6- اشكر الله أيضًا، لأنه هيأ لك بيئة دينية:
اشكره لأنه وهبك أبوين اهتما بعمادك، وعلَّماك طريق الرب، أو على الأقل لم يمنعاك عن السير في طريقه. اشكره لأنه هيأ لك خدامًا في الكنيسة يعتنون بك، حتى وصلت إلى هذا الوضع من المعرفة الروحية والسلوك الروحي، وأصبحت تهتم بخلاصك وتقرأ الكتب الروحية...
اشكره لأنه أرسل قدوات صالحة إلى طريقك، تتعلم منها الحياة الحقة كيف تكون، وعيَّن لك من يرشدك روحيًا...
اشكره لأنك الآن موجود في الكنيسة:
كثير من الشبان الآن، وفي هذه اللحظة موجودون في أماكن اللهو المختلفة، ولاهون عن خلاص نفوسهم، ومنشغلون بخطايا متعددة. أما أنتم فاشكروا الله أنكم في الكنيسة، وأن الكنيسة أصبحت جزءًا من حياتكم، لا يمكنكم الاستغناء عنها. ولولا نعمة الرب عليكم ما كنتم هكذا... فمن منكم يشكر الله الآن، لأن الله قد احتضنه في بيته، وأدخله موضع سكناه...؟
اشكر الله أيضًا لأنه لا توجد عوائق تمنعك عن بيته ولا عن الاندماج في الشركة مع أولاده.
كثيرون تعوقهم ظروف متعددة عن المجيء إلى الكنيسة: إما أن مواعيد عملهم تتعارض مع مواعيد الكنيسة، أو أن حالتهم الصحية أو الجسدية تمنعهم، أو أن كثرة أسفارهم شغلتهم، أو أنهم في قرية لا توجد فيها كنيسة، أو هم متغربون أو مهاجرون في بلد لا توجد فيه كنيسة، أو لأي سبب آخر... أما أنت فاشكر الله لأنه لا يوجد أمامك شيء من هذه الموانع كلها...
واشكره لأن اندماجك مع أبنائه يمنحك قوة روحية.
ذلك لأنهم يدفعونك باستمرار إلى قدام، وتجد معهم بيئة مقدسة تتبادل فيها الأحاديث الروحية. كما أن سيرتهم تسبب لك خجلًا إن تصرفت أي تصرف خاطئ. وصلتك بهم تقوي رابطتك بالكنيسة وبما فيها من أنشطة واجتماعات. كما تجد في مجالهم صداقات روحية نقية تشبع عواطفك. وكما قال الكتاب: "اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ... لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ" (جا4: 9، 10).
أليس حقًا إذًا أن تشكر الله على صداقاتك الروحية.
كل صديق روحي، هو كنز لك من الله تشكره عليه وبنفس الوضع الأب الروحي والمرشد الروحي، وكل من يسندك في حياتك الروحية، وكل من تجد في عشرته جوًا روحيًا يمكن أن تنمو فيه روحك... اشكر الله على الأشخاص الذين وضعهم في طريقك واستفدت منهم. إنه هو الذي أرسلهم إليك...
7- نشكر الله أيضًا، لأنه لم يعاملنا بحسب خطايانا.
وهذا ما ذكره داود النبي في المزمور (103) الذي بدأه بقوله: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ"... إلى أن قال: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ... لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا. لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز1.3: 8- 14).
وهكذا نصرخ نحن للرب في صلواتنا قائلين: "كرحمتك يا رب ولا كخطايانا" والعجيب أن الله يفعل ما هو أكثر:
فلا يكتفي بعدم معاقبتنا، إنما أيضًا يصنع معنا إحسانًا!
كم من مرة – ونحن في عمق الخطايا – نطلبه فيستجيب، بكل حب، كأننا لم نخطئ إليه ولم نكسر وصاياه! إنه يخجلنا بمحبته وحنانه، ونسيانه للإساءة، ومقابلتها بالإحسان! ألا نشكره كثيرًا من أجل كل هذا؟!
إن الذي يتأمل خطاياه، وكم هي بشعة، يتعجب من حنو الله في تعامله معه، كيف أنه يطيل أناته عليه، ولا يطبق عليه ما تستحقه هذه الخطايا من عقوبة أمام العدل الإلهي.
كم من خطايا تبدو أبسط من خطاياك بكثير، نالت عقوبات شديدة جدًا. والأمثلة عديدة ومتنوعة:
حنانيا وسفيرة، كذبا على بطرس الرسول في إخفاء جزء من المال، فكانت النتيجة أنهما وقعا ميتين للتو، دون أن تعطى لهما حتى فرصة للتوبة... ومع ذلك كم من أناس يكذبون مرارًا كل يوم، وقد يكذبون على كهنة ورؤساء كهنة. والله صابر لا يعاقبهم. راجع نفسك في هذه النقطة، واشكر الله.
والسيد المسيح يقول من قال لأخيه: "يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت5: 22). وكم من مرة نقول هذه العبارة، أو ما يشابهها في المعنى... ثم نعترف بالخطأ، ويغفر لنا الله، ولا تلحقنا نار جهنم...
هيرودس الملك مجده الناس، وقالوا: "هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!" وسكت "فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ" (أع12: 22، 23). ونحن كم يمجدنا الناس أحيانًا ونسكت، ولا يعاقبنا الله بشيء. ألا نشكر الله على عدم معاقبته؟!
زكريا الكاهن مجرد أنه استصعب أن يكون له ولد وهو شيخ، عاقبه الله بأن بقي صامتًا تسعة أشهر حتى ولد الصبي.
ونحن ألا نخطئ كل يوم خطايا أكثر من زكريا الكاهن، ومع ذلك فلا عقوبة!
ألا نشكر الله إذًا على أنه لم يستخدم معنا عدله الإلهي "ولم يجازنا حسب خطايانا"؟! فلنحسب خطايانا التي نرتكبها كل يوم، وربما كل ساعة، ويقابلها الله بصبر عظيم...! ومع ذلك ها نحن نحيا، وطول أناة الله ما زالت صابرة علينا، لكيما تقودنا إلى التوبة.
فلنشكر الله إذًا على احتماله العجيب...
الناس لا يحتملوننا في القليل، وهم معرضون للخطأ مثلنا والله الكلي القداسة والصلاح، والكلي العدل، يحتملنا في أمور خطيرة جدًا تتكرر منا كل يوم، ومع ذلك لا نشكر! بل نحن أنفسنا ربما لا نقدر أن نحتمل غيرنا فيما هو أقل بكثير من الأمور التي نخطئ فيها إلى الله، ويحتملنا... بل ويحتمل الله جميع الخطايا، التي يخطئ بها جميع الناس، في جميع البلاد، في كل حين، في الماضي والآن وفي المستقبل. ولم يضرب العالم بضربات قاسية، مثلما فعل قبلًا في الطوفان وحرق سدوم... ومع ذلك لا نشكره!!
ألا تركع حاليًا وتقول: "أشكرك يا رب لأنك احتملتني، ولا تزال تحتملني، وتحتمل عدم شكري"! حقًا يا رب أنك طيب وحنون. وما أصدق قول داود النبي عنك:
"يَا اَللهُ، مَنْ مِثْلُكَ؟ ... ليسَ لَكَ شَبيهٌ في الآلِهَةِ يا رَبُّ ولا مَنْ يَصْنَعُ كأعْمالِكَ" (مز71: 19) (مز86: 8).
جميل هو التأمل في معاملات الله، سواء لك أو لغيرك. وجميل هو التأمل في صفاته الجميلة. إنك تتغنى بها فتشكره عليها. تشكره لأنه حنون، ولأنه طيب، ولأنه محب، ولأنه غفور، ولأنه طويل الأناة، ولأنه "يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز103: 14) ويعاملنا هكذا...
8- اشكر الله أيضًا على إحساناته ورعايته:
اشكره على إحساناته إليك، وإلى كل أحبائك وأصحابك وأقاربك ومعارفك، وإلى باقي الناس. اشكره على إحساناته إلى الأسرة وإلى الكنيسة وإلى الوطن... إحساناته العامة والخاصة.
أجلس بينك وبين نفسك، واستعرض حياتك منذ وُلدت:
كم مرة طلبت من الرب طلبًا، فاستجاب لصلاتك، وأعطاك سؤل قلبك؟ كم ضيقة أنقذك منها؟ كم امتحانات أنجحك فيها، وكنت تشعر أنك غير مستعد لها؟ كم مرض شفاك منه أو أنقذك من الإصابة به؟ كم مشكلة حلها لك؟ كم قضية كانت نتيجتها في صالحك؟ كم خطية ارتكبتها ولم يسمح أن تنكشف للناس؟ كم باب رزق فتحه أمامك؟ كم عمل قمت به ووفقك فيه؟ كم مرة كان معك في خدمتك وفي نشاطك؟ كم أعطاك نعمة في أعين الآخرين؟ كم عثرة أنقذك منها؟ وكم خطية كدت تقع فيها وانتشلتك النعمة؟ كم وكم وكم...؟؟؟
أتستطيع أن تحصي إحسانات الله إليك؟! لست أظن هذا ممكنًا...!
