الهدوء

| الكتاب | الهدوء |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية بالقاهرة |
| الطبعة | 1986م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 1986/15153م |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
تصـــديــر
بسم الآب والابن والروح القدس
الإله الواحد آمين
تصدير
هذا الكتاب هو ثمرة لست محاضرات.
ألقيت اثنتين منها في الكاتدرائية الكبرى مع محاضرتين أخريين ألقيتهما في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون في 27 أغسطس 1983م، 3 سبتمبر1983م.
وكل هذه المحاضرات الست لها تسجيل صوتي، يمكنك الحصول عليه من المكتبات الصوتية بدير الأنبا رويس وبعض الكنائس.
وهذا الكتاب عن الهدوء، هو جزء من مؤلف روحي كبير لنا عن [معالم الطريق الروحي]، ونرجو أن يصدر قريبًا إن شاء الله.
شنوده الثالث
هذه الفترة...
هذه الفترة الصاخبة
التي تعيشها البشرية على الأرض
لا تقاس إطلاقًا بالهدوء الذي كان منذ الأزل
والذي سيكون في الأبد إلى ما لا نهاية.
إنها نقطة مضطربة، في بحر من الهدوء اللانهائي.
*********
ولعل الملائكة ينظرون إلى عالمنا في تعجب
ولعلهم يقولون:
ما هذا الضجيج في هذا الكوكب؟!
ولماذا يعيش الناس في صخبٍ هكذا؟!
متى يهدأون؟
يقينًا إنهم لن يهدأوا، إلاَّ إذا وصلوا إلينا
لأن الهدوء هو منهج الحياة في السماء.
الفصل الأول جمال الهدوء وسموه
الفصل الأول
جمال الـهـدوء وسـمـُـوه
تاريخ الهدوء.
عناصر الهدوء.
الهدوء الحقيقي.
فضائل تتعلق بالهدوء.
الطريقة الهادئة وأثرها.
أمثلة من الهدوء.
تاريخ الهدوء
تاريخ الهدوء
الهدوء هو الأصل، في هذا الكون...
وهو الأصل قبل خلق الكون أيضًا.
كان الله وحده منذ الأزل، في هدوء كامل.
ملايين السنوات مرت، أو ملايين الملايين، بل ما هو أكثر، بل قبل أن يوجد الزمن، وقبل أن تُعرف مقاييسه... والهدوء هو الأصل...
وأخذ الله يعمل في هدوء. وكان عمله الأول هو الخلق.
في هدوء كامل خلق الله كل شيء... "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ..." (تك1: 3، 4).
"وَقَالَ اللهُ: لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً... وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ... بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ... وَكَانَ كَذلِكَ... وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ" (تك1: 11، 12).
وهكذا كل قصة الخلق كاملة، تمت في هدوء.
خلق الله الكون، وعاش الكون في هدوء.
وكمثال ذلك كانت الأجرام السمائية تتحرك في الفلك، بكل نظام ودقة، وبكل هدوء، بدون اضطراب... نهار يعقبه ليل، وليل يعقبه نهار. لا ضجيج ولا صراع...
إذًا متى بدأ الكون يفقد هدوءه؟
كان ذلك بعد أن خلق الله مخلوقات عاقلة، ذات إرادة حرة...
مرت على هذه الكائنات العاقلة فترة وهي هادئة: ليس مَنْ يتشاجر ولا مَنْ يتخاصم، ولا مَنْ يحتج، ولا مَنْ يخالف، ولا مَنْ يعصي. وليس مَنْ يثير مشكلة أو اضطرابًا بأية صورة من الصور.
ثم كان أول فقدان للهدوء، بسبب الشيطان...
فقد الشيطان هدوء قلبه في الداخل، حينما دخله فكر الكبرياء (إش14: 13، 14). إنها رغبة دخلت إلى قلبه، أن يصير مثل الله. وهذه الرغبة عكرت القلب كله، ففقد هدوءه ولم يكتف بهذا، بل قاد ثورة في السماء، وأسقط معه مجموعة من الملائكة من رتب متنوعة، نتيجة لحرية الإرادة التي أساء استخدامها.
وطُرد الشيطان وملائكته من السماء. وبقيت السماء هادئة...
ومن جهة البشرية، عاش آدم أولًا في هدوء، وهو في الجنة...
حتى الوحوش، كانت تحيا معه في هدوء... لا عداوة بينه وبينها ولا عراك. لا هي تفترسه، ولا حتى تهجم عليه... ولا هو يصيدها أو يطاردها، ولا هو يخافها... بل تجمعه معها رابطة من الألفة والمعيشة المشتركة الهادئة. وبنفس الوضع كانت الوحوش والحيوانات مع أبينا نوح في الفلك...
الحيوانات المفترسة، لم تكن مفترسة، في أيام آدم.
لم يكن الافتراس قد دخل بعد إلى العالم، إذ كان العالم لا يزال يحتفظ بهدوئه. وكانت الوحوش في ذلك الحين تأكل العشب (تك1: 30). ما كانت تفترس حيوانًا أضعف منها، ولا كائنًا من غير نوعها مثل آدم. لم تكن فيها (الوحشية) التي دعيت بها وحوشًا. كانت هادئة وكان الإنسان هادئًا أيضًا...
والعجيب أن الإنسان فقد هدوءه، وهو لا يزال في الجنة. وذلك بعد أن أخطأ...
لما أخطأ خاف، واختبأ وراء الأشجار... ولما أخطأ خجل، وخاط له من أوراق التين ما يستر عريه. وطرد الله آدم وحواء من الجنة.
ثم كانت خطيئة قايين، لما فقد هدوءه القلبي بسبب حسده لأخيه هابيل. وتطورت مشاعره الداخلية إلى أنه "قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ" (تك4: 8).
ولما قتل قايين أخاه، فقد هدوءه إلى الأبد، فعاش تائهًا وهاربًا في الأرض (تك4: 12) خائفًا من الله والناس (تك4: 14).
بدأت تعصف به الأمراض النفسية من خوف وقلق واضطراب. وكان عينة لهذه الأمراض، ومقدمة لدخولها إلى الطبيعة البشرية. وزاد على خوف قايين من الله، خوفه من الناس، وأيضًا صيحته المرَّة: "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ... فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي" (تك4: 13، 14).
وكان قتل قايين لهابيل مقدمة للحروب التي اجتاحت الأرض فيما بعد، ومعها فقد العالم هدوءه...
"لامك" الذي من نسل قايين، كان قاتلًا أيضًا. وقد اعترف بذلك لزوجتيه. وقال: "إِنَّهُ يُنْتَقَمُ لِقَايِينَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَأَمَّا لِلاَمَكَ فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ" (تك4: 23، 24).
وهكذا دخل الانتقام إلى الأرض. وامتلأ العالم شرًا، وفقد هدوءه. ووُجد في الأرض "طغاة" و"جبابرة" (تك6: 4)... وأغرق الله العالم الصاخب بالطوفان...
وبعد الطوفان "وُلَدَ نِمْرُودَ الَّذِي ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ" (تك10: 8)
وتفرقت الشعوب في الأرض بعد برج بابل (تك11: 9).
وقامت النزاعات بين الأمم. فسدت الطبيعة البشرية وفقدت هدوءها. وشجع على ذلك التنافس والتنازع بين الناس. حتى أنه بسبب تخاصم الرعاة على الأرض المعشبة، نسمع عن رجلين قديسين هما أبرام ولوط أنه: "لَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا" (تك13: 6).
إنها قصة مأساة: تحوّل بها الإنسان من عمق الهدوء إلى اللاهدوء...
فما هو الهدوء؟ وما عناصره؟ وما نتائجه؟
وما الفضائل التي ترتبط بالهدوء؟ وتُفقد بفقده؟
وكيف يمكن للإنسان أن يحصل على الهدوء، ويستمر فيه؟
هذا وغيره ما نود أن نعرض له في هذا الكتاب الصغير...
عناصر الهدوء
عناصر الهدوء
الهدوء يشمل حياة الإنسان كلها، في الداخل والخارج، ما ظهر منها وما استتر. وهكذا يشمل:
(1) الهدوء الداخلي: ويشمل هدوء النفس، هدوء القلب، وهدوء الفكر.
(2) هدوء الجسد: ويشمل هدوء الحواس، وهدوء الحركات.
(3) هدوء الأعصاب: ويشمل هدوء الملامح، وروح البشاشة.
(4) هدوء الكلام: ويشمل أيضًا هدوء الصوت.
(5) هدوء التصرف: ويشمل الهدوء في الحياة العملية والسلوك الخاص، وهدوء الحلول فيما يصادف الإنسان من مشاكل.
وتتعلق بكل هذه الأنواع أمور أخرى منها:
(أ) هدوء الطبيعة، وهدوء المكان، وهدوء المسكن.
(ب) فضائل ترتبط بالهدوء.
(ج) طبيعة الهدوء: وهل هو حقيقي، أم مجرد مظهر هادئ، أم مجرد هدوء مؤقت، أو هدوء لم يُختبر بعد...
(د) الأمثلة العملية للهدوء الحقيقي...
الهدوء الحقيقي
الهدوء الحقيقي
1- لا يمكن أن نحكم على إنسان بأنه هادئ، إلاَّ إذا حدث اختبار لهدوئه...
فقد يبدو الإنسان هادئًا، لأن الظروف الخارجية التي حوله هي الهادئة. ولم تحدث مشكلة أو إثارة تختبر هدوءه. وربما لو اصطدمت به يظهر على حقيقته، إن كان هادئًا أم لا...
فإن اصطدم مع شخص آخر في الرأي، أو في التصرف، أو إن أصابته إهانة أو أصابه أذى، أو تعرض لكلمة جارحة، حينئذ من تصرفه يمكن الحكم على هدوئه...
ونفس الوضع إن وقع في مشكلة ما، أو ضيقة، أو تعرض لمرض، أو إن واجهته صعوبة ما... فإن هذا كله يكون اختبارًا لنفسيته، واختبارًا لأعصابه: كيف يسلك؟ وكيف يتصرف؟ وهل يفقد هدوءه، أم يحتمل ويحل مشكلته بهدوء...؟
هذا هو أول اختبار للهدوء الحقيقي، لأن كل إنسان يمكنه أن يكون هادئًا في الظروف الهادئة.
2- أما الاختبار الثاني، فهو مدى الاستمرار في الهدوء. فالهدوء الحقيقي هو هدوء دائم، كشيء من الطبع.
فلا يهدأ إلى فترة زمنية، ثم يفقد بعدها هدوءه، ويتغير أسلوب تماسكه أمام المشاكل. فالهدوء الحقيقي ليس هو مجرد تدريب للاحتمال في مدى معين، إنما هو الطبيعة الهادئة، التي تستمر في هدوئها، مهما طال الزمن، ومهما تغير الحال...
الهدوء الحقيقي ليس ستارًا تختفي وراءه طبيعة غير هادئة، تكشفها الأحداث...!
فالإنسان الهادئ بطبعه، لا تضره المشاكل والاصطدامات، بل على العكس تظهر ما فيه من رحابة الصدر، ومن وداعة وطيبة قلب.
القديس بولس الرسول كان يعيش في أجواء صعبة "فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ..." ومع ذلك قال في مقدمة كل هذه: "فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ" (2كو6: 4، 5). وقال بروح الإيمان: "لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا" (2كو4: 16). وأطلق على كل مشاكله ومتاعبه عبارة: "خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ" (2كو4: 17).
3- والهدوء الحقيقي ليس هو الهدوء الظاهري، بل الداخلي.
فلا يكون هادئًا من الخارج فقط، بينما في داخله بركان ثائر. بل على العكس يكون هدوؤه الداخلي هو منبع وسبب هدوئه الخارجي. ولعلنا سنتكلم عن هذه النقطة بشيء من التفاصيل حينما نتحدث عن هدوء القلب.
4- وهناك فرق بين الهدوء الحقيقي، والبرود الذي قد يكون أحيانًا برودًا مثيرًا...!
فالإنسان الهادئ المحب للهدوء، لا يكون فقط هادئًا، وإنما أيضًا يحاول أن يهدئ غيره، ويشيع الهدوء فيما حوله... وذلك لأنه قد يحدث أحيانًا أن شخصًا قوي الأعصاب يمكنه أن يحتمل زميلًا منفعلًا، ويرد عليه بهدوء شديد، أو ببرود شديد، بأسلوب يثير أعصابه بالأكثر، فيزداد انفعاله، ويقابل هو هذا الانفعال بمنتهى الهدوء أو البرود متفرجًا عليه، جاعلًا منه مجال نقد للحاضرين...
كلا، ليس هذا هو الهدوء في معناه الروحي.
فالإنسان الروحاني الهادئ، لا يحطم غيره بهدوئه!
إن أخاه المنفعل هو وديعة في يديه، يحافظ على أعصابه وعلى سمعته، ويحاول أن يوصله إلى الهدوء هو أيضًا. وبالتالي لا يثيره. لأن محب الهدوء، يريد الهدوء لغيره كما يريده لنفسه... ولا يجعل شيطان المجد الباطل يحاربه بهدوء زائف، يكون فيه خصمه هائجًا وثائرًا، ويكون هو قد أفرح الشيطان بهذا الهياج من خصمه وهذه الثورة!
إن الإنسان الناجح، لا يفرح روحيًا بسقوط غيره.
بل إنه في هدوئه، يشيع الهدوء على الكل. ويجعل لقاءه بغيره هادئًا، سواء من جهته هو، أو من جهة هذا الغير. وإن وجد غيره هائجًا، يهدئه بالجواب اللين (أم15: 1) وليس بالجواب المثير...
5- الإنسان الهادئ قد يكون هادئًا بطبيعته، وقد وُلد هكذا. وقد يكون هدوؤه مكتسبًا.
والهادئ بطبيعته لا يبذل جهدًا لكي يصل إلى الهدوء، لأنه ينفر من كل ما هو غير هادئ. أما الهدوء المكتسب، فهو يحتاج إلى جهد، وإلى تداريب سنعرض لها في حينها إن شاء الله. وكل جهد في الوصول إلى الهدوء، له مكافأته وأجره.
ومثل هذا الشخص قد يصل إلى الهدوء تدريجيًا. فإن وصل، لا يعود يبذل جهدًا، بل يكون ثابتًا وراسخًا في حياة الهدوء، وله فيها خبرات... ولذلك فإنه يحافظ على هذا الذي اقتناه بتعب، وبمعونة كبيرة من النعمة.
وكمثال للهدوء الذي يُنال بالتدريب، القديس موسى الأسود.
إنه لم يولد هكذا، بل كان في بدء حياته قاسيًا قتالًا. ولما دخل في حياة الرهبنة، أخذ يدرب نفسه على الهدوء حتى أتقنه. لدرجة أنه لما دُعي لسيامته قسًا، وأمر البابا بطرده لاختباره، خرج القديس موسى الأسود في هدوء وهو يبكت نفسه، دون أن ينزعج من الداخل. ولما سمحوا له بالرجوع، عاد وهو هادئ، دون أن يشعر بجرح في كرامته...
لذلك لم يكن غريبًا أن يراه أحد القديسين في رؤيا، والملائكة تطعمه شهد العسل.
وأنت، إن كنت غير هادئ الطبع، لا تحتج قائلاً: ماذا أفعل؟! وُلدت وطبيعتي هكذا...!
حتى إن كنت قد وُلدت هكذا، أو ورثت عدم الهدوء عن أب أو أم، فليس هذا بعذر. تستطيع أن تغير هذا الذي قد ورثته... فالذي لم ينل الهدوء الطبيعي، يمكنه أن ينال الهدوء المكتسب... يدرب نفسه عليه، ويجاهد لكي يقتنيه... فالطباع التي يولد بها أي شخص، ليست بالأمر الثابت غير القابل للتغير، فما أسهل أن تتغير إن وُجدت النية الطيبة، والعزيمة الصادقة، والتعب والجهاد... حينئذ يمنحك الرب قلبًا جديدًا، وينزع منك قلب الحجر، ويعطيك قلب لحم، فهكذا وعد (حز36: 26).
فضائل تتعلق بالهدوء
فضائل تتعلق بالهدوء
(1) الهدوء له علاقة بالمحبة، يأخذ منها ويعطيها:
فالإنسان المحب يكون هادئًا في علاقته مع الناس. إنه لا يثور عليهم، لأنه يحبهم. أما الكراهية فإنها إن دخلت إلى قلب، تكون كالبركان الثائر الذي لا يهدأ، تريد أن تنتقم وأن تحطم. ولا تهدأ حتى تنفذ ما تريد، وتحطم كل شيء...
العالم يحتاج إلى الحب والهدوء، لكي يحل مشاكله:
يحلها بالتصالح، وليس بالتصارع. ففي الهدوء، وبالهدوء، يمكن أن يتلاقى الناس مهما اختلفت أفكارهم، ليحلوا مشاكلهم في هدوء الحوار المشبع بالحب.
أما إن اختفى الهدوء، فإن الحب يختفي معه، إذ لا تبقى المحبة مع التشويش والصخب والضوضاء، والحدة في الصوت، والحدة في التصرف...
يمكنك أن تحب الإنسان الهادئ. هدوؤه يجذبك.
