الكنيسة ودورها في “الخلاص

جزء من المحاضرة التي ألقاها قداسة البابا في اجتماع الخدام بالكاتدرائية يوم الخميس (27/7/78).
إن الخلاص العظيم الذي قدمه السيد المسيح على الصليب، تنقله الكنيسة إلى الناس عن طريق ثلاثة أمور على الأقل:
(أ) خدمة الكلمة (ب) خدمة الأسرار (ح) خدمة المصالحة والرعاية.
خدمة الكلمة توصل الإيمان:
لا يخلص أحد من الناس بدون إيمان. ولكن َكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟” ( رومية 10 : 14 ).
هذا الإيمان اللازم للخلاص، تقدمة الكنيسة بخدمة الكلمة،
بالكرازة وهو واجب تسلمته الكنيسة من السيد المسيح بقوله للرسل:
“فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” ( متى 28 : 19 ).
وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. ( مرقس 16 : 15 ).
بهذه الكرازة، أوصلت الكنيسة الإيمان للناس، وبدونه ما كان ممكنا لهم أن يخلصوا. إذن خلصوا عن طريق الكنيسة:
آمنوا عن طريق الكنيسة، واعتمدوا بواسطة الكنيسة.
وخلصوا بالإيمان والعماد “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” ( مرقس 16 : 16 ).
وهذا هو الذي حدث في يوم الخمسين، حيث خلص 3000 رجل. كرز بطرس بالكلمة، فنخس اليهود في قلوبهم وآمنوا،
ثم قبلوا العماد ( أعمال الرسل 2 : 37-38 ). وتقبلوا من الرسل خدمة الكلمة، وخدمة الأسرار المقدسة. ونالوا الخلاص عن طريق الكنيسة.
وهذا هو نفس ما فعله فيلبس مع الخصي الحبشي: كرز له وعمده (أع 8)،
وهو نفس ما فعله بطرس مع كرنيليوس: كرز له وعمده (أع 10) وكان ذلك بإرشاد إلهي.
ومن أهم الأدلة على عمل الكنيسة في الخلاص، بخدمة الكلمة:
قول الملاك لكرنيليوس عن سمعان بطرس “وَهُوَ يُكَلِّمُكَ كَلاَمًا بِهِ تَخْلُصُ” ( أعمال الرسل 11 : 14 ).
وكذلك قول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف
“لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” ( تيموثاوس الأولى 4 : 16 ).
هذه هي خدمة الكلمة التي تقوم بها الكنيسة، خدمة الكرازة والتعليم والتلمذة، تنقل بها الإيمان، لأجل خلاص الناس:
وبهذه الخدمة عمل بولس الرسول، ونادي ببشارة الإنجيل، وقال “كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” ( كورنثوس الأولى 9 : 22 ).
وعمل الكرازة لا يقوم به أي أحد، بل الرسل من الكنيسة:
وفي هذا يقول الكتاب “وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟” ( رومية 10 : 15 )
وهذا الارسال تقوم به الكنيسة، حسبما قال الروح القدس للرسل “أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ” ( أعمال الرسل 13 : 2 ).
فصاموا حينئذ وصلوا، ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما.
عملية الإرسال هي عمليه (وضع يد). والإرسال الذي تقوم به الكنيسة يعتبر إرسالًا من الروح القدس.
خدمة الأسرار لأجل الخلاص:
إن الأسرار الكنيسة قد وضعها الرب لأجل خلاصنًا، وبخاصة المعمودية والمسحة المقدسة والتوبة ولأفخارستيا، وسر الكهنوت الذي يقوم بهذه الخدمة كلها.
وبخدمة الأسرار تنقل الكنيسة استحقاقات الفداء للناس.
في المعمودية تعطيهم الخلاص من الخطية الجدية الأصلية وجميع الخطايا السابقة للمعمودية،
وفي سر التوبة تعطيهم- بتحليل الأب الكاهن- الخلاص من خطاياهم الفعلية، بالمغفرة.
وسر الإفخارستيا يقول عنه الكاهن في الاعتراف الأخير “يعطي عنًا خلاصًا، وغفرانا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه”.
وفي سر المسحة المقدسة (الميرون) تعطيهم الكنيسة الروح القدس، الذي بدون عمله في الإنسان، لا تكون له توبة، ولا يكون له خلاص.