فكم بالأكثر لو أضفت إليها إحساناته إلى أحبائك، وإحساناته العامة التي شملتك وشملت غيرك أيضًا... والخيرات التي أتتك حتى بدون صلاة وبدون طلب، وإنما من فرط نعمته وافتقاده وحبه... كل ذلك ضعه أمامك، وقدّم عنه شكرًا في كل تفاصيله. وبخاصة الأمور التي كانت معقدة جدًا، ولم يكن أحد يستطيع حلها سوى الله، وقد كان... سجل كل هذا، حتى لا تنساه...
9- اشكره على الصحة التي يمنحك إياها:
مَنْ منا مثلًا يشكر الله لأنه يبصر؟ لكنه إذا مرضت عيناه، وبدأ يعالجها، يبدأ حينئذ يشعر بنعمة البصر التي لم يشكر عليها من قبل. كذلك مَنْ منَ الناس يشكر الله على أنه يمشي حسنًا على قدميه؟ ولكنه لا يذكر ذلك، إلا إذا حدث له كسر في رجله، واحتاج إلى عصا يتوكأ عليها. حينئذ يدرك أن مجرد المشي على قدميه كان أمرًا يحتاج إلى شكر... حقًا ما أصدق قول الحكيم:
الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء، لا يحس به إلا المرضى.
فنحن من عادتنا أننا لا نشعر بقيمة الشيء الذي عندنا، إلا إذا فقدناه... وهكذا لا نشكر الله على أن أجهزة جسدنا سليمة، إلا إذا اختل واحد منها. فلا أحد يشكر الله على معدة سليمة تهضم الطعام جيدًا. ولكنه إذا مرضت معدته، ونقص بعض من عصاراتها، أو أصيب بقرحة في المعدة، حينئذ يشكر الله على كل يوم تقوم فيه معدته بعملها الطبيعي، أو تعمل دون أن تتألم، أو بدون دواء؟ اشكر الله إذًا على صحتك، لأن كثيرين يشتهون الحالة التي أنت فيها، ولا يجدونها...
10- وكما تشكره على الصحة، اشكره أيضًا على المرض.
ذلك لأن المرض ليس شرًا في ذاته، لعازر المسكين كان مثقلًا بالأمراض، وكانت الكلاب تلحس قروحه... لكن كل هذا لم يكن شرًا في ذاته، ولم يفصله عن الله، بل بالعكس كان لفائدته. فعندما اتكأ في أحضان إبراهيم، قدم عنه تقريرًا أنه "استوفى بلاياه على الأرض، لذلك هو يتعزى" (لو16: 25). هكذا فلتشكر الله على المرض، لأنك قد تستوفي به البلايا، وتأخذ نصيب لعازر المسكين... قال القديس باسيليوس الكبير:
"إنك لا تعرف ما هو المفيد لك: الصحة أم المرض".
القديس بولس الرسول أُعطى شوكة في الجسد، لمنفعته الروحية "لئلا يرتفع من فرط الإعلانات. وقد طلب من الله ثلاث مرات أن يفارقه هذا المرض" (2كو12: 8). ولكن الله لم يستجب صلاته، بل قال له: "تكفيك نعمتي".
طبعًا نحن بضعفنا البشري نطلب الصحة. ولكننا لا نعرف ما هو المفيد لنا...
ربما يتعبني المرض على الأرض، ولكنه يساعدني على دخول الملكوت.
هكذا إذا كان استغلالي له حسنًا. ومن الناحية الأخرى ما أكثر ما تكون القوة الجسدية ضارة لمن يستخدمها بطريقة خاطئة! المهم إذًا هو الصحة الروحية.
حُكي في بستان الرهبان عن أحد النبلاء الأثرياء، أن كانت له ابنة وحيدة مريضة مشرفة على الموت. فطلب من أحد الآباء القديسين أن يصلي من أجلها لكي تشفى. فحاول القديس أن يعتذر بكافة الطرق، ولكن الرجل ألح عليه. فصلى القديس وعاشت الفتاة، إلا أنها سلكت في سيرة شريرة أضاعت كرامة أبيها، لدرجة أنه عاد إلى القديس مشتهيًا أن تموت هذه الابنة الوحيدة!!
عجيب أن كثيرين لا يذكرون في المرض سوى أوجاعه:
دون أن يذكروا بركات المرض وفوائده! بل أن البعض قد يصل إلى حالات من الضيق والتذمر، وقد يعاتب الرب ويقول: لماذا يا رب فعلت بي كل هذا؟ أما أنت فلا تكن هكذا.
إنما في مرضك اشكر الله على البركات التي حصلت عليها نتيجة لهذا المرض:
قل له أشكرك يا رب على هذا المرض، الذي أعطاني فرصة أعمق للصلاة، أو الذي أعطاني توبة، ومنحني تواضعًا وانسحاق قلب وشعورًا بضعفي. أشكرك يا رب على هذا المرض الذي جعلني أشعر بمحبة الناس وسؤالهم عني. أشكرك لأن المرض منحني فترة خلوة قضيتها على الفراش، وكانت لازمة لي، على الأقل لأفحص نفسي، ولأنفرد بك.
نشكر الله أيضًا، لأنه سترنا، وأعاننا، وحفظنا وقبلنا إليه، وأشفق علينا وعضدنا، وأتى بنا إلى هذه الساعة...
هذا ما تعلمنا الكنيسة أن نشكر الله عليه، في صلاة الشكر التي نرددها مرات في صلوات الساعات (في الأجبية) كل يوم... وكل كلمة من كلمات الشكر هذه، تحتاج إلى تأمل خاص.
وقد نشرنا لك عنها كتابًا خاصًا، اسمه "تأملات في صلاة الشكر" صدر منذ سنة 1964م وأعيد طبعه عدة مرات، فيمكنك الرجوع إليه.
11- 17) اشكر الله أيضًا على الخير الذي تراه، والخير الذي لا تراه...
11- اشكر الله أيضًا على الخير الذي تراه، والخير الذي لا تراه...
تشكره على الخير الذي تراه بالعيان، والخير الذي تراه بالإيمان. إن الله كما يدعونا أن نعمل خيرًا في الخفاء، وهو يرى هذا الذي في الخفاء ويجازينا علانية (مت6: 4، 6) ... كذلك هو أيضًا يعمل من أجلنا كثيرًا من الخير في الخفاء، يجب أن نشكره عليه علانية.
كثير من الخير الذي نتمتع به الآن، كان يعده لنا الله من سنوات طويلة، ونحن لا نعلم. وهو لا يزال يعد لنا خيرًا، ستظهر نتائجه في المستقبل، فنشكر عليها حينئذ. وهو يعمل خيرًا من أجلنا الآن وفي كل لحظة، ولكننا لا نبصر...!
12- بل كل عمل صالح نحن نعمله يد الله فيه، ولولا ذلك ما استطعنا أن نعمل شيئًا صالحًا على الإطلاق...
أليس هو القائل "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5). هو إذًا العامل فينا، والعامل معنا. هوذا القديس بولس الرسول يقول: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ" (في2: 13). إذًا مجرد أن نريد شيئًا يسر الله، هذا أمر يجب أن نشكر الله عليه، لأن هذه الإرادة الصالحة التي لنا هي من عنده. وكوننا نعمل عملًا صالحًا، هذا أيضًا من عنده. ويجب أن نشكره عليه...
13- وهنا يجب أن نشكر الله على النعمة العاملة فينا:
إن النعمة من الأمور الأساسية التي يجب أن نضعها في قائمة شكرنا لله. هوذا القديس بولس الرسول يقول: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). ألا يستحق الله منا كل شكر على هذه النعمة العاملة فينا؟!
نشكره إذًا على شركة الروح القدس في حياتنا.
هذه التي هي جزء من البركة الممنوحة لنا (2كو13: 14). نشكره لأنه جعلنا هياكل لروحه القدوس، كما قال الرسول: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1كو3: 16). روح الله هذا الساكن فينا، هو الذي يبكتنا على خطية (يو16: 8). وهو الذي يعلمنا كل شيء (يو14: 26). ويرشدنا إلى جميع الحق (يو16: 13). وهو الذي يعطينا قوة في الخدمة حتى نشهد لله في كل موضع (أع1: 8) ... ألا نشكر كل حين على عمل الروح فينا.
فإن عملنا في وقت ما عملًا صالحًا، فلنشكر الله على ما عملنا، لأنه هو الذي عمله عن طريقنا.
خطأ كبير هو، أننا بدلًا من شكرنا لله نفتخر ونشكر أنفسنا، كما لو كنا بقوتنا أو بتقوانا قد عملنا عملًا. هذا الفخر هو الذي يمنع عمل النعمة فينا، حتى لا نصير أبرارًا في أعين أنفسنا (أي32: 1). وهكذا نحزن الروح القدس... ليتنا إذًا نذكر قول القديس بولس الرسول (1كو1: 31):
"مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ" (2كو10: 17).
لأنه هو الذي يمنح الإرادة والقوة والمعرفة، ولولاه ما كنا نستطيع أن نعمل شيئًا. إن كان القديس بولس يقول: "لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). فماذا نقول نحن الضعفاء العاجزين. كل ما نستطيع أن نعمله هو أن نشكر الله ونرجع الفضل إليه. وحينئذ يزداد عمل النعمة فينا، ويتكاثر الثمر جدًا...
14- اشكر الله أيضًا لأجل الفداء العظيم الذي قدمه لنا:
يوجد أمر عظيم جدًا، يتصاغر أمامه كثير من الأمور السابقة، ويحتاج إلى شكر طوال الليل والنهار... وهو الخلاص العظيم الذي قُدَّم لنا على الصليب، ولولاه لهلكنا جميعًا...
