إنسان للكل

إنسان للكل[1]
الأب الكاهن مسئول عن الحياة الروحية للشعب كله.
إنه مسئول أن يوصل كل إنسان إلى الله، ويبقيه هناك، ويطمئن عليه من كل ناحية وفي كل حين.
وحينما نقول إنه مسئول عن كل إنسان في نطاق رعويته، إنما نقصد حتى أعداءه ومقاوميه، وحتى الذين يرفضون التعامل مع الكنيسة…
هو مسئول عن المشاكسين والمتعبين، ومسئول عن الذين يحترفون الإجرام والذين يدخلون السجون، والذين يرتادون الملاهي ويهزأون بالدين.
إنه إنسان يتعامل مع كافة الطبائع، في كل تناقضاتها.
والمفروض فيه أن يحسن التعامل مع الكل…
إنه يتعامل مع الهادئ ومع العصبي، مع المدقق ومع المستهتر، مع العاقل ومع الأرعن. مع الذكي ومع الغبي، مع الفقير ومع الغني… مع الكل… مع الضحوك البشوش، ومع الباكي الحزين، ومع المنطوي والمتزمت، ومع المنبسط والاجتماعي.
يتعامل مع العميق في علمه، ومع الجاهل والأمي، ومع السطحي في معلوماته، ومع المدعي العلم… والمفروض فيه أن يشبع كل هؤلاء…
على قدر إمكانه يحاول أن يرضي الكل، ويقود الكل، ويكون كل شيء لكل أحد: يكون بسمة للحزين، وحزمًا للمستهترين، ويقظة للغافل، وتوبة للخاطئ، وشبعًا روحيًا للمتعظ.. وأملًا لليائس..
يكون كمن يتكلم بكل لسان وكل لغة، وكل طبع، ويعرف كيف يتفاهم مع كل أحد… لهذا كان عمل الكهنوت عملًا صعبًا، وليس كل إنسان يصلح له.
ما أصعب التعامل مع الأنفس المتباينة. وما أصعب التفاهم مع العقليات المتناقضة المتنوعة، وهنا يبدو عمل رجل الدين.
هنا القلب الكبير الذي يتسع للكل، وهنا الخبرة والحكمة.
والمفروض في رجل الدين أن يكون خبيرًا بالعقليات، وخبيرًا بالنفس البشرية. وكلما تقادم عليه الزمن في إيبارشية معينة، كلما فهم طبائع الناس الذين فيها، وتعود التعامل مع نفسياتهم وعقلياتهم، وعرف كيف يتعامل مع كل أحد بما يناسبه: هذا بالشدة أحيانًا، وهذا باللين، وهذا بالصمت. هذا بالمرح، وهذا بالجدية.
لا بد للكاهن من أن يكسب محبة الناس، لكي يستطيع أن يقودهم إلى محبة الله.
وإن لم يكسب محبتهم، لا يستطيع أن ينفعهم روحيًا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “صفحة الآباء الكهنة – إنسان… للكل”، نُشر بمجلة الكرازة 3 يوليو 1981م




