سيرة الأنبا بيشوي الرجل الكامل

سيرة الأنبا بيشوي الرجل الكامل
دعوة مبكرة:
في إحدى قرى محافظة المنوفية تدعى شنشا، وفي بيت من بيوت الأقباط المتدينة ولد قديسنا سنة 320م، وكان بيشوي شقيقًا لستة أخوة بنين تنيح والدهم وهم صغار وعكفت الأم على تربيتهم في مخافة الله.
وفي إحدى الليالي، ظهرت رؤيا للأم، فإذ ملاك الرب واقف بها يطلب منها قائلًا: (لأن الرب يقول لك أعطني أحد أولادك ليكون لي خادمًا جميع أيام حياته)، فأجابت الأم النقية (هاهم أولادي السبعة أمامك اختر من تشاء) فمد الملاك يده وأمسك برأس بيشوي، وكان نحيل القوام ضعيف البنية، وقال الملاك: (هذا فاعل جيد لسيده)، أجابت الأم “ياسيد هذا أضعفهم صحة. اختر من يقوى على حسن تأدية الرسالة الإلهية”. أجاب الملاك “إن قوة الرب في الضعف تكمل”.
[هكذا كان الاختيار الإلهي منذ الطفولة المبكرة لهذا الكوكب النوراني، ذلك لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو8: 29)].
انطلاق للبرية:
كان بيشوي ينمو في النعمة، وفي الميعاد الذي حدده الرب انطلق إلى برية شيهيت وكان عمره عشرين عامًا. وهناك استراحت نفسه في البرية المقدسة لأن ” العُصْفورُ وجَدَ لهُ بَيْتًا واليَمامَةُ عُشًّا لِتضَعَ فيهِ أفْراخَها” (مز84: 3).
وقد تتلمذ بيشوي في اسقيط مقاريوس لمعلمه بامويه الذي صار أبًا روحانيًا ومعلمًا ومرشدًا. وقد أقام بيشوي ثلاث سنين في بداية رهبنته معتكفًا في قلايته لا يرى وجه إنسان. وفي هذه الخلوة المبكرة تلقن بيشوي من الرب التدبير الروحاني وامتلأ وجهه اشراقًا وبهاءًا وتهيأ للأبوة الروحية التي كان يعده لها الرب بتدابيره المقدسة ومقاصده العجيبة.
التوحد في المغارة:
وبعد نياحة القديس العظيم أنبا بامويه زامل القديس بيشوي القديس يحنس الصغير، وكان كلاهما تلميذين لنفس المعلم، وأقاما زمانًا بمحبة روحانية حقيقية في موضع واحد في المكان الذي غرس فيه القديس يحنس الشجرة المعروفة باسم شجرة الطاعة…
وكان بيشوي محبًا للوحدة ولاحظ عليه ذلك صديقه يحنس فقال له “يا أخي إني أراك محبًا للوحدة ميالا للالتصاق بالله كل حين، وإني أرغب في ذلك أيضًا” فاتفقا سويًا على أن يقضيا ليلة في السهر والصلاة طول الليل ليرشدهما الرب. ولما فرغ الليل ظهر لهما ملاك الرب قائلًا “ليكن كل واحد منكما وحده لكمال التدبير الذي حدده الله لكما… وليبق يحنس في هذا الموضع”… وبعد هذا الإعلان السماوي أطاع بيشوي الأمر الإلهي وخرج من موضعه وصنع له مغارة بقرب الصخرة من الجهة القبلية بعيدًا عن صديقه بميلين وسكن في هذا الموضع وهو مكان ديره الحالي العامر.
وقد استعان بطريقة للتغلب على النعاس إذ صنع ثقبًا في أعلى الصخرة جعل فيه وتدًا ثم علق به حبلا ربط فيه شعر رأسه، وكان كلما مالت طبيعته إلى النوم وثقلت رأسه يشدها الحبل فيستيقظ…
نسكيات القديس:
كان بيشوي دائب السهر على حياته الروحية، وكان تدبيره الروحاني غاية في النشاط والصلاة الدائمة وكان يصوم من السبت إلى السبت لا يأكل سوى الخبز والملح، كما حفظ كثيرًا من الأسفار المقدسة عن ظهر قلب…
وكان محبا لسفر إرميا النبي حتى لقب بيشوي الأرمي وتؤكد المخطوطات أن قديسنا كلما كان يقرأ هذا السفر كان إرميا النبي يظهر له يفسر له الآيات ويعزيه بالتأملات.