من منا يشكر سيدنا يسوع المسيح، لأنه صُلب من أجلنا؟ لأنه تجسد وسكب دمه لأجلنا؟ إن حكم الموت الذي وقع على البشرية ما كان ممكنًا لأحد أن يخلص منه، بدون تجسد الابن وصلبه وموته.
لقد أنقذنا المسيح بموته. إذ مات عنا. فمن منا كل يوم وكل ليلة، يذكر صليب المسيح ويشكره لأنه دفع الثمن نيابة عنا، وبدون هذا الثمن، ما كان ممكنًا أن تنفع الأعمال الصالحة ولا التوبة، ولا أي شيء آخر.
مات المسيح عنا، وأصبحنا "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ" (رو3: 24).
أفلا نشكر إذًا على الخلاص المجاني الذي نلناه؟
هذا الخلاص الذي لم نبذل فيه جهدًا، والذي دبره الله هكذا، دون أن نطلبه...! وما كنا مستحقين مطلقًا... "وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا... مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ" (رو5: 8، 6) "الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ" (1بط3: 18)... أي حب أعظم من هذا، وأي بذل؟ أما ينبغي أن نضع هذا الخلاص أمامنا باستمرار، ونشكره عليه؟
الكنيسة تذكرنا بهذا الأمر في مناسبات متعددة، لكيلا ننساه.
في كل سنة تقيم لنا أسبوع الآلام، أسبوع البصخة، ويوم الجمعة العظيمة، بذكرياته العميقة المؤثرة، حتى لا ننسى صليب الرب، بل نذكر ونشكر. فهل يكفي هذا التذكار السنوي؟ كلا، لأننا ننسى. ماذا تعمل الكنيسة إذًا؟ جعلت كل يوم جمعة في الأسبوع صومًا لنتذكر فيه صليب المسيح، لأننا ننسى، وبالتالي لا نشكر عليه... فهل يكفي هذا التذكار الأسبوعي؟ كلا... لذلك وضعت لنا الكنيسة صلاة الساعة السادسة من النهار، لكي نتذكر هذا الفداء العظيم، وتمتلئ قلوبنا شكرًا.
في كل يوم نشكر الله، لأنه أعطانا خلاصًا هذا مقداره.
وهذا نوع من الشكر الجماعي، للكنيسة كلها، يردده جميع المؤمنين معًا، إذ يقولون في الساعة السادسة من كل يوم "...بمشيئتك سررت أن تصعد على الصليب، لتنجي الذين خلقتهم من عبودية العدو. نصرخ إليك ونشكرك، لأنك ملأت الكل فرحًا، لما أتيت لتعين العالم. يا رب المجد لك".
15- نشكر الله أيضًا، لأنه أعطانا أن نعرفه:
وهكذا يقول الأب الكاهن في صلوات القداس الغريغوري: "أعطيتني علم معرفتك". ويقول أيضًا: "أرسلت ليَّ الناموس عونًا" فهل نحن نشكره على هذه البشارة المفرحة في الإنجيل وكل ما في الكتاب المقدس من فكرة عن الله وعمله، ومعاملاته مع الكل، وصفاته المقدسة؟
وإن كنا حينما تُقرأ علينا في الكنيسة عظة لأحد القديسين، نرتل له لحنًا نشكره فيه "لأنه أضاء عيون قلوبنا بتعاليمه النافعة، فأي شكر نقدمه على هذه الذخيرة العظمى التي تركها لنا آباؤنا القديسون الأنبياء والرسل، الذين تركوا لنا كل وصايا الله وناموسه ونبوءاته "مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2بط1: 21).
لقد عرفنا الله في كتابه، ورأيناه في ابنه.
"اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18). وبه قد عرفنا الآب... وهو نفسه قال للآب: "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ... وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 25، 26).
مبارك هو الله الذي أعطانا أن نعرفه ونعرف طرقه.
ونعرف وصاياه أيضًا وتعاليمه، ونعرف أنبياءه وقديسيه. نشكره على هذه المعرفة التي لا نستحقها. ونشكره لأنه أعطانا أن نعرف "مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ..." (رؤ1: 1). وأعطانا فكرة عن سمائه وملائكته وملكوته. ونقلنا بهذه المعرفة إلى مستوى عالٍ من فوق هذا المستوى الأرضي الذي نعيش فيه...
16- نشكره أيضًا من أجل وعوده لنا:
نشكره من أجل النعيم الأبدي الذي يعده لنا في أورشليم السمائية مسكن الله مع الناس، حيث يسكن معنا ونكون له شعبًا (رؤ21: 2، 3). وهو قد وعدنا قائلًا "... آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 3). ووعدنا أيضًا بما "لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9). وأن نجلس معه في عرشه كما يجلس هو مع الآب في عرشه (رؤ3: 21). ووعدنا أن نأكل من المن المخفي، ونأكل من شجرة الحياة (رؤ2: 17، 7).
هذه وعوده في الأبدية، ومعها وعوده لنا على الأرض:
نشكره على وعده أن يكون معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت28: 20) وقوله لنا: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت18: 20). ونشكره على وعوده لنا بالحفظ، وقوله: "أَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30) وقوله لكل واحد منا: "هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ" (إش49: 16).
17- نشكره لأنه دعانا أبناء له وأحباء:
هكذا قال القديس يوحنا الحبيب: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" (1يو3: 1). وعلمنا الرب أن نصلي قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ..." (مت6: 9). وقال لنا أيضًا: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو15: 15). بل سمانا أيضًا خاصته، وقيل عنه إنه "أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو13: 1).
واعتبر علاقتنا به كعلاقة الغصن بالكرمة، وعلاقة الجسم بالرأس، وعلاقة العروس بعريسها.
فقال: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ" (يو15: 5). وقال القديس بولس الرسول عنه إنه "رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ" (أف1: 22، 23). وأيضًا "لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ" (أف5: 23). وقال أكثر من هذا "لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" (أف5: 30). وعندما ذكر أن الكنيسة هي عروس المسيح قال: "هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ" (أف5: 32). ويوحنا المعمدان أيضًا قال عن المسيح والكنيسة "مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ" (يو3: 29).
نشكر الله أيضًا، أنه في ظل هذه العلاقة: جعل علاقته بنا، هي علاقة حب بلا خوف.
وقال إن الوصية الأولى هي "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (مت22: 37). وقال القديس يوحنا الرسول: "فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو4: 10). وقال أيضًا: "للهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 16، 18).
الفصل الثالث فضائل تتعلق بالشكر
الفصل الثالث
فضائل تتعلق بالشكر
الإيمان.
الصبر.
الاتضاع.
الهدف السليم.
فضائل أخرى.
الإيمان
الإيمان
إن حياة الشكر مرتبطة بفضائل أخرى تسبقها وتندمج معها. ومن أهم هذه الفضائل الإيمان... وأقصد بالذات الإيمان بالله في صفات معينة بدونها لا يمكن الوصول إلى حياة الشكر، وفي مقدمة ذلك:
الإيمان بالله كصانع للخيرات، ومحب للبشر وقادر على كل شيء.
فهو يحبك كإنسان، أكثر مما تحب نفسك، ويهتم بك من كل ناحية أكثر من اهتمامك بنفسك، ولذلك هو يصنع معك خيرًا باستمرار، ولا بد كمحب للبشر أن يصنع معك خيرًا، حتى دون أن تطلب. وهو قادر أن يعطيك كل ما يلزمك وما ينفعك، مهما كانت العقبات والعوائق. هو قادر على كل شيء.
وهو أيضًا ضابط للكل، يرقب كل ما يحدث...
ويحفظك من كل شر، يحفظ نفسك، يحفظ دخولك وخروجك (مز121: 7، 8).
فالحرية التي وهبها الله للناس، لا تعني أنه تخلى عن إدارته للكون، وترك كل إنسان يفعل كما يريد بلا ضابط. إنما الله يعطي الحرية ويراقب ويلاحظ كل شيء، ويدبر الأمور بحسب مشيئته الصالحة، ويغير ما يراه محتاجًا إلى تغيير. ويوقف بعض الأمور، ولا يسمح بأمور أخرى، وكل هذا يحتاج إلى شكر...
هنا تشكر الله على تدبيره للكون وحفظك من الأشرار.
ويزول منك الخوف، وتشعر بالاطمئنان إلى حماية الله... لأن الشر الذي تخشاه، إنما يأتيك من مصادر ثلاثة: إما من الناس الأشرار، وإما من الشياطين، وإما من نفسك، أي من حريتك الشخصية التي تضر بها نفسك. والله كضابط للكل، يهيمن على كل هذه المصادر، وما أكثر ما أوقفها لأجل خلاصك، سواء كنت تدري أو لا تدري. فالله لا يمنح الحرية المطلقة لأحد، وإلا هلك العالم...! استمع إلى داود النبي يتغنى:
"لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء، عِنْدَ سَخطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنا" (مز124: 2، 3).
اشكر الرب إذًا، لأنه يحميك من الناس الأشرار "فلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 10). وإن أصابك سوء في يوم من الأيام، فثق أن ذلك لفائدتك، وسينتهي بخير، وتنال من ورائه بركة. لذلك اشكر الرب على كل ما يأتيك، حتى من الشر الذي سيخرج الرب منه خيرًا. هذا من جهة الناس الأشرار. وأيضًا...
