تأملات فى سفر نشيد الأناشيد

تدور العظة حول عبارة سفر نشيد الأناشيد: «مَن هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها؟»، ويرى قداسة البابا شنوده الثالث أن هذه العبارة يمكن أن تنطبق على النفس البشرية وعلى الكنيسة في صور متعددة.
المقصود الأساسي هو أن النفس لا تستطيع أن تنتصر أو تنجح روحيًا اعتمادًا على ذكائها أو مواهبها أو قوتها أو غناها، بل تحتاج أن تستند إلى الله، حبيبها.
ويشرح البابا ذلك بأمثلة مثل الفتية الثلاثة في أتون النار، وداود أمام جليات، حيث كان الاتكال الحقيقي على الله وليس على القوة البشرية.
كما يوضح أن الكنيسة نفسها عاشت دائمًا مستندة إلى الرب، ويستشهد برحلة شعب الله في البرية، حيث أعالهم الرب وقادهم وحفظهم رغم عدم امتلاكهم ما يكفي من احتياجات الحياة.
الرسالة الروحية
تؤكد العظة أن البرية ترمز روحيًا إلى حياة التجرد والزهد والابتعاد عن الشهوات والمبالغة في التمتع بمباهج العالم.
ويقدم البابا داود كنموذج للنفس التي لا تجعل المال أو المجد أو الممتلكات هدفها الأساسي، بل تطلب أن تسكن في بيت الرب وتتمتع به.
كما يوضح أن الإنسان يستطيع أن يمتلك المال دون أن يسمح للمال بأن يمتلك قلبه.
وتتسع صورة «الطالعة من البرية» لتشمل الكنيسة المجاهدة على الأرض، والرهبنة، والكنيسة المنتصرة التي تصعد إلى السماء مستندة على الرب.
الدرس التعليمي
ينتقل التأمل إلى صورة البخور في عبارة «كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر».
فالمر يرمز في العظة إلى الألم والجهاد الذي يحتمله الإنسان من أجل الله، بينما يرمز اللبان إلى عمل الكهنوت والأسرار المقدسة.
وتشير عبارة «كل أذرة التاجر» إلى اكتمال العطر، أي أن حياة النفس ينبغي أن تحتوي على كل ما يجعلها مرضية أمام الله.
كما يربط البابا هذه الصورة بحياة الكنيسة، التي تضم الصلاة والتسابيح والترانيم والمزامير والطلبات والتشكرات والعبادة، ولذلك تظهر ككنيسة متكاملة ومزينة لعريسها.
التطبيق الروحي
تدعونا العظة إلى أن يفحص كل إنسان حياته ويسأل نفسه: على مَن أعتمد؟ وهل أنا مستند على الله أم على ذاتي أو على أمور العالم؟
كما تدعونا إلى أن تكون صلواتنا وأعمالنا وحياتنا كلها كالبخور الصاعد أمام الله برائحة ذكية.
ويطلب البابا من الإنسان أن يفحص ما ينقص حياته من «أذرة التاجر»، وأن يعمل على أن تكون نفسه مستعدة للقاء الله.
فالهدف ليس مجرد الابتعاد عن العالم، بل أن تصبح النفس جميلة أمام الله، ممتلئة بالإيمان والصلاة والجهاد والأسرار والحياة معه.
وهكذا يكون الإنسان، في مسيرته الروحية، «طالعًا من البرية مستندًا على حبيبه»، حتى يصل إلى السماء ويلتقي بالرب.