كان بيشوي ملازمًا للعمل اليدوي محترمًا مبدأ من لا يعمل لا يأكل وكانت الصلاة هي الواسطة الرئيسية التي جعلته يشرق بنور عجيب…
وقد ظل القديس مثابرًا على الصلاة والنسك الشديد حتى أن الرب يسوع ظهر له مرة فسقط على وجهه فأقامه الرب وقال له “يا مختاري بيشوي، السلام لك، قد نظرت تعبك وجهادك وها أنا أكون معك”.
وقد جاء في المخطوطة رقم 318 ميامر دير السريان أن بيشوي ظل صائمًا مدة طويلة، وفي اليوم الواحد والعشرين ظهر له الرب يعزيه قائلًا له “تعبت جدًا يا مختاري بشاي” فقال له أنبا بيشوي “أنت الذي تعبت معي يا رب أما أنا فلم أتعب البتة”.
وتحكي المخطوطة المنسوبة إلى القديس يحنس القصير أن الشيطان أراد أن يناصب بيشوي العداء ويسقطه في فخ محبة المال فأوعز إلى أحد الأغنياء أن يذهب إليه ليعطيه أموالًا كثيرة، فجاء إلى البرية ومعه جمال محملة بالهدايا ولما أراد أن يمنح هذه كلها للأنبا بيشوي أجابه بيشوي “ليس لسكان البرية حاجة إلى الذهب وليس لهم أن ينالوا شيئًا منه… أمض إلى قرى مصر ووزعه على الفقراء والله يبارك عليك”.
وكان بيشوي يعلم أولاده قائلًا “يا أولادي اعملوا شغل أيديكم لتعيشوا وتجدوا ما تتصدقون به” إني استلمت من معلمي أنه منذ دخوله البرية لم ينقض عليه يوم واحد بدون عمل ولم يأكل خبزًا من إنسان. هكذا يجب أن يكون الراهب مجدًا غير كسول حتى يصير مقبولًا أمام الله.
ظهورات السيد المسيح للأنبا بيشوي.
يعتبر القديس أنبا بيشوي من أكثر القديسين معاينة للرب يسوع فقد احتفظ لنا التاريخ بظهورات كثيرة للسيد، ولعل السر في ذلك هو نقاوة قلب بيشوي وطيبته ووداعته ومحبته للجميع. إن بيشوي نموذج للقبطي الطيب البسيط الوديع…
ظهر الرب مرة لبيشوي وقال له “أتنظر هذا الجبل، إني سأرسل لك رهبانًا يملأونه ويعبدونني فيه” فقال له القديس “أتعولهم يا رب في هذه البرية” فقال له الرب “إن أحبوا بعضهم بعضًا وحفظوا وصاياي فإني أرزقهم وأعولهم في كل شيء” فقال له القديس “هل تنجيهم من كل الشدائد المذكورة في الإنجيل، قال له الرب “الذي يخافني ويحفظ وصاياي أخلصه وأنجي من يطيعني من كل تجاربه” ثم باركه وارتفع إلى المجد…
القديس يغسل قدمي مخلصنا الصالح:
ذات مرة بينما كان الأنبا بيشوي جالسًا في مغارته إذ بالرب قادم إليه تحف به ملائكته وقال له “يا مختاري بيشوي ياذا الشيخوخة الكريمة” فأخذ القديس قوة وسجد له ثم أخذ ماء وغسل قدميه وعزاه الرب وباركه ثم اختفى عنه. وقد شرب نصف الماء لينال بركة ولمحبته لتلميذه أبقى بقية من هذا الماء المبارك ليشرب منه تلميذه فينال بركة، ولما جاء التلميذ قال له القديس يا ابني أمض وأشرب من الماء الموجود بالإناء داخل المغارة ولكنه رفض ثم ألح القديس وأخيرًا عندما ذهب التلميذ لم يجد ماء في الإناء فلما عرفه الأنبا بيشوي أن هذا لا يبقى على الأرض حتى الآن وافهمه قصته ندم التلميذ ندمًا شديدًا (راجع ايفلين وايت ج 2 ص 113).