حتى الشياطين ليسوا أحرارًا حرية كاملة فيما يعملون...
إن الله لم يتركهم لهواهم، وإلا لأفسدوا وأهلكوا الأرض كلها...! أمامنا مثل واضح في تجربة أيوب الصديق، وكيف أن الشيطان كانت حريته محدودة. إذ كان يقترح أمورًا. والله يسمح له أو لا يسمح. ويضع له حدودًا وقيودًا معينة. وقال له أولًا "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ" (أي1: 12). وفي المرة الثانية سمح له أن يمد يده إلى جسد أيوب، دون عقله ونفسه (أي2: 6).
اشكر الله إذًا، الذي قيد حرية الشيطان...
وهذا الأمر يمنحك السلام القلبي، فلا تخاف من الشياطين، ولا من أعوانهم من الناس الأشرار. والسلام وعدم الخوف نعمة أخرى تشكر الله عليها، وتقول في ثقة: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟!" (رو8: 31). وهكذا تعيش في اطمئنان دائم. وهذا الاطمئنان هو أيضًا نعمة، تحتاج إلى شكر.
الإنسان المؤمن يعيش إذًا في سلام واطمئنان وثقة بعمل الله وعدم خوف. وتتحول حياته بهذا الإيمان إلى شكر دائم.
وهذا الإيمان الذي سبب له الشكر، هو أيضًا نعمة تحتاج إلى شكر.
إنه ينام في حضن الله مطمئنًا، شاكرًا عنايته، مهما كانت الظروف المحيطة به ضاغطة. وذلك لأنه ينظر باستمرار إلى عمل الله، وليس إلى الظروف الضاغطة. ويقول مع داود النبي، في ملء الإيمان: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
قد تقف ضد هذا الإيمان رؤيتنا البشرية القاصرة.
تقف ضد الإيمان، وبالتالي لا تسمح بوجود الشكر، بل قد تسبب القلق والاضطراب والخوف، والشعور ببعد المعونة الإلهية! ولكن رؤيتنا البشرية قاصرة ومحدودة. لأنها تبصر فقط المشاكل الحالية، ولا تبصر الحلول المقبلة! تبصر الألم الحاضر، ولا تبصر فرح المستقبل. لذلك إذا عشت في المشكلة تتعب. أما إن عشت في الإيمان فسوف ترى حلولًا كثيرة، فتفرح وتشكر الله.
هناك فرق كبير بين الإيمان والعيان.
العيان معناه أنك ترى الأشياء بعينيك، ولا تشكر إلا على الخير المحسوس الذي تراه بعينيك. أما في الإيمان فإنك تشكر على الخير الذي لا تراه، ولكنك تؤمن أنه موجود، واثقًا بعمل الله...
الإيمان يرى ما لا تراه العين وما لا تدركه الحواس.
إنه يبصر عمل الله ونعمته القادمة ومعونته. ويرى عمل الله المقبل كأنه موجود الآن، ويفرح به ويشكر عليه. يرى ما ليس كائنًا كأنه كائن. ويبصر الله يقوده في مراع خضراء، ويحفظ دخوله وخروجه. الإيمان يقول مع الرسول:
"كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28).
ليتكم تحفظون هذه الآية، وتضعونها أمامكم باستمرار، فتكون لكم ينبوعًا للشكر. لاحظوا في هذه الآية عبارة "لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ"... إن الذين يحبون الله، يشعرون بمحبته، ويصدقون مواعيده، لذلك هم يؤمنون بكل يقين أن كل الأشياء تعمل معهم للخير، لأنها تحت ضبط الله محب البشر...
لذلك هم يعيشون في فرح دائم، وفي شكر دائم، يتفقان مع محبتهم لله. الإيمان يصدق بالحب كل شيء (1كو13: 7).
إنه يصدق أن الصخرة الصماء يمكن أن ينفجر منها الماء (خر17: 6). ويصدق أن الله يمكنه أن يشقّ له طريقًا في البحر يسير فيه آمنًا (خر14: 31). ويؤمن كذلك أن الله ينزل له من السماء المن والسلوى ليأكل (خر16). كذلك بالإيمان يرى الله معه في جب الأسود، ومعه في أتون النار (دا3: 6).
الصبر
الصبر
المسألة كلها مجرد عامل زمن، ما بين الإيمان والعيان.
فأنت تؤمن بما لا يُرى بالحواس. وتعطي الله مدى زمنيًا يريك فيه هذا الأمر بالعيان، بعد حين. وطوبى لمن آمن دون أن يرى (يو20: 29).
بعين الإيمان انظر إلى المتاعب في ضوء تدخل الله الذي يحولها إلى خير...
ينبغي أن يكون الإنسان صبورًا وطويل الأناة ليرى عمل الله.
لأن هناك أعمالًا تبدو متعبة، ولكنها تتحول إلى خير في مدى زمني، قد يطول أحيانًا، ويلزم الإنسان أن ينتظر الرب. والله لا بد سيعمل، في الوقت المناسب الذي تحدده مشيئته الصالحة.
ولنأخذ مثالًا ما قد حدث ليوسف الصديق:
لقد بيع كعبد. ومع أنه سكت على ذلك، وخدم كعبد بمنتهى الأمانة والإخلاص، إلا أن تهمة رديئة لفقتها له امرأة فوطيفار، وألقي بها إلى السجن. ومر وقت، بدا أن الله قد تركه ولم يعمل على إنقاذه. ولكن الله في الوقت المناسب، حول هذه التجربة إلى الخير، وأخرجه من السجن ليكون الوزير الأول في مصر. إذًا المسألة تحتاج إلى صبر، وأن ننتظر الرب، ونؤمن أنه قادر على أن يحول الشر إلى خير.
كذلك في قصة مردخاي وهامان.
لقد مرَّ وقت طويل لقى فيه مردخاي اضطهادات من هامان، حتى أنه أعدَّ له صليبًا ضخمًا ليصلبه عليه، بل تمادى في ظلمه وكبريائه حتى كاد يهلك الشعب كله. ولكن في الوقت المناسب تدخل الله لينقذ مردخاي والشعب بأجمعه. والصليب الذي أعده هامان لمردخاي صُلب عليه هامان نفسه (أس7: 10).
انظروا أيضًا الاضطهادات التي أثارها دقلديانوس على الكنيسة...
كان حاكمًا في منتهى القسوة، وقد سفك الكثير من دماء الشهداء. ولكن في الوقت المناسب تدخل الله، وخلَّص شعبه منه. دقلديانوس الذي انتهى نهاية رديئة. وأصدر قسطنطين مرسوم ميلان سنة 313م وسمح بالحرية الدينية. واستفادت المسيحية من الاضطهادات عمقًا في الروحيات وثباتًا في الإيمان.
لا توجد مشكلة تستمر إلى الأبد...
لا بد أنها ستنتهي في يوم ما. والمسألة تحتاج إلى صبر مؤسس على الإيمان. انظروا مثلًا إلى تجربة أيوب: كانت شديدة جدًا، وامتدت حتى شملت كل أمواله وبنيه وبناته، وصحبته، ونظرة أصدقائه وزوجته إليه، واستمرت مدة، ثم انتهت إلى خير وإلى أفضل. وهكذا قال معلمنا يعقوب الرسول: "هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ" (يع5: 11). "وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ... وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال" (أي42: 12، 16).
واستفاد أيوب فوائد روحية من تجربته تستدعي الشكر.
كما استفاد خيرًا كثيرًا في دنياه. وكذلك في القصص السابقة ما أعظم الفوائد التي نالها مردخاي والشعب، والتي نالها يوسف وإخوته، والتي ما كان ممكنًا الحصول عليها إلا بالتجربة والضيقة. ولكن بالإيمان والصبر نرى مقاصد الله، ونحصل على الخير والبركة.
الاتضاع
الاتضاع
لكي تستطيع أن تحيا حياة الشكر في عمقها، يلزمك أن تحيا حياة الاتضاع وانسحاق القلب.
الإنسان المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئًا...
لذلك فهو يشكر على كل شيء...
كل ما يُعطى له من الله – مهما كان قليلًا – يشكر عليه ويفرح به، شاعرًا في عمق أعماقه أنه لا يستحقه...
أما المتكبر، فإنه على عكس ذلك، يظن في نفسه أنه يستحق أشياء كثيرة، أكثر مما عنده، فيتذمر على ما هو فيه... إن نال منصبًا كبيرًا، ربما لا يشكر، لأنه يعتقد في نفسه أنه أهل لمنصب أكبر وأكبر. وإن مدحه البعض، ربما يظن أن هذا المديح أقل من مستواه. أما المتضع فإنه يخجل من أقل كلمة مديح يوصف بها، لأنه يعرف ذاته...
المتضع لا يشعر فقط أنه لا يستحق شيئًا من الخير، بل أكثر من هذا يرى أنه مستحق لعقوبات شديدة من الله وتأديبات عنيفة...
لذلك إن أصابته البلايا، فيقول أنا أستحق أكثر من هذا بسبب خطاياي. ويشكر قائلاً: "إنها رحمة من الله أن يعاقبني بأقل مما أستحق. وخير لي أن أعاقب هنا على الأرض أفضل من العقوبة الأبدية".