سر المعمودية الخلاص:
المعمودية لازمة للخلاص بقول الرب “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” ( مرقس 16 : 16 ) فجعلها الرب شرطًا للخلاص.
وقال أيضًا “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” ( يوحنا 3 : 5 ).
وفي يوم الخمسين قال بطرس لليهود “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا” ( أعمال الرسل 2 : 38 ).
إذن فالمعمودية لمغفرة الخطايا، وللخلاص، ولدخول ملكوت الله.
والمعمودية عمل تقوم به الكنيسة لأجل خلاص المؤمن.
ونحن نقول في قانون الإيمان عن أهمية هذا السر في موضوع الخلاص “تؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”.
ومن أعظم الأمثلة الدالة على أهمية المعمودية للخلاص، ما حدث لشاول الطرسوسي.
فبعد أن تقابل مع الرب، وراه وسمع صوته فآمن، واختاره الرب أناءًا يحمل اسمه بين الشعوب والأمم،
أرسله الرب للكنيسة فقال له حنانيا: أيها الأخ شاول.. لماذا تتواني؟ قم واعتمد واغسل خطاياك ( أعمال الرسل 22 : 16 ).
إذن خطايا شاول الطرسوسي لم تغسل إلا بالمعمودية.
ولم تغسل إلا عن طريق الكنيسة، على الرغم من لفائه بالرب واختياره للخدمة، وغسل الخطايا يخلص الإنسان.
ومما يدل على عمل المعمودية في الخلاص:
تشبيه المعمودية يفلك نوح الذي خلص فيه نوح وأولاده.
وفي ذلك قال بطرس الرسول “إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ.
الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ” ( بطرس الأولى 3 : 20-21 ).
وهناك رمز آخر للمعمودية، يعمل أيضًا معني الخلاص وهو عبور البحر الأحمر، والخروج من عبودية فرعون.
وفي هذا يقول الرسول “فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ،
وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ” ( كورنثوس الأولى 10 : 1-2 ).
ولا شك أن العبور في ماء البحر، كان خلاصًا عظيمًا للشعب،
قال لهم موسى قبله مباشرة “قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ… الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ” ( الخروج 14 : 13-14 ).
ولاهتمام الكنيسة بمعاني هذا الخلاص، ترتل قصة العبور هذه في الهوس الأول في تسبحه نصف الليل كل يوم. لنتأمل هذا الخلاص الذي يرمز إلى المعمودية.
في المعمودية يموت الإنسان العتيق، ليولد بدلًا منه إنسان جديد، على صورة الله،
بطبيعة جديدة، في جدية الحياة (رو 6). في المعمودية تدفن مع المسيح، ونقوم معه..
وفي المعمودية ننال التبني، ونصير أولادًا لله، وأولادًا للكنيسة، لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ( تيطس 3 : 5 ).
كل هذه البركات تمنحها لنا الكنيسة في المعمودية،
إنها الكنيسة التي اؤتمنت على أسرار العهد الجديد، التي تمنع استحقاقات الفداء، وبركات الخلاص، ونعم العهد الجديد.
تغسلنا الكنيسة في المعمودية بالماء والروح، فنبيض أكثر من الثلج.
ونتذكر قول الرب للخاطئة أورشليم: “وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ… وَقَدْ كُنْتِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً. فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ…
فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ” ( حزقيال 16 : 8-9 ).
(حممتك بالماء) رمز للمعمودية، و(مسحتك بالزيت) رمز للميرون.
وكلاهما يتعلق بخلاص هذه النفس العارية المدوسة بدمها..
ولعل من أجمل وأعمق العبارات التي تظهر البركة التي يأخذها الإنسان في المعمودية، هي قول الرسول ( غلاطية 3 : 27 ).
لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح، قد لبستم المسيح.
أيوجد شرف أعظم من هذا، أن نلبس المسيح في المعمودية؟
أنه التجديد الذي نناله بهذا السر العظيم، الطبيعة الجديدة التي على صورة الله، التي مات معها الإنسان العتيق.
إنه جزء من عمل الكنيسة في موضوع (الخلاص) خلاص قدمه المسيح ودفع ثمنه، تنقله الكنيسة إلى الناس.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الحادي والثلاثون) 4-8-1978