الأنبا بيشوي يحمل مخلصنا الصالح:
سمع الآباء في البرية عن ظهور السيد المسيح لصفيه أنبا بيشوي، فتاقت نفوسهم لهذا الظهور المقدس، فاعلنوا لمرشدهم، فطلب أنبا بيشوي من الرب أن يظهر للأخوة في الرب ليعزيهم، فوعده الرب أنه سيظهر على الجبل في ميعاد حدده ففرح الأخوة بذلك جدًا، وقبل الميعاد المحدد تسابق الرهبان إلى الجبل وبينما كان الأنبا بيشوي يسير في المؤخرة لشيخوخته أبصر شيخًا قد وهن عظمه فاقترب منه ورقت أحشاءه وعرض عليه أن يحمله وأخذ يقطع به مسافات كبيرة دون أن يشعر بالتعب ثم عاد يثقل عليه شيئًا فشيئًا حتى إنه لم يستطع السير فعرف بالروح أن هذا الشيخ هو الرب يسوع العتيق الأيام… وتقول المخطوطة أن الرب ابتسم لبيشوي وقال له لأنك حملتني يا حبيبي بيشوي فإن جسدك لا يرى فسادًا أما القديس فواصل سيره تغمرة فرحة عميقة إلى أن وصل إلى الجبل وأخبر الأخوة بذلك فحزنوا لأنه فاتتهم فرصة عظيمة كانت أمامهم…
زيارة مار آفرام السرياني:
كان مار آفرام السرياني يسكن في كهف في جبل سوريا عابدًا ليلًا ونهارًا بنشاط وغيرة عظمة، وذات مرة وقف يصلي في الليل قائلًا “ترى هل أجد رحمة عند الله مثل بعض القديسين” فأتاه صوت من السماء قائلًا “هناك شيخ في مصر بجبل النطرون يعبد الله دائمًا ويدعى بيشوي ستجد دالة عند الله مثله، فنهض السائح بفرح وركب السفينة وأتي إلى الإسكندرية حيث استفسر عن مكان القديس وقرع باب مغارته وجلسا يتحدثان، وكان الشيخ السائح السرياني يتكلم باللغة السريانية بينما أنبا بيشوي يتكلم القبطية فقط فتنهد بيشوي ونظر نحو السماء وقال “أسألك يا سيدي أن تفهمنى ما يتكلم به هذا السائح” ففتح الله ذهنهما وفهم كل واحد ما ينطق به الآخر. وكانا يتحدثان بعظائم الله ولما رأى أنبا بيشوي قداسة هذا السائح أبقاه أسبوعًا ودعا الرهبان لكي يتعلموا منه فضائلة ويتباركوا به، وبعد أن خرج أفرام دخل أخ إلى مغارة الأنبا بيشوي وإشتاق أن يرى أفرام وحاول أن يجري وراءه ولكن بيشوي قال له إنك لن تلحقه لأن سحابة حملته فلما سمع الأخوة هذا تعجبوا ومجدوا الرب يسوع في قديسيه.
زيارة الإمبراطور قسطنطين للأنبا بيشوي:
مضى القديس الأنبا يحنس القصير يومًا إلى أبينا الأنبا بيشوي ولما بلغ باب مغارته سمع إنسانًا يتحدث مع القديس ويبكي ولما قرع الباب فتح له القديس بيشوي وصليا وجلسا، ولما لم يجد الأنبا يحنس أحدًا مع أبينا بيشري سأله من كان معك إذن الآن يا أبي؟ فأجابه القديس هل سمعته؟ إنه قسطنطين الملك- قد حضر عندي وقال لي يا ليتني كنت راهبًا وتركت عنى ملكي، فإنني لم أكن أتصور هذه الكرامة وهذا المجد العظيم المعد للرهبان.
أسلوب معاملة بيشوي لرهبانه:
كان بيشوي رجلًا وديعًا متضعًا، لم يكن يستعمل القسوة مع أولاده بل كان يؤدبهم بالوداعة والرقة وطول البال. ما سمع عنه يومًا أنه كان يزجر بعنف راهبًا ولا يقسو على أحد بل كان مثالًا في القيادة المسيحية المتسمة بالحب والحنو والتفاؤل والرجاء. حدث ذات مرة أن شكا إليه بعض الإخوة من قس في البرية كان يتكلم بأقوال ليس فيها ربح للنفس؛ فقال الرهبان للقديس انظر يا أبانا كيف يثير فينا السجس. وبالفعل تكلم هذا الراهب كلامًا مهزارًا في إحدى الجلسات أمام الأنبا بيشوي نفسه أما القديس فلم ينتهره. فتضايق الرهبان فقال لهم “ماذا تريدون أن أصنع وهوذا الشيطان يريد هلاكه، وإذا أردتم طرده يسألني الرب عنه” وذهب الأنبا بيشوي إلى هذا الراهب الضعيف وكلمه بوداعة ونصحه برفق ولين حتى تاب وصار قديسًا.