مثال ذلك: لو أن مجرمًا ارتكب جريمة قتل بشعة، وحكم عليه القاضي – نظرًا لظروفه النفسية – بالأشغال الشاقة المؤبدة. مثل هذا المجرم، ما أن يسمع الحكم عليه، حتى يرفع صوته بالشكر، لأنه في يقينه يرى أنه مستحق للإعدام، وقد عامله القاضي بكل رحمة... بل أنه يشد على يد محاميه بحرارة ويقول له: أشكرك يا أستاذ على المجهود الكبير الذي بذلته من أجلي، حتى حُكم عليَّ بالأشغال الشاقة المؤبدة. كانت رأسي على وشك الدخول في حبل المشنقة. ولكنك أنقذتني...
هكذا المتضع يرى باستمرار أن عقوباته أقل من استحقاقه.
كلما تأتيه الضيقة أو مشقة أو بلية، يقول: أشكرك يا رب لأنك حنون جدًا وتعاملني بأقل من عقوبة خطاياي. يا لشفقتك العجيبة! حقًا يا رب إن يدك عليَّ لا عصاك...
يقول هذا من يعرف نفسه جيدًا، ومن يدرك ثقل خطاياه، وما تستحقه من العدل الإلهي.
وقد يعترض البعض ويقول: ماذا لو أعطيت له عقوبة لا تُحتمل؟!
مثل مرض من الأمراض المؤلمة التي لا تحتمل...
كيف يشكر الله إذًا، وهو في شدة الألم؟!
نقول إن عذابات الأرض مهما كانت شديدة، إلا أنها محدودة ومؤقتة. وهي أفضل من العذاب الأبدي في شدته وديمومته.
ومع ذلك حتى في مثل هذه الأمراض، يعطي الرب احتمالًا وصبرًا...
الهدف السليم
الهدف السليم
كثيرًا ما تكون للبعض أهداف عالمية أو مادية، يحزن إن لم يصل إليها، ولا يستطيع أن يشكر الله في وسط تمسكه بهذه الأهداف.
أما الإنسان الروحي فله هدف واحد هو الله.
لذلك لا يبالي بالدنيا، إن أقبلت أو أدبرت، ولا يهتم بكل ما فيها من أغراض زائلة، ولا يحزن إن لم يحصل على ملاذها وفي اكتفائه بالله، يشعر بسعادة كبيرة يشكر الله عليها. وقد يكون محرومًا من أشياء كثيرة يتمتع بها غيره. ومع ذلك فهو راضٍ وشاكر وسعيد بحياته مع الله.
وهنا نقول إن حياة الزهد توصل إلى حياة الشكر.
أو قل إن محبة الله التي تؤدي إلى هذا الزهد في الدنيا، هي التي توصل إلى حياة الشكر. وهكذا عاش آباؤنا الرهبان والنساك ليس لهم من الدنيا شيء، ومع ذلك يعيشون في فرح وشكر. وبنفس الوضع، نرى القديس بولس الرسول يقول عن نفسه وعن معاونيه في الخدمة:
"كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2كو6: 10).
العالم يرانا كأن لا شيء لنا، ويرانا كفقراء. بينما نحن نملك كل شيء، لأن الله الذي معنا هو كل شيء لنا، هو الكل في الكل. لذلك نبدو أمام الناس "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ".
إذًا حياة الشكر يلزمها قيم ومقاييس روحية.
وبدون هذه القيم والمقاييس الروحية لا يستطيع إنسان أن يصل إلى الشكر الدائم الحقيقي، ولا إلى الفرح الكامل الروحي. إن وجدت نفسك لا تشكر، ارجع إلى مقاييسك لتصلحها. ربما فكرتك عن السعادة غير سليمة...
هناك فضائل أخرى ترتبط بالشكر تحدثنا عنها.
مثل الفرح، والسلام، والعزاء الداخلي وسط الضيقات، والعزاء الخارجي أيضًا، وما يتركه من قدوة. وحياة التسليم لله.
الفصل الرابع لماذا نشكر؟! (1)
الفصل الرابع لماذا نشكر؟!
(1)
من الأسباب الهامة في عدم الشكر، أننا لا نعرف ما هو الخير لنا...
وقد نظن الأمر شرًا، فلا نشكر عليه، ويكون هو الخير بعينه، أو هو الوسيلة التي توصل الخير لنا، ونحن لا ندري...!
وسنحاول في هذا المجال أن نعرض أمثلة كثيرة من الكتاب، وبعضها من التاريخ، لإثبات هذه الحقيقة...
وصدقوني إن الله وحده بحكمته الواسعة التي لا تحد، هو وحده الذي يعلم ما هو الخير لنا. أما حكمتنا نحن البشرية فلا تدرك، لأنها حكمة محدودة وقاصرة، ولأنها لا تبصر ما هو قدام.
خذوا مثالًا لذلك سجن يوسف الصديق.
من كان يظن أن إلقاء يوسف في السجن ظلمًا وهو بار، وبيعه كعبد قبل ذلك، كل ذلك سيؤول إلى خيره، وخير إخوته وأبيه، وخير مصر كلها والبلاد المحيطة...! بينما لو أن إخوته لم يبيعوه، لظل راعيًا إلى جوار بيت أبيه، وما حدث له كل ذلك الخير...! وكذلك لو أن امرأة فوطيفار لم تتهمه ظلمًا، لبقى عبدًا في بيت فوطيفار وليس أبًا لفرعون...!
ربما يوسف الصديق ما كان يشكر، حينما بيع كعبد، وحينما اتُهم ظلمًا وألقي في السجن... ولكنه بلا شك قد شكر أخيرًا وعرف أن الله "قَصَدَ بِهِ خَيْرًا... لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا" (تك50: 20).
مثال آخر هو هروب العذراء بطفلها إلى مصر.
أكان هذا الهروب من سيف هيرودس وبطشه وظلمه أمرًا يستحق الشكر؟! لا بد أننا نشكر الله على ذلك من أعماقنا. لأنه بهذا الهروب تباركت أرض مصر، وصارت لنا مواضع مقدسة وطأتها أقدام المسيح والعذراء، وصارت فيها كنائس فيما بعد...
نحن لا ندري المستقبل ماذا يكون... ولكننا ندري أمرًا واحدًا، وهو أن المستقبل في يد الله.
وإننا نشكر الله لأنه وضع المستقبل كله في يديه، يدبره بمشيئته الصالحة، ويصنع فيه خيرًا لأولاده... لذلك نثق بكل ما يأتي لأنه من عند الله يأتي... من يد الله المملوءة حبًا...
حقًا إن القلب الكبير يفرح بكل شيء، ويشكر الله على كل شيء ولا يتضايق أبدًا من شيء، مهما كانت الأمور... ولعلكم تذكرون ما قلته لكم قبلًا عن معنى الضيقة:
إن الضيقة سميت ضيقة، لأن القلب ضاق عن أن يتسع لها. أما القلب الواسع فلا يتضيق بشيء...
عنده مصفاة الإيمان، يدخل فيها كل شيء... ويعبر. وبالإيمان يرى يد الله في كل ما يقابله من أحداث، فيتعزى بعمل الرب، ويفرح ويشكر.
حديث القديس أغسطينوس عن المبتدعين والهراطقة:
أولئك الذين حاربوا الإيمان بكل عنف، وسببوا متاعب كثيرة للكنيسة. يقول عنهم القديس أغسطينوس: "إننا نشكر الهراطقة. لأنهم فيما قدموه من شكوك حول الكتاب، جعلونا نبحث في الكتاب أكثر، ونتعمق أكثر، ونكتشف كنوزًا ما كنا من قبل نعرفها...".
«««
بنفس المنطق نتكلم عن الفلسفة الوثنية التي قاومت المسيحية:
وبخاصة في أيامها الأولى. هذه المقاومة كانت بركة نشكر الله عليها. لأنه بسببها تأسست مدرسة الإسكندرية الأولى، بكل ما قدمت للعالم من معرفة روحية وكتابية، وبكل ما قدمته من علوم اللاهوت والفلسفة المسيحية التي خدمت الإيمان... ونحن نفتح قلوبنا لعمل الله شاكرين، إذ أنه يجعل كل الأمور تؤول لمجد اسمه. ونفرح بيده التي تمسك التاريخ... ونشكره.
مثال آخر: دماء الشهداء. أكانت خيرًا يُشكر عليه؟
نعم، لأننا نقول إن دماء الشهداء، كانت بذار الإيمان. وبها انتشر الإيمان أكثر، بما كان الناس يرونه من شجاعة، وما كانوا يسمعونه من كلماتهم العميقة الواثقة، وما كان يحدث أثناء استشهادهم من معجزات. وكذلك كيف كانوا يقابلون الموت بفرح عجيب حتى إن أحدهم قبَّل السلاسل بفرح...
القديس أغناطيوس الأنطاكي عاتب أهل رومه على محاولتهم إنقاذه من إلقائه إلى الأسود الجائعة!
وأرسل لهم رسالة مشهورة قال لهم فيها: "يا إخوتي، أخشى أن محبتكم تسبب لي ضررًا، وقد وصلت إلى نهاية المطاف، وأنتم تريدونني أن أركض شوط حياتي من جديد". وترك نفسه للأسود تفترسه في ثوان. وكان درسًا عجيبًا للأجيال، تذكره فتشكره، وظهر بعد استشهاده لزملائه في السجن يشجعهم ويقويهم... وهكذا كان استشهاده بركة. أترانا نبكي على من مات شهيدًا؟! كلا...