مجرد ملامح وجهه الهادئة، تجعلك تحبه. وطريقته الهادئة في معالجة الأمور، تجعلك أيضًا تحبه. وإن كنت متضايقًا منه لسبب ما، فإن هدوءه يغلبك، ويصرف ضيقك... لذلك حسنًا قال الرب عن الودعاء: "أَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت5: 5) الأرض هنا، وفي السماء... يكسبون محبة الناس على الأرض بوداعتهم وهدوئهم، كما يكسبون أرض الأحياء أيضًا (مز27: 13).
(2) وهكذا ترتبط فضيلة الهدوء بالسلام أيضًا:
فالإنسان الهادئ يكون دائمًا مسالمًا. والإنسان المسالم يكون أيضًا هادئًا. الهادئ "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ" كما قيل عن السيد المسيح (مت12: 19). لذلك يعيش مع الناس في سلام، لأنه لا يتشاجر مع أحد، ولا يرفع صوته على أحد، ولا يحل مشاكله مع الناس بالعنف، وإنما بالهدوء.
إن السلام قد يُفقد بين عنيف وعنيف. ولكنه لا يُفقد بين عنيف وهادئ، لأن الهادئ يحتمل العنيف.
وكما قيل إن النار لا تطفئها نار، بل يطفئها الماء... وإن كان الهادئ يستطيع بهدوئه أن يسالم العنيف، فمن باب أولى، يمكن أن يوجد السلام بين اثنين هادئين...
كذلك الهدوء هو مظهر من مظاهر السلام الداخلي، وهو أيضًا سبب يؤدي إليه. فالذي يحتفظ بهدوئه، يحتفظ بسلامه الداخلي.
(3) العلاقة بين الهدوء والوداعة، علاقة بديهية:
إذ أن الهدوء هو فرع من فروع الوداعة، أو مظهر من مظاهرها، حتى أن اسميهما قد يتبادلان المواقع. فحينما تتكلم عن الهادئ تتكلم عن الوديع. وحينما تتكلم عن الوديع تتكلم عن الهادئ. والإنسان الذي يفقد هدوءه، لا شك يفقد وداعته. إذًا حينما نتكلم عن العلاقة بين الهدوء والوداعة، إنما نتكلم عن العلاقة بين الجزء والكل.
(4) العلاقة بين الهدوء والعمق:
الإنسان الهادئ يمكنه بهدوئه أن يصل إلى العمق، إن كانت له موهبة التأمل... ولكن لا يشترط أن يكون كل هادئ عميقًا. إنما الأصح أن نقول إن كل إنسان عميق يكون هادئًا... وهنا تعجبني عبارة قالها أحد الأدباء الروحيين. ولعلني كررتها عليكم أكثر من مرة وهي:
[حينما رمى بي الله حصاة على بحيرة الحياة، أحدثت فقاقيع على سطحها، ودوائر لا حصر لها. ولكنني حينما وصلت إلى القاع، صرت هادئًا].
كذلك الأمواج تكون صاخبة على سطح البحر، أما عمق البحر أو عمق المحيط، فيكون هادئًا... وهكذا الإنسان فإنه في فترة طياشته، وفترة الحياة السطحية غير العميقة، يريد أن يحدث فقاقيع على سطح الحياة ودوائر لا حصر لها... ولكنه حينما يصل إلى السن الناضجة، وإلى الفكر العميق، يصير هادئًا...
الإنسان السطحي غير العميق لا يكون هادئًا، بل يجول باحثًا عن ذاته، أو محاولًا أن يحقق ذاته، هنا وهناك!
(5) هنا وأحب أن أفرق بين العمق والذكاء، وعلاقة كل منهما بالهدوء...
بعض الأذكياء يكون الذكاء عندهم مجرد قدرات عقلية. ولا تكون نفوسهم ولا قلوبهم في نفس مستوى عقولهم، فلا يصلون إلى العمق بمعناه الكامل، أقصد العمق في الفكر، وفي القلب، وفي النفس، وفي الروح.
فليس كل ذكي عميقًا. ولكن العميق يكون ذكيًا.
والذكي بدون عمق، قد يقع في أخطاء تفقده هدوءه.
ربما يفهم الذكي ما لا يفهمه غيره، فيستصغر هذا الغير، ويشبعه لومًا وانتهارًا، إن كان يعمل معه أو تحت إمرته، ويفقد الهدوء في تعامله معه. وربما لذكائه يكتشف كثيرًا من أخطاء الناس، فيثور عليهم، أو يتضايق في داخله من أخطائهم، وهكذا يفقد هدوءه من الداخل ومن الخارج.
إن الذكاء – مجرد الذكاء – له حروبه وله متاعبه، إن لم يكن مصحوبًا بالوداعة والاتضاع...
وهكذا إن كان العقل صخابًا ومتعاليًا، فقد هدوءه. وإن تكبر العقل واعتز بذاته، فقد الهدوء والسلام في علاقته مع الله ومع الناس. فعلى كل مَنْ يهبه الله ذكاء، أن يصلي ليهبه الله وداعة وتواضع قلب، حتى لا يقع الذكاء في الغرور، والغرور يفقده الهدوء.
(6) علاقة الهدوء بفضيلة الاتضاع:
قال القديس دوروثيئوس: [الإنسان المتواضع لا يُغضب أحدًا، ولا يغضب من أحد]. إنه لا يُغضب أحدًا، لأنه يطلب بركة وصلاة كل أحد. وهو لا يغضب من أحد، لأنه باستمرار يأتي بالملامة على نفسه في كل شيء. ومَنْ كان هذا شأنه، يعيش في هدوء مع جميع الناس. فإن فقد اتضاعه، يفقد هدوءه.
كذلك المتواضع لا يفقد هدوءه بسبب الرغبات والسعي وراءها، لأنه لا يرى نفسه مستحقًا لشيء، ولا يحب أن يرتفع عن الوضع الذي هو فيه...
(7) علاقة الهدوء بالإيمان والتسليم:
الذي يحيا حياة الإيمان، يعيش في هدوء مسلمًا حياته بالكلية لله، ويقبل كل شيء بإيمان من يديه الحانيتين، فلا يضطرب لشيء ولا يتضايق، بل يكون هادئًا باستمرار يقول مع داود النبي: "إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ... فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ" (مز26: 3).
بالإيمان يقول: "كله للخير". وإن حاقت به مشكلة، يؤمن أن الله سيحلها، لذلك يبقى قلبه هادئًا. إن أتعبته الضيقات يقول: "مصيرها تنتهي"، فيهدأ قلبه...
وبعكس ذلك مَنْ يبعد عن حياة الإيمان والتسليم، تتعبه أفكاره ولا يهدأ أبدًا. وإن ألمت به المشاكل ترهقه إرهاقًا، لأنه لا يضع أمامه معونة تأتي من فوق.
ومن الناحية الأخرى فإن الذين لا يحيون حياة الإيمان، يحاولون أن يكونوا سببًا لتعكير هدوء غيرهم، بما يجلبونه عليهم من إيذاء وإضرار.
(8) علاقة الهدوء بالحياة مع الله:
ما أجمل قول القديس أغسطينوس في كتاب اعترافاته، مخاطبًا الرب بهذه العبارة الجميلة العميقة:
[سيظل قلبي مضطربًا، إلى أن يجد راحته فيك].
ذلك لأن هدوء القلب ليس مصدره العالم وشهواته ورغباته، إنما مصدره الله وحده. فكل مَنْ يعيش بعيدًا عن الله، لا يمكن أن يحيا في هدوء، ويظل قلبه مضطربًا تعصف به الأهواء، إلى أن يعرف الله ويذوق حلاوة العشرة معه. وحينئذ فقط يجد الهدوء والسلام، كمسافر في بحر مضطرب وصل إلى ميناء الأمان...
فائدة الهدوء
فائدة الهدوء
في الهدوء يستطيع الإنسان أن يفكر تفكيرًا متزنًا.
وبالهدوء يمكنه أن يحل مشاكله، بأعصاب غير مضطربة، وفكر غير مشوش.
وفي الهدوء يمكنه أن يتعامل مع الناس، ويتقبلون منه كلامه. وعلى العموم الشخص الهادئ محبوب من الناس. وما أجمل قول القديس بطرس الرسول: "زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ" (1بط3: 4). فالهدوء إذًا زينة للروح.
والهدوء وصية مقدسة، دعانا إليها الكتاب.
فالقديس بولس الرسول يقول: "تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ" (1تس4: 11). والكتاب يقول إن: "الْهُدُوءَ يُسَكِّنُ خَطَايَا عَظِيمَةً" (جا10: 4)
وحتى في الحياة العملية، الشيء الذي يعمل في هدوء يأتي بنتائج أفضل...
القربان الذي يُخبز على نار هادئة يكون سليمًا. بينما الذي يخبزونه على نار شديدة. يحترق من الخارج، يكون الداخل لينًا. وكذلك الطعام الذي سوّي على نار هادئة، يكون أفضل طعمًا وأكثر فائدة. وبالمثل الزراعة التي تُروى بطريقة هادئة...
وفي التعامل مع الناس، الطريقة الهادئة أكثر تأثيرًا في النفس، وتأتي بنتائج مقبولة...
وبعكس ذلك الطرق العنيفة التي تأتي بردود فعل سيئة. ولعلنا سنتكلم عن فوائد الهدوء بالتفصيل في الفصول المقبلة.
مضار عدم الهدوء
مضار عدم الهدوء
الشخص غير الهادئ نفسيًا، يضع هموم الدنيا كلها فوق رأسه. وتصيبه لذلك مشاكل كثيرة.
يفقد سلامه الداخلي، ويقع في القلق والاضطراب النفسي، مع ما في كل ذلك من أتعاب.
وقد يقع أيضًا في الكآبة والحزن والاضطراب...
وقد يصاب نتيجة لذلك بأمراض عديدة: منها تعب أعصابه. فقدان الهدوء يسبب توترًا في الأعصاب. وتوتر الأعصاب يفقد الإنسان هدوءه. وكلاهما سبب للآخر ونتيجة.
والإنسان غير الهادئ عصبيًا، يضر نفسه صحيًا وفكريًا واجتماعيًا.
إنه يفقد شخصيته، ويفقد احترام الناس له...
المدرس الهادئ الحازم محترم من تلاميذه. أما الذي يثور على تلاميذه ويضج، مهددًا ومتوعدًا، أو شاتمًا وموبخًا، فهذا يفقد احترامهم له، وقد يصبح ألعوبة في أيديهم: متى أرادوا أن يثيروه، يمكنهم إثارته...
وكذلك الأم التي تعامل أطفالها بالصراخ والانتهار والزعيق، وبالضرب أو التهديد، وتظن أنها بهذا الأسلوب تربيهم!!...
هذه تفقد أعصابها، وأيضًا تفقد محبتهم. وتصبح حياتها ضجيجًا مستمرًا، وصراعًا مع الأطفال.
الإنسان غير الهادئ عصبيًا، يفقد سلامه مع الناس.
إنه يغضب عليهم، فيغضبون عليه. وإن فقد هدوءه وثار عليهم، ما أسهل أن يعاملوه بالمثل، فيفقد صداقتهم ومحبتهم، وقد يفقد احترامهم أيضًا، ويتعرض لعداوتهم. ويدخل في سوء علاقة مع الناس.
إن فقد هدوءه، قد يصل إلى الصخب والضوضاء والضجيج. وربما يصل إلى الثورة والعنف. أو في فقدان الهدوء يبدو عليه الاضطراب الخارجي نتيجة لاضطرابه الداخلي، وتبدو تصرفاته غير متزنة.
أقل كلمة تعكره، وأقل تصرف يثيره، لأنه غير هادئ.
وقد تكون له رغبة في الانتقام، وفي الدفاع عن نفسه، وفي إثبات وجوده، وفي حماية كرامته، ثائرًا بغير وصول إلى نتيجة. وهكذا يصطدم مع الآخرين. بينما الهادئ – حتى إذا أثير – يرد في هدوء، ويكسب الموقف في هدوء.
غير الهادئ يخسر المواقف، وتُمسك عليه أخطاء...
وربما يكون هو المُعتدى عليه، ولكنه حينما يرد بعنف ويخطئ في الرد حينئذ ينقلب الموقف، ويصبح هو المعتدي وليس المُعتدى عليه!!
أما الهادئ: فحتى إن كان مناقشه ثائرًا، فإنه يهدئه.
وكما قال الكتاب: "اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ" (أم15: 1). وأيضًا: "كَلِمَاتُ الْحُكَمَاءِ تُسْمَعُ فِي الْهُدُوءِ، أَكْثَرَ مِنْ صُرَاخِ الْمُتَسَلِّطِ بَيْنَ الْجُهَّالِ" (جا9: 17).
وبينما يقع غير الهادئ في خطايا كثيرة، يقول الكتاب:
"الْهُدُوءَ يُسَكِّنُ خَطَايَا عَظِيمَةً" (جا10: 4).
ويقول أيضًا: "هُدُوءُ اللِّسَانِ شَجَرَةُ حَيَاةٍ" (أم15: 4).
إننا لا نستطيع أن نحصي الأضرار والنتائج السيئة التي تحدث من معالجة الأمور بعنف أو بشدة أو بعصبية... وقد يظن غير الهادئ أنه بهذا العنف إنما يعبر عن رجولته وقوة شخصيته!!
بينما العصبية والعنف، لا يدلان إطلاقًا على رجولة أو على قوة شخصيته.
ودائمًا الهادئ هو الشخص الأقوى... أقوى لأنه استطاع أن يتحكم في أعصابه وفي ألفاظه. وأقوى لأنه ارتفع فوق مستوى الإثارة فلم تقو عليه... وأيضًا لأنه في هدوئه يمكنه أن يتحكم في الموقف، وأن يفكر في حل الإشكال بدون انفعال. ولهذا قال الرسول: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ" (رو15: 1).
ما أعمق عثرة الأبناء من أبوين متشاجرين.
يفقد البيت هدوءه. ويتناقش الأب والأم في عصبية. وربما يتشاتمان ويتشاجران. وكل منهما يريد أن يثبت أنه الأقوى، وأنه على حق، وأنه يستطيع أن يرد على الطرف الآخر بمثلها وبمثل مثلها... وتكون النتيجة أنهما يخسران احترام أبنائهما لهما، بعثرة أو قدوة سيئة توضع أمامهم. كما أن هذين الوالدين يخسران سمعتهما أمام الجيران... فيقولون إنه بيت فقد هدوءه...!
لعل الصفحات المقبلة ستبين بتفصيل أكثر مضار عدم الهدوء...
أمثلة من الهدوء
أمثلة من الهدوء
أروع مثل هو الله نفسه، تبارك اسمه.
ليتنا نتأمل في الهدوء الذي خلق الله به الكون. والهدوء الذي روى به الكتاب قصة هذ الخلق... وكمثال يقول الكتاب: "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ" (تك1: 3، 4). كل هذا الحدث العظيم يروى في عبارة بسيطة "فَكَانَ نُورٌ"...
بل ما أعجب هدوء الله في مقابلة الوثنية والإلحاد!
هؤلاء ينكرون وجود الله، أو يعبدون الأحجار والمعادن بدلًا منه... فلا تقوم ثورة في السماء ضدهم. ولا ينزل الله نارًا من السماء فتحرقهم وتبيدهم...!
ويجدف أناس على الله، والله هادئ. وهؤلاء المجدفون ما زلوا على قيد الحياة، يعيشون، ويتمتعون كأن شيئًا لم يحدث.
حقًا إن البشر ينتقمون لله، ولا ينتقم الله لنفسه!
الله تارك هؤلاء جميعًا إلى يوم الدين... أما الآن فإنه ما زال يقدم لهم فرصًا للتوبة وللرجوع. بل أكثر من هذا يقول الكتاب عن الله إنه: "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (مت5: 45)... أي أن الأشرار والظالمين يتمتعون أيضًا بنعمه العامة... وكأنهم لم يكسروا وصاياه!!
بل ما أعظم هدوء الله في معاملته للشيطان!!
هذا الكائن الشرير الذي يتحدى ملكوت الله بكل عنف وبلا مبالاة، ويحاول بكل الحيل أن يبعد الناس عن الله، وينشر في الأرض الفساد... ومع ذلك كله لا يزال الشيطان موجودًا. وكان بإمكان الله أن يبيده ويفنيه... ولكن الله لم يفعل، وقابل كل عصيان الشيطان في هدوء، وتركه بمبدأ تكافؤ الفرص، ليجرب المؤمنين، إلى أن ينال جزاءه في اليوم الأخير.
وأحيانًا يتمادى الشيطان، فيوقفه الله عند حده في هدوء. وكثيرًا ما يبعد عنا شروره وتجاربه في هدوء دون أن نشعر...
انظروا أيضًا الهدوء الذي تمت به معجزة التجسد.
جاء الرب عالمنا في هدوء شديد، لا في مركبة من الكاروبيم، ولا وسط أناشيد وتسابيح الملائكة، وإنما هدوء شديد، حتى أن هيرودس لم يشعر به، ولم يعلم أين يوجد...! بينما كثير من الناس إن دخلوا مكانهم، يسبقهم ضجيجهم إليه، ويرفعون صوتهم ليدل على قدومهم، أو ينادي البعض من هنا وهناك...
انظروا هدوء الله أيضًا في صنع المعجزات.
كثيرًا ما تحدث المعجزات في الخفاء، دون أن يراها أحد، ودون أن يعلن الله عنها، ثم يخبر عنها بعض الناس. وما أكثر المعجزات التي حدثت ولم تكتب في الكتاب، ولو كتبت واحدة فواحدة، ما كان "الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو21: 25).