ومما يدهشني أن روح الأنبا بيشوي تسود الدير الحالي حتى أن نفس الأسلوب الذي اتبعه القديس لا يزال يتبع حتى الآن في ديره العامر. مبارك اسمك يا رب ومبارك أيضًا في قديسيك!
رحيل الأنبا بيشوي من شيهيت:
حدث الهجوم الأول لقبائل البربر على برية شيهيت حوالي سنة 407 وهرب كثير من الآباء الرهبان وطلب الأنبا بيشوي من الأنبا يحنس القصير أن يهرب فقال له يحنس وهل تخاف الموت يا رجل الله؟ قال له لا ولكني أخاف لئلا يقتلني واحد من البربر فيذهب إلى جهنم بسببي!
فمضي يحنس إلى جبل القلزم عند دير الأنبا أنطونيوس حيث تنيح هناك ومضى الثاني إلى جبل أنصنا (قرية الشيخ عبادة بملوي حاليًا).
وكما دبر الرب ليكون القديس الأنبا بيشوي صديقًا روحيًا للقديس يحنس القصير في برية شيهيت هكذا بعد انطلاقه إلى جبل أنصنا (أنتينويه) توثقت عرى الصداقة الروحية بينه وبين القديس بولا الطموهي حتى أنهما طلبا إلى الرب يسوع إلا يفترقا حتى بعد نياحتهما وكان لهما ما أرادا. وذاعت شهرتهما بجبل أنصنا حتى أن القديس أنبا أثناسيوس الانصناوي كان معتادًا زيارتهما وقد أخبراه بأنه سيكون له شأن في الرهبنة ويقام دير على اسمه (وتحقق هذا في ديره الشهير ويبعد عن أسيوط ثلاث ساعات جنوبًا).
نياحة الأنبا بيشوي ونقل جسده لديره:
وقد ظل القديس الأنبا بيشوي في غربته إلى أن تنيح بشيخوخة مباركة بعد أن ضعف جسده من كثرة النسك وذلك في يوم 8 أبيب 15 يوليو سنة 417 ودفن في حصن منية السقار ليس بعيدًا عن أنصنا. ثم تنيح بعده القديس بولا الطموهي وقد تولى الأنبا أثناسيوس جمع جسديهما وقد حدثت أعجوبة إذ أن المركب حيثما وافت على مكان دفن جسد أنبا بولا لم يمكن تحريكها حتى أحضروا جسده وهكذا دفن الاثنان معًا في دير الأنبا بيشوي بأنصنا. (أيفلين وايت ص 2 ص 159).
وفي زمن بطريركية الأنبا يوساب الأول (830- 849) أعيد جسد القديس الأنبا بيشوي من أنصنا إلى ديره ببرية شيهيت.
وحسب تحقيق العلماء يكون القديس الأنبا بيشوي قد ولد سنة 320 وانطلق إلى البرية سنة 340 وبعد غارة البربر الأولى سنة 407 ذهب إلى جبل أنصنا وتنيح حوالي سنة 417 وعمره 97 عامًا (أيفلين وايت ج 2 ص160).
ولا يزال جسدا القديسين الأنبا بيشوي والأنبا بولا الطموهي موجودين ببرية شيهيت يصنعان أشفية وعجائب شهادة لمجد المسيح وامتدادًا لملكوته.
بعض أقوال الأنبا بيشوي الحكيمة:
† أن أعظم الفضائل التي يصنعها الراهب هي أن يؤخر كلامه ويقدم كلام أخيه عليه… إن السنين التي قضيتها في البرية قبل أن يعلم بي أحد من الناس هي التي سأنال الأجر عليها من الله. ومن وقت أن علم بي الناس وعرفوني لا أتكلم على شيء منها.
† كان يقول لتلاميذه: لا تكونوا محبين للشراهة في الأكل والشرب لأن الشراهة هي التي أخرجت أبانا آدم من الفردوس ولتكن تصرفاتكم وأعمالكم كلها لمجد الله.
ألقاب الأنبا بيشوي:
1- القديس العظيم. 2- المشرق. 3- الرجل الكامل.
4- الكوكب اللامع. 5- حبيب مخلصنا الصالح.
6- الذي غسل قدمي مخلصنا الصالح.