بل نفرح له لأنه نال الأكاليل، ونشكر الله الذي أعانه...
ونقول له تلك العبارة المعروفة في صلوات الجناز "الله يعيننا كما أعانك...".
بنفس الوضع نتكلم عن المعترفين، والذين تشتتوا بالاضطهاد لأجل الإيمان. ونذكر ما قيل في سفر أعمال الرسل:
"الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ" (أع8: 4).
تشتتهم كان من الآلام التي أصابت الكنيسة، ولكنه في نفس الوقت كان بركة. لأنهم كانوا شعلات ملتهبة بالنار، لما انتقلت إلى بلاد أخرى من العالم، صيرتها لهيبًا، وانتشر الإيمان بتشتتهم... أليس هذا أمرًا نشكر الله عليه...
هناك أمر يكون خيرًا في ذاته. وأمر آخر يكون خيرًا في نتائجه، وعلى الأمرين نشكر. كلاهما للخير.
لقد استطاع أن يحول الاضطهاد إلى خير، ويحول التشتت إلى كرازة وإيمان، وتأسست كنائس كثيرة في كل مكان. نشكره على ذلك، ونقدم التسليم الكامل لإرادته المقدسة المملوءة خيرًا.
2- مشكلتنا في عدم الشكر، أننا لا ننظر إلى قدام.
(2)
2- مشكلتنا في عدم الشكر، أننا لا ننظر إلى قدام.
إنما ننظر إلى تحت أقدامنا فقط، إلى مجرد الواقع الذي نعيشه! دون النظر إلى بعيد، إلى ما سوف يحدث فيما بعد... ولا نلتفت مطلقًا إلى هدف الله من هذا الأمر الذي يتعبنا، أقصد هدفه المفرح لنا... سوف أضرب لهذا مثالين:
ولادة إنسان أعمى: أكانت خيرًا نشكر عليه؟!
حتى التلاميذ ظنوه عقوبة، فقالوا بجهل: "مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ؟" متأثرين بأفكار خاطئة نُقلت من العالم الوثني عن طريق الرحلات... أما السيد المسيح فوضع أمامهم التدبير الإلهي الذي يستحق كل شكر، فقال لهم: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ" (يو9: 3).
لولا ولادته أعمى، ما كانت تحدث هذه المعجزة العظيمة في حياته، وتكون نتائجها إيمانه بالرب وسجوده له ودفاعه عنه... وصارت له عينان روحيتان مفتوحتان تريان ما لا يُرى... وهكذا دخل الرجل إلى التاريخ، وظهرت أعمال الله فيه، وكانت سببًا لإيمان الكثيرين. وهذا أمر نشكر الله عليه.
ولكننا للأسف لا نشكر، إلا بعد أن نرى النتائج!
أما الإيمان، فيعطي الثقة بأنه لا بد أن يكون هناك خير ما سواء رأيناه أم لم نره... "وطوبى لمن آمن دون أن يرى" (يو20: 29)... وطوبى لمن يرى بالإيمان ما لا يُرى (عب11: 1).
مثال آخر هو موت لعازر أخي مريم ومرثا:
أكان مرض لعازر وموته أمرًا يدعو إلى الشكر؟! واضح أن مريم بكت، واليهود الذين جاءوا معها بكوا أيضًا، وعاتبت الرب قائلة: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" (يو11: 32). وبنفس العبارة عاتبته مرثا (يو11: 21). ومع ذلك فإن هذا كله كان "لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ" (يو11: 4).
لو عرف الناس ما سيفعله الرب بعد موت لعازر، لشكروا على مرض لعازر وموته، ليظهر مجد الله.
لأنه كم انتشر الإيمان بإقامة لعازر بعد أربعة أيام من موته (يو11: 45) ... وهذا أمر يدعو إلى الشكر بلا شك... ولكن الناس ما كانوا يشكرون لما مرض لعازر ومات! فلماذا؟ ذلك لأن رؤيتنا البشرية قاصرة... كل ما تستطيعه أنها تذهب إلى القبر، حيث دفنوا لعازر، وتقف خارج القبر تبكي!
أما الإيمان فيمتد إلى أربعة أيام بعد هذا.
فيرى لعازر خارجًا من القبر ملفوفًا بأقمطة...! ويرى مجد الله، وإيمان الناس، فيشكر...
مثال آخر، وهو مجاعة مصر أيام يوسف:
لا يوجد أحد يشكر على حدوث مجاعة...! ومع ذلك كانت تلك المجاعة للخير. إذ أنها أظهرت بر وحكمة يوسف الصديق. وقدمت لنا أحلامًا ورؤى من الله، حتى لفرعون. وكانت تلك المجاعة خيرًا وبركة، فبسببها التقى يوسف مع أبيه، ومع إخوته، وتصالح معهم، وعالهم في أرض جاسان... وكانت فرصة أن ينال ابناه بركة يعقوب أبيه... أليست كل هذه الأمور أسبابًا نشكر الله عليها؟! أما عن المجاعة، فقد دبر الله أمر علاجها، بأن سبقتها سبع سنوات من الشبع والخير، تم فيها تخزين ما يلزم لسنوات الجوع. وهذا أيضًا تدبير إلهي يستحق الشكر أيضًا... وكل الأمور تعمل معًا للخير...
فلنتأمل أيضًا الشكوك التي حامت حول البابا ديمتريوس الكرام.
إنه أمر يبدو سيئًا في ذاته. ولكن هذه الشكوك عينها، كانت السبب في إظهار قدسية هذا البابا العظيم، وأظهرت للناس بره وعفته وبتوليته. كما كانت مناسبة تدخلت فيها يد الله بمعجزة. وتعيد الكنيسة لذلك اليوم في السنكسار.
ولا شك أن الشعب كله شكر الله، كما شكره البابا ديمتريوس وزوجته، تحولت الشكوك إلى تمجيد، وتحول يوم الألم إلى يوم عيد...
نتحدث بهذه المناسبة عن متاعب داود النبي:
مَنْ كان يظن أن متاعب داود النبي – سواء مع شاول أو أبشالوم أو غيرهما – ستؤول إلى هذه المزامير الجميلة العميقة، التي تعزينا جميعًا...؟! إن داود في متاعبه، كان يغني هذه المتاعب على العود والمزمار، وعلى العشرة أوتار. كان يخلط متاعبه بمزماره ومزاميره. وبدلًا من أن يسكب نفسه حزنًا، كان يسكبها لحنًا. وقد ترك لنا هذا الكنز العظيم من أغانيه. ألسنا نشكر الله على كل هذا؟! وهو أيضًا في كل متاعبه كان يشكر ويقول:
"أُباركُ الرَّبَّ في كُلِّ وَقْتٍ، وفي كُلِّ حينٍ تَسْبحَتُهُ في فَمي" (مز34: 1).
"بالرَّبِّ تَفْتَخرُ نَفْسي... عَظِّموا الرَّبَّ مَعي لنَرْفَع اِسْمَهُ جَميعًا" (مز34: 2، 3). ويقول أيضًا: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز1.3: 1، 2) ... إنه في كل متاعبه يسبح الرب بتسبيحة جديدة، ويغني له أغنية شكر...
درسان آخران من حياة موسى النبي:
من كان يظن أن وضع الطفل موسى في سفط، وإلقاءه على حافة النهر، خوفًا من قتله (خر2: 3) ... كل ذلك يؤول إلى مجد، ويصير هذا الطفل ابنًا بالتبني لابنة فرعون، ويتربى في قصر! أليس هذا درسًا في عناية الله، نشكره عليه...
ومن كان يظن أن هروب موسى إلى البرية خوفًا من فرعون، سينتهي إلى تعلمه الرعاية والهدوء في البرية. وأيضًا سينتهي بعد فترة إلى أن يظهر الله له في البرية، في عليقة مشتعلة بالنار (خر3) ويدعوه لخدمته، ويصير نبيًا من أعظم الأنبياء، وقائدًا لشعب... إنها أمور تذكرنا بقول الكتاب:
و"نِهَايَةُ أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ" (جا7: 8).
فلا تزعجنا إذًا البدايات الصعبة، ولننظر كيف ينهي الله الأمور. وسنجدها نهاية سعيدة، نشكره عليها... ولعله من الأمثلة البارزة في الكتاب لهذه الأمور: مؤامرة هامان...
درس من كبرياء هامان ومؤامرته:
كان هامان متكبرًا، وتضايق من مردخاي لأنه لم يخضع لكبريائه. وأعد مؤامرة يصلب بها مردخاي، وإبادة الشعب كله. إنها بداية مزعجة، ولكن فلننتظر قليلًا لنرى كيف انتهت... لقد صام الشعب كله بقيادة أستير، وكانت فترة روحية تقرب فيها إلى الله. وتدخل الله في الأمر، وأنقذ الشعب كله. والصليب الذي أعده هامان ليصلب مردخاي عليه، صُلب هو عليه. أما مردخاي فقد نال إكرامًا ما كان يتصوره (أس6، 7)...
وهكذا تحولت الأمور إلى العكس تمامًا، من الصلب إلى المجد.
مبارك هو الرب في كل ما يفعله. مباركة هي يده التي تتدخل، وتدير دفة السفينة إلى المسار الذي يريده هو، بمشيئته الصالحة الطوباوية...