وكمثال لذلك المعجزات التي حدثت أثناء زيارة العائلة المقدسة لمصر... تمت في هدوء، ولم تكتب في الإنجيل. وكل ما نعرفه أن التاريخ روى بعضها...
انظروا أيضًا إلى السماء في هدوئها، وكذلك الملائكة وأرواح القديسين.
إنها مثال عجيب للهدوء. وكل الملائكة الذين فيها ينفذون أوامر الله بسرعة عجيبة وفي هدوء عجيب. وقد وضعوا أمامهم عبارة "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" (مت6: 10). وأيضًا يعمل الملائكة على الأرض معنا ومن حولنا، بهدوء عجيب حتى أننا قد لا نشعر بهم وبعملهم. ومع ذلك "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ" (عب1: 14). وبنفس الهدوء تعمل معنا أرواح القديسين. لقد تعلموا الهدوء من السيد الرب.
تأملوا أيضًا هدوء السيد المسيح في فترة تجسده على الأرض.
هدوء في الرد على معارضيه من الكتبة والفريسيين والصدوقيين والكهنة وشيوخ الشعب... الهدوء العجيب الذي كان يقابل به تحدياتهم وشتائمهم واتهاماتهم الباطلة له... وكيف كان يرد عليهم بموضوعية وبإقناع، دون أن يثور على ألفاظهم الجارحة، وهم يقولون له: "أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا: إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟" (يو8: 48). أو حينما قالوا عنه إنه: "أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ" (مت11: 19).
بل ما أعجب هدوء الرب، أثناء القبض عليه...
انتظر تلك الساعة في هدوء، واستقبلها في هدوء... في هدوء داخلي، وفي هدوء خارجي. وقف في هدوء يقول لهم: "مَنْ تطلبون؟ "أَنَا هُوَ". ومن فرط هدوئه، رجع الجند "إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" (يو18: 5، 6). في هدوء استقبل قبلة يهوذا الخائن دون أن يجرح شعوره، بل قال له: "يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟" (مت26: 50).
كانت كل تصرفاته في تلك الساعة الحرجة في منتهى الهدوء...
اهتم بسلامة تلاميذه، فقال للجند: "إِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ" (يو18: 8). ولما أراد بطرس الرسول أن يستخدم العنف واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، أمره الرب بالتزام الهدوء، قائلا له: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" (مت26: 51، 52)
وأثناء محاكمته، كان هادئًا جدًا...
"كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ... صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7). في مجلس السنهدريم واجهوه بتهم "أَمَّا هُوَ فَكَانَ سَاكِتًا وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ" (مر14: 61). وأمامه شهود زور، لم تتفق شهاداتهم... وأمام بيلاطس كان هادئًا جدًا. وقف صامتًا. وحينما كان يتكلم، كانت إجاباته تذهل الوالي، حتى قال: "لست أجد علة في هذا البار...".
ولما دفن، قام من الموت في هدوء عجيب...
في ساعة لم يعرفها أحد، وبدون ضجيج، وبدون إعلان أمام الناس، وبدون مظاهر عظمة وقوة... حتى شك اليهود في قيامته. وأشاعوا أن تلاميذه أتوا ليلًا وسرقوه (مت28: 13، 15). ما هذا العجب؟! يعوزنا الوقت إن تحدثنا عن كل هدوئه، ولن نستطيع...
ومن قدوة الرب، كان هدوء الشهداء أثناء استشهادهم...
هدوء عجيب أثناء القبض عليهم، وأثناء محاكمتهم، وأثناء تعذيبهم. وفي فترات سجنهم، وفي ساعة الموت... بل كانوا يرتلون ويسبحون الله وهم في أعماق السجون، كما فعل بولس وسيلا، وهما في السجن الداخلي وأرجلهم مضبوطة في المقطرة (أع16: 24، 25).
كيف استقبلوا الموت، بكل هدوء، وبكل فرح.
إنها قصص طويلة متعددة الجوانب، تعطي صورة مشرقة للنفوس الهادئة، التي استمدت هدوءها من الإيمان العميق بالحياة الأفضل بعد الموت... أو قد استمدت هدوئها من رؤى وإعلانات كانت تطمئن النفس على مصيرها الأبدي.
أما قصص هدوء القديسين في حياتهم فهي عجيبة وطويلة...
ولكن لعلنا نقدم هنا مجرد إشارات:
منها الهدوء الذي عاشه الآباء في البرية.
هدوء الطبيعة العجيب، وهدوء النفس من الداخل، وهدوء الفكر في تأملاته... بل أيضًا الهدوء الذي قابلوا به حروب الشياطين، بدون خوف ولا انزعاج...
والهدوء الذي سلكوا به في معاملاتهم.
حتى قيل إنهم: [ملائكة أرضيون أو بشر سمائيون]... وذلك بفضل حياة الوداعة التي اتصفوا بها، وهدوء الطبع الذي لا يثور ولا يغضب مهما كانت العوامل الخارجية ضاغطة عليه، ومهما تعرض لإهانات أو اتهامات باطلة.
ما أعجب هدوء القديسة مارينا، كمثال.
حيث اتهمت بأنها زنت – كرجل – وأنجبت ابنًا من فتاة مثلها! كيف تقبلت التهمة في هدوء، دون أن تدافع عن نفسها! وكيف قضت فترة توبة عن خطية لم ترتكبها. كل ذلك دون أدنى شكوى أو تذمر...!
وبالمثل القديسة التي كانوا يسمونها [الهبيلة].
في أيام القديس الأنبا دانيال... كيف احتملت الإهانات المستمرة بكل هدوء، وبفرح، كأكاليل مجد على رأسها...
الفصل الثاني أنواع الهدوء
الفصل الثاني أنواع الهدوء
1- هدوء الطبع.
2- هدوء الأعصاب.
3- هدوء اللسان.
4- الهدوء الداخلي، هدوء القلب والفكر.
5- هدوء الملامح.
6- هدوء الجسد والحواس.
الهدوء يشمل عناصر متعددة
الهدوء يشمل عناصر متعددة: منها هدوء الطبع، وهدوء الأعصاب، وهدوء الجسد، بما في ذلك هدوء الحواس والحركات والملامح. هناك أيضًا الهدوء الداخلي، هدوء النفس، ويشمل هدوء القلب وهدوء الفكر. ومنها يأتي أيضًا هدوء الكلام ثم أيضًا هدوء التصرف.
والإنسان الهادئ بالحقيقة، يكون كل ما فيه هادئًا:
الإنسان الهادئ تصرفاته هادئة، ومعاملاته مع الناس هادئة. يعيش في سلام داخلي، ومنه يشع سلامًا في الخارج. ما فيه من هدوء داخلي، يفيض هدوءًا في الخارج: إن تكلم يتكلم في هدوء. حتى إن كان حازمًا وعاقب غيره، يعاقبه أيضًا في هدوء.
ولا يمكن أن يفقد هدوءه مهما كانت الأسباب، ومهما كانت المثيرات من الخارج، لأنه تعود أن يكون هادئًا. وصار الهدوء له طبعًا...
بعكس ذلك مَنْ تكون طباعهم غير هادئة. وهنا نذكر:
هدوء الطبع
هدوء الطبع
قد يولد البعض هادئين بطبعهم أو بطبيعتهم، وربما ورثوا الهدوء، عن آبائهم. وغيرهم تدربوا على الهدوء، ومارسوه، تعودوا عليه، فصار لهم طبعًا...
غير أن البعض على عكس ذلك، ليس لهم هدوء في طبيعتهم... طبيعتهم نارية:
أينما يحل الواحد منهم، يحل معه التوتر والغليان، ويسبقه ضجيجه. هو عبارة عن شعلة متقدة، أينما ألقيت أحرقت وأشعلت، وتفجر منها الشرار...
نظراته من نار، كلماته قذائف، طلباته أوامر وتهديدات، ولا تقبل التأجيل...
إن الطبيعة الثائرة، إن وجدت هادئًا تثيره...
أما الطبيعة الهادئة، فإن وجدت ثائرًا تهدئه...
فما هي طبيعتك إذًا؟ أهي طبيعة نارية، أم طبيعة هادئة؟ على أية الحالات لا تيأس، ولا تستسلم إلى حال أنت فيه، حتى إن كنت قد وُلدت بطبيعة نارية...
فالطبائع يمكن أن تتغير، وأن تتدرب على عكسها.
القديس موسى الأسود، في بدء حياته كان له طبع قاسٍ مخيف قتّال. فتحول إلى إنسان هادئ ولطيف، محب للناس ومحبوب منهم. إنسان مضياف وديع بشوش.
والقديس يوحنا الحبيب، لم يبدأ حياته هكذا، إنما كان هو وأخوه يعقوب يلقبان بلقب "بوانرجس" أي ابني الرعد (مر3: 17). ولما رفضت إحدى قرى السامرة قبول الرب، طلب إليه يعقوب ويوحنا أن "تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ" (لو9: 54). ولكن هذا الطبع الناري هدأ بالوقت وبعمل الروح، وتحول يوحنا إلى الحبيب الذي يتكلم عن الحب...
في موضوع الهدوء، ما أعظم الفرق بين طبيعة الجذور وطبيعة الأغصان والفروع.
الأغصان بطبيعتها تتماوج مع الرياح يمينًا ويسارًا حسب اتجاه الريح. وقد تحدث في تمايلها صوتًا أو ضوضاءً. أما الجذور فتمتد في الأرض في هدوء وبلا صوت، تتغذى وتغذي الأغصان الصاخبة أيضًا...
ننتقل من هدوء الطبع إلى نقطة أخرى هي:
هدوء الأعصاب
هدوء الأعصاب
هناك أشخاص أعصابهم هادئة، وآخرون أعصابهم ملتهبة.
الشخص الهادئ الأعصاب لا ينفعل بسرعة، وربما لا ينفعل ببطء. كأنه الجبل الراسي...
أو هو كالجنادل الستة التي تعترض النيل النوبي، مهما عصفت بها الأمواج تبقى هادئة في مكانها، ولا تتأثر بشيء من الصخب الذي حولها...
أما الإنسان الثائر الأعصاب، فإنه ينفعل بسرعة، يثور ويصخب ويضج، وربما لأتفه الأسباب، أو لغير ما سبب، لمجرد شكوكه الداخلية وتصوراته للأمور.
الشخص الهادئ الأعصاب هو إنسان قوي:
لأن الأسباب الخارجية عجزت عن أن تثيره، بل استطاعت أعصابه القوية أن تصمد أمامها. وبسبب قوته الداخلية هذه، ينال احترام الناس وإعجابهم...
أما الثائر الصاخب، فمهما ثار وضج، وشتم وهدد، وبدا وكأنه يخيف غيره، فإنه لا ينال احترام أحد. ثورته تدل على ضعف أعصابه، أو ضعف شخصيته...
إن أراد أحد أن يجعله منظرًا للناس وهزأة، فإنه يستطيع.
كمثال لذلك: إن وُجد مدرس ضعيف الأعصاب لا يحتمل خطأ أو إثارة من طالب، فإن أي تلميذ يستطيع أن يقول لزميله: أتريد أن أجعلك تتفرج على هذا المدرس وهو في حالة عصبية، ليست مخيفة للتلاميذ بل هي مضحكة؟ ويتصرف التصرف الذي يعرف أن المدرس سيثور بسببه. ثم يتفرج عليه!
هدوء الأعصاب يتعلق بسببين: أحدهما جسدي، والآخر نفسي.
والأسباب العضوية التي تتعب الأعصاب كثيرة، وليس مجالها الآن. ولكننا سنتعرض هنا إلى سبب جسدي كثيرًا ما يتعب أعصاب الناس، حتى الفضلاء منهم. وهو الإرهاق.
إن كان الجسد مرهقًا بسبب التعب والمجهود الزائد، حينئذ تكون الأعصاب في حالة عدم احتمال.
نصيحتي لك في هذه الحالة، لا تدخل في حديث طويل ولا في نقاش مع أحد، وبخاصة مع الذين لهم صلابة في رأيهم وليس من السهل إقناعهم... ولا يصح في حالة الإرهاق هذه أن تبت في أمر هام أو تتعرض لحل مشاكل... احترس من الجدل وأنت مرهق، فربما تفقد أعصابك...
حالة الإرهاق يلزمها النوم، أو على الأقل الراحة والاسترخاء. وعلى أحبائك أن يلاحظوا حالات الإرهاق التي تكون فيها، فلا يدخلوا معك أثناءها في مناقشة أو حل مشكلة.
ومن الوسائل التي تساعد على هدوء الأعصاب، روح المرح والبشاشة:
فالمرح يوجد في الجسد حالة من الاسترخاء تريح الأعصاب. وكل الذين يتصفون بروح المرح، تكون أعصابهم هادئة، ولا يتضايقون بسرعة. وربما يقابلون الإثارة بفكاهة تضحك مثيريهم أيضًا، ويهدأ الأمر.
أما المتزمتون الذين يظنون أن الضحك خطية، فغالبًا ما تجد أعصابهم متوترة... والجدية الخشنة التي يقابلون بها تصرفات الناس، كثيرًا ما تفقد الجو هدوءه ويتأزم...
أرجو أن نعود إلى هذه النقطة بمشيئة الله حينما نتحدث عن مسببات الهدوء... وننتقل حاليًا إلى الحديث عن الأضرار التي تنتج عن عدم هدوء الأعصاب:
الشخص الثائر الأعصاب يؤذي نفسه نتيجة لأعصابه غير الهادئة، كما يؤذي غيره أيضًا.
يؤذي نفسه بأمراض الأعصاب. وبما ينتج عن انفعالاته وثوراته من أمراض القلب وضغط الدم، وكذلك الأمراض النفسية العديدة. وقد يضطر إلى تعاطي المهدئات والمسكنات والمنومات، التي تريح أعصابه إلى حين، ثم يرجع الشدّ مرة أخرى بدوافع نفسية من الداخل، ودوافع مثيرة من الخارج، فيرجع إلى المهدئات...!
وتصبح أعصابه مثل الأستك الذي بتوالي شده وإرخائه يفقد مرونته ويتلف..
ويدخل في دوامة من مشاكل الأمراض العصبية، التي يحاول الطب معالجة نتائجها. بينما الأهم هو معالجة أسبابها. وفي المقدمة الاقتناع بالهدوء. فالنفس الهادئة لا تصاب بأمراض عصبية ولا تحتاج إلى مهدئات لأنها هادئة بطبعها...
الشخص الذي يتحكم في أعصابه ويهدئها، يمكنه أن يتحكم في ألفاظه أيضًا ولا يخطئ.
وكذلك يمكنه أن يتحكم في تصرفاته، ويكون عنده ضبط النفس. وبهذا كله يكسب المواقف ولا يخسرها.
لذلك إن وجد إنسان أن أعصابه غير هادئة، عليه أن يؤجل بعض اللقاءات والاجتماعات التي يفسدها عدم هدوء الأعصاب. ويؤجل أيضًا اتخاذ القرارات وهو في مثل هذه الحالة.
ومسألة الأعصاب هذه، تتعلق بالحياة الروحية بوجه عام.
فالإنسان الروحي يدرب نفسه على الوداعة والهدوء وعدم الغضب، كما يدرب ذاته على ضبط النفس والتحكم في ألفاظه، وعلى السلام مع الناس. وبالتالي يصل إلى هدوء الأعصاب.
لذلك يلزم للوصول إلى هدوء الأعصاب، معالجة العوامل النفسية الداخلية التي تؤدي إلى توتر الأعصاب.
ومن ضمنها الحساسية الشديدة نحو الكرامة الشخصية، والتأثر بأقل لفظ يظنه جارحًا له. كذلك موقفه من أخطاء الآخرين، ومقابلتها بالعنف، ومحاولة الانتقام لنفسه محافظة على حقوقه!! كل هذه الأمور تحتاج إلى موقف روحي سليم، وإلى اقتناع داخلي بأنه يمكنه الاحتفاظ بشخصيته وحقوقه وكرامته عن طريق الهدوء...
وعليه معرفة أن ثورة الأعصاب، من الأخطاء المكشوفة.
فهي نقطة ضعف واضحة أمام الناس، تصرخ قائلة إن صاحبها عجز عن حل مشكلته بالعقل والمنطق، وعجز عن حلها بالهدوء، فلجأ إلى الأعصاب. والذي تثور أعصابه، يعطي دليلًا على أن الشر قد غلبه ولم يستطع مقاومته، فثار... بينما يقول الرسول: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21).
الثائر الأعصاب شخص منهار. والهادئ الأعصاب إنسان متماسك.
هدوء اللسان
هدوء اللسان
اللسان الهادئ محبوب من الكل. واللسان غير الهادئ يوقع صاحبه في أخطاء كثيرة. وعدم هدوء اللسان له مظاهر عديدة نذكر من بينها:
1- اللسان الكثير الكلام، الذي لا يتوقف، بينما يقول الكتاب: "كَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةٍ" (أم10: 19).
إنه لسان يتكلم باستمرار، في أي موضوع، حتى في ما يخرج عن اختصاصه وعمله. لا يستطيع أن يصمت. لا يستطيع أن يضبط ذاته داخل شفتيه وأسنانه. لا بدَّ أن يخرج وأن يتكلم، ولا يبطل الكلام إطلاقًا... حتى في أدق نقط العلوم، حتى في أدق أخبار السياسة! المهم أن يتكلم وكفى... حتى في أخبار الناس، وفي أسرار الناس وفي خصوصيات غيره. إنه لسان غير هادئ غير منضبط. ومن عدم هدوئه لا يستطيع صاحبه أن يتحكم فيه، ولا أن يهدئه. يقول يعقوب الرسول:
"إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِيكُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ دَيِّنٌ، وَهُوَ لَيْسَ يُلْجِمُ لِسَانَهُ، بَلْ يَخْدَعُ قَلْبَهُ، فَدِيَانَةُ هذَا بَاطِلَةٌ" (يع1: 26).
