آباؤنا الشهداء

لا توجد كنيسة تكرم الشهداء، بقدر ما تكرمهم الكنيسة القبطية..
يكفي أن تقويمنا السنوي، هو تقويم الشهداء، فنبدأ تاريخنا بهم.
ونحن نرتب الشهداء في طقسنا، قبل الآباء الرعاة، وقبل الآباء النساك..
ذلك لأنه لا يوجد حب أعظم من هذا، أن يقدم أحد نفسه من أجل محبته لله وإيمانه به..
ونحن لا تبكي على الشهيد في يوم ذكراه، إنما نعيد له..
نعيد الشهيد في يوم تعذيبه وقتله. إنه يوم عيد بلا شك، يوم يأخذ اكليل الشهادة، ويصل إلى الفردوس..
أننا نذكر الشهداء، لأنه على دمائهم تأسست الكنيسة، وكما قيل “دماء الشهداء بذار الإيمان”.
نذكر إيمان الشهداء وشجاعتهم، ودفاعهم ببسالة عن الإيمان، وتحملهم الآلام التي لا تحتمل في صبر عجيب..
نذكر الشهداء الذين حولوا السجون إلى كنائس إذ ملأوها صلوات وتسبيحًا..
والذين لم يتركوا الكنيسة وحدها، بل آزروها بصلواتهم ومعونتهم..
والكنيسة تقيم للشهداء أعيادًا خاصة، وتبنى الكنائس على أسمائهم، وتوقد الشموع أمام أيقوناتهم،
متذكرين كيف اشتعلت فيهم نار الحب الإلهي ونار الاضطهاد، حتى قدموا ذواتهم فدية..
وفيما نذكر الشهداء، نتعلم منهم.. نتعلم كيف نثبت في الإيمان..
ونتعلم كيف نستهين بالألم مهما اشتد، وكيف تلاقى حتى الموت بشجاعة..
لقد كان الشهداء درسًا للبشرية، وكانوا قدوة عملية في حياتهم وفي انتقالهم..
ونحن في يوم عيد النيرون، كما نحتفل بالشهداء، نحتفل أيضًا بعام جديد.
نصلي أن يكون عامًا سعيدًا، مباركًا، ونطلب فيه معونة من الرب ونعمة خاصة لكي ما نقضيه بسلام، ونبدأ بدءًا حسنًا..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد السابع والثلاثون) 14/9/1979م