درس آخر من تجربة ذبح إسحاق:
لا شك أنها كانت تجربة صعبة على أبينا إبراهيم أن يقدم ابنه وحيده الذي تحبه نفسه، محرقة... (تك22: 2). ولكنها كانت للخير، لأنها أظهرت طاعة إبراهيم، وأظهرت أيضًا إيمانه، لأنه "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ... إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (عب11: 17، 19). وهكذا ظهر بره، إذ تبرر بالأعمال في طاعته وتقديم ابنه (يع2: 21). وأيضًا "آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا" (يع2: 23)... واستحق أبونا إبراهيم بهذه التجربة أن ينال البركة من الرب له ولنسله، فقال له الرب: "أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ... وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ" (تك22: 17، 18). وأعطانا الرب في هذه التجربة مثالًا رائعًا للطاعة والإيمان نشكره عليه...
كانت التجربة إذًا بركة لإبراهيم ولنسله ولنا.
وكانت درسًا ومثالًا وقدوة لكل الأجيال على الأرض، سواء من جهة إبراهيم، أو من جهة ابنه إسحاق، الذي صار رمزًا للسيد المسيح، الابن الوحيد للآب (يو3: 16) الذي "أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 8).
مثال للشكر، هو سجن بولس الرسول:
أترى يشكر أحد على سجنه؟ نعم، إن الإنسان المؤمن يشكر على كل شيء. لقد سيق بولس وسيلا إلى السجن، بعد أن ضُربا بضربات كثيرة، وألقيا في السجن الداخلي، وضبطت أرجلهما في المقطرة. ومع ذلك كانا "يُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا" (أع16: 25).
وكان سجنهما بركة... أراد به الله إيمان سجان فيلبي.
هذا الذي نال في الحال نعمة العماد هو والذين له أجمعون... وتهلل مع جميع بيته (أع16: 33، 34). أليست هذه أمورًا نشكر الله عليها... كما أن القديس بولس الرسول كثيرًا ما وجد في السجن فترة هادئة، كتب فيها بعض رسائله وهو في السجن...
3- من الأسباب التي تمنع الشكر، عدم تذكرنا لإحسانات الله إلينا.
(3)
من الأسباب التي تمنع الشكر، عدم تذكرنا لإحسانات الله إلينا.
سواء على المستوى العام، أو في الحياة الخاصة لكل منا. عيبنا أننا ننسى بسرعة ولا نذكر. لذلك فإن داود يذكر نفسه بهذه الأمور، ويقول في مزموره "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز1.3: 1، 2). وظل يتذكرها واحدة فواحدة... أنصحكم بقراءة المزمور وحفظه وليكن دافعًا لكل منا أن يتذكر إحسانات الله إليه...
في سنة 1974م كان مرض الكوليرا منتشرًا، وكان يحصد بالآلاف. وأُغلقت كثير من المدن، خوفًا من انتقال العدوى. وكان الرعب حالًا في البلاد... دخلت مرة في إحدى هذه المدن المغلقة بتصريح رسمي بعد التطعيم ضد الكوليرا طبعًا. فلم أسمع فيها أحدًا يضحك ولا يبتسم. ولم يكن فيها صوت راديو ولا أغاني. كانت المدينة حزينة مكتئبة. وكثيرون كانوا يصلون بعمق، وينذرون نذورًا "لو أنقذتني يا رب أصير وأصير... أفعل وأفعل"... وأنقذنا الله من الكوليرا، وعشنا إلى الآن. فمن منا يشكر الله على هذا الإنقاذ... ومثله كل الإنقاذات الأخرى من الأوبئة والجفاف وسائر الأمراض...
ما أكثر الذين نسوا إحسانات الله، ونسوا معها وعودهم ونذورهم!
ليتنا نجلس كل يوم إلى أنفسنا، ونذكر إحسانات الله إلينا وإلى أسراتنا وأصدقائنا ومعارفنا، ونحفظ ذلك في ذاكرتنا أو في مفكرة ونشكر الله. إن الشعب في البرية احتفظوا بجزء من المن، لكي يذكروا إحسان الله (خر16: 32– 34) وأقاموا حجارة في الأردن ليذكروا شقه وعبوره (يش4: 4- 8) فيشكروا الله...
عندما ننسى إحسانات الله، يقل شكرنا، وتقل محبتنا.
وهذا طبيعي. لأنك كلما تذكر جميل أحد عليك، تحبه. وإن نسيت، فإنك تفقد سببًا يدفعك إلى الحب والشكر. كم موظف نسى أن الله ساعده في الحصول على وظيفة؟! وكم زوجة نسيت أن الله وفقها في الارتباط بزوج؟ وكم إنسان نسى أن الله ساعده في حل مشكلة، أو في الخروج من مأزق محرج...؟
4- وأحيانًا لا نشكر، لأننا ننسب الخير إلى غير الله:
(4)
وأحيانًا لا نشكر، لأننا ننسب الخير إلى غير الله:
ننسب الخير الذي نلناه إلى مقدراتنا الشخصية، أو إلى من ساعدنا من الناس! أو إلى الظروف المحيطة. وننسى في كل ذلك أن مقدراتنا هي أيضًا موهبة من الله، وأنها وحدها ما كانت تستطيع بدون معونة الله وتدخله. كما أن الذين ساعدونا، هو الله الذي تكلم في قلوبهم من جهتنا. وكذلك فإن الظروف المحيطة بنا، لا يمكن أن نفصلها عن التدبير الإلهي...
5- 9) ونحن أحيانًا لا نشكر، لأننا نذكر السيئات أكثر من الحسنات!
(5)
ونحن أحيانًا لا نشكر، لأننا نذكر السيئات أكثر من الحسنات!
عندما نصفي حساباتنا، تختفي أمامنا النقط البيضاء التي تحتاج إلى شكر، وتقف أمامنا الضيقات والمتاعب! أو نذكرها، ونبالغ فيها، فنتعب... هناك نوع من الناس – للأسف الشديد – لا يفتكر إلا النقط السوداء في حياته. وهكذا – ليس فقط يفقد الشكر – إنما أيضًا تضغط عليه الكآبة، ويملكه الحزن. إنه نوع سوداوي. بعكس الذين يعيشون في فرح ورجاء، يذكرون خير الله ونعمته وبركته، في كل وقت، ويشكرون...
(6)
وقد يكون عدم الشكر، سببه عدم القناعة.
إن القنوع دائمًا يشكر، مهما كان الذي معه قليلًا. أما غير القنوع، أو المحب للكثرة، فإنه مهما أعطاه الله، لا يكتفي ولا يشكر! ولا يرضى عما هو فيه، وباستمرار يريد أكثر، لذلك لا يشكر!
قد يتحول الطموح عند إنسان إلى طمع، فيفقده الشكر!
هناك خط رفيع يفصل بين هذه الأمور، يلزم الإنسان أن يعرفه، ويحتاط. قد ينجح طالب بامتياز، ويحصل على 90% فيحزن لأنه كان يريد أن يحصل على 95% على الأقل، أو يكون الأول أو من الخمسة الأوائل. المفروض أنه يفرح ويشكر، لأنه نجح وحصل على امتياز. ولا مانع من الطموح إلى أكثر. ولكن ليس على حساب الفرح والشكر.
(7)
وقد يفقد إنسان حياة الشكر، بسبب تعوده التذمر:
والتذمر قد يتحول عند البعض إلى مرض نفسي. فهو دائمًا يتذمر ويحتج ويشكو، مهما كان حاله! لا يعجبه شيء، ولا يرضى عن شيء. وبالتالي طبعًا لا يشكر... إنه مرض روحي ونفسي واجتماعي، يحتاج إلى علاج...
بعكس ذلك الذي يتعود الشكر، حتى يصبح طبعًا فيه. يشكر الله، ويشكر الناس، ويشكر على كل شيء.
(8)
وقد يفقد إنسان الشكر، لأمراض روحية ونفسية أخرى.
غير التذمر، وغير الطمع ومحبة الكثرة والنصيب الأكبر... أمراض مثل القلق واليأس والكآبة والاضطراب والخوف على المستقبل، والخوف عمومًا، وبعض العقد النفسية الأخرى... المصاب بمثل هذه الأمراض، من الصعب أن يشكر. إنه باستمرار مهموم وحائر. وإن دعوته إلى حياة الشكر، يقول لك في تعجب وفي ضيق "على أي شيء أشكر؟! أما يكفي ما أنا فيه؟!" مثل هذا الإنسان يحتاج إلى علاج...
إن عدم الشكر يتعب النفس. كما أن تعب النفس يبعد الشكر.
الإنسان الشاكر لا يحتاج إلى حبوب مهدئة ومسكنة. سلامه القلبي يغنيه عن كل هذه... أما غير الشاكر، فإن نفسيته باستمرار في تعب. وتعبه النفسي يبعده عن الشكر بالأكثر...
(9)
كثيرون لا يشكرون، لأنهم يكتفون بالفرح:
يأتيهم الخير، فيفرحون به. ويقفون عند هذا الحد. لا يفكرون فيمن أرسل الخير إليهم ليشكروه عليه! إنهم للأسف مركزون حول أنفسهم وحول احتياجاتهم. يهمهم قضاء هذه الاحتياجات. أما من يقضيها لهم فلا يفكرون فيه! أليس في هذا نوع من الذاتية؟ ... أما أنت فلا تتمركز حول ذاتك. وإنما كلما يأتيك خير، انظر إلى مصدر هذا الخير واشكره. لا تكن مثل العشرة البرص الذين فرحوا بالشفاء ولم يرجعوا ليشكروا (لو17: 12- 18). لا تلتفت فقط إلى العطاء، دون أن تنظر إلى المعطي.