إذًا يحتاج كل إنسان أن يلجم لسانه، ولا يتركه على حريته جامحًا يجري من موضوع إلى موضوع، بغير انضباط وبغير هدوء... وإن لم يستطع، فليصل ويقول: "ضَعْ يا رَبُّ حافِظًا لِفَمي، وبابًا حَصينًا لشَفَتي" (مز141: 3).
2- ومن عدم هدوء اللسان: حدة الصوت وعلوه وصخبه.
يعطينا الكتاب مثالًا عن الكلام الهادئ، في حديث الله مع إيليا النبي:
حدثت زلزلة وريح عاصفة ونار. ولم يكن الله في الزلزلة، ولا في الريح، ولا في النار. وإذا صوت منخفض خفيف يقول له: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟" (1مل19: 13). وكان هذا هو صوت الله إليه...
الهادئ يتكلم بصوت هادئ، كأنه النسيم العابر. أما غير الهادئ فيتكلم بصوت كأنه العاصفة الهوجاء.
هناك أشخاص حتى في الوعظ، يعظون بصوت عالٍ وحاد، وينتهرون الشعب في عنف، وأمامهم ما كان يقال عن الخطباء قديمًا، إنهم [يهزون أعواد المنابر]. ويكون السامعون جالسين على أعصابهم...
ويكون تأثير هذا الوعظ هو الانفعال وليس التأثير الروحي.
الواعظ الروحي يقنع الناس بالتعليم الروحي في هدوء، وبعمل الروح فيه وفيهم، يشعلهم بمحبة الله، بانفعال الروح وليس بانفعال حواس الجسد... لذلك كثيرون ينفعلون أثناء العظة من الواعظ الانفعالي. ثم يفقدون هذا الانفعال بعد حين. أما الاقناع الروحي الهادئ، فهو أكثر تأثيرًا وثباتًا داخل النفس...
وإن كان الصوت العالي يُستخدم أحيانًا وسط الجماهير لكي يسمعوا، فما لزوم استخدامه في الأحاديث الخاصة؟!
الشخص الهادئ لا يرفع صوته وهو يتحدث مع الآخرين. لا يعلو صوته فوق احتياج السامع. لذلك في نقاشه لا يحدث ضجيجًا. أليس أمرًا معينًا أن يتناقش البعض فتعلو أصواتهم وتتداخل، حتى ليحسبهم سامعوهم يتشاجرون!!
نعم، هناك أشخاص يصيحون حين يتكلمون، ويصرخون حين يهمسون. ويتكلمون بسرعة، وفي صوتهم ضوضاء...
3- من مظاهر عدم هدوء الصوت أيضًا: الألفاظ الشديدة الجارحة.
إنسان مثلًا، كلامه شديد وصعب، كلام مرّ وجارح، ناقد ولاذع وهدّام تخرج الكلمات من فمه، كأنها قذيفة اندفعت من صاروخ... بينما يستطيع هذا الإنسان أن يعبر عن رأيه وقصده بألفاظ هادئة.
4- ومن مظاهر هدوء اللسان، هدوء الحوار:
الإنسان الهادئ يناقش في هدوء، وبه يكسب الآخرين. كما كان يفعل القديس ديديموس الضرير الذي كان يناقش الفلاسفة والوثنيين في أدب جم، دون أن يهاجمهم. كانت طريقته أن يربحهم، لا أن يحطمهم أو يخجلهم...
أما المناقش غير الهادئ، فإنه يحول الحوار إلى عراك وإلى شجار، تحمى فيه المناقشة، ويتوتر الجو ويتكهرب إلى أبعد حد.
تجد في أسلوبه تحفزًا وهجومًا، واستعدادًا عنيفًا للرد قبل أن يسمع الرأي. وهو يحاورك لا لكي يفهمك أو يصل معك إلى الحقيقة... إنما يناقشك لكي يفحمك، ولكي يهزمك، ويحطم آراءك، ويهزأ بك وبها... كأنك عدو يريد أن ينتقم منك.
أما المناقش الهادئ، فإنه يكسبك صديقًا أثناء حواره. يتكلم في موضوعية، بكل هدوء، ولا يتعرض لشخصك، ولا يقاطعك أثناء الكلام. وإن كنت ثائرًا يهدئك...
وقد يقنعك، وتوافقه على رأيه، دون أن تشعر أنك خرجت منهزمًا... هدوءه لا يشعرك مطلقًا أنكما خصمان، إنما صديقان يحاولان معًا أن يصلا إلى الحقيقة. بعكس المناقش غير الهادئ، الذي تحمر عيناه أثناء المناقشة، ويعلو صوته ويحتد، ويعترض في عصبية وعنف. وقد يتلفظ بألفاظ تحمل معنى الإهانة.
غير الهادئين إذا تناقشوا يقاطعون بعضهم بعضًا.
قد يكون خمسة في مناقشة: أربعة يتكلمون في نفس الوقت، وواحد فقط يسمع هذا الضجيج. وليس عند أحد استعداد لأن يسمع غيره. وإنما كل منهم يقاطع الآخر، بينما إن كان مائة من الهادئين يتناقشون، يكون ذلك بنظام شديد، ولا تسمع في الخارج صوتًا..
إن أفكارًا كثيرة تتصارع، بينما الحق واحد. ولكن كل إنسان يرى أن الحق هو فكره الخاص.
بالهدوء يمكن أن يتلاقى الناس، مهما اختلفت أفكارهم، في هدوء الحوار المشبع بالحب...
5- وما نقوله عن الحوار يمكن أن نقوله عن العتاب.
العتاب الهادئ يوصل إلى الصلح. والعتاب الصاخب يزيد الفرقة والخصومة. ولنا مثال جميل في عتاب السيد المسيح لبطرس بعد القيامة. لم يقل له: [تعال يا خائن، يا مَنْ خفت من جارية، يا مَنْ سببت ولعنت وقلت لا أعرف الرجل... أهذا ما سبق أن وعدت به وقلت: "لو أنكرك الجميع، فأنا لا أنكرك"..!].
لم يقل له السيد المسيح كلمة جارحة واحدة، إنما سأله في هدوء: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" "ارْعَ غَنَمِي، ارْعَ خِرَافِي" وكرر السؤال ثلاث مرات، حتى فهم بطرس (يو21: 15- 17). وأتى العتاب بنتيجته، وثبت الحب، ولم يجرح القلب.
6- ليس المطلوب فقط أن يكون اللسان هادئًا، بل بالأكثر أن يكون أيضًا مهدئًا...
ومن أمثلة الكلام المهدئ، قول الكتاب: "اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ، وَالْكَلاَمُ الْمُوجعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ" (أم15: 1).
مثال آخر هو أب الاعتراف المريح، الذي يهدئ نفس المعترف عليه، ويمنحه سلام القلب، ويريحه من اضطراب القلب بسبب خطاياه، وبعكس ذلك أب الاعتراف الذي يخرج المعترف من عنده وقد فقد هدوءه، وأدركه اليأس، وشعر أنه هالك لا محالة...
الشخص الهادئ يفيض من هدوئه على الآخرين، فيهدئهم إن كانوا ثائرين. أما غير الهادئ فيعديهم بهياجه، ويثيرهم إن كانوا هادئين.
الهدوء الداخلي
الهدوء الداخلي
لا يكفي أن يكون الإنسان هادئًا من الخارج، في كلامه وفي أعصابه، وإنما يجب أن يكون هادئًا في الداخل أيضًا... تكون نفسه هادئة...
وهدوء النفس من الداخل، ينبع منه الهدوء الخارجي.
أما النفس التي تغلي من الداخل، فإنها حيثما حلّت يحل الغليان ويحل التوتر. تعيش كشعلة حيثما ألقيت أحرقت وانتشرت نارها هنا وهناك، لدرجة أن أمثال هؤلاء الناس إذا دخلوا مكانًا، يتهامس البعض قائلين: [يا رب استر].
ولكن الإنسان الهادئ من الداخل، نرى هدوءه الداخلي يفيض هدوءًا في الخارج. تجد صوته هادئًا، ومشيته هادئة، ومعاملاته هادئة، ومناقشاته هادئة ومريحة... وبهدوئه لا يصيح ولا يتشاجر، بل تكون علاقاته طيبة مع جميع الناس، إذ لا يلجأ إلى المشادة أو إلى العنف مع أحد... هذا من جهة الخارج...
أما في الداخل، فيتمتع بهدوء الفكر، وهدوء القلب:
الإنسان غير الهادئ من الداخل، تجد داخله أفكارًا كثيرة، تموج وتطيش، وتروح وتجيء، ولا تثبت على حال. ففكر يجذبه إلى هنا، وفكره يشده إلى هناك. وذهنه دائم التغير. والأفكار تؤثر على نفسه، لأنها غير مستقرة...
وغير الهادئ، يقاسي أيضًا من عدم الهدوء في مشاعره:
انفعالاته وأحاسيسه غير هادئة. رغباته وآماله طائشة غير مستقرة. يجذبها الخيال أحيانًا إلى آفاق عالية لا يستطيع الوصول إليها، ويحطه الفكر العملي إلى واقعه البعيد عن آماله. ويظل يضطرب بين الرغبة والواقع. وتضطرب معه انفعالاته... وقد يقع في اضطرابات نفسية عديدة، نذكر أمثلة منها:
فالشخص الذي يعيش في قلق، هو فاقد لهدوئه...
فالقلق يدل على عدم هدوء في النفس. والقلق يدفع إلى الخوف. والإنسان القلق أفكاره غير هادئة غير مستقرة.
والقلق قد يدعو إلى الشكّ. والشك لا يجعل النفس هادئة.
والإنسان الشكاك لا يكون هادئًا مطلقًا من الداخل. يسائل نفسه باستمرار هل هو على حق في شكوكه؟ وهل من الممكن أن تكون شكوكه غير حقيقية؟ وكيف يمكنه أن يتحقق من هذه الشكوك ويثبتها... وتبقى أفكاره غير هادئة... وقد تعذبه نفسيًا وتتعبه. وهذا التعب يزيد من عدم هدوئه... كما أن الشك قد يتعب الشخص في علاقاته مع الآخرين...
والشك له أنواع. وكلها تُفقد الهدوء...
سواء كان شكًا في وقائع أو في أشخاص.. أو شكًا في علاقات... أو كان شكًا في عقيدة أو في الله نفسه. وربما يكون الشك في مستقبله وما ينتظره فيه... وفي كل ذلك الشك يكون العقل مضطربًا والنفس مضطربة...
على أية الحالات هدوء القلب يجلب هدوء الأفكار.
إذا كان القلب مستريحًا وهادئًا، تصبح أفكار صاحب هذا القلب مستريحة أيضًا وهادئة. وإذا اضطرب القلب، اضطربت أفكاره. وحسبما يكون القلب، تكون الأفكار. إن كانت في القلب عواصف وبراكين، تجد الأفكار كأنها في سوق يبيعون فيه ويشترون. وبالعكس إذا كان القلب هادئًا، تهدأ معه أفكاره...
هناك أشخاص نفسياتهم ضعيفة يضطربون لأتفه الأسباب.
وربما لمجرد الوهم، بغير سبب حقيقي. وفي اضطرابهم يفقد القلب هدوءه، ويفقد الفكر هدوءه، وينعدم الهدوء الداخلي. ويظهر عدم الهدوء في تصرفاتهم...
ومن مظاهر عدم هدوء الفكر، حالة الفكر الطائش الجوال.
الفكر الهادئ مركز، مستقر في موضوع تفكيره، وله عمق في التفكير. أما الفكر غير الهادئ، فأنه يجول من موضوع إلى موضوع، ويطيش في أمور متعددة. كمَنْ تطيش أفكاره أثناء الصلاة. وكما قال أحد الآباء: [إذا كانت النار طعامها الوقود، فإن الفكر طعامه الحكايات]...
الفكر الطائش غير الهادئ يهوى الحكايات، وينتقل من خبر إلى خبر، ومن قصة إلى قصة، ومن شخص إلى شخص، ومن بلد إلى بلد، دون أن يهدأ، حتى أثناء الصلاة. يذكرنا بالشيطان الذي عمله "الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، والتَّمَشِّي فِيهَا" (أي 1: 7).
ومن مظاهر عدم هدوء الفكر، حالة الفكر النقّاد:
الفكر الذي لا يعجبه أحد، ولا يعجبه أي شيء، فهو باستمرار ثائر على الأوضاع، يرى أن الحق فيها قد ضاع، فينتقد كل ما يعرض أمامه، حتى إن كان لا دخل له فيه، وحتى إن كان لم يدرس الموضوع ولم يفهمه... ولكنه مع ذلك ساخط على كل شيء، متذمر من كل شيء، منتقد لكل شيء، فاقد لهدوئه...
والفكر الفاقد لهدوئه، يعمل على إشاعة عدم الهدوء في نفوس الآخرين.
ينشر أفكاره القلقة غير الهادئة، يصبها في آذان الآخرين، ويتحمس لها، ويعمل على إقناع الناس بها. وقد يفلح وقد لا يفلح. وحتى إن لم ينجح في نشر أفكاره غير الهادئة، فإنه يسبب عدم هدوء بسبب مناقشاته غير الهادئة...
ومن الأفكار غير الهادئة: الفكر اللحوح:
الفكر الذي يلح على ذهن الإنسان إلحاحًا، ويضغط عليه بطريقة متعبة. ويحاول أن يتخلص الإنسان منه فلا يستطيع. وبالإلحاح يفقده هدوءه... وبخاصة ذلك الفكر الذي ينام به الإنسان ويصحو. ويلح عليه حتى أثناء عمله، وأثناء صلاته، وأثناء راحته، بلا هوادة، وبلا راحة...
الأفكار الملّحة غالبًا ما تكون حربًا من الشيطان:
لأن الأفكار الروحية هادئة باستمرار. أما الشيطان فإنه يضغط بأفكاره بلا رحمة، ويدفع الشخص إلى سرعة التنفيذ. وهو بإلحاحه يضغط على الأعصاب ويتعبها، لكي تحسب أن التنفيذ هو أسهل وسيلة لراحتها. إن الفكر اللحوح فكر مشاغب، لا يشاء أن يترك للإنسان فرصة للمشورة، ولا فرصة للصلاة، ولا فرصة لفحص الفكر ومناقشته! كما لو كان يريد أن يرغم الإنسان إرغامًا...!
ومن أنواع الأفكار غير الهادئة: الفكر المتقلب:
الذي يعرض الشيء وعكسه. وتارة يوافق على الأمر، وتارة يعارضه. يتحمس للموضوع حينًا، ويفتر حماسه بعد حين. كأمواج البحر تروح وتجيء، بغير ثبات... إنه فكر متقلب، أو هو فكر متردد، يسبب لصاحبه عدم هدوء وعدم استقرار...
أما الفكر الهادئ، فإنه يشبه السفينة التي تشق طريقها في هدوء، في مسار واحد، لا تضطرب فيه، ولا تنحرف يمنة ولا يسرة...
الأفكار غير الهادئة تفقد القلب هدوءه. وكذلك القلب غير الهادئ يزعج الأفكار.
لأنه أحيانًا يكون القلب غير هادئ، بكل ما فيه من عواطف ومن مشاعر وأحاسيس وانفعالات... كالحزن، والشهوة، والتعب، والغيظ، والحقد، والحسد، والرغبة في الانتقام، والرغبة في التملك أو في السيطرة... القلب الذي فيه شيء من هذه المشاعر وما يماثلها لا يمكن أن يكون هادئًا، وكذلك أفكاره... ومما يفقد القلب هدوءه بالأكثر: الرغبات التي تطلب سرعة تحقيقها، بينما هذه السرعة غير متوفرة في الواقع العملي... فيفقد القلب هدوءه.
القلب الهادئ يرى كل شيء هادئًا، فلا يضطرب لشيء. أما القلب غير الهادئ، فيرى في كل شيء سببًا للاضطراب. لذلك يضطرب، ويثير الاضطراب حيثما حلَّ...!!
القلب الهادئ لا تزعجه المشاكل الخارجية. وإنما يتقبلها في هدوء، ويتناولها بعقل، ويحللها، ويفحصها، ويحلها في هدوء. ولا يسمح للاضطراب الخارجي أن يدخل إلى داخل نفسه لكي يعكر صفاءها...!
إنه لا يترك المشكلة تنتصر عليه، بل ينتصر هو عليها.
يقول لنفسه، لا أريد أن تزعجني هذه المشكلة، ولا أريدها أن تدفعني إلى الغضب أو النرفزة أو الحزن... ولا أن تفقدني سلامي. أريد أن هذه المشكلة تبقى خارجي، ولا تدخل إلى داخل نفسي...
القلب الهادئ بحر عميق. قد تطفو المعكرات على سطحه ولا تزعج هدوءه. أما إن هبطت إلى أعماقه، فإنها تذوب وتتلاشى...
أما إذا انزعج الإنسان من الداخل وفقد هدوءه، فإنه يعجز عن حل إشكالاته، فتزعجه، ويظهر عدم الهدوء في تصرفاته وفي التعامل مع الناس والأحداث...
القلب الهادئ يصلح للعمل الروحي...
أما إذا فقد القلب هدوءه، فإنه لا يقدر على التأمل. وإن حاول الصلاة تسرح أفكاره. وإن قرأ كتابًا يسرح أثناء القراءة...
لأجل كل هذا، كان آباؤنا يبحثون عن الهدوء والسكون، لأنه في الجو الهادئ، وفي المكان الهادئ، يمكنهم أن يمارسوا عملهم الروحي...
القلب الهادئ يبسط هدوءه على الإنسان كله:
هدوء القلب يسبب هدوء الفكر، وهدوء الأعصاب، وهدوء الملامح. وقد تحدثنا من قبل عن هدوء الأعصاب وهدوء الفكر ونتكلم الآن عن هدوء الملامح:
هدوء الملامح
هدوء الملامح
قليل من الناس يستطيعون التحكم في ملامحهم...
فغالبًا ما تكون الملامح كاشفة لحالة القلب...
سواء أراد الإنسان ذلك أم لم يرد. فإن اضطرب قلبه، ظهر الاضطراب في ملامحه. إن اغتاظ، إن تضايق، إن اشمئز، إن خاف... يظهر كل ذلك على ملامح وجهه أو في نظرات عينيه. حتى إن سرح في أحلام اليقظة تكشفه ملامحه.
ملامحه هي اعترافات غير إرادية تكشف ما بداخله!
فقد يضطرب، وينكر اضطرابه، ولكن ملامحه تعلن أنه غير صادق في إنكاره... وأحيانًا يفقد الإنسان هدوءه. وإن سألوه عن السبب يُنكر. ولكن نبرات صوته، وحركات يديه، ونظرات عينيه، وربما حركة شفتيه، وخلجات وجنتيه... كل ذلك ينطق بما في داخله، بما لا يسمح بمجال للشك...
لا تظنوا أن القلب خزانة مغلقة تكتم أسراره!
فكثيرًا ما يكون مكشوفًا ومفتوحًا بواسطة الملامح. وغالبًا ما تكون عين الشخص مرآة ترى فيها مشاعره الداخلية، وربما تقرأ فيها أفكاره أيضًا. أي إنسان لماح يستطيع ذلك... لذلك بعض الناس يلبسون نظارات سوداء حتى لا يتمكن مجالسوهم من رؤية انطباعاتهم ومشاعرهم في عيونهم...
القلب الهادئ ملامحه هادئة ومريحة...
تحب أن تجلس إليه وتتأمل ملامحه. تتأمل الهدوء العجيب الذي يفيض من القلب ويكسو الملامح. لذلك لم يكن عجيبًا أن يقول أحد الرهبان للقديس الأنبا أنطونيوس: [يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي]... ففي وجهه كان يرى السلام الداخلي الذي يملأ قلبه. وكان يرى كل ما في القلب من طهارة وبرّ...
أما القلب غير الهادئ، فملامحه غير مريحة.
هناك أشخاص في حالة غضبهم وانفعالهم تكون ملامحهم غير مريحة. وكذلك في حالة حزنهم أو ضيقهم تكون ملامحهم أيضًا غير مريحة... إذ يفقدون سلامهم الداخلي، ويفقدون الهدوء. ويظهر كل ذلك في ملامح وجوههم...
وقد تبلغ حالتهم إلى أن تصبح ملامحهم غير مقبولة، ولا تستطيع النظر إليها طويلًا. لأنها غير هادئة، ولا تساعد على هدوء الناظر إليها.
لذلك يجب التحكم في الملامح وتهدئتها:
والأفضل أن يهدئ الإنسان قلبه. وحينئذ تهدأ ملامحه تلقائيًا...
هدوء الجسد والحواس
هدوء الجسد والحواس
هناك أشخاص أجسادهم غير هادئة لا تستطيع أن تستقر في مكان واحد. تريد أن تروح وتجيء، وتخرج وتدخل، وتقوم وتقعد. حتى البيت لا تستقر فيه كثيرًا. وإنما لا بدَّ من الزيارات والفسح ونزهة الجسد والانتقال من مكان إلى آخر... هؤلاء لهم طياشة في الجسد...
بعكس الرهبان الذين يتدربون على هدوء الجسد.
فيستطيع الراهب المتوحد أن يمكث في قلايته أيامًا وأسابيع، لا يخرج منها ولا يتحرك إلا لضرورة. وإن تحرك فيكون ذلك لعمل نافع...
فرق كبير بينهم وبين الذين يتحركون بلا سبب.
حتى إن جلس بمفرده في مكان، تجد جسده متحركًا باستمرار. فإن تكلم مع أحد تجد يديه تتحركان، وقدميه تتحركان، ورأسه تتحرك. وقد يشير بيده، وقد يرفع إصبعه أثناء الكلام، وتهتز يداه في حركات مستمرة. وقد يتناقش اثنان، وتنظر إلى أيديهما، فتجدها دائمة الحركة. بعكس الجندية التي يتكلم فيها الجندي وهو في وضع هادئ. فإن حرك يديه يقولون له: [اثبت]...
في بعض الأحيان تلزم الحركة قليلًا للتعبير عن الانفعال الداخلي. ولكنها لا تكون حركة مستمرة لا تهدأ...
وما أكثر الذين تدل حركاتهم على عدم هدوء.
إن دخل أو خرج، يُحدث صوتًا أو ضجيجًا في فتح الباب وغلقه. وإن مشى يحدث صوتًا في مشيته. وإن شرب تسمع صوتًا له أثناء شربه... حتى إن أراد إذابة السكر في كوب شاي، يخيل إليك أنه يدق جرسًا... لا هدوء في الحركات على الإطلاق. بينما الهادئون يسكنون في مكان، فلا تسمع لهم صوتًا.
وفي البلاد الهادئة، تجد أن المظاهرات نفسها هادئة!
المظاهرات بحسب قواميسنا ضجيج هنا وهناك. تجمهر يسير فيه المتظاهرون يصيحون ويهتفون، ويلوحون بأيديهم، ويقيمون الدنيا ويقعدونها، وكأنهم في شبه ثورة. أما في البلاد الهادئة، فتخرج المظاهرة تعبر عن رأيها بلافتات تحمل فكرها ومطالبها. وتنتقل من شارع إلى آخر، تنقل إليه الفكر، بهدوء...
هدوء الجسد يصحبه هدوء الحواس...
وهدوء الحواس يساعد صاحبه على هدوء الفكر.
الحواس الطائشة – من نظر وسمع وشم... - تجلب أفكارًا، والأفكار تؤثر على مشاعر القلب. وهكذا قد يجلس إنسان في اجتماع، وعيناه زائغتان تنظران ماذا يفعل هذا وماذا يفعل ذاك. وما أسهل أن ينفعل الشخص بما يبصره ويسمعه. بل قد يجلس إلى مائدة، وتتجول عينه لترى ماذا يأكل هذا أو ذاك، وكيف يأكل... وتتبع ذلك أفكار...!
لذلك قال آباء البرية: [إذا دخلت قلاية أخ، فلا تبصر ما في داخلها. وإذا جلست إلى مائدة، فلا تبصر عيناك إلا ما هو أمامك فقط].
تطلّع الحواس على أسرار غيرها، يسمى زنا الحواس..
فإذا حاولت الأذن أن تسمع ما ليس من حقها أن تسمعه، يُسمى هذا عند الآباء زنا الآذان، ويدخل في ذلك التصنت. ويدل على أن الأذن غير هادئة. وكذلك العين التي تحاول أن تبصر ما ليس من حقها أن تبصره... إنها حواس غير هادئة، همها مثل الشيطان "الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَالتَّمَشِّي فِيهَا" (أي2: 2).
والحواس الطائشة غير الهادئة، تتسبب في إثارة الأعصاب.
وبخاصة الأذن التي تجول باحثة عن خبر مثير، وكذلك العين التي تبحث عن منظر مثير. والفم الذي كثيرًا ما يسأل: [ما هي الأخبار؟]... ويجلب لأذنيه ولقلبه ولفكره ما يتعبه ويفقده هدوءه...
العجيب أن الحواس قد لا تكون هادئة، حتى أثناء الصلاة...!
العين تجول هنا وهناك لتبصر، وتعطل صلتها بالله. وكذلك الأذن قد تكون حساسة إلى ما يمكن سماعه. وبهذا يسرح الفكر، لأن الحواس غير هادئة... تصدر عن جسد غير هادئ، وفكر غير هادئ. على أن الجسد قد لا تكون مشكلته فقط هي الحواس...
فعدم هدوء الجسد قد يأتي بسبب شهواته.
فشغب الجسد قد يأتي بسبب شهوة جسدية تثور عليه، مثل شهوة الطعام أو شهوة الجسد، فيفقد هدوءه، وينتقل من مكان إلى آخر يبحث عن إشباع شهواته. وكتب الآباء تسمي مثل هذه الشهوات أوجاعًا أو آلامًا للجسد. فالجسد متألم وغير هادئ بسبب الخطية.
وقد يكون عدم هدوء الجسد لأسباب صحية...
هدوء التصرف والحلول
هدوء التصرف والحلول
الإنسان الهادئ يحل مشاكله في هدوء. وفي أصعب المواقف لا يفقد هدوءه، بل يتصرف بعقل واتزان. لذلك تكون تصرفاته متزنة ومقبولة، ولا تأتي بردود فعل عنيفة.
حتى إن احتج أو عارض، يحتج ويعارض في هدوء.
بطريقة موضوعية مقنعة، يعمل فيها المنطق وليس الأعصاب. وينجح بهذا في كسب الموقف وفي عدم الاصطدام بمعارضيه... بينما شخص آخر – إذا احتج - يفعل ذلك بصخب وضوضاء وصوت عالٍ. ويتهم الطرف الآخر باتهامات قاسية. ويتناول الأشخاص ونياتهم ومقاصدهم بعنف شديد! ما أسهل أن يخطئ في كل هذا ويخسر الموقف.
أما الشخص الهادئ، حتى إن استقال، يستقيل بهدوء.
لم يستطع أن يتعاون مع زملائه، فينسحب في هدوء، دون أن يخسرهم، ودون أن يعكر الجو حولهم. ولكن غير الهادئ إن استقال، يريد أن يرج الدنيا باستقالته. وإن لم تحدث ضجة يغضب ويقول: [كيف أستقيل والدنيا لا تزال دنيا. كيف لم يغضب فلان وفلان لغضبي؟! وكيف لم يثوروا مثلي؟!]...
الهادئ في تصرفاته، يكون قدوة لغيره:
يتعلمون منه الهدوء وحسن التصرف، ويأخذون خبرة في طريقة التعامل مع المشاكل ومع الأشخاص المتعبين. ويذكرون قول الرسول:
"مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقِّ. لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ" (يع3: 13- 16).
يقول القديس بولس في التعامل مع زلات الآخرين:
"أَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ" (غلا6: 1).
الفصل الثالث أسباب عدم الهدوء
الفصل الثالث
أسباب عدم الهدوء
من الداخل:
الطبع الناري – السوداوي.
طريقة التفكير.
الأعصاب المرهقة.
الأمراض النفسية.
من الخارج:
بالنسبة إلى الجسد.
بالنسبة إلى النفس.
بالنسبة إلى الروح.
أسباب من الداخل
هناك أسباب كثيرة تفقد الإنسان هدوءه: بعضها من داخل النفس، وبعضها من الخارج. وسنحاول أن نتعرض إلى كل من هذين النوعين.
أسباب من الداخل
منها طبع الإنسان، سواء كان طبعًا ناريًا أو سوداويًا، أو له حساسية خاصة. كذلك طريقة تفكير الإنسان إن كانت ضده. وأعصابه إن كانت مرهقة. تضاف إلى هذا الأمراض والمحاربات النفسية: مثل الخوف، والاضطراب، والكآبة، والشهوة، والغضب. ومن أسباب عدم الهدوء أيضًا: محبة الضجيج.
الطبع
الطبع
طبع الإنسان له أثره الأول على هدوئه أو عدم هدوئه. فهناك أشخاص لهم طبيعة هادئة، وآخرون لهم طبيعة ثائرة، وآخرون بين بين.
الطبيعة الهادئة لا تثور. وإن وجدت شيئًا ثائرًا تهدئه.
أما الطبيعة الثائرة، فإنها تثور حتى من غير سبب!
هذا الطبع الثائر يسمونه [الطبع الناري]. وهو لا يحب الهدوء مطلقًا، ولا يستطيع أن يعيش فيه. وإن وجد جوًا هادئًا سرعان ما يشعله ويهيجه ويثيره.
صاحب هذا الطبع لا تجده هادئًا أبدًا. وعدم هدوئه ليس له أي سبب خارجي، إنما هو ناتج عن طبعه. فهو دائمًا ساخط هائج متوتر ثائر...
أو قد يكون الطبع سوداويًا، متشائمًا باستمرار.
ينظر نظرة سوداء إلى كل شيء، ويتوقع شرًا في كل مناسبة. ويشك في نيات كل مَنْ حوله، كما يشك في تدابيرهم، ويتخوف مما يعملون. وقد يصل إلى حالة مرضية يسمونها Persecution Complex أي (عقدة الاضطهاد)... ولذلك فهو يفقد هدوءه بسبب تشاؤمه وتوقعاته الرديئة.
وصاحب هذا الطبع يتخيل لتشاؤمه أسبابًا متنوعة.
فهو يفقد هدوءه إن كان تاريخ اليوم 13 أو مضاعفاته، سواء في الشهر العربي أو الميلادي ويظل يقول: [يا رب استر] ... أو حيثما يرد هذا الرقم، في عنوان، أو بطاقة شخصية، أو رقم جلوس، أو رقم عربة أو رقم تليفون... أو إذا وصل عمره إلى مضاعفات هذا الرقم، كما يفقد هدوءه إن سمع صوت بومة، أو إن قابل شخصًا يتشاءم من لقائه...!! أو شخصًا يرتبط اسمه بحادث سبب له ضيقًا... وكذلك يفقد هدوءه إذا تشاءم من قراءة طالعه في باب "أنت والنجوم" في الجرائد والمجلات...!
وتحاول أن تهدئه فلا تستطيع!
إنها أمور راسخة في طبعه، تسبب له قلقًا باستمرار، وتعكر هدوءه. ويتغلب فيها الطبع على التفكير وعلى الإقناع.
وقد يفقد الإنسان هدوءه بسبب حساسية في الطبع.
فإنسان مثلاً حساس جدًا نحو كرامته أو نحو حقوقه، أقل كلمة يستشعر منها خدشًا لحقوقه وكرامته أو أقل تصرف... تراه يضطرب من الداخل، وتتأثر أعصابه، وقد يحتد. وفي كل ذلك يفقد هدوءه الداخلي. وقد يتصرف بطريقة غير هادئة مع الناس...
طريقة التفكير
طريقة التفكير
هناك إنسان يفكر بطريقة هادئة، بينما يفكر غيره بطريقة مضطربة أو صاخبة لا توصله إلى حلّ، فيفقد هدوءه الداخلي...
وهنا يدخل في الفكر حسن الظن أو سوء الظن. فالذي يفكر في كل ما يحدث وفي كل ما يسمعه بحسن الظن، يكون هادئ الفكر من الداخل، ويجعل الأمور تمر بسلام. أما إذا ارتكز تفكيره على سوء الظن، فإنه يفقد هدوءه، وتضطرب أفكاره، وينقله فكر إلى فكر آخر، في غير هدوء.
وإلى جوار سوء الظن، ربما تضطرب أفكاره بسبب الشكوك، أو بسبب استنتاجاته التي تتعبه.
وما أكثر الاستنتاجات الخاطئة التي تنبع من نفسية قلقة، ولا يكون لها أي ظل من الحقيقة. حتى إنك قد تقول لصاحبها في استغراب: [لماذا تفكر بهذا الأسلوب؟! لماذا تؤول الكلام إلى هذا التأويل؟!].
إنها حالة إنسان أفكاره تعمل ضده!
أسلوبه في التفكير يتعبه. يحتاج إلى إنسان آخر يصحح له مجرى تفكيره، ليفكر بطريقة هادئة تريحه.
ومن أسلوب التفكير المتعب تضخيم المشاكل:
المبالغة في تقدير المتاعب التي تصادفه، وافتراض نتائج سيئة وخطيرة، بخيال خصب في استنتاج الأخطار. وبهذا يحيا في رعب ويفقد هدوءه.
الأعصاب المرهقة
الأعصاب المرهقة
الأعصاب الهادئة تجعل الإنسان يفكر تفكيرًا هادئًا مريحًا.
ولكن إرهاق الأعصاب يؤدي إلى عدم الهدوء، وعدم الاحتمال والتعرض للغضب والنرفزة.
وقد يكون هذا الإرهاق ناتجًا عن تعب جسداني، أو عن مرض، أو لأسباب نفسية، أو لكثرة التفكير أو القراءة مدة طويلة بدون راحة...
ولذلك يحسن عدم الدخول في مناقشات حامية في أمثال هذه الحالات، وعدم التفكير في حل مشكلات بأعصاب مرهقة. وعلى الرؤساء عدم البت في مصائر غيرهم وهم في حالة كهذه.