10 - 14) في شعور الإنسان بالخير وبالشر
(10)
من الأمور المهمة في شعور الإنسان بالخير وبالشر، وما يترتب على ذلك من شكر أو تذمر، رغباتنا الداخلية ونوع تقييمنا للأمور.
كتب القديس يوحنا ذهبي الفم مقالًا جميلًا عنوانه "لا يستطيع أحد أن يضر إنسانًا، ما لم يضر هذا الإنسان نفسه". وفي الواقع بدون فهم هذا الموضوع لا نستطيع التخلص من تأثير مضايقات الآخرين لنا، التي تفقدنا حياة الشكر، وتوقعنا في التعب النفسي...
حقًا، ما الذي يستطيع إنسان – أو حتى شيطان – أن يضرك به؟
إنك لو كنت إنسانًا بارًا قديسًا تحب الله، فلن يكون لك سوى هدف واحد فقط هو الالتصاق بالله. وهذا لا يستطيع إنسان أن يضرك فيه... وكما قال الرسول: "مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ ... فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رو8: 35، 38، 39) إذًا إن جعلت هدفك في الحياة هو محبة الله، فلن يفصلك عن هذا الهدف شيء، وتعيش سعيدًا.
أما إذا جعلت لنفسك أهدافًا ورغبات أخرى أضفتها إلى الله... فهذه هي التي تضرك.
قلبك من الداخل – المحب لهذه الرغبات – هو الذي يضرك وليس الناس...
قد يستطيع أحد أن يأخذ منك مالًا. فإذا كنت لا تحب المال ولا تهتم به في كثرته أو قلته، فلن يصيبك ضرر. قد يستطيع أحد أن يزج بك في السجن. فإن كنت لا تهتم إلا بحرية ضميرك وفكرك وروحك في علاقتك مع الله، ولا تهتم بالمكان الذي تعيش فيه ولا بحالتك الأرضية، فعند ذلك سوف لا تشعر بضرر. فبولس الرسول كان في أعماق السجن وكان يرتل بفرح...
ماذا يصنع بك الناس؟ أيقتلونك؟ وهل هذا يضرك في شيء إن كان هدفك هو الحياة مع المسيح؟ إن بولس الرسول يقول: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ... لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 21، 23). إن الشهداء قد عُذبوا وقُتلوا. ولم يشعروا أنهم أصيبوا بضرر، بل على العكس نالوا الأكاليل. وكانوا يشكرون له في عذاباتهم، لأنها توصلهم إلى الله وإلى المجد...
إن الضرر الوحيد الذي يحزنك هو الانفصال عن الله.
وليس الضيقات ولا المتاعب، التي قد تسبب لك أكاليل، إن احتملتها بشكر. ولهذا قال الرسول القديس: "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ" (2كو12: 10).
(11)
من مشاكلك الكبرى في حياة الشكر، تمسكك بتفكيرك الخاص أكثر من التدبير الإلهي.
إننا نريد أن ندبر أمورنا بفهمنا البشري، بعقليتنا وطريقتنا الخاصة. وقد يكون لله تدبير آخر، لا نفهمه، فنتضايق ولا نشكر! فمثلًا إذا لم ننل طلباتنا قد نغضب. وأحيانًا نرتفع درجة، فلا نغضب. ولكننا في نفس الوقت لا نشكر.
لأن هناك فرقًا بين إنسان شاكر، وإنسان آخر ساكت ومحتمل.
احتمالنا معناه أن هذا ضيق، ولكننا لا نتذمر عليه، وإنما نحتمله في صبر. أما شكرنا فمعناه ثقتنا أن هذا الحادث هو خير، نشكر الله عليه. وهنا نكون قد انتقلنا من العيان إلى الإيمان... وأصبحنا بالإيمان نرى الخير في كل ما يعمله الله معنا، غير معتمدين على الأحكام البشرية التي تحكم من الظاهر...
وإذا كان الوحي الإلهي يقول: "مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17). فبالحري يعمل الله الخير، إذ باستطاعته أن يعمله.
وبالضرورة لا بد أن أومن بأن الله يصنع خيرًا معي، لأنه بطبيعته صانع للخيرات. وهو فعلًا يصنع ذلك.
إن كانت حالتي سيئة، فكان ممكنًا أن تكون أسوأ، لو أن نعمة الله تخلت عنى. ولكن شكرًا لله لأنه لم يتخل. وسوء حالتي غالبًا ما يرجع إلى أخطائي. فيجب أن ألوم نفسي، أما الله فإنني أشكره لأنه لم يغضب عليَّ بسبب هذه الأخطاء، ولا بد سيعينني على الخروج منها.
الله إذًا يصنع معي خيرًا. ولكنني أنا الذي لا أصنع خيرًا مع نفسي.
يجب إذًا أن أثق بحكمة الله وتدبيره، ولا أعتمد على تفكيري البشري وفهمي القاصر. وفي كل ما يحدث لي، ينبغي أن أقول: لا بد أنه وراء هذا الأمر حكمة إلهية ستظهر لنا في حينها. وسواء كشف لنا الله حكمته أم لم يكشفها، فحكمته موجودة نشكره عليها. وطوبى لمن آمن دون أن يرى (يو20: 29).
هذا الإيمان بحكمة الله، يقودنا إلى حياة التسليم.
وحياة التسليم تتفق تمامًا مع حياة الشكر...
وفي هذه الحياة أقول للرب: أنا أشكرك يا رب، لأنك لو كنت ترى لي وضعًا أفضل مما أنا فيه، لكنت قد نقلتني إليه. أو لو كنت أنا أستحق أكثر من هذا، لكنت أعطيتني. ويقينًا أنك تعطيني دومًا فوق ما أستحق. يكفيني أنني أثق بحكمتك وبمحبتك في تدبيرك لحياتي وهذا يستحق الشكر.
(12)
أحيانًا نحن لا نشكر، لأننا ننسى خطايانا، وما نستحقه من جزاء.
ولو ذكرنا خطايانا، لكنا نشكر لأن الله "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا" (مز103: 10). بل حتى لو نلنا جزاء، لكان يجب أن نشكر أننا نتألم هنا على الأرض، بدلًا من أن ننال العذاب الأبدي في العالم الآخر (مت25: 46) مثل لعازر المسكين الذي استوفى بلاياه على الأرض (لو16: 25).
ولو أدركنا ثقل خطايانا، لكنا نشكر حتى في الآلام المريرة، شاعرين أنها أقل بكثير مما نستحق. وأنها – أي الآلام – قد سمح الله بها لتقودنا إلى التوبة...
(13)
ونحن قد لا نشكر – وبخاصة في الألم – لأننا لم ندرك بعد بركة الألم وأمجاده...
إن الألم هبة تستحق الشكر. ولهذا قال الرسول: "قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29). هو إذًا هبة، وأيضًا معه مجد. ولذلك قال الرسول: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17) وما دام الألم طريقًا للمجد، فهو يستحق الشكر إذًا...
لذلك لم يمنع الله الألم عن أحبائه:
إن بولس الرسول تعب أكثر من جميع الرسل في الكرازة والتعليم (1كو15: 10). ومع ذلك لاقى اضطهادات وآلامًا أكثر من الكل، شرحها في (2كو11). وقال ضمن ذلك: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً..." (2كو11: 23). والرب لم يمنع عنه كل هذه الآلام، بل قال عندما اختاره لخدمة الرسولية "سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (أع9: 16).
وما نقوله عن بولس الرسول، نقوله أيضًا عن القديس أثناسيوس بطل الإيمان.
الذي نُفي عن كرسيه أربع مرات، ودُبرت ضده تهم ومؤامرات، وقيل له: "العالم كله ضدك يا أثناسيوس" وسمح الله له بكل هذا، لأن في الألم مجدًا، وله أكاليل. وهو تعبير عن الحب.
العذراء نفسها تحملت آلامًا كثيرة، وهي أقدس إنسانة في الوجود...
فإن تحملت ألمًا من أجل الله، اشكره من أعماقك.
لأنه قد حسبك أهلًا أن تهان لأجل اسمه (أع5: 41). اشكره لأنه أرشدك إلى الباب الضيق الذي يؤدي إلى الملكوت وإلى الحياة (مت7: 14).
(14)
أقول أخيرًا إننا أحيانًا لا نشكر، لأننا نحسب الخير الذي نحن فيه أمرًا عاديًا لا يحتاج إلى شكر!
خيرات كثيرة أنت فيها ولا تشكر عليها، كالصحة والستر، لأنك تحسبها أمورًا عادية. ولكن المحرومين منها يشعرون بقيمتها. وإن حصلوا عليها يشكرون من العمق... وأقول لكم كمثال:
ربما أنتم لا تشكرون الآن على النور أثناء محاضرتنا. ولكن إن انقطع النور لأي سبب، حينئذ تدركون أنكم كنتم في نعمة لا تشعرون بها، ولذلك لم تشكروا عليها، إذ حسبتموها شيئًا عاديًا.
ما أكثر الأمور العادية في حياتنا التي تحتاج إلى شكر.