فإن وجدت شخصًا مرهقًا، لا تجادله، فقد لا يحتمل النقاش ويثور... وأيضًا لا تلح عليه في الاستجابة لطلب معين، لأنه قد لا يحتمل الإلحاح، فيرفض لمجرد أنه ليست لديه قدرة على بحث الطلب. وقد يستخدم ألفاظًا قاسية رغبة منه في إنهاء الحديث.
فإن عاد الزوج مرهقًا من عمله، ليس من مصلحة الزوجة أن تعرض عليه موضوعات تحتاج إلى تفكير، بينما هو في حاجة إلى راحة... فإن ألحت عليه فثار عليها، لا تقل إنه عصبي المزاج... والأفضل أن تعرف أنها اختارت وقتًا غير مناسب للحديث...
ومن الأسباب الأخرى التي تفقد الإنسان هدوءه الأمراض والمتاعب النفسية. ونذكر من بينها:
الخوف والاضطراب
الخوف والاضطراب
إذا خاف الإنسان، يفقد هدوءه. وإذا فقد هدوءه يخاف.
في حالة الخوف يتصور الإنسان مشاكل وأخطارًا، سواء لها وجود أو ليس لها وجود، فيضطرب. وكلما زاد تفكيره في هذه الأخطار، يزداد خوفه واضطرابه، ويتخيل ما هو أسوأ وقد تكون كل مخاوفه من صنع نفسه...
الإنسان الهادئ لا يضطرب، مهما اضطربت الأحوال من حوله.
وكما قال الرب عن البيت المبني على الصخر (مت7: 25). تهب الرياح والأمطار وتسيل الأنهار، وتصدم ذلك البيت فلا يسقط، لأنه مبني على الصخر...
بطرس الرسول كان ملقى في السجن، وكان هيرودس مزمعًا أن يقتله. ومع ذلك نام نومًا عميقًا حتى أن الملاك الذي جاء لينقذه لكزه في جنبه ليوقظه (أع12: 3- 7).
أما الإنسان الذي يخاف ويضطرب، فإنه يفقد هدوءه.
وفي خوفه واضطرابه يعجز عن التفكير الهادئ السليم.
وهكذا تتعقد الأمور أمامه، وتبدو بلا حل، فيفقد هدوءه تمامًا. ولاستعادة هذا الهدوء، لا بدَّ من معونة خارجية تسنده، وتُوجد له حلًا. فإن عثر على الحل، يقل خوفه ويهدأ...
وتنفعه في هذه الحالة: الصلاة والمشورة.
بالصلاة يشعر بالقوة الإلهية التي تحل له مشاكله، فلا يخاف. وبالمشورة يجد قلبًا محبًا عاقلًا إلى جواره يقدم له الحل ويعالجه بالإيمان، فلا يخاف بل يهدأ.
ولعل البعض يسأل عن الذين يخافون من الموت.
في الواقع إن الذي يخاف من الموت، يخاف بالأكثر من مصيره بعد الموت، وإلى أين يذهب. أما المؤمن الواثق بمحبة الله، والذي دائمًا يقدم توبة عن كل صغيرة وكبيرة، فإنه لا يخاف من الموت، بل يقول مع بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23). وهكذا نجد أن الشهداء كانوا يستقبلون الموت بفرح، وكانوا هادئين جدًا ساعة موتهم، بلا اضطراب.
وهذا لا يمنع أن بعض القديسين كانوا يتكلمون عن الموت بخوف، من باب الاتضاع، حتى لا ترتفع قلوبهم بسبب برّهم واستحقاقهم للأكاليل...
الشهوة
الشهوة
صدق القديس أغسطينوس حينما قال:
[جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئًا ولا أخاف شيئًا].
فالذي يجرى وراء الشهوات، ترهقه الشهوات وتستعبده:
تربكه من الداخل، فيظل يفكر كيف يحقق ما يشتهيه قلبه؟ كيف يصل؟ وما هي الصعاب التي تعترضه؟ ومَنْ هم منافسوه؟ وكيف ينتصر عليها؟ أو ربما كيف يحتال لكي يصل؟ وهكذا تربكه الشهوة من الداخل، وتفقده هدوءه في التفكير وفي السعي وفي المشاعر...
كما أن مجال الشهوات لا ينتهي. كلما تتحقق واحدة، تظهر غيرها، بلا نهاية!!
لذلك نرى هدوءًا في القلب والفكر عند النساك والرهبان والزاهدين، لأنهم تخلصوا من ضغط الرغبات، وأصبحوا أحرارًا في داخل نفوسهم.
الغضب والنرفزة
الغضب والنرفزة
النرفزة بالنسبة إلى عدم الهدوء، سبب ونتيجة.
فالشخص الذي يفقد أعصابه، يفقد هدوءه أيضًا. وإذا فقد إنسان هدوءه، ما أسهل أن يغضب ويتكلم بعصبية ظاهرة...
أما الإنسان الهادئ، فهو لا ينفعل بسرعة، ولا يثور، ولا يحتد... بل يتعامل مع الناس ومع المشاكل، في هدوء، وفي بشاشة. هدوءه الداخلي يظهر في معاملاته الخارجية أيضًا..
محبة التدقيق
محبة التدقيق
هناك أشخاص لا يعيشون إلاَّ في صخب، ولا يطيقون الهدوء إطلاقًا.
إن ذهبوا إلى مكان تسبقهم ضوضاؤهم، ويعلنون حضورهم بأصواتهم العالية وموكبهم الصاخب. وإن جلسوا في مكان هادئ، يسأمون بسرعة ويتركونه. وإن كان الحاضرون صامتين، يصيح واحد من هؤلاء قائلًا لهم: "لماذا تجلسون صامتين هكذا؟! هل نحن في جناز؟!".
إنهم يبحثون باستمرار عن المشاكل والمثيرات:
إن دخلوا في عضوية أية هيئة أو أية جمعية، لا بدَّ أن يحدث شيء، لا بدَّ أن يثار إشكال، ويتكهرب الجو، ويشعرون بهذا أنه صارت لهم شخصية. إن جلسوا في اجتماع، لا بدَّ أن تعلو أصواتهم، ويبحثوا عن موضوع يعارضونه...
يضخمون الإشكالات، ويثيرون أزمات، لأتفه الأسباب.
وإن وضعوا في منصب رئيسي، يتعبون مرؤوسيهم بكثرة الأوامر والنواهي، وبكثرة التحقيقات، وانشغالهم بتوافه الأمور... ولا بدَّ أن تقوم الدنيا وتقعد إن بحثوا أمرًا من الأمور. وإن وجدوا غلطة، ينفجر البركان...
لا شك أن وجود جو هادئ، يلزمه محبة الجميع للهدوء.
فالذين لا يحبون الهدوء يظهر ذلك في كل مناسباتهم: أفراحهم أفراح صاخبة تعلو من بعد: أصوات ضجيجها وغنائها وصفيرها، وربما تصحبها طلقات نارية. وحتى أحزانهم في ضجيج أيضًا. فلا بدَّ أن ينقلب حال البلد أو الحيِّ إن مات لهم ميت!! يظنون أنهم لا يكرمون الميت، إن لم يسهروا عليه الليالي بالندب والعويل وعالي الأصوات، وإقامة السرادقات لأيام، وإنفاق المبالغ الطائلة على البرقيات وإعلانات العزاء، وإبطال أفراح القرية لفترة طويلة جدًا، حرصًا على مشاركتهم مصابهم...
المشاركة الوجدانية لازمة. ولكن المبالغة فيها تضيع الهدوء.
وتوجد طرق للتعبير عن المشاركة، بعيدة عن الصخب، وتتميز بالهدوء. وربما يكون الحزن الصامت والدمع الهادئ أكثر عمقًا من الصراخ.
تحدثنا عن أهمية الأسباب الداخلية لفقد الهدوء. ونتحدث الآن عن الأسباب التي من الخارج:
أسباب من الخارج
أسباب من الخارج
هناك أسباب خارجية قد تفقد الإنسان هدوءه وراحته، وتفقده ابتسامته وبشاشته، وفرحه ومرحه. ومع ذلك فالإنسان الروحي يمكنه أن ينتصر على الأسباب الخارجية كما سنشرح بعد. ولعل من أهم الأسباب الخارجية: ما يتعلق بالجسد والحواس، وما يتعلق بالنفس، وما يتعلق بالروح.
(أ) ضد الحواس
(أ) ضد الحواس
ما أكثر الأسباب التي تفقد الجسد هدوءه، بأن تتعب الحواس. ونعني بها ما يختص بالمساكن، والأصوات، والأضواء، والألوان، والمواصلات، والتليفونات...
المساكن:
1- ازدحام المساكن في المدينة، أية مدينة يسبب ضوضاء وصخبًا للحواس...
وبخاصة في الشوارع التجارية من المدينة، حيث يزدحم الناس بطريقة غير عادية. وكذلك في الأماكن التي تكثر فيها المصانع والمعامل والجامعات والمدارس والمستشفيات، أو ما يسمونها (منطقة الخدمات) في المدينة.
2- ويستتبع كل هذا تعدد طرق المواصلات، وما تحدثه من أصوات ومن ضجيج...
وبخاصة في ساعات بدء وانتهاء العمل في شتى المصالح التي يسمونها The Rush Hours حيث يخرج آلاف من الموظفين والطلبة ورجال الأعمال، إما بعرباتهم الخاصة أو في البحث عن الأتوبيسات وعربات الترام وعربات الأجرة.
وهنا يبدو ضجيج المدينة في عمقه، مما يتعب محب الهدوء ويفقده هدوء الحواس.
وقد تتعطل المواصلات من كثرة الزحام، وبخاصة في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان، وما يتبع كل ذلك من مشاكل وانفعالات وتعطل مصالح البعض، وضياع للوقت...
3- لهذا كله كان البعض يفضل السكنى في الضواحي.
ومدينة لندن التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 12 مليونًا، بعض سكانها يفضلون السكنى خارج المدينة، في الضواحي المعروفة باسم الـ Suburbia (كالمعادي بالنسبة إلى القاهرة مثلًا).
وعلى الأقل، إن لم يستطع الناس السكنى في الضواحي، فإنهم يقضون فيها نهاية الأسبوع كفترة راحة واستجمام، بعيدًا عن ضجيج المدينة.
4- والتماسًا للهدوء، بعض المدن لا تسمح قوانينها ببناء كل مساحة الأراضي السكنية.
ففي بعض المدن لا يسمح لصاحب الأرض إلا ببناء ثلث أو ربع مساحة أرضه. ويبقى الباقي كحديقة مثلًا. وهكذا تبعد المساكن عن بعضها البعض. وتوجد الخضرة التي تساعد على هدوء الأعصاب والهدوء النفسي، حيث يقل الزحام، وتقل الضوضاء... وبعض المدن لا تسمح إلا بارتفاع محدود للمساكن، قد يصل إلى 12 مترًا فقط (ثلاثة أو أربعة طوابق).
أمثال هذه الأحياء السكينة هي الأحياء الهادئة في المدينة.
ونظرًا لارتفاع ثمن الأراضي حاليًا، ولكثرة السكان، وأزمة المساكن، فإن أمثال هذه المساكن المريحة الهادئة من الصعب أن تتوفر إلاَّ للقادرين الذين يحبون الهدوء والسكون...
وتلافيًا لهذا النقص، تحاول بعض المدن أن تخصص بعض الأراضي داخل المدينة لتكون حدائق عامة كمتنفس للناس... على أن هذه الحدائق – على الرغم من نواحيها الجمالية والصحية – إلا أنها غالبًا ما تكون مكانًا صاخبًا من جهة الصوت، باعتباره مكانًا للترفيه وليس للهدوء...
5- من هنا كان محبو الهدوء يلجأون إلى الأديرة حيث البرية الهادئة.
وعلى الرغم من هدوء البرية والأديرة، إلا أنه لكثرة زيارات الناس للأديرة، فإنهم يفقدونها هدوءها. ولهذا ينبغي وضع أنظمة حازمة تحفظ هدوء الأديرة، لأنه فارق كبير بين أن تأتي رحلة كبيرة من خمسين شخصًا إلى الدير لمجرد الزيارة والفرجة ونوال البركة، وتحدث في زيارتها ضجيجًا لعدم تعودها الهدوء... بينما يأتي أفراد إلى الدير لقضاء فترة هدوء وتعبد، ويقيمون في أبنية خاصة تعرف في الأديرة باسم (بيوت الخلوة).
وعلى العموم فإن الأديرة لحفظ الهدوء، تحاول أن تجمع أماكن الزوار، بعيدًا عن قلالي الرهبان، وبعيدًا عن بيوت الخلوة كما تعود الزوار على الهدوء...
6- أما الرهبان الذين يريدون هدوءًا أكثر، فإنهم يسكنون القلالي المنفردة أو المغارات.
وهي أماكن بعيدة عن ضجيج الضيوف، وحتى مساكن الرهبان. يرتقون فيها إلى درجة من الوحدة والهدوء، ولا توجد في مجمع الرهبان...
الماكينات:
مما يزعج الهدوء أيضًا الماكنيات، التي وإن يسرت الإنتاج في العالم، وساعدت على نشر المدنية والحضارة، إلاّ أنها أفقدته الكثير من هدوئه.
ففقد هدوء الصوت، ودخل في سرعة أفقدته هدوء الأعصاب.
الماكينات في عصرنا الآلي تعمل بسرعة وبدقة، تحتاج من العاملين عليها أن يكونوا بنفس السرعة والدقة، مما يجعل أعصابهم متحفزة باستمرار، لئلا يحدث خطأ منهم أو من الآلة تكون له خطورته، مما يؤثر على إنتاجهم ومعيشتهم وحوافزهم وتقاريرهم...
وكثيرًا ما تسببت الآلات في البطالة ومشاكلها:
وربما ما تقوم به ماكينة واحدة يكون أكثر من عمل عشرين أو ثلاثين أو خمسين عاملًا...
وظهور الآلات في بدء عصر النهضة منذ خمسة قرون، عرف في التاريخ باسم (الانقلاب الصناعي). فكم بالأولى تطور الآلات في عصرنا الحاضر.
والبطالة ولا شك تؤثر على هدوء العالم.
إذ توجد طبقة ضخمة العدد من العمال قلقة على مصيرها ومعيشتها. لقد كان المهاتما غاندي يكره الآلات واستخدامها، ويدعو شعبه أن يعمل بيديه.
فرق كبير بين العصر الذي كان فيه الفلاح يروي حقله بالساقية، وهو مرتاح هادئ يتابع الماء يسري هادئًا في الحقل، وبين العصر الذي ينزل فيه الماء متدفقًا بقوة وسرعة، وهو يجري وراءه لاهثًا لينقله من حوض إلى آخر قبل أن يفيض ويغرق الأحواض.
ولكننا حاليًا لا نريد مناقشة موضوع الماكينات من الناحية الاقتصادية، فليس هذا هو هدف الكتاب الذي بين يديك...
إنما هدفه أثر الآلات على الهدوء: من جهة أصواتها وتأثيرها على الحواس. ومن جهة ما تحدثه من بطالة وأثر ذلك في إزعاج الهدوء النفسي...
يضاف إلى هذا بعض الماكينات التي تلوث الجو بالدخان والبخار، وما يتسبب عن ذلك من تأثير على الصحة يفقد الإنسان هدوءه.
الأصوات والأضواء والألوان:
الأصوات العالية تزعج الهدوء، سواء ما يصدر عن القطارات، والعربات، وآلات التنبيه، والدراجات البخارية (المتوسيكلات)، وأصوات الطائرات، ومكبرات الصوت في الحفلات وفي الاجتماعات... بل حتى أصوات المارة في الطرقات، وأصوات الباعة في بعض الأحياء الشعبية...
إن صخب الأصوات في المدينة يفقد أهلها هدوء الحواس، وبخاصة إن كانت هذه الأصوات تعلو وتتداخل وتستمر بلا ضابط.
وحتى في أحاديث الناس العادية.
هناك مَنْ يتحدثون في هدوء، فلا تسمع لهم صوتًا.
وغيرهم يتكلمون، فيسببون ضوضاء تفقد المكان هدوءه، ويشعر سامعوهم كما لو كانوا في شجار أو في معركة.
الوضع الهادئ أن يتكلم الإنسان على قدر احتياج سامعه، فلا يرفع صوته فوق الحاجة... هكذا يفعل الهادئون... ومحبو الهدوء لا يستريحون إلى الصوت العالي ولا إلى الصوت الحاد، إذ أن ذلك يزعج حواسهم.
القديس المتوحد الأنبا أرسانيوس، لما سمع صوت بوص تحركه الريح، قال: [ما هذا الزلزال؟!] لأن أذنيه تعودتا على الجو الهادئ.
لذلك قد تكون التليفونات أحيانًا سببًا يفقد البعض هدوءهم.
إذا ما أكثر البعض استعمالها... وطالت أحاديثهم، وأفقدت الإنسان إحساسه بملكيته لوقته، أو أشعرته بأنه قد فقد راحته، أو أن أعماله قد تعطلت...
لذلك فإن الذين يريدون تقضية وقت هادئ، يبعدون عن التليفونات أو عن استخدامها، ويقصرون ذلك على الضروريات فقط.
والألوان كذلك منها ما يشيع الهدوء في النفس. ومنها ما يثير الناظر إليه.
فاللون الأخضر مثلًا لون هادئ، وكذلك اللون السماوي، بعكس الألوان الحمراء والصاخبة، إلا إذا كان ذلك اللون مجرد تنوع في مجموعة، يعطي وجوده جمالًا خاصًا...
ولذلك فإن كثيرًا من الناس يختارون لجدران بيوتهم ألوانًا مريحة للنظر، وكذلك ألوان أثاثاتهم، وألوان ملابسهم. ويختارون في حدائقهم ألوانًا من الزهور تريح أعصابهم.
وكما نذكر الألوان، نذكر الأضواء أيضًا:
الأضواء الشديدة مثيرة وتتعب العين والأعصاب. وهكذا فإن الكشافات القوية التي للسيارات تتعب أعين السائقين في الاتجاه المضاد. ولعلنا نرى أن بعض الشوارع في المدن الكبيرة تضاء بلمبات هادئة الضوء بلون خاص (أصفر تقريبًا).
كذلك فإن الكنائس حينما كانت تضاء بالشموع، كان جوها أكثر هدوءًا وهيبة وخشوعًا، من حالها حينما دخلتها بهرجة الأضواء.
تحدثنا عن الأسباب التي هي ضد هدوء الحواس. ننتقل إلى سبب آخر يعكر الهدوء، ولكنه:
(ب) ضد هدوء النفس
(ب) ضد هدوء النفس
1- هناك أسباب كثيرة تعكر هدوء النفس منها أخطاء الآخرين.
قد تكون تصرفاتهم مؤذية أو مقلقة أو مثيرة، تفقد الإنسان هدوءه. وقد تكون أخطاؤهم مؤذية. وربما تكون لهم حروب أو معاكسات أو محاولات للمضايقة. وهكذا قد يفقد إنسان هدوءه، بسبب جار مشاكس، أو زميل متعب في العمل، أو في الخدمة، أو بسبب أخطاء أناس تسبب لهم ضررًا، أو تجعله في حالة حرص مستمر أو حالة توتر بسبب ما يتوقعه من أخطائهم.
قد يخرج المدرس عن هدوئه بسبب تصرفات تلاميذه. وقد يفقد الأب أو الأم هدوءه بسبب أخطاء الابن. ربما تصرفات أفراد من الشعب تضر بهدوء البلد كله...
2- وقد يفقد الإنسان هدوءه بسبب معاشرة غير الهادئين:
فإن عاشر إنسانًا قلقًا أو مضطربًا أو خائفًا ـ ربما تنتقل عدوى أخطائه إليه. ينتقل إليه خوف هذا الشخص، أو اضطرابه. وبالعكس فإن معاشرة الهادئين تدخل الهدوء إلى النفس.
إن كثيرًا من النواحي النفسية يمتصها الإنسان من غيره، جيدة كانت أو رديئة...
وكما كتب أحد الأدباء: "قل لي مَنْ هو صديقك، أقول لك مَنْ أنت"...
لذلك ليس غريبًا إن داومت الجلوس في مكان فيه سجس، أن تتسجس نفسك بسبب ما تسمعه من أحاديث الناس... وليس بعيدًا إن عاشرت إنسانًا كثير الشك، أن يسري الشك إلى قلبك وإلى فكرك دون أن تقصد ذلك...
3- مما يفقد الهدوء أيضًا: الأخبار ووسائل الإعلام.
ما أكثر ما تقدمة الإذاعات والجرائد والمجلات ودور النشر من أخبار مثيرة قد تزعج الناس، وتؤثر على تفكيرهم وأعصابهم، حتى ليظن البعض أن العالم قارب أن ينتهي، أو أن كوارث توشك أن تحدث.
وقد تتلاحق هذه الأخبار بسرعة، حتى ما يفيق الإنسان من سماع خبر، إلا ويلاحقه خبر آخر. وهكذا يعيش الناس في توتر مستمر. وهناك صحفيون يرون أن الإثارة هي دليل النجاح في نشر أخبارهم، فيختارون العناوين المثيرة والأخبار المثيرة ـ بغض النظر عما تحدثه في قلوب الناس من أثر!
ونفس الوضع ينطبق على الأخبار التي يرويها الناس في أحاديثهم...
أخبار المشاكل والضيقات والآلام، على مستوى عام، أو على مستوى الأسرة أو الفرد... وهناك مَنْ يروي بطريقة فيها انفعال شديد، ينقله إلى سامعه فينفعل بانفعاله...
ويعيش الناس في شد وجذب، من جراء الأخبار المتلاحقة.
حتى أن مَنْ يريد أن يحيا في هدوء، يحاول بقدر طاقته أن يبعد بقدر طاقته عن الأخبار المثيرة، أو أن يبعد تأثيرها عليه...
4- وأهم ما يفقد الإنسان هدوءه النفسي: المشاكل.
صغار النفوس أقل مشكلة تزعجهم. أما الكبار فقد ينزعجون أمام المشكلة التي تبدو بلا حل. فإن وصلوا إلى حل، تهدأ نفوسهم.
الإنسان غير الهادئ يريد أن يقيم الدنيا ويقعدها كلما صادف مشكلة... وربما يقول: "لن أجعل هذا الأمر يمر بخير" "أنا سأعرف كيف أتصرف"!! وقد يكون تصرفه العنيف مشكلة أخرى لها نتائج أسوأ من المشكلة الأصلية...
قد يفقد الإنسان هدوءه أمام مشكلة خاصة، أو أمام مشكلة عامة، كالمواصلات مثلًا، أو كالروتين، أو المشكلة الاقتصادية والغلاء.
نذكر نوعًا ثالثًا من الأسباب التي تعكر الهدوء وهي أسباب:
(ج) ضد هدوء الروح
(ج) ضد هدوء الروح
الخطية تعكر هدوء الإنسان روحيًا. كما قال الوحيِّ الإلهي: "لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ" (إش48: 22).
"أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا. لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَارِ" (إش57: 21).
الخاطئ يعيش في صراع داخلي لا يعطيه سلامًا. يفقد هدوءه قبل الخطية في التدبير والتفكير. وبعد الخطية يفقد هدوءه خوفًا...
خوفًا من اكتشاف الخطيئة: خوفًا من العقوبة ومن سوء السمعة.
قايين فقد هدوءه بعد قتله لأخيه هابيل. وقال: "ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ" كما قال في خوفه: "يَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي" (تك4: 13، 14).
كذلك فإن الأسباب التي تعكر الهدوء من الداخل، تتعلق غالبيتها بخطايا أو نقائص: مثل الشهوة والخوف وعدم الإيمان...
لذلك فإن الإنسان الروحي يتصف دائمًا بالهدوء.
ففي مقدمة ثمار الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ..." (غلا5: 22). ومع الفرح والسلام يوجد هدوء...
كذلك مما يفقد الإنسان الخاطئ هدوءه: خوف الدينونة.
إن الحياة الفضلى تعطي أولاد الله رجاء في أبدية سعيدة، ويكونون "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ" (رو12: 12). يستمعون إلى قول القديس يوحنا الرسول: "اثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ" (1يو2: 28). أما الخطاة فإنهم يعيشون في خوف كلما فكروا في أبديتهم، كما قال القديس بولس الرسول:
"مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
الإنسان الروحي له علاقة طيبة مع الله. أما الخاطئ فهو في خصومة أو في عداوة مع الله، تفقده هدوءه. ويزعجه جدًا الحديث عن الموت أو عن الأبدية، أو عن الدينونة. إنها كلمات لا يطيقها. ربما يهرب منها. ولكنها حينما تلاحقه وتضغط عليه، يتعب قلبه من الداخل.
هناك خطأ روحي أيضًا يعكر الهدوء:
إنه الضمير الموسوس الضيق، الذي لا يمكن لصاحبه أن يحيا في هدوء...
هذا الضمير الذي "يُصَفُّ عَنِ الْبَعُوضَةِ" (مت 23: 24).
ويظن الشر حيث لا يوجد شر، أو يضخم من قيمة الخطية فوق مستواها. إنه يعيش باستمرار في عذاب وفي شك وفي تأنيب ضمير، ولا يهدأ من الداخل.
الفصل الرابع كيف نحصل على الهدوء
الفصل الرابع كيف نحصل على الهدوء
1- محبة الهدوء.
2- هدوء الطبيعة.
3- هدوء القلب.
4- لا تكن سهل الاستثارة.
5- الإيمان.
6- معاشرة الهادئين.
7- المرح والبشاشة.
8- التواضع والوداعة.
9- تداريب على الهدوء.
1- محبة الهدوء
هناك وسائل عديدة للحصول على الهدوء، لا بدَّ أن نضع في مقدمتها: محبة الهدوء والاقتناع به.
1- محبة الهدوء
لا يمكن أن تحيا في هدوء، إلاَّ إذا اقتنعت به.
ذلك لأن اقتناعك يؤثر بلا شك على تصرفاتك.
ينبغي إذًا أن تقتنع أن تصريف الأمور، أو حل المشاكل، لا يأتي بالعنف، ولا بالقلق والاضطراب، ولا بالخوف ولا باليأس، بل على العكس:
الإنسان الهادئ، يستطيع أن يفكر باتزان ويحل مشاكله ويتصرف حسنًا...
أما إذا فقد هدوءه، فإنه يضطرب ولا يجد حلًا...
هناك أشخاص: بعض أخبار أو أحداث مزعجة تجلب لهم أضرارًا صحية، مثل السكر وضغط الدم، وقرحة المعدة، وتلف الأعصاب. وتحوجهم إلى أطباء جسديين ونفسيين. وقد يستمر معهم عدم الهدوء فترة طويلة يكونون فيها موضع رثاء الناس! كما أن غير الهادئين يضرّون غيرهم أيضًا...
فإن اقتنعت إذًا بمضار عدم الهدوء، حاول باستمرار أن تكون هادئًا. واسلك في السبل التي توصلك إلى الهدوء.
واعرف أن الإنسان الذي يفكر بهدوء، يكون تفكيره رصينًا وقويًا، ويستطيع أن يفهم، وأن يستنتج، وأن يلم بالموضوع، وأن يحل ويدبر...
والقلب الهادئ حلوله هادئة، ولا تسبب مشاكل.
2- هدوء الطبيعة
2- هدوء الطبيعة
والطبيعة الهادئة تنقل هدوءها إلى النفس.
وهدوء الطبيعة يساعد على هدوء الطبع.
من أجل هذا يخرج الناس إلى الحدائق والبساتين، حيث المناظر الطبيعية الجميلة تهدئ الأعصاب. وإن لم يستطيعوا ذلك بصفة دائمة، فعلى الأقل في أيام العطلات. والأثرياء يسافرون إلى بلاد ذات طبيعة جميلة. وكثير من الناس - على الأقل - يضعون في بيوتهم زهورًا في أوانٍ خاصة، أو يزينون جدران منازلهم ببعض مناظر طبيعية مريحة.
والبعض يختارون مساكنهم في أحياء هادئة.
ويسكنون في الضواحي غير المزدحمة بالسكان، وحيث لا توجد معكرات للهدوء كالآلات والماكينات، وصخب المواصلات، وضوضاء المصانع والمتاجر وما إلى ذلك...
وبعض الضواحي تصرّ على عدم بناء المساحة كلها، وتحدد ارتفاع المساكن...
ولذلك توجد حول كل بيت حديقة، بأشجار وأزهار، فتعطي المكان جمالًا، ويتمتع كل شخص بكمية كافية من الهواء النقي، وبمناظر طبيعية جميلة تجلب الهدوء إلى النفس. وإذ لا يكثر عدد السكان، تقل الضوضاء، ويكون هذا سببًا آخر من أسباب الهدوء.
والذين لا يستطيعون شيئًا من هذا كله، ينصحونهم على الأقل بتغيير الجو، التماسًا لهدوء الأعصاب.
ولقد قرأت مرة في أثناء الحرب أن أيزنهاور رئيس أمريكا ذهب ليقضي عطلة نهاية الأسبوع في إحدى البحيرات، حيث التقطوا له صورة هناك وهو يصيد السمك. كل ذلك على الرغم من مسئولياته الخطيرة. ولكنه كان يعرف جيدًا أن راحة الأعصاب تريحه في تحمل المسئوليات، وتعطي نشاطًا للفكر وهدوءًا للنفس...
نتذكر أن السيد المسيح كان يأخذ تلاميذه إلى مواضع خلاء.
أحيانًا يأخذهم إلى الحقول والبساتين، وأحيانًا يكلمهم على الجبل، أو عند شاطئ البحيرة. ومعجزة الخمس خبزات والسمكتين تمت في موضع خلاء... ليت البعض يدرس موضوع الطبيعة وعلاقة السيد المسيح بها.
الأديرة
الأديرة
وآباء البرية كانوا يعيشون في هدوء البرية. وهكذا عاشوا هادئين.
لا توجد أسباب خارجية تثيرهم أو تزعجهم. لذلك كانت نفسياتهم هادئة، ولهم هدوء في الفكر والقلب، وطول أناة في معالجة الأمور. وكانوا يقدمون نصائح هادئة لمَنْ يسترشد بهم. ووضعوا أمامهم ذلك المبدأ الرهباني:
بهدوء الجسد نقتني هدوء النفس.
والذي ما كان يجد هدوءًا كافيًا في المجامع الرهبانية، كان يلجأ إلى حياة الوحدة في سكنى الجبال والمغارات، ويحيا بحواس هادئة ومشاعر هادئة. وهكذا فإن بعض الآباء يسمون حياة الرهبنة [حياة السكون]...
وكان الآباء يفضلون هدوء الليل على ضجيج النهار.
وتكون صلواتهم في الليل الهادئ، أكثر عمقًا وتأملًا مما في النهار الصاخب. حتى أن مار إسحاق يقول: [الليل مفروز لعمل الصلاة]. ويقول المرتل في المزمور: "في اللَّيالي. ارْفَعوا أيْديَكُم إلَى القُدسِ، وبارِكوا الرَّبَّ..." (مز134: 1، 2).
وأتذكر أنني كتبت في مذكرتي في إحدى الليالي، وأنا في مغارتي في الجبل (ربما سنة 1960م) البيتين الآتيين:
سكون الليل موسيــقى.:. وأسرار تهامســـــني
وصوت الريح في رفق .:. يصب اللحن في أذنـي
وللأسف فإن بعض المدن أفسدت هدوء الليل.
وجعلت الليل مجالًا لصخب الملاهي والحفلات بكافة مجالاتها وبرامجها وضجيجها... وأُبعد الليل عن الهدوء وعن الله.
ولذلك فمن أجل الهدوء أقامت الأديرة بيوتًا للخلوة.
يقصدها الشباب لقضاء فترة هادئة للتأمل والصلاة، بعيدًا عن ضوضاء المدينة، وبعيدًا عن الإثارات التي تصعد بالنفس وتهبط. يأخذون في هذه الفترة شحنة من الهدوء الداخلي، تجدد قواهم الروحية، وتمنحهم لونًا من الحصانة القلبية...
المهم أن هؤلاء الذين يقصدون الأديرة للهدوء، لا يفقدون الأديرة هدوءها.
فتكون الزيارة لا لمجرد تغيير الجو، ولا لمجرد التبرك بالأماكن المقدسة، إنما بالأكثر للاستفادة الروحية، وقضاء الوقت في صلاة وقراءة وتأمل وفحص للنفس. ويستحسن أن يكون وحده، فلا يأتي مع مجموعة يقضي الوقت معها في نقاش وكلام!!
وبالمنهج الروحي يستفيد زائر الدير، ولا يعكر هدوء الدير.
3- هدوء القلب
3- هدوء القلب
القلب الواسع يتقبل أشياء كثيرة، دون أن يتضيق بها.
القلب الهادئ ينتج أفكارًا هادئة، ومشاعره أيضًا هادئة.
إنه لا يفكر في متاعب المشكلة، وإنما في حلها.
الذي ينحصر في الآلام يتعب نفسه، أما الذي يفكر في حلّ يخرجه من ألمه، فهذا يستريح حالما يصل إلى الحل. فإن لم يجد مخرجًا من مشكلته، فإنه يتركها إلى الله، واثقًا من أن الله عنده حلول كثيرة.
وبالإيمان يهدأ القلب، في ثقة بعمل الله.
ليست الخطورة في المشكلة، إنما في طريقة تعاملك معها وفي طريقة الـ Response.
الخطورة هي في درجة انفعالك بالمشكلة، ونوعية تأثرك بها. وهل هي تدخل في أعماقك وتعكرك، أم تطفو على سطح تفكيرك ولا تسمح لها بأن تتعبك ولا بأن تشغلك. ما هو رد نفسك على المشكلة، واستجابتك الداخلية لها؟
فالنفس الهادئة تقابل الأمور بهدوء، مهما تعقدت.
إننا إذا اضطربنا تضطرب كل الأمور أمامنا. وإذا هدأنا تبدو كل الأمور هادئة في نظرنا... إذًا نوعية تفاعل أنفسنا مع المشكلة هي أساس مشاعرنا. والنفس غير الهادئة، تكون باستمرار متشائمة، وتتوقع أسوأ الحلول... أما الإنسان الهادئ، فيتلقى أصعب الأخبار في هدوء، ويعالج الأمر في هدوء، لأنه تعود الهدوء...
إن كان داخلك سليمًا، تكون محصنًا ضد الاضطراب.
مثل إنسان محصن صحيًا ضد ميكروب معين. حتى إن دخله هذا الميكروب فإنه لا يؤذيه... هكذا أنت: ما دمت من المستحيل أن تحيا في عالم خالٍ من المشاكل. فالحل العملي إذًا أن تدرب نفسك على الارتفاع فوق إثارات المشاكل.
وتدرك تمامًا أن الاضطراب لا يحل المشكلات.
بل يحلها التفكير الهادئ المتزن، الذي يصل إلى حلول عملية ممكنة التنفيذ.
إننا نريد هدوءًا في القلب، لكي نحصل به على الهدوء الخارجي في التعامل والتصرف. وأيضًا كل أنواع الهدوء الخارجي تسبب هدوءًا داخليًا...
لا تكن سهل الاستثارة:
تقبل كل شيء في هدوء، مهما كان مزعجًا...
لا تجعل الأسباب الخارجية تثيرك من الداخل، ولا تكن سهل الاستثارة. لا تكن مادة قابلة للاشتعال، ولا سريعة الاشتعال. كن هادئًا ودرب نفسك على السلام الداخلي وهدوء القلب.
هناك شخص إن قلت له خبرًا، تجد ملامحه كلها قد تحفزت: نظراته، ملامحه، نبرات صوته... لدرجة أنك قد تقول له: اطمئن لم يحدث شيء... أو تمتنع عن إكمال الحديث...
أما أنت فلا تكن هكذا. لقد قال السيد الرب...
"لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27).
لا تنفعل بسرعة. وإن انفعلت، ضع حدودًا لانفعالك. وحاول أن تهدئ نفسك...
إذا ألقيت حجرًا على جبل، لا تهزه، ولا يتأثر به. أما إن ألقيت نفس الحجر على زجاج فإنه يتحطم ويتفتت... فكن جبلًا لا زجاجًا. أريدكم أن تكونوا جبالًا، لا تهتز بسرعة، ولا تهتز ببطء، بل ولا تهتز أبدًا...
عود ثقاب تقربه من قش، يحترق بسرعة. شعلة نار تضعها في الماء، لا يحترق، بل يطفئها. فأي نوع الاثنين أنت...؟
الإيمان
الإيمان
وسط المتاعب والمشاكل، يمكن أن الإنسان يهدأ عن طريق الإيمان، إذ يؤمن أن الله موجود، وأنه يحفظ ويدبر ويحمي، وأنه أيضًا يحكم للمظلومين (مز146: 7). ويؤمن أن الله لا بدَّ سيتدخل بمحبته ويوجد له حلًا، أو يتدخل بعدله ويرفع عنه ظلمًا، واضعًا أمامه قول الرب: "لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (يش1: 5).
فهو يترك كل شيء لله، ولا يخاف ولا يضطرب، مؤمنًا بعمل الله من أجله.
إن المؤمنين بعمل الله وحفظه لا يضطربون أبدًا. واعتمادهم على الله يمنحهم سلامًا داخليًا عميقًا. بل إن إيمانهم يجعلهم يرون الخير في كل شيء... حتى ما يبدو أنه ضيق وتعب، لا بدَّ أن الله سيحوله إلى خير. وفي الثقة بالله، يحيون حياة التسليم الكامل والسلام العميق.
وليس معنى الإيمان أن الإنسان يقف موقفًا سلبيًا.
بل على العكس، إنه يعمل كل ما يستطيعه، دون انزعاج، واضعًا الأمر من أوله في يد الله. وواضعًا أمامه أيضًا قول الكتاب: "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27)... وما دام الله يرى كل شيء، ويريد الخير للكل، ويستطيع ذلك، فلماذا فقدان السلام؟!
فإن فقد أحد سلامه القلبي أمام المشاكل، فلا بدَّ أن هناك خللا داخل القلب يحتاج إلى علاج.
قد يكون هذا الخلل قلة إيمان، أنتجت شكًا، فخوفًا، فاضطرابًا... ويدخل في عنصر الإيمان: الإيمان بقوة الصلاة وفاعليتها. والصلاة – لمَنْ يؤمن بها – علاج للخوف والاضطراب.
بالصلاة تشعر بأنك لست وحدك، وإنما أنت محاط بقوة إلهية تسندك. لذلك تهدأ نفسك وتطمئن.
معاشرة الهادئين
معاشرة الهادئين
الذي يعاشر الهادئين، يدخلون الهدوء إلى نفسه.
والذي يعاشر المضطربين والثائرين ينقلون إليه عدوى مشاعرهم.
ذلك لأن الأمراض النفسية قد تنتقل بالعدوى عن طريق المعاشرة. وبهذا ينتقل الخوف وينتقل الشك وينتقل القلق... من شخص إلى آخر.
أما معاشرة الهادئين فتمنح الثقة والطمأنينة والسلام.
تقرأ خبرًا مزعجًا فتقلق. ثم تقابل شخصًا هادئًا، فتجده قد قابل الخبر بمنتهى الثقة وهو مطمئن تمامًا أنه سوف لا يحدث شيء متعب على الإطلاق. ويشرح لك. ويبدأ الاطمئنان يزحف من نفسه إلى نفسك، فتهدأ.
إذا عاشرات الهادئين، يمكنك أن تمتص إيمانهم وهدوءهم، وتأخذ من سلامهم الداخلي سلامًا لنفسك.
وتأخذ أيضًا أنموذجًا وقدوة من طباعهم الهادئة، وتحاول أن تحاكيها إذ تعجبك وتريحك. وتتعود على طريقة تفكيرهم في مقابلة المشاكل والضيقات. وتتعلم من ذكائهم كيف للعقل أن يستوعب المشكلة ويهضمها، كيف يمكنه أن يفهم الأمور ويحلل المشاكل ويستنتج الطرق الصالحة لعلاجها. وتتعلم أيضًا من إيمانهم، ومن طول بالهم واحتمالهم وصبرهم.
وهكذا تعرف من معاشرتهم المصادر العملية للهدوء.
إن معاشرة الهادئين من أفضل أنواع المهدئات.
إنهم من النفوس الهادئة المهدئة. ونضم إليهم أب الاعتراف المهدئ الذي تأتيه النفوس القلقة فيهدئها الاعتراف. هو أيضًا وسيلة للحصول على الهدوء حيث ترفع عن نفسك ثقلًا فتهدأ.
المرح والبشاشة
المرح والبشاشة
روح المرح والبشاشة تعطي الإنسان هدوءًا نفسيًا واسترخاء، وتبعد عنه الاضطراب والكآبة. ومهما كان الجو مكهربًا وصاخبًا، فإنه يستطيع بفكاهة لطيفة أن يجعل الكل يضحكون أو على الأقل يبتسمون، ويزيل بمرحه جو التوتر. هنا ونتذكر قول الكتاب:
"لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ وَلِلضَّحْكِ وَقْتٌ" (جا3: 4).
نعم هناك وقت للضحك... ولعل من وقته: إزالة التوتر من الناس، أو نفس الشخص ذاته، أو معالجة للغضب. كأن يسمع الشخص كلمة مسيئة من إنسان، فبدلًا من أن يغضب، يرد عليه بفكاهة، ويضحك الاثنان ويزول الغضب. ولذلك فإن الإنسان المرح يكون محبوبًا من الكل، ويعيش باستمرار في هدوء، أينما حلَّ... معاملاته مع الناس هادئة...
والأشخاص المتصفون بالمرح، تجد أعصابهم هادئة...
ليس من السهل إثارتهم أو إغضابهم. إنهم ليسوا فقط هادئين، وإنما أيضًا يقدرون أن يهدئوا غيرهم. والمرح قد يكون أحيانًا عنصرًا من عناصر "الجواب اللين" الذي يصرف الغضب (أم15: 1).
هناك أشخاص أول شيء يقرأونه في الجرائد: الفكاهات.
فتنبسط نفوسهم، ويدخلها الهدوء، ولا تؤثر فيهم الأخبار المثيرة. وقد يوجد شخص حينما تراه تبتسم قبل أن يتكلم، متوقعًا أنه سيقول لك شيئًا مضحكًا أو شيئًا يسرك. وتشعر بفرح حينما تلتقي بهذا الشخص في أول يومك.
لتكن لكم الوجوه البشوشة التي تشيع الهدوء في غيركم.
لأن الناس لا تحتمل أن ترى إنسان متجهم الوجه أو كئيبًا. إنه يفقدهم هدوءهم وسلامهم الداخلي...
التواضع والوداعة
التواضع والوداعة
الشخص الوديع من صفاته الطبيعية الهدوء.
فالوديع هادئ، لأنه "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20). وكذلك لأنه لا يغضب ولا يثور، ولا يعلو صوته. فهو إذًا هادئ.
والإنسان الوديع طيب القلب، لا ينازع ولا يحارب، "وَلاَ يَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَ" (1كو13: 5)، ولا يقاوم الشر (مت5: 39) حتى في مناقشته تجده هادئًا، لا يقاطع غيره في الحديث، ولا يتهكم عليه، ولا ينفعل...
الوديع لطيف بطبعه، وبعيد عن القسوة وعن العنف، لا يضغط على غيره، ولا يلح، سهل التعامل، لا يطلب راحته بل راحة غيره، لذلك يكون هادئًا.
الوديع إنسان متسامح، لا يرد بالمثل، ولا يجرح غيره، ولا يهينه، ولا يتكلم معه بسلطان، بل بهدوء. فهو لا ينتهر أحدًا ولا يوبخ، وإنما يعبر عن رأيه في قوة الإقناع وليس في عصبية ولا افتخار.
لكل هذه الأسباب وغيرها، تتفق طباع الوديع مع الهدوء اتفاقًا كاملًا.
فإن اكتسبت الوداعة، سوف تتصف تلقائيًا بالهدوء. لذلك حاول أن تقتني عناصر الوداعة وصفاتها، وتدرب نفسك عليها. فإن فعلت ذلك ستصل إلى الهدوء حتمًا...
كذلك فإن الهدوء هو إحدى صفات المتضع...
فالإنسان المتضع لا يُغضب أحد، ولا يغضب من أحد، لذلك فإنه يتعامل مع الناس بهدوء.
وإذ هو يتصف بمسكنة الروح، فإن هذه المسكنة لا يمكن أن تتصف بالحدة أو الغضب لأنهما يتعارضان معها، بل تجد الإنسان المتواضع رقيقًا في تعامله، هادئًا في حديثه، بعيدًا عن الضجيج.
والمتواضع دائمًا يأتي بالملامة على نفسه في كل شيء، دون أن يلوم غيره، لذلك فهو لا يقاوم، بل يقبل إساءة الآخرين في انسحاق قلب. وهكذا لا يحارب ولا يدخل في صراعات، بل يكون هادئًا.
الإنسان المتواضع يطلب بركة كل أحد، وصلاة كل أحد، لذلك فهو يحيا في محبة مع الكل، يعاملهم برقة وهدوء. وهو أيضًا يحتمل الكل، دون أن يثير ضجة من أجل الدفاع عن نفسه. ومهما أصابه ضرر يقول: [هذا بسبب خطاياي]. فيصمت ولا يثور... وهكذا يحيا في هدوء مع الناس.
إن فقدان الهدوء، سببه الأساسي هو التمركز حول الذات. والتواضع بعيد عن الذات.
في التواضع إنكار للذات. وفيه بعد عن الاهتمام بالكرامة وبالحقوق، الأمر الذي من أجله يفقد الإنسان هدوءه إن لم يكن متضعًا. وما دام المتضع لا يهتم بالأمور التي تمس الكرامة، لذلك لا يفقد هدوءه بسببها، وتمر أمامه ببساطة.
كذلك المتضع لا يحيط نفسه بالضجيج الذي يشغف به محبو المديح.
اقرأ أسباب فقدان الهدوء، وقارنها بالاتضاع وصفاته. حينئذ سترى كيف يساعد الاتضاع على الهدوء.
وسترى أن مَنْ يفقد اتضاعه، يفقد هدوءه.
تداريب على الهدوء
تداريب على الهدوء
1- تعود الهدوء في خروجك وفي دخولك. واغلق بابك وافتحه في هدوء، دون أن يُحدث صوتًا. حرك أدواتك وأثاثك داخل حجرتك في هدوء.
2- لتكن مشيتك بهدوء، لا بجري، ولا باضطراب، ولا تجعل حذاءك يحدث صوتًا مثل أولئك الذي تعلن أحذيتهم عن قدومهم قبل أن يأتوا. يقول بستان الرهبان: [مشي هين وصوت لين].
3- تعوّد الهدوء في الكلام، فلا تسرع في حديثك، ولا يحتد صوتك، ولا تتعود الصياح والصوت العالي. ولتكن ألفاظك هادئة. وإن أردت أن تقول كلمة عنيفة أو جارحة، اضبط لسانك ولا تلفظها... وفكر في نتائجها السيئة...
4- إذا كتبت خطابًا غير هادئ، فلا ترسله بسرعة.
اتركه يومًا أو يومين، وأعد قراءته، وغير ما يلزم تغييره فيه.
5- كل فكر يلحّ عليك لتسرع في تنفيذه، لا تطاوعه. وانتظر حتى تفحصه بهدوء من كل ناحية...
6- درب نفسك على عدم الاندفاع، وعدم التسرع.
واعرف أن عدم الصبر يدل على عدم هدوء الإنسان في الداخل. فالإنسان الهادئ طويل البال. وإذا اضطرب الإنسان يفقد القدرة على الصبر. فهو لا يستطيع أن ينتظر. يريد الآن أن يعمل أي عمل أو يتكلم أي كلام، أو يتخذ أي قرار، بلا هدوء...
فإن قال لك أحد: [تعوزني فضيلة الصبر]. فقل له: [وأيضًا تعوزك فضيلة الهدوء] لأن كليهما مرتبطتان معًا.
7- أعط جسدك راحة، ولا ترهقه.
لأن الإنسان في حالة الإرهاق، تكون أعصابه عرضة لعدم الاحتمال. وربما يفقد هدوءه ويتصرف بغضب أو عصبية لأتفه الأسباب. لذلك لا تدخل في مناقشة حادة وأنت مرهق.
8- انتهز فترات الصوم لتقضيها في الهدوء.
فالكتاب يقول: "قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ" (يؤ2: 15). وتذكر أن السيد المسيح قضى الأربعين يومًا صومًا على الجبل في هدوء (مت4). مشكلتنا أننا نصوم كثيرًا، ولكن ونحن محاطون بالضجيج من كل ناحية، فلا نستفيد الفائدة المتوقعة من الصوم...!
9- ابعد بقدر إمكانك عن أسباب الإثارة ومسببيها.
وإن فقدت هدوءك، أو حوربت بذلك فابحث عن الأسباب سواء كانت من داخلك أو من الخارج، وتحاشى تلك الأسباب، وبخاصة في المعاملات. وكما قال أحد الآباء: [لا تأخذ وتعطي مع إنسان يقاتلك به العدو]. وابعد عن المناقشات الحادة، مطيعًا قول الحكيم: "لاَ تَسْتَصْحِبْ غَضُوبًا..." (أم22: 24).
ابعد أيضًا عن الأماكن الصاخبة، وعن القراءات التي تفقدك الهدوء، وعن سماع الأخبار التي تتعبك أو تزعجك.
10- لا تفترض المثالية في جميع الناس.
فإن قوبلت بتصرف خاطئ من البعض، لا تتضايق. فالناس هكذا، فيهم الطيب والرديء. ولا تتوقع أننا نتعامل مع ملائكة أو مع قديسين... وإنما مع بشر عاديين، أخطاؤهم نحونا لا يصح أن تقلقنا...!
11- لا ترد على أحد وأنت غضبان.
بل انتظر إلى أن تهدئ نفسك، ثم أكمل الحديث معه. أو على الأقل اصمت. وقل لنفسك: ليس من الصالح أن أناقشه وأنا غير هادئ.
12- لا تلجأ إلى العقاقير لتحصل على الهدوء:
ومن أمثلتها المسكنات والمنومات والمهدئات، والخمر والمسكر والمخدرات. فكلها تتيهك عن نفسك، دون أن تحل متاعبك. وإنما حاول أن تحل إشكالاتك داخل نفسك، وبالحلول العملية، والطرق الروحية. واعلم أن الذي يتعود تعاطي المسكنات، تصبح إدمانًا ولا تفيده، بل يضطر إلى إزادة كمياتها، ويفيق منها ليجد نفسه متعبة كما هي بدون حل...
13- كذلك لا تلتمس الهدوء بالانطواء والهرب.
لا تظن أنك بانطوائك على نفسك وهروبك قد صرت هادئًا! كلا، فهذا هدوء مريض. وداخلك بعيد عن الهدوء. ولا تزال مشاكلك بعيدة عن الحل. وإن كانت لك مشكلة في بيتك، فلا تظن أن حل هذه المشكلة هي هروبك من البيت إلى المقهى أو النادي أو الكازينو أو إحدى الجمعيات... فالمشكلة لا تزال قائمة تحتاج إلى حل عملي...
14- ابعد عن استخدام العنف بكل أنواعه.
ولا ترد على عنف بعنف، فليس هذا أسلوبًا روحيًا. والكتاب يقول: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21).
15- إن تعقدت أمامك المشاكل، ولم تجد حلًا، وعجز عقلك عن التفكير أمامها، فلا تفقد هدوءك. وإنما حاول أن تستشير. فربما تجد في المشورة ما يهدئ نفسك ويريحك، ويضيف إلى عقلك فكرًا جديدًا فيه حل للإشكال، وتشعر أن هناك بابًا مفتوحًا أمامك...
16- الروح الزاهدة تمنح الهدوء في الأمور التي يفقد فيها الإنسان هدوءه بسبب ضغط الرغبات عليه، واضطرابه بسبب عدم تحقيقها. لذلك إن اقتنعت بفناء العالم تهدأ نفسك...





